السبت, أيار 16, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, أيار 16, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

رسالة سماحة شيخ العقل

رسالة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز
الشيخ نعيم حسن

المسؤوليـــــة وثوابتهــــا فــــي خدمــــــــة الخيــــــــر العـــــــــام

ترتبطُ المسؤوليَّةُ بمعناها الاجتماعيِّ بفكرة وحدة المصلحة العامَّة. ويحملُ هذا الارتباطُ بُعدًا إنسانيًّا وجوديًّا حين نعي خضوعه، توحيديًّا، لثوابت الاستقامة والأخلاق والعدل والصدق ونقاء السَّرائر والضمائر والذمم والقانون وغيرها.

والمسؤوليَّة يجبُ ألا تنفصمُ عن احتسابِ أبعادها العامَّة الكبرى. وأثرها في النواة الأولى للمجتمع الإنساني، أي الأسرة، يتشابك مع الخلايا الناشئة وفقا لمسار تطوُّر البنيات الاجتماعية وصولا إلى المستوى الوطني. وهذا يعني أن الفرد مسؤول عن تصرُّفه الشخصي ومسؤول عن تصرُّفه العام في شؤون أية مسؤوليَّة أمام الجماعة من نواحٍ عدَّة متعلّقة بمفهوم الخير العام. وتصطدم المسؤولية بفكرة العصبيَّات المحليَّة التي تنفعلُ وكأن العالَم يبدأ وينتهي عند حدود البلدة أو الحيّ أو العائلة وكثيراً الأنا الشخصية.

ولا بدَّ لنا من مواجهة صادقة شجاعة وحقيقيَّة مع الإشكاليَّات الكبرى التي تعوِّقُ، في الواقع العمليّ، المسيرة نحو نهضةٍ فعَّالةٍ من شأنها أن تؤتي ثمارها المرتجاة في كافَّة حقول الخير وخدمة المجتمع. إنَّ أحدى هذه الإشكاليَّات المؤذية في نطاقِ مجتمعنا هي نزعة الارتجال والاعتداد بالرأي ولو في غير مُكنةٍ منه عِلمًا وعقلًا. وأكثر ما نعنيه هنا هو الانخراط هنا أو هناك، لهذا او لذاك، في الإدلاء بانطباعٍ عام في مسائل الدِّين ومقارباته الفقهيَّة والتربويَّة والاجتماعية مع حبّ الظهور. نتحدَّث هنا عن حالات كثيرة تداهمنا إمَّا في الاعلام وإمَّا بإبلاغنا عن العديد من التجاوزات السيّئة في الشكل والمضمون في وسائل التواصل الاجتماعي وما شاكل، ومعظمها يدخل في إطار المغالطة والسفسطة وتجاوز الحدّ والمبالغة التي في غير محلِّها، ناهيك عن ركاكة الرأي ووهن القدرة العلميَّة ورداءة الذوق.

إنَّ مثل هذه الأمور، وبأسفٍ بالغ، تحدث. ونحن هنا نوضح بصوتٍ واضح، أنّها لا تمثِّـلنا، ولا تمثِّـل تراثنا الأثيل، لا في حقائق المعرفة فيه، ولا في دقائق لطائف معانيه، ولا خصوصًا في رزانة مسالكه العمليَّة والخُلقيَّة.
نودّ، بهذه الإشارة إلى بعض مظاهر هذا الإفراط المعيب، أن نستحضرَ معنى المسؤوليَّة الفرديَّة، خصوصًا في محلِّها الخُلقيّ والمسلكيّ، وبالتالي الروحيّ، من كينونة الإنسان. لقد جمع التَّوحيد الخلاصة الجوهريَّة للقيَم الإنسانيَّة. وتحدَّد مسارُه في تفاعل المعاني اللطيفة لتلك القيَم في قلب الإنسان وسريرته. نتيجة لذلك، فإنَّه من الضرورة الحتميَّة انعكاس ذلك التفاعُل في الأعمال والأقوال والحركات والسكنات. لان سياق الوجود متولد من الصراع الكبير بين الخير والشر. إنَّ القاعدةَ الأساسيَّة في تقليدنا الرُّوحيّ المسلكي هي الصدق، يعني أن تكون الفاظُ المرء وأقواله متطابقة مع نوايا القلبِ وحركة الخواطر والأفكار منه. على الطريق المستقيم ضمن قواعد الحلال والحرام. فإذا، لا سمح الله، تناقضت الأقوالُ مع النوايا والمسالك الحسنة او العكس، يكونُ الباب مشرّعًا نحو ظواهر الكذب وبواطنه، وتلك آفة كبرى من شأنها أن تميت النفس عن كلِّ نسمة حياة. وما يتبعها من رياء ونفاق وطمع وغيبة ونميمة وغيرها من الآفات التي تهدم مقوّمات المجتمع الإنساني. وليس هذا على الإطلاق نهج الموحِّدين الصادقين الَّذين عرفوا في دواخلهم الانسجام العميق بين غاية العلوم من جهة وما يتحقَّق في ظاهر العيان من عملٍ ومسالك. والفاضلُ من كان للحق حُجَّة بشهادته الصادقة المعبَّر عنها في نزاهته وشهامته، ليس فقط في ذات نفسه، بل أيضًا في سائر معاملاته وتصرفاته مع الآخرين، في محيطه ومجتمعه، وفي ايّة مسؤولية يتحملها في المستوى الوطنيّ العام.

إنَّ العمل بمنهاجية الصدق ومعانيه وهي مدرسة كبرى هو واجبٌ تقتضيهُ الحقيقة والأصُول، بل هو المسارُ الأسلم لبراءة الذمَّة ونقاء الضَّمير. وعلى العاقل أن يحذر أشدّ الحذر من انخداع النفس والتباس المفاهيم في طواياها تحت وطأة الإغراءات الدنيويَّة، والنزعات الأنانية، التي تدفع نحو الانغلاق في زاوية ضيّقة هي خدمة المصلحة الشخصيَّة في غفلةٍ عن فسحة الخير العام. فطوبى لعائلةٍ تربي أولادها على الاخلاق، وطوبى لدولةٍ تنشئ ابناءها على الوطنية، وهنيئاً لمن عرف حدّه ووقف عنده.

هذا العدد

سَنَةُ التّحوّل

يختلفُ هذا العددُ من مجلّة “الضُّحى” في الكثير من الأمور عن الأعداد السّابقة التي أصدرناها من قَبْلُ، اختلافٌ هو في حدّ ذاته ثمرةٌ للتطّور الطّبيعيّ والاستجابة لِما يتبيّن بالتّجربة رغبات القارئ أو الحاجات التي ينبغي للمجلّة أن تلبيها، ولقد كانت ولادة “الضّحى” منذ البدء مغامرة حقيقيّة لأنّها كانت بلا سابقة تنسُج عليها، لكنّنا تمكنّا في سياق التَّجربة، من تحقيق فَهمٍ أفضلَ لحاجاتٍ ومواضيعَ لم يتضمّنها المخطّط الأوَّليُّ، وهذا هو سبب إدخال المجلّة مع الوقت لعدد من الأبواب التي زادت في إنضاج مُحتواها وتنوعها.

أمّا في هذا العدد فإنّنا قمنا أوّلاً بتغطية حَدَثين تاريخيّين تمثّلا في افتتاح كَنيسة وجامع في المختارة العاصمة السّياسيّة للجبل وقلعته منذ قديم الأزمنة، كما قمنا بتناول حدث مهمٍّ في تاريخ البلد هو الانتخابات الرّئاسيّة التي أنتجت بعد 30 شهراً من الفراغ والتّعطيل رئيساً توافقيّاً للبنان.

لقد قرّرنا التّعامل مع حدثيّ المختارة كحدثين وطنيّين و”تاريخيّين” فعلاً لما يحملانه من دلالات ساطعة على استمرار التّميُّز اللّبنانيّ في مجالات العيش المشترَك والاحترام والثّقة بين اللّبنانييّن. كذلك الأمر فإنّنا لم نتردّد في التّرحيب بانتخاب رئيس جديد للبلاد باعتبار ذلك حدثاً وطنيّاً أيضاً قبل أن يكون سياسيّاً، و”الضّحى” عدا ذلك مستمرّة في نهجها المحايد الذي يترك السّياسة للسّاسة ويركّز على كلّ ما يجمع ويجتنب كلَّ ما يفرّق لأنّها ليست ولن تكون مجلّة لفريق من القرّاء دون فريق.

نوَدُّ التوقف هنا عند دلالة الاهتمام المتزايد لـ “الضُّحى” بالملفّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة وشؤون الخِدمات، ومن ذلك تناوُلِنا بصورة مفصّلة في العدد السابق لمشروع سَدّ بسري والإعداد (في الأعداد المقبلة) لمواضيعَ وتحقيقاتٍ تتناول مشروع الصّرف الصّحيّ وتزايد الاستثمار في الطّاقة المُتجدّدة من المشاريع الصّناعية ومن المنازل وكذلك مشاريع الزّراعة العُضوية ومشاريع التّنمية الرّياضيّة والشّبابيّة وغيرها. لكنّنا ننوِّه هنا بصورة خاصّة بالقسم المُخَصَّص للعمل البلديّ في هذا العدد، وهو ما سيكون بإذن الله قسمٌ دائمٌ وسيتمّ توسيعه ومدّ نطاقه ليشمل مختلف البلديّات وقضايا ومشاريع العمل البلديّ. ذلك أننا نعتبر العمل البلديّ أحد أهم أشكال الديمقراطيّة المباشرة والتّنمية المحلّية التي يجب تفعيلها وتطوير ثقافتها. وهذا النّوع من الاهتمام يعكس ميل “الضُّحى” المتزايد لإحداث توازن أفضل بين المضمون الفكريّ والتّوحيديّ للمجلّة وبين مضمونها الاجتماعيّ والتّنمويّ، وهذا التوازن، كما لمسنا من القرّاء، أمرٌ مرغوب فيه لأنّه يوفِّر منبراً فعّالاً لصوتهم ووسيلة إعلام تسلط الضّوء على القضايا الحياتيّة والتّنموية التي تهمّ النّاس.

نشير أخيرا إلى الاهتمام الخاصّ للمجلّة بموضوع توسيع قاعدة القرّاء وتأمين وصولها إلى المشتركين بانتظام، وكذلك تحسين التّوزيع عبر المكتبات، ثم تفعيل مبادرة التّوزيع المباشر على البيوت في قرى الجبل التي توجد فيها قاعدة للمجلّة، وللمجلّة تجربة ناجحة منذ سنوات في قضائيّ حاصبيّا وراشيّا في توزيعها على منازل القرّاء وتجربة مماثلة في بلدة رأس المتن، وقد بدأت إدارة التّسويق والتّوزيع بهمّة الشّيخ زياد أبو غنّام حملة واسعة لتوسيع تجربة التّوزيع المباشر على مختلف أقضية الجبل وفي وقت لاحق في بيروت، ونحن نأمل أن تظهر نتائج تلك الجهود المباركة قبل نهاية هذا العام وفي السّنة المقبلة.

نود في الختام أن نتوجّه بالشكر لسماحة شيخ العقل لدعمه ولنُصحه المستمرّين وللمجلس المذهبيّ للطائفة الذي لن يبخل بأي دعم يعزّز وضع المجلّة وقدرتها على الاستمرار، كما نتوجّه بالتّقدير العميق لأعضاء مجلس الأمناء وهم بالفعل دعامة هذا العمل الجبّار منذ انطلاقته قبل ستّ سنوات، والشّكر موصول لرابطة أصدقاء “الضّحى” التي تشكّلت في أكثر من بلد من أجل توفير الدّعم الماليّ والمعنويّ للمجلّة، ونحن نتوقّع أن تكون بداية العام المقبل موعداً لانطلاقة الموقع الشّبكيّ للمجلّة ونقطة تحوّل نحو تعميم انتشارها وتطوّرها المستمرّ كمؤسّسة حديثة تُدار بفعاليّة واحتراف.

والله وليُّ التّوفيق

تشرين الثاني 2016