سير الصالحين الشيخ أبوحسين محمد الحنّاوي. العارف بالله والعالم المتمكن المحيط بعصره انصرف إلى العبادة والذكر وهو في سن الصغر فبنى له والده خلوة صغيرة تضم اليوم ضريحه كان المرجع المهاب يلجأ إليه طالبو العلم وكان الحكم الفصل في كل خلاف أو نزاع أحب الشعر الصوفي والروحي وكتب المقالات وكان على تواصل مع الامير أمين آل ناصرالدين هو شيخ من أعيان أهل الدين والتّقى، وقد كان فريد عصره من حيث بساطة حياته في ملبسه، ومأكله ومشربه، وعلمه الواسع، وفكره النيّر، وكفّه السّخي، وحكمته البالغة، ووعظه الآسر للقلوب. كان داعية للحق، تقياً زاهداً جامعاً بين لطف المعاشرة والهيبة بين الدين وأدب الدين، رقيقاً في الكلام لكن حازماً في المضمون خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأمور الدين وقيم الموحدين. ذاع صيته في ديار الموحدين وكسب محبين بالألوف يتناقلون سيرته ومواقفه. الضحى تعرض في ما يلي فصولاً من السيرة العطرة للشيخ أبو حسين محمد الحنّاوي الذي توفي سنة 2010 عن عمر ناهز المئة وأربع سنوات. كتب سماحة شيخ العقل، أبو وائل حمّود الحنّاوي أنّه في عام 1907 شهدت قرية سهوة البلاطة إشراقة مولود أطلّ على الحياة، وأن علائم أهل الفضل والنبوغ، والتفوّق وسمات الإيمان ظهرت عليه منذ السنوات المبكّرة من حياته… والده المرحوم الشيخ أبو محمّد قاسم الحنّاوي، ووالدته السيّدة التقيّة غضيّة كنعان من قرية الرّحى المجاورة للسّهوة، وقد امتحن الله الشيخ باليتم في سن مبكرة إذ توفي والداه وهو لم يزل بعد حدثاً يافعاً، لكنّ رعاية شقيقته الجليلة، الستّ أم علي ورد خفّفت عليه أعباء الحياة وهمومها، فقد كان مسلك الأخت متوافقاً مع منهج الصبي الشيخ من حيث الورع والزهد، والجود والتقى والمسلك الحميد…، وكان رحمه الله يقدّرها ويحترمها، ويعترف بفضلها، ويميّزها في صفاتها وطهارتها. وعند وفاتها رحمها الله تألّم لفقدها مع رضاه بقدر بارئه، إذ شعر بالفراغ الذي كانت تملؤه في حياته بأنس الأخت البتول. يذكر مشايخ السهوة الحافظون لسيرة الشيخ أنه سلك مسلك الزهد مذ أن كان صبياً وتكمّل في زيّه واجتذبته العبادة والخلوة، وهو ما لفت نظر والده الشيخ قاسم الحنّاوي قبل وفاته المبكّرة، وقد أحس بأن الصبي يختلف عن أبناء جيله وأنه سيتكرّس للعبادة ومسلك التوحيد بأكمل وجوهه من زهد وعفة ودوام ذكر وأدب جم، وقد ألهمه الله توفير المناخ الملائم للصبي الذي كان يشعر باحترام شديد لتكرسه للدين وزهده في الدنيا الفانية. لذلك بادر الأب العطوف ببناء خلوة متواضعة أشادها من الحجر والطين، ولاتتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربّعة للقراءة والتعبّد، وقد بنيت تلك الخلوة وسط غابة من أشجار السنديان، فوق قمّة مشرفة من جهاتها الأربع تطلّ على السّهوة التي طالما أحبّها. هذه الخلوة الصغيرة في حجمها، غدت منارة ومزاراً يرتاده الزائرون ويتبرّك به أهل الاستجابة القاصدون، وبعد وفاته عام 2010 أقيم إلى جانب الخلوة مجمّع ديني كبير لم يزل قيد الإنشاء، وهو الآن على وشك تمامه بمساهمات من متبرّعين محسنين يبتغون وجه الله. نشاط دؤوب، ودعوة مخلصة لم يتوقف نشاط الشيخ أبو حسين محمّد عند حدود قريته السهوة، ولا عند حدود جبل العرب، فقد كان واعظاً وداعية ومعلّماً لأبناء التوحيد أينما وجدوا، في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والمغتربات، ويشير الشيخ حمّود الحنّاوي إلى أنّه كان أينما حلّ يدير حلقات الذّكْر، فيذوب الليل في قيامه، ويملأ النهار في تعبّده، إذ لا فراغ لديه، ولا وقت مستقطعاً ينفقه إلاّ بالتواصل مع الله، ولا عمل يشغله إلاّ بالذكر مع أهل الثقة والاستجابة، كان يصلح الخطأ بالصواب، ويتّخذ الرأي بالسداد، إن وجد مخالفاً يهديه، أو تائهاً يعينه على تبين طريق إلى الرشد وقد تاب على يديه كثيرون وأخذوا بعد ذلك طريق الحق والفضيلة، وهو ما يدل على عظيم هيبته وتأثيره في نفوس معاصريه. عرف عنه أنه كان رغم استغراقه في العبادة بشوشاً ودوداً ناصحاً بلطف وكان يهتم بالجميع صغاراً وكباراً رجالاً ونساءً وكان يحترم المرأة العفيفة الطاهرة، فيقدّر منهنّ الصالحات، وقد أسّس المدارس الدينيّة، والمجالس الروحانية، وأقام حلقات الذكر وتابعها، فاستجاب على يديه الكثيرون. ثقافته احتوى شيخنا علوم عصره، فكان على بساطة حياته مطّلعاً على علوم الدين والشريعة، واعياً لأحداث التاريخ، وهبه الله تعالى الذكاء الحادّ والذاكرة الحافظة، فكان مفكّرة الأيّام، ماضيها وحاضرها ومستقبلها بشهادة مريديه وعارفيه، شغوفاً بالعلم، ختم المعلوم الشريف والقرآن وحفظ الكتاب الكريم في سنّ مبكّرة، ودرس الكتاب المقدّس، وقد تتلمذ على يد المرحوم الشيخ أبو حسين علي أبو حمدان، المعروف بالخطيب، ولمّا بدأ تميّزه، أفردوا له خلوة خاصة به في مقام عين الزمان في السويداء يختلي فيها للتعبّد والمذاكرة مع إخوانه ومريديه، فاستحق ما نعته به الإخوان من مشايخ لبنان وسوريا بأنه من شيوخ التصوّف التوحيدي. لذلك فقد وصفه شيخ العقل، الشيخ حمّود الحناوي بتعبير “شيخ الجزيرة، وسيّد العشيرة” وقال عنه أيضا إنه “كان سِفراً توحيديّاً حافلاً بالمكارم والكرم والكرامات” . كان الشيخ أبو حسين محمّد يحبّ العلم ويشجّع عليه، وقد قرأ الأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية، وكان متمكّناً من اللغة، إذ درس النحو والأدب والشعر، وكان يتوخّى الدقّة في الألفاظ ويلتزم المنطق السليم وكان يحب الشعر الروحي، ويحترم الشعراء الملتزمين ويحفظ لهم، وكان على تواصل مع الأمير أمين آل ناصر الدين صاحب جريدة الصفاء اللبنانية الغرّاء، وممّا هو جدير بالذكر أنّ الشيخ وبسبب صداقته مع الأمير الشاعر كتب لتلك الجريدة في مواضيع شتّى. ويذكر الشيخ حمّود الحناوي أنّ جريدة “الصفاء” نشرت له مقالات مناسبة لمركزه وعلمه وهدفه، كما أنّ المتخصّصين من أهل العلم كالأطبّاء والمهندسين والآداب والفنون، كانوا يعجبون بخطابه من حيث مناسبته لمعارفهم، وضلوعه بتقاسيم العلوم المحدّدة بالمنهج، فغدا العارف بالله، والعالم المتمكّن، المحيط بعصره أيضاً. الشيخ المعلّم عمل شيخنا معلّماً في كثير من المدارس السورية واللبنانية، إذ قام بتدريس العلوم الدينية، وتحفيظ القرآن الكريم، وقد شكّل بمنهجه هذا مدرسة روحانية تتلمذ فيها الكثيرون من المشايخ الأجلاّء والرجال الذين تسلّموا مراكز مهمّة في المجتمع، كذلك ساهم بتخريج أجيال من المشايخ المتعلّمين بما يضمن انتفاع الناس بعلمهم وإرشادهم. الأمير أمين آل ناصر الدين نشر له مقالات في جريدته “ الصفاء” ومن أبرز المدارس التي علّم بها الشيخ في لبنان مدرسة إبل السقي، وفي سوريا مدرسة بقعاتا في الجولان، وفي جبل العرب علّم في بلدات قنوات وسهوة البلاطة، وعرمان والمنيذرة والثعلة. نشاط الشيخ في المجال الاجتماعي بسبب مثابرته على منهج الحكمة، غدا الشيج أبو حسين محمد مرجعاً بارزا من مرجعيات التوحيد، ويشير الشيخ حمّود الحناوي إلى أنّه لعب دوراً كبيراً وبشكل متواصل ومستمر، في مختلف شؤون الحياة الدينية والاجتماعية والوطنية لأهله من بني معروف، ولا بدّ أن مؤهّلاته المعرفيّة التوحيديّة، وعمره المديد الذي نيّف على المئة عام، وانتماءه لأسرة آل الحناوي العريقة، كل ذلك ساعد في تسهيل مهمّاته، وقيامه بأداء دور كبير في مجال الإصلاح الديني والاجتماعي، وفي … تابع قراءة الشيخ ابو حسين محمد الحناوي
انسخ والصق هذا الرابط إلى موقع الووردبريس الخاص بك لتضمينه
انسخ والصق هذا الكود إلى موقعك لتضمينه