التوحيد والفكر الديمقراطي

نيرون
0 35

دخلنا اليوم في عالم الموضة السياسية، وولِجنا الفكر الديمقراطي، نحن شعوبَ السمع والطاعة. فالسياسات القمعية التي مورست ضدّنا كشعب على مرّ العصور، حشرتنا في حالة انسلاخية، انفصلنا فيها عن إرادتنا ومشيئتنا، بل عن ذواتنا، وتعلمنا أن نقول ونفعل ما يريده منّا أهل الحكم، لا ما نريده نحن. الأمر الذي أورثنا إرادة هلامية ومشيئة زئبقية، نكيّفهما حسب المطلوب، بعيدا عن قناعاتنا الفردية. ولقد حصرنا قدوتنا في شخص «بطرس» الرسول، لحظة إنكاره لمسيحه، وفي العالم الفلكي المشهور «غاليلو»، عندما تراجع عن الحقيقة خوفا من الإعدام، ورمى في سلّة المهملات قوله بكروية الأرض ودورانها، وفي الفرنسي «فولتير»، عندما استجاب لأموال الطغيان، وانشغل عن مبادئه.

نحن شعوب السمع والطاعة، الذين استسلمنا لمرض التعوُّد المزمن وتجمُّد الضمير، فاستسغنا ما لا يستسيغه حرٌّ عاقل، تماما كحال «نيرون»، الذي قال عندما اضطر في بداية حكمه لتوقيع حكم الإعدام بحقّ أحد المجرمين: «ليتني ما عرفت الكتابة»، لكنّه بعد أن أودع ضميره في ثلاّجة السلطة، أزهق روح أمِّه، وأحرق «روما».

ومع أنّنا التزمنا بكلّ هذه الملوِّثات، لم نأخذ بوصيَّة «إمرسن» في قوله: «تذكَّر غيرك.. فإنَّ العواطف معدية»، لأنَّ عدوى التعلُّم من الغير لم تصلنا حقيقة، بل وصلتنا على شكل موضة تقليد الغير، فدخلنا عصر الديمقراطية لا بدافع ذاتي، بل بفعل السيولة، متأرجحين على ظهر تيارات عالمية، جرفتنا دون إرادتنا.

يجب علينا الاعتراف بأنَّ ثمّ فارقا كبيرا، بين العقل العربيّ والعقل البريطانيّ مثلا، فالأوّل، قد أدمن الاضطهاد والظلم، وما زال محتفظا في ذهنه بشبح السيّاف «مسعود»، بينما الثاني قد بنى قبل حوالي تسعة قرون، ما يسمى العهد العظيم، الذي كان يقطعه الملك على نفسه عند تولّيه الملك، بقوله: «إذا لم نقم بتصحيح ما عساه يقع من مخالفة (أيَّة مخالفة على الإطلاق).. فمن حقِّ جميع الناس بالمملكة أن يحجزوا، ويضيِّقوا علينا بكلِّ الوسائل الممكنة. وذلك بمصادرة جميع قصورنا وأرضنا وسائر ممتلكاتنا، حتَّى يتمُّ تصحيح ما وقع من مخالفة»! نعم؛ ذلك ما كان يقسم به الملك البريطاني، قبل أن يحمل تاج المملكة فوق رأسه، وصولجان الحكم بين يديه.
وقبل الدخول في تفاصيل الديمقراطية، يجب التأكيد على أنّ الديمقراطية إلى جانب كونها فكرا نظريّا، فهي سلوك عمليٌّ، وتربية مدرسية. ويبدو من غير المعقول أن يتعلَّم الإنسان الديمقراطية من الكتب النظرية وحدها، بل هو بحاجة إلى تربية ذات طابع ديمقراطي خاصّ، تؤهِّله لممارسة احترام الغير والتعاون معه. فالشخص اللّبنانيّ مثلا يسبقنا كسوريين في الحقل الديمقراطي، لأنَّه سبقنا حوالي نصف قرن من الزمان في ممارسة الديمقراطية عمليا، وهذا ما لمسته شخصيا أثناء جولاتي في المهجر، حيث يقف الموحِّدون السوريون متخوِّفين من التعاون، وبعيدين عن المشاركة في التجمُّعات والجمعيَّات، التي هي حكر تقريبا على إخواننا اللّبنانيين.

صحيح أنَّ الناس ينقسمون تحت مظلَّة الحكم غير الديمقراطي في شيطانين اثنين؛ شيطانٍ أخرس، خائفٍ من قول كلمة الحقّ، وشيطانٍ ناطقٍ يزخرف الباطل ويدافع عن غرور الطاغية، ومن غير الممكن أن يحمل هذان الشيطانان لواء التعاون والديمقراطية، إلّا بعد تأهيل طويل، يخضعهما إلى برنامج تربويّ جديد.

تعود الديمقراطية في أصل تسميتها إلى اليونانية، وهي مؤلفة من مقطعين اثنين؛ الأول، «ديموس»، ومعناه «الشعب»، والثاني، «كراتوس»، ومعناه السيادة؛ أي بما يعني «سيادة الشعب». والديمقراطية منذ نشأتها مثلَّثة الرؤوس؛ سياسية، واجتماعية، واقتصادية، ولسوف نقتصر البحث هنا على ذكر الاجتماعية منها، لأنّ السياسية والاقتصادية يتم بحثهما من خلال بنية كيان سياسي معيّن، والتوحيد لم يكن كذلك في يوم من الأيام، إنّما هو ينظّم المجتمع بإرساء القواعد الأخلاقية اللازمة. ومع أنّنا سوف نرى طبيعة اقتصادية لبعض هذه القواعد، مثل إلغاء نظام الرقّ، لكنَّ التوحيد عالجها من حيث طبيعتها اللاأخلاقية الظالمة، والتي تقف سدّا منيعا في طريق تطبيق المبدأ التوحيديّ الأساس؛ «مبدأ التخيير».

والديمقراطية تستند في طبيعتها إلى حكم العقل والمنطق، باعتبارها أفضل أسلوب من أساليب أنظمة الحكم، أخذت بالحسبان التجربة الإنسانية التاريخية، وهدفت في غايتها إلى تحقيق العدالة بشكل عام. وليس العقل والعدل، اللّذان استندت الديمقراطية إليهما، سوى ركنين اثنين رئيسين، يقوم عليهما الفكر التوحيدي عامّة. فالتوحيد باختصار هو مذهب العقل والعدل، وهو يعتمد اعتمادا كليّا على هذين الركنين. يمكن تأكيد إيمان التوحيد بالعقلانية والعدالة من خلال حديث العقل، الذي  جاء على لسان الرسول (ص) بقوله: «عندما خلق الله العقل، قال له: أقبل فأقبل. ثمّ قال له: أدبر فأدبر. ثمّ دعاه وقال له: إذهب، فأنت لعبادي سلطان، وعليهم شهيد. إيّاك أسأل، وإيّاك أعطي، وبك أحاسب».

وإنّني إذ أتحدّث هنا عن الجانب التوحيديّ الديمقراطي، فإنّي أتحدّث من واقع ما ورد عن الديمقراطية المطلوبة داخل المجتمع التوحيدي، باعتباره مجتمع القيم العقلانية والحقائق البرهانية، الذي يُتوقّع أن يسود في نهاية المطاف، بسيادة العقل جميع سكّان المعمورة.

كما أنّني عندما أتحدّث عن العقل في الفكر التوحيدي، أقصد العقل الكليَّ الروحانيَّ، غير المكوَّن من مادّة، لأنّ ما هو من مادّة فإلى فساد. ذلك العقل بمعناه التجريدي، الذي يمتدُّ في النفوس البشريّة، على شكل عقل روحانيّ جزئيّ. وعليه فالتوحيد من خلال كتبه وتراثه، يقوم على قاعدتي العقل والعدل.

نظر التوحيد إلى العدل والعقل كمفهومين مترادفين، باعتبار العدل، نتيجة طبيعية للعقل. وكلٌّ منهما مؤيِّد للآخر، فمرَّة الأوَّل يقطع، والثاني يوجب، ومرّة أخرى العدل والعقل كلاهما يوجبان، ومرّة ثالثة يتّحد كلٌّ من العقل والعدل في فروض التوحيد، وهي آداب الدين، التي تتقدّم مكانتها على الدين، في أساس الفكر التوحيدي.

وإقامة العدل هي بحدّ ذاتها غاية من غايات كشف التوحيد، وهدفا من نشره بين الناس. ومن ذلك وصف الموحّدين بأنّهم أهل العدل، لأنّ العدل صفة أهل العقل بالضرورة، وبأنّهم أهل الألفة والاتّفاق.

كذلك ومن هذا المنطلق أيضا ارتبط قيام الحقّ والعدل، وهما تعبيران مترادفان، بقيام العقل؛ إذ كلّ ما هو خارج عن نظام العقل، فهو خارج بالضرورة عن العدل.
وأخيرا فإنّ العقل هو المؤهَّل الوحيد لإقامة العدل، وحمل سيفه المعنوي.

وجدير بالذّكر أنّ الفكر التوحيدي، كرّس في تعاليمه عددا من القواعد الديمقراطية الأساسية، أوجزها على الشكل التالي:

أ- إحلال السلام الاجتماعي، وعدم حضّ الموحّدين عمليّا على القتال، فإنّه على الرغم من المحن التي مرّ بها الموحِّدون، كما لم تمرّ طائفة في مثلها على مدى التاريخ، فإنّما المطلوب من الموحّدين الصبر على المحن، باعتبارها امتحانا لأنفسهم، ومحكّا للتفاضل بينهم. ومن خلال هذه القاعدة أرسى التوحيد قاعدة مهمّة، هي قاعدة التسامح مع الغير، وذلك انطلاقا من سببين اثنين: الأوّل، احترام رأي الآخرين، الذين لم يقبلوا الدخول في التوحيد، والثاني، انكفاء الدعوة التوحيدية إلى السّتر، فأصبحت دعوة مغلقة غير تبشيرية، لا تزاحم الدعوات الأخرى في تعبئة التابعين والمريدين.

ب- اعتماد التوحيد على مبدأ التخيير، باعتباره قاعدة من قواعد عدالة الحساب، أي أنّ الحجّة لا تقوم بالعدل على البرية جمعاء، إلّا بعد تطبيق مبدأ التخيير.
ولقد انبثق عن التزام التوحيد بمبدأ التخيير، مناداته بحرية الأديان، وربّما كان أوّل المنادين بهذه الحرّية، وأوّل من قاوم إجبار الناس على ولوج دين الأكثرية الأقوى، فآمن بأنّ الفكر الديني يجب أن يُعرض على الناس أوّلا، ولهم بعد ذلك اعتناقه أو رفضه مختارين، اعتمادا على القاعدة التوحيدية التالية: ليس في الدين إكراه ولا إجبار، إنّما هو عرض على الأمم واختيار.

ت- ساوى التوحيد بين جميع أتباعه، وجعل أفضلهم من ساوى نفسه بالآخرين.

ث- ساوى التوحيد بين المرأة والرجل، باعتبار النفس البشرية جوهرا، لا يجوز فيه التذكير والتأنيث، وكذلك ساوى التوحيد بين الرجل والمرأة في الحقوق الزوجية.

ج- لم يعترف التوحيد بنظام الرقّ والعبوديّة، وأمر بإلغائه، لأنّه مجاف لمبدأ التخيير والعدل.

ح- أنكر التوحيد نظام الخلافة الفاطمية الذرّي الوراثي، ومن بعده كلّ نظام وراثي، وهذا ما كرّسه الشعار التوحيدي المطروح في أوائل خطوات الدعوة نحو الكشف، وهو: يحكمنا أعلمنا. فالحكم قد نحا نحوا جديدا بالمفهوم التوحيدي، حيث أصبحت الأولوية في الحكم للشخص الأقرب من العلم والمعرفة، بعد أن كان للشخص الأقرب نسبا للإمام.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader