الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الأحد, نيسان 26, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الجبــل: غمــدُ “الأمَّــة” وســيفُهـا صفحات في الهوية التاريخيّة الإسلاميَّة للموحِّدين الـدّروز

يستـند البحثُ في الهـويَّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين إلى مصادر قديمة ترقى إلى ما قبل ظهور المذهب عام 408 هـ./1017 م.
وإن كان ثمّة مراسلات جرت في تلك الـفـترة مع «الأمراء السّادة آل تنوخ» في بلاد الشّام، فإنَّ تاريخ «تنوخ» يُحيل إلى زمن مديد سابق لمرحلة ظهور الإسلام نفسه. ومن المُحقّـقات التاريخية عند المؤرّخين أنَّ الإشارة إلى «تنوخ» وردت في خريطة بطليموس نحو عام 150 م. وبالتالي، فإنَّ تضمين لائحة المصادر التاريخيَّة الموثوقة لدراسة الهويّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين كلّ ما يتعلَّق بـ «التنوخيّين» هو أمر تفرضُه المنهجيّة الأكاديمية للبحث التاريخيّ.
ويُشبه كتاب الأمير صالح بن يحيى البحـتري/التنوخي سجلّاً جُمِّع فيه التأريخ والتوثيق والتحقيق والإخبار حتى أواسط القرن الخامس عشر م. وقـد كتب محقّـقـو الكتاب في المقدّمة الفرنسية ما يعبِّر تماماً عن مقدار أهميّـتـه، ليس فـقـط في باب إلقاء الضوء على حقـب في العصر الوسيط لبلاد الشام، بل وخصوصاً لجهة تنوير الأذهان عن حقائق تاريخية لا يمكن إهمالها في مسألة الوقوف أمام الملامح الأساسيَّة التي شكّلت الأسُس الموضُوعيَّة التي أدَّت إلى رسوخ وجود «الإمارة» التي يمكن اعتبارها فيما بعد النواة الصّلبة في تأسيس كيان لبنان الوطن.
وقد برزَ بعد الأمير صالح مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب «صدق الأخبار» لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط، وكان والده من كبار تلاميذ الأمير السيّد (ق). اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ سلـفه بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَـفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع. والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام «الجَزيرَة» كلِّها.
ومن الأصُول التوثـيـقـيَّة القديمة في هذا السّياق، وثيقـة مخطوطة «على قدر عالٍ من الأهمّيّة» على حدّ قول الأمير شكيب أرسلان، تُعرَف ب«السّجلّ الأرسلانيّ». يتضمَّن هذا الإرث «سجلّات ووثائق وحججاً قديمة تؤرِّخ لنسب العائلة. وهذه الوثائق هي شواهد ثقات، إذ بُتَّ في صحّتها ومصداقيّتها من قِبل قضاة مجلس الشّرع، وذلك في معرّة النعمان وبيروت وصيدا ودمشق… تبدأ بالإثبات الأوّل في نسب الأمير منذر بن مسعود بن عون أمام قاضي معرّة النعمان محسن بن حسين الطّائيّ (سنة 141 هـ/ 758 م)، وصولاً إلى زمن الأمير شكيب أرسلان وأشقّائه…».
ويعود نسب آل أرسلان إلى تنوخ، وهم أطياف قبائل اتّخذوا من عين دارة قاعدة لهم، وذلك بأمر من أبي جعفر المنصور. ثمَّ نزح قسم منهم إلى قرى في منطقة الغرب حيث ما زالت عائلات كريمة تحفظ عراقة الأنساب إلى يومنا هذا.
يذكر الأمير شكيب أنّ السّجلّ المحفوظ يتضمّن نسب العائلة «المتسلسل منذ سنة 142 للهجرة إلى هذا العصر، مثبتاً لدى القضاة والحكّام بشهادة العلماء الأعلام عصراً فعصراً بدون انقطاع… مؤيّداً ما نقلته عن السجلّ الأرسلاني بروايات الكثيرين من مؤرِّخي لبنان… بحيث ثبت لأنه لم يقع توقيع واحد منهم في إثبات من إثباتات السجلّ إلَّا ضمن مدَّة حياته، ولم يحكم به واحدٌ من هؤلاء القضاة إلَّا ضمن مدّة قضائه ممّا يتحصَّل به ثلج اليقين بصحَّة السّجلّ وصدق رواياته». ثـم ينبِّه في أدب الكرام بإيراد هذين البيتيْن:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
 يغنيك مضمونه عن النّسبِ
إنَّ الفتى من  يقول: ها أنذا
 ليس الفتى من يقولُ: كان أبي
يستـندُ البحث الحاضر إذاً، بشكلٍ أساسيّ، على أصُول تاريخيَّة مُعتمَدة. وبالتالي، على كثير من  المراجع التي يمكن نسبتها بشكل رئيسيّ إلى مستويَيْن: الأوَّل هو مصادر أساسيّة في تاريخ لبنان العام منها ما كُتِب في القرن التاسع عشر، والثاني هو الكثير من المراجع التي صنّـفها ذوو اختصاص في التاريخ وبحوثه، وهي في كلّ حال مُدرجة في هوامش البحث.
إنَّ مقاربة موضوع «الهويَّة التاريخيَّة» لا يُمكن أن يكون عشوائيّاً بالرأي والقياس النسبيَّـيْن إهمالاً للتوثيق التّـاريخيّ الموضُوعيّ الـمُتَاح. ومناسبة هذه الملاحظة هي فائض الكلام في عصرنا الرّاهـن القائم على الاستسهال الَّذي لا تصِحُّ معه حقيقة بأيّ حال من الأحوال.
يتمثَّـل الدروز رموزَ تاريخهم بصورةٍ معلَّقةٍ على حائط غالباً ما يكون صدر البيت، في القاعة التي هي قلب الدار. ويُحتَفى بها في قاعة استقبال قصر الزعيم كما في البيوت المتلاصقة لأحياء القرية الجرديَّة. في الجبل كما في الجليل، وفي مضارب القوم على سفوح جبل السمّاق كما في دُورهم الجميلة إن هم تغرَّبوا في المهاجر البعيدة. إنها صورة قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش. ولا يهم هنا تاريخ الرجل الشّخصي فقط بقدر ما هي ملامح سيكولوجيا جماعية خبيئة في الذاكرة التاريخيَّة للجماعة. هيبة الرجل الذكورية، الشاربان الواقِفان، الكوفيَّة والعِقال فضلاً عن سِمات الغضب والشهامة والثورة. وإن تَنَوَعَ الشكلُ أحياناً، كما صقـرٌ على زندِ الرجل أو عمامة بيضاء على رأسه، فإنّ اكتمالَ المعنى تُحَقِّقُه الصورةُ إذا ما كان القائدُ فيها على فرسه العربيّة الأصيلة الصافنة أو الواقفة على قائمتيها الخلفيَّتين، والسيفُ العربيُّ في اليمين العالية، ساطعاً كما هلال فضّي منير.
ما من صورة اختصرت تاريخ جماعةٍ كمثل ما فعلته صورة الباشا الثائر. ذلك أنّ المكانة التي تبوَّأها الدروزُ على صفحات تاريخ «جزيرة الشام» صنعَتْها سيوفُهم البارقة وسواعدهم المقاتلة دفاعاً – وبتوثيق تاريخي محقَّق – عن «الأمّةِ» و»الجماعة» و»المرجع الشرعيّ» الذي كان يمدُّهم بشرعيَّة السلطة ويخوّلهم تدبير الأمور على مرَّ الحِقب التاريخيَّة وتبدُّل الدول والحكّام.
إنها «المثاغرة»، تلك المهمَّة الجليلة التي دمغت طابع الدروز التاريخي بسَمتها وما تحمله من معاني القتال والجهاد والمرابطة التي باتت مثل جذور حيَّة للشخصية الجماعية الدرزية وعنفوانها الأثيل، دون التفات إلى ما قِيل ويُقال. فقد صارت عادة عند الدروز أن «يصنعوا التاريخ وغيرهم يكتبه». ولم يتوهَّج شِعارُ «العِرض والدِّين» – كما يحتفل به الدروز – مثل ما عندهم توهَّج، في منطقِ الدفاعِ عنهما، والذبّ عن حِماهما حتى بات من الشهرةِ بمكان أن مفهوم «الموت» عند الدروز تخطّى حاجزَ الخوف والرهبة إلى طقوسِ الشوقِ والالتحام:
مُتهافِـتين على الرَّدى وشِعارهم
اليوم أفضل من غدٍ يا فانِ.
وفي ذروة التعبير عن افتخار الدروز بتاريخهم وأصل عقيدتهم، وبأبياتٍ كأنها الحواشي الذهبيَّة حول صورة سلطان، يقول الشاعرُ الشيخ نايف تلحوق بلهجةِ العشيرةِ الجبلية الشاميَّة:
ويُوم أنْ بُعث هادياً من وُلْد عدنان
حِنَّا اهتدينا وباقي الناس ضلّون
كِنا «صحابة» وكانت الناس دشمان
وأسلافنا الأنصار في بدر كانون
ويمضي في قصيدةٍ طويلةٍ مادحاً قومهُ ومفـتـخِـراً بأنهم:
أمُّوا الجزيرة ملوك وصحاب تيجان
                                     نصر ولـــــــخم ومناذرة تـــنوخ يكـنـون
حِـــنّا سلايل مجد وملــوك وعيــــــــــان
                                    من يوم أوجد «كُون» من كافا ونون
وينطلق كسيل نهر هادرٍ في وصف أمجاد القتال ضد «الفرنج» و»الظَّلمَة» والاستعمار الفرنسي في ملحمةٍ تراها في بعض البيوت بموازاة صورة قائد الثورة لتلخِّص بالرسم والكلمة سرَّ التماسُك الدرزي المعروفيّ في جذوره الأكثر عمقاً.
ألحَّت هذه الصُّورةُ وتلك القصيدة بما ترمـزان على حضورهما في هذا المدخل للحديث عن التراث الإسلامي في الجبل لأنّه يعطينا بلمحةٍ بالغة التعبير المدخل الواضح لجوهر التاريخ في القلب الدرزيّ. إذ أن العشيرة المعروفية منجذبةٌ إلى تاريخها بأكثر مِمّا إلى انطلاقة المستقبل. وما يُـرادُ قوله هو أنَّ لا انفصام بين هذا التاريخ العابق بغبار القتال والحرب وبين العقيدةِ التي من أجلها ومن أجل الذبّ عن حياضها ثبت الموحِّدون في ثغورهم إلى يومنا هذا في دورٍ تـتـقمّصه الحِقـب منذ ألف عام.
ولتكن إثارة السؤال، بروحٍ تائقة إلى الإيجاب نافـرة من السَّلب: لـمَ لمْ تُـثـر قضيَّة التأويل التوحيديّ لآيات القرآن الكريم إشكاليَّةً إسلامية إلاّ في القرن الأخير رغم بروزها منذ عشرة قرون؟
وفي معالجة القضايا التاريخية التي يثيرها هذا السؤال يُستعرض هنا تراث الجبل الإسلاميّ، ويـتـمّ استقصاء جذور المشاريع المشبوهة كي لا نقع في وتيرة السرد التاريخي المألوف والمثبت في كثير من المراجع الموثوقة والمتوفّرة والمذكورة في هوامش هذا البحث.
إذا ما استثنينا بعض الصراعات المحليَّة بين زعماء الإقطاع فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبين الولاة «الإقليميين» من ناحيةٍ أُخرى، لوجدنا تاريخ القبائل العربيَّة التي استوطنت «ثغور الشام» منذ القرن الثاني للهجرة وحتّى منتصف القرن الماضي تاريخاً ملتحماً بالدور الذي أوكلته أيّاها «الأُمَّةُ» في الدفاع عن ثغورها ضد الغزو الأجنبي. إنها مهمّة «المثاغرة» لصدّ الفرنجة. وقد تقلّبت الدول فوق دسْت الخلافة وتكاثرت، وتعدَّدت العصبيّات التي ادَّعت تجسيد «الجماعة» وتمثيلها. وتفتَّت – واقعاً – مفهومُ «الاُمَّة» إلى ولايات متناحرة وممالك متصارعة، بيد أنّ الطبائع السياسيَّة للدور التاريخيّ الذي التزمت به القبائل المرابِطة في الثغور ظلَّت في جوهرها مستمدَّة من السلطةِ المستندةِ من شرعيَّتها إلى تمثيل «الأُمَّة» مهما تلاعبت بها عوامل الوهن والانقسام.
لقد استمدّ الحكم الـتـنوخيّ – بفروعه – طيلة ما يُقارب ستة قرون من الزمان مقوّمات وجودِه وشرعيَّته من تلك السلطة، وسلَّم أمانة الحُكم إلى أقربائه «المعنيّين» لأنهم قاتلوا إلى جانب الذين استولوا على السلطة إيّاها فصار لهم (العثمانيّون) السلطان على المسلمين. ولمّا خَلْخل الشهابيُّون الذين استلموا دفَّة الإمارةِ هذا الارتباط، قام الدروزُ بالدور عينه الذي قام به أجدادُهم، غير أن السلطان بات «الرجل المريض»، والطامعون بميراثه لعبوا في حقـلِ الطوائف والمذاهب مُقحمين السياق كلّه في بداية النفق.
يتحدَّر الدروزُ الموحِّدون في أنسابهم من قبائل عربيَّة عريقة في أصلابها وأصيلة حتّى بات من نوافل القول «تأكيد المؤكَّد أو إثبات الثابت» . فالدروز في النَّسب عرب أقحاح لا يوجد منَ العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبيَّة منهم. وبات متواتراً في المصادر تعداد هذه الأنساب.
فمن القبائل التي استقرَّت في بلاد الشام قبل الإسلام وتحدَّر منها الدروز تيم الله أو (تيم اللات) التي هاجرت أوّلاً من الجزيرة العربية إلى وادي الفرات ثم استقرَّت في المكان المعروف اليوم بوادي التيم في جنوب لبنان. ومنها قبيلة لخم التي استقرَّت في الحيرة وإليها ينتسب الأمراء الإرسلانيّون والبحتريون التنوخيُّون الذين حكموا لبنان خلال القرون الوسطى. ومنها قبيلة طيء التي استقرّت في الأطراف الجنوبيّة من بلاد الشام، وقبيلة ربيعة النجديَّة التي ينتسب إليها بنو معن وكذلك بنو جندل الذين ينتسبون إلى قبيلة تميم. وتفتخر بعض العائلات الدرزية بنسبها العريق كآل نكد إلى بني تغلب وآل تلحوق إلى بني عزّام وهم فرع من قبيلة الأزد وآل عبد الملك إلى بني شويزان وآل ناصر الدين والقاضي إلى تنوخ… وتحتـفظ إحداها بسجلّ هو كناية عن مجموعة أوراق قديمة وحجج صادرة عن قضاة الشرع في معرَّة النعمان ودمشق وبيروت وطرابلس وصيدا تتعلَّق بنسب الإرسلانيين وأخبار اللخميّـين الذين قدموا إلى لبنان سنة 142هـ/759م. وهو سجلّ حافل بأقدم الأخبار وأوثقها عن اللخميين جدود الفرع الأرسلاني منذ الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام، اصطُلح على تسميته «السّجل الأرسلاني».
وإذا عدنا إلى المصطلح الخلدوني في «العصبية» اللاحمة لأساس الحكم وجدناها ترتكز على أُسَّيْن جوهريين هما النَّسب والدِّين. فالنسبُ عربيٌ صُراح، والدينُ توحيدٌ مستمَـدٌّ من كتاب الله العزيز ومُستظلّ رمز الدعوةِ المحمَّدية والإسلام الحنيف على ما قال الأمير شكيب:
وليس لنا غيرُ الهلالِ مِظلّةً
ينالُ لديها العزّ من هو آمِلُه
وتلك عصبيةٌ سادت وجاهدت وأرْست تقاليد الدروز وتراثهم بمُجمله على إنطواءٍ حميم يحضن عقيدتهم في التأويل بما لا يمّس وحدة «الجماعة» ويُثير حساسيّتها المذهبيَّة.
لقد كانت فاتحة السّجل التاريخي لمهمّة «المثاغرة» عندما تسلَّم العباسيُّون الخلافة وبعدت المسافة بين بغداد عاصمة العباسيين وسواحل الشام، فأكثر الرومُ من مهاجمة السواحل. كان ذلك في عهد قسطنطين الخامس كويرونيموس (741 -775م.) فأرسل أبو جعفر المنصور حوالي عام 141هـ/758م. عشائر تنوخيَّة من معرَّة النعمان إلى المناطق المحاذية لبيروت. وكانت هذه العشائر، كما يذكر السجلُّ الأرسلاني، بقيادة الأمير منذر بن مالك بن بركات بن منذر بن مسعود بن عون اللخمي التننوخي. وكان برفقته أخوه ارسلان بن مالك وأبناء اخوته حسّان بن خالد وفوارس بن عبد الملك وعبد الله بن النعمان. تبع ذلك تدفّق بعض العشائر من مناطق أُخرى لتستقـرّ في الثغور وتتحمَّل عبء المهمّة ذاتها.
يبدأ سجلُّ مآثر الدروز في جَبَلهم من أولئك الأمراء التنوخيين الأوائل الذين قدموا إليه بمهمّة سامية. فقد اشتهر الأمير منذر بن مالك بالشدّة والشجاعة، وبذلك اشتهر الأميرُ ارسلان أيضاً حتى قال فيه أحدُ معاصريه ورفاقه اسحق بن حماد النميري أنه «مِن أشجع مَنْ أدركناه من فرسان العرب الضراغم» وكان إلى ذلك عالِماً يهاب العُلماء وقد تتلمذ على الإمام أبي عمرو الأوزاعي. وقد حكى اسحق أيضاً، وكان خادم تراب الإمام الأوزاعي، أن الأمير إرسلان، لما ووري الإمام الأوزاعي التراب خاطبه قائلاً: «رحمك الله أبا عمرو فوالله لقد كنت أخافك أكثر من الذي ولاّني».
لقد كان أجداد الدروز الموحِدين آنذاك في فترةٍ سابقةٍ على التمذهب التأويلي التوحيدي الذي سيحصل لاحقاً في أوائل القرن الخامس للهجرة. تأويل لن يحولَ دون الاهتمام بالإمام الذي أثار اهتمامَ السَّلَف، لأنه ليس انقطاعاً في العقيدة عمّا سبق، وإنما هو تبحُّر في معنى الكتاب أقرب ما يكون إلى استبطانه وتثويره وسبر أغواره على ما جاء في حديثِ عبد الله: أثيروا القرآنَ فإن فيه خبرَ الأوَّلين والآخرين. وشرح شَمِرٌ فقال: تثوير القرآن قراءتُهُ ومفاتشةُ العلماءِ به في تفسيره ومعانيه. لهذا نرى أن الأمير صالح بن يحي، وبعد حوالي سبعة قرون يتلمَّس آثارَ السّلَف فـيُـبدي اهتماماً لافتاً بالإمام الأوزاعي واصفاً إيّاه بأنه كان «عظيم الشأن بالشام وأمره فيهم أعزّ من أمر السلطان… وقد جعلت له كتاباً يتضمَّن ترجمته…» ولا غروَ في ذلك، فالخلَف هنا يتقصّى آثار أستاذ السَّلَف في تراث حيّ متواصل من غير انحراف ولا تبديل.
على كل حال، فإن المعارك مع المردة ابتدأت في الفترة الأولى للوصول، منها معركة حاسمة معهم سنة 175هـ/791م انتصر فيها الأمير سعود بن أرسلان الذي كان يقطن سن الفيل.
والأمير المذكور رافق الخليفة المأمون مع فرسانه إلى مصر واشترك معه في حربه ضد الأقباط سنة 216هـ/831 م، ولشجاعته فيها ولاّه الخليفةُ العبّاسي، بالإضافة إلى إمارة الغرب التقليدية، ولاية صيدا ومقاطعة صفد. وتابع ابنه الأمير النعمان سجلّ المآثر بتصدّيه للمردة عند نهر بيروت شرقي المدينة وانتصاره عليهم فبعث له الخليفة العباسي بكتاب يمدحه ويقــرّه على ولايته كما أهداه سيفاً وشعار العباسيين الأسود.
ومن دون متابعة تسلسل الأحداث بشكل كرونولوجي معروف، فإنّـه يُمكن استقـراء السياق التاريخي لها من استخلاص مؤشّراتها بشكل عام. فشرعيَّةُ حكم الأمراء التنوخيين ظلَّت مُستمدَّة من شرعية الدول المتعاقبة على تملُّك السلطة في عواصم الإسلام التاريخية، وهي دول وقوى تنازعت السلطات وظلت محافظة على صوريّة وجود الخلافة ليُمكّنها ذلك من إدّعاء تمثيل «الأُمَّة». وعلى أساس هذا التمثيل، وبحكم الأمر الواقع، كانت الوثائق من كتبٍ ومناشير، تنظِّم حكم الإمارة وتصدر بشأن حقوق الأمراء في تولّي الاقطاعات. ولا يمنع ذلك من اعتبار هذه الوثائق ذات أهمية تاريخية بالغة، لما تُمثّله من ارتباط دور أبناء الجبل القدامى بالسياق التاريخي العام لديار الإسلام، وكثير من نصوصها أدرجهُ الأمير صالح بن يحيى في كتابه.
لذلك فإننا نجد أن البعض دأب على توثيق تلك الرسائل التاريخيَّة بما يُشبه طقساً احتفالـيّاً بعنفوان السلالة وفخرها يستمدّ روعته من النسخ الحيّ للتاريخ ذاته. وإلاّ كيف لنا أن نفسِّر ذلك الهاجس الذي حثَّ أجيالاً عديدة متعاقبة على جمع تلك الوثائق وتصديقها من قضاة الشرع في مدنٍ عدّة عبر القرون والحقب، فكانت الوثيقةُ تنتهي على سبيل المثال بما يلي: «هذا ما ثبت بين أيادي سيدنا ومولانا قاضي قضاة المسلمين مُحيي الملّة والدين أبو المعالي محمّد المذكور في أوّل النسب وفَّقه الله للحكم بما يرضاه وذلك أمام الأسياد والعدول الآتي ذكرهم غفر الله لهم. كُتب في رجب سنة خمس وتسعين وخمسماية والله سبحانه أعلم» . وعلى هذا المنوال تتمّ المصادقة على وثائق «السّجلّ الارسلاني» المُحتفى به إلى يومنا هذا إلى حدّ نسخه بخط يد أميرةٍ بالذات.
مرجع آخر يحفظ لنا هيبةَ ذلك التراث وصلتَه بالمرجعية الإسلامية العُليا عبر الوثائق والمناشير هو مخطوط الأمير صالح بن يحيى المُسمّى بعد طباعته «تاريخ بيروت» ولربما لو لم ينقرض فرعُ الأمير في السلالة لكان تاريخه بدوره يُنسخ باليد إلى يومنا هذا.
ومن طبائع الأمور، ما لم نُلقِ عليها أحكاماً تعسُّفية، أن نعتبر هذه السّجلّات وثائق إثبات هويَّة التراث الذي عاش عليه أبناء الثغور المجاهدين عبر الحقَـب والعهود. ولا بد من العودة معها إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حيث نرى أن «المعطيات التاريخيَّة تشير إلى أن المملكة التنوخيَّة التي كان يمتدُّ سلطانها من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشام غرباً إلى نجران جنوباً، كانت في وقت من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربية»، وإلى تلك الفترة يشير الشيخ نايف تلحوق في قصيدته، وفي البيت الذي ذكرناه سابقاً حين يعدّد بطون «نصر ولخم ومناذرة تنوخ» ويكمل فيقول:
الحيرة بنوها وضمنها شاد نعمانْ
قصر الخورنق والسدير هِن شادون
بذي قار هاني ساد من آل شيبان
يوماً  سلفنا جيوش  كسرى  تَـقـفُّـون
ويتابع في أبيات ذُكرت سابقاً أن تلك القبائل اهتدت بهداية «ولد عدنان» عندما كانت الناس «دشمان» أي أعداء، ثم يقول:
عمّار والمقداد منّا وسلمان
                                     الآيات عنهم والأحاديث يَتلُون
وحِنَّا نخاف الله وندين بإيمان
                                     وحِنا نُطيع الله لو الناس عصيون…
وهكذا نرى تأثير السّجلات المذكورة في العنفوان الشعبي وتعلُّق «العصبية» المعروفية بتراثها، هذا التراث الذي يرتبط أيضاً بأيام الفتوحات المجيدة.
فالسجل الارسلاني يذكر أيضاً أن عون بن المنذر كان مع خالد بن الوليد عند قدومه إلى الشام، وقد اشترك في واقعة أجنادين عام 13 هـ/634 م. حيث جُرح ومات. وحضر مسعود بن عون بن المنذر واقعة اليرموك بألف وخمس مئة فارس من أصحابه وقاتل قتالاً شديداً. ثم أن أبا عبيدة بن الجرّاح أسكن هؤلاء المقاتلة في معرّة النعمان القريبة من حلب.
وما لبث الخلفاء أن أبدوا اهتماماً كبيراً بالثغور منذ أيّام معاوية، فكان لتنوخ حظوة لديه. ورأينا بعدها ما كان من أمر أبي جعفر المنصور وإرساله بعض العشائر إلى السواحل وما كان من أمر الأمير مسعود بن أرسلان مع الخليفة المأمون.
وإذا ما تتبَّعنا مجرى الأحداث بعد الضعف الذي أصاب وحدة الخلافة العباسيَّة وتفكّكها إلى دول متنازعة مع الإبقاء على رمز الخلافة، نرى أن السجلات تحوي كما ذكرنا آنفاً ما يُفـيد عن تواصل الإمارة الجبليَّة مع تلك القوى في إطار مهمّة «المثاغرة».
فها هو طغتكين مؤسِّس السلالة البورية ذات الأصل التركي والتي حكمت دمشق من سنة 1104 إلى 1154 م. يكتب إلى الأمير مجد الدولة محمد بن عدي التنوخي سنة 520هـ/1126م كتاباً يوليه الإمارة فيشتدّ ساعدُه ويبدأ بغزو الإفرنج. كذلك يكتب مجير الدين أبق ملك دمشق منشوراً إلى الأمير ناهض الدين أبي العشائر بحتر بن عضد الدولة يأمره أن يبقى على رسومه المستمرّة في القرى المعروفة به وبأجداده ويحثّه على الغزو والجهاد والمحافظة. وهذا الأمير هو الذي هزم الإفرنج في واقعة رأس التينة عند نهر الغدير جنوب بيروت سنة 549هـ/1151م وقُتل منهم خلق كثير «وترادفت غزواته عليهم حتى بلغ الشهرة العظيمة» كما يقول الشدياق.
واتَّبع الزنكيون السياسة ذاتها مع التنوخيين، فقد أرسل الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في 14 ربيع الأوّل سنة      552 هـ/1157 م «مرسوماً مطلقًأ» إلى الأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر الجميهري التنوخي يحث فيه على طاعته ومعاونته «في جهاد الكفّار» ، كما أرسل له منشوراً في 7 رجب سنة 556 هـ/1160 م. يزيد له إقطاعاً. ذلك لأن أبا العز زهر الدولة كرامة كان مِمَّن يعتمد الملك العادل نور الدين عليهم في حربه ضد الفرنجة وهو الذي كان من أقدر الأتابكة الذين حاربوهم إلى حدّ أن عدّهُ الفرنجة كما يقول رونسيمان «عدوّهم الرئيس».
ثم وقعت أسرة الأمير زهر الدولة وعشيرته في محنةٍ قاسيةٍ عندما اجتاح الفرنجةُ بيروت بعد مكيدة أرّخها الأمير صالح بن يحي في 11 شوّال سنة 569 هـ. ولمّا قدم السلطان الناصر صلاح الدين إلى خلدة في 11 جماد الأوّل سنة 583 هـ/1187م. لاسترداد بيروت من الفرنجة، لاقاه الأمير جمال الدين حجي بن الأمير زهر الدولة إلى خلدة واشترك معه في فتح المدينة. ويقول صالح بن يحيى أنه «لما فتح السلطان بيروت لمس بيده رأس حجي وقال له: قد أخذنا ثارك من الفرنج، طيِّب قلبك، أنت مستمرّ مكان أبيك واخوتك» وكتب له منشوراً.
يذكر صالح بن يحيى أيضاً مكاتبات من السلطان الملك الأفضل نور الدين علي بن الناصر بن أيوب إلى الأمير حجي، كذلك من الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كذلك من الملك الصالح نجم الدين أيّوب سلطان مصر ودمشق إلى الأمير نجم الدين محمد بن حجي بن كرامة، ومن الملك الناصر صلاح الدين يوسف سلطان حلب ودمشق إلى الأمير جمال الدين حجي بن نجم الدين بن حجي، ما يدلّ على علاقة وثيقة بسلاطين تلك الحقبة الأيوبيين من السَّلَف إلى الخلَف.
العلاقة مع المماليك
استمرّت العلاقة مع أصحاب السلطنة المُتداولة بعد سيطرة المماليك على مصر، فقد أرسل الملك المعز عز الدين أيبك زوج السلطانة شجرة الدر، أوّل السلاطين المماليك في مصر سنة 648 هـ/1250 م منشوراً إلى الأمير سعد الدين خضر بن محمد بن حجي بالرغم من أن سلطته لم تكن قد امتدّت بعد إلى بلاد الشام.
والأمر ذاته حصل بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من سقوط دمشق بأيدي المغول في ربيع الآخر سنة 658 هـ/1260 م، فقد أصدر كتبغا نائب هلاكو منشوراً يقرِّر فيه جمال الدين حجياً على اقطاعه الذي كان قد أقطعه إيّاه الملك الناصر الأيّوبي وقد خاطبه «بالأمير الأجلّ الأوحد الأعزّ المختار جمال الدين عمدة الملوك والسلاطين حجي بن محمد بن أمير الغرب أدام الله تعالى تأييده وتمكينه وتمهيده». وتسلَّم الأمير زين الدين صالح من المغول أيضاً الخِلع والهدايا.
وحفاظاً على «إصلاح الحال»، إبّان تصارع القوى الكبرى، توجَّه الأمير زين الدين صالح إلى معسكر المماليك في عين جالوت وشاركهم نصرهم التاريخي على المغول بعد أن قاتل قتال «شجاعة وفروسيَّة» فنال الحظوة أمام الملك المظفَّر قطز بعد أن أخبره المقاتلة عن بطولته.
رسم تخيلي للملك المعز عز الدين أبيك (أول سلاطين دولة المماليك)
نعود لنلقى الوتيرة ذاتها في بعث المناشير والكتب، فبعد استيلاء الظاهر بيبرس على السلطنة، أقرَّ الأمير جمال الدين حجياً على معظم اقطاعه الذي كان له بعد أن زاد عليه قرى أخرى. وقد حرص بيبرس الذي عُرف عنه مجالدته للفرنجة وصراعه الطويل معهم وانتصاراته الأسطوريّة عليهم على تعزيز مهمّة «المثاغرة»، فكان لنائبه على الشام جمال الدين أقوش النجيبي عدّة مكاتبات إلى الأمراء يحثُّهم فيها على القيام بمهمّتهم. أراد الظاهر بيبرس بذلك أماناً له من الخطر الكامن في الثغور ليفرغ إلى حروبه مع القلاع الصليبيّة في الداخل ومع التتار الذين لاحقهم حتى الأناضول. وقد بعث بنفسه مرسوماً إلى الأميرين زين الدين صالح وجمال الدين حجي بعد أن تحقَّق استحقاقهما للشكر والتكريم. ويذكر صالح بن يحيي نص المرسوم الذي يبدأ بالتوجُّه إلى «الأميرين المختارَيْن المحترمَيْن الأخصَّيْن المجاهدين… فخري القبائل والعشائر مجدَي الأمرا اختياري الدولة عمدي الملوك والسلاطين…».
وقد توطّدت العلاقة مع المماليك بعد بيبرس بعد أن شهدت تطوّراً أيّام السلطان الأشرف خليل والسلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث انضمَّت قوى الأمراء التنوخيين المُقاتِلة إلى الجيش لكي يؤلِّفوا حلـقة من حلقات الجيش المملوكي. وقد أدّى هذا الانخراط في التشكيلات العسكرية المملوكية إلى إعادة تنظيم مهمّة «المثاغرة» التاريخيَّة المستمرّة منذ ما يُقارب خمسة قرون.
يستمدّ القولُ الشعبي الدرزي «الدروز سيفُ الإسلام» جذورَهُ بالتأكيد من الفترة التنوخيِّة. وينبت جذعه سنديانةً صلبة في الأعقاب التي فاخرت بتراثها وحرصت كل الحرص – لا نصفه ولا ثلثه – على المحافظة عليه في حميميَّة أقرب ما تشابه طقساً مقدَّساً غير متنازع عليه. وإذا ما أضفنا إلى فترة حكم الإمارة التنوخيَّة تاجَها التي به أضاءت وتكرَّست حقيقةً حيَّةً في جوهر التراث التوحيدي، بما يعني هنا الثورة الإصلاحية الاجتماعية الثقافية النيِّرة التي قام بها الأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) لأدركْنا كم تتماهى الوثيقةُ التنوخيةُ في هيولى الشخصيةِ الدرزية التوحيدية ظاهراً وباطناً. وقبل الحديث عن الأسُس التي وضعها الأمير السيد(ق) للنظام الاجتماعي التوحيدي، يحسن بنا استكمال السياق التاريخي ما بعد التنوخي في خطوطه العريضة.
«الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشَّرع مَعنية…» الشّيخ الخالدي
دون الدخول في المتاهةِ التي اصطنعها المؤرّخون الموارنة للأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، يمكن التحدُّث باختصار عن التزام الأمير المعني بتراث عشيرته التزاماً ثابتاً بما لا يمنعه من أن يتملّك رؤيا ذات أبعاد حضاريَّة.
المقصود بال «متاهة» مَا أُريد لقصّة الأمير فخر الدين أن تصبح أيديولوجيا الفكرة اللبنانية الخاصّة في جدلها العنيد مع محيطها العربي، فباتت كما قصّة الشرق الذي اصطنعه المستشرقون وفق ما أرادوا للشرقِ أن يكون.
ولا يُـعتـقـد أنَّ الشيخ أحمد بن محمَّد الخالدي الصفدي مؤرِّخ الأمير فخر الدين المعاصِر له استعمل التعبير لضرورة السجع عندما قال: «الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشرع معنيَّة…» دون أن يعني ذلك حقاً. ولربّما يتمّ التأكيد على ذلك من خلال السّيرة التي ثبتها الشيخ الخالدي ذاته في تاريخه لأميره عندما كان الأخير لاجئاً في توسكانا.
فقد رفض الأمير أن يأكل «إلاّ من ذبيحة المسلمين» وعيَّن له قصَّاباً من جماعته الحاج محمد قواس باشي ليتولّى شأن الذبائح. ثم أنه أقام الصلاة جماعة في رمضان في مقرّ إقامته الذي لم يمنعه من إجهار الأذان حيث كان له مؤذن هو أحمد صبايا في بيروت مِمّا أثار حفيظة مضيفيه أكابر نابولي. ولم تمنعه الأزمة الحادّة التي نشبت معهم، عندما أراد مغادرة بلادهم والعودة إلى وطنه مهدِّداً بتفجير المركب، من المثابرة على صيام شهر رمضان وسائر أفراد عائلته.
هذا فضلاً عن اهتمامه الزائد، أثناء حكمه في إمارته، برحلة الحج السنويّة التي كان يولي عليها أميراً، أحياناً أحد أولاده بالذات.
وكان الأمير فخر الدين الكبير يحضر الصلاة في الجامع أيّام الأعياد الكبيرة ويرتِّب في حاشيته العلماء والمؤذِّنين.
وقد بنى الأمير فخر الدين الجوامع عُرف منها جامع القاع في البقاع والجامع «البرّاني» في صيدا، وفي عهده أيضاً قام الأمير مُنذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي، أثناء ولايته على بيروت من قِبل الأمير علي بن فخر الدين المعني عام 1025 هـ/1616م بإنشاء المسجد المُسمَّى باسمه والواقع في قلب العاصمة بيروت (حالياً) في الوسط التجاري للمدينة بالقرب من المنطقة المعروفة باسم باب ادريس. وأما جامع دير القمر فقد بناه تنوخيّ آخر هو فخر الدين عثمان بن معن «أمير الأشواف» كما يصفه حمزة بن سباط.
الجامع “البرّاني” في صيدا
جـامـع المخـتــارة
دخلت العلاقات بين الزعماء المحليين والولاة الإقليميين إبّان الحكم العثماني مرحلة من الاضطراب والتشويش لِما شهدته من الدسائس والفِتن فيما بينهم. ولم تعد لمهمة «المثاغرة» تلك الأهمية القصوى نظراً لانشغال أوروبا بمقاومة الإندفاع العثماني إلى قلبها بعد سقوط القسطنطينيّة وتهديد أسوار فيينا. وفي كل حال نرى أن تحوُّلاً أساسيّاً طرأ على السياق التاريخي لإمارة «جبل الدروز» كما كانت تُسمَّى آنذاك وذلك بعد انتقال الحكم فيها عن طريق ما يشبه «الشورى» إلى الشهابيين.
ومن دون استرسالٍ في سرد مجريات الأحداث التي شهدت إرهاصات الصراع على حكم الإمارة بين زعماء الإقطاع ومن ثمّ تطوّره واستفحاله إلى حدِّ استنفار الحسّ الطائفي بتأثير من تدخّلات الدول الأجنبية بشكل تصاعدي، فإننا سنتوقف عند حدث يرمز إلى نقطة تحول هامة وصارخة التعبير فيما يخص مسألة التراث والصراع على هوية الجبل. لقد كان الأمير بشير الشهابي «لا يعقد محلولاً ولا يحل معقوداً إلا بعد وقوفه على رأي الشيخ بشير جنبلاط واستطلاعه وجهة فكره ومنصرَف إرادته وذلك نظراً لما كان عليه الشيخ من السؤدد والمهابة ونفوذ الكلمة وعلو الشأن». ولِما كان له من الفضل من توليته أميراً وتقديم «الدعم المالي والعسكري له لإثبات حكمه ونفوذه».
كان الشيخ بشير جنبلاط شخصية بلغت حدّ الأسطورة لِما تمتع به من «العقل والذكاء والجود والسخاء والشجاعة والفصاحة والخِلال التي أقـرّ له بها الأقران وصيّرته وحيداً في عصره وغُرَّة في جبـين دهره حتى لقَّبه اللبنانيون بعمود السماء». وكان الشيخ صاحب رؤيا نافذة في النظر إلى تاريخ عشيرته ومستقبلها في خِضّم تصارع القوى من حولها بخاصّةٍ مع بروز تأثير العامل الأجنبي (حملة نابليون على مصر) وتفاعله في الداخل. ومن الطبيعي أن يسخِّر نفوذه وثراءه واندفاعه الحيوي في خدمة بني قومه مع دعمه للأمير الحاكم. بيد أن الريبة نهشت قلب الأمير الشهابي فتطلَّع إلى إثارة الخلافات بين أقطاب العائلات الإقطاعية الدرزيَّة تمهيداً لضرب سَمِيِّه.
يقول الشدياق المؤرِّخ المعاصر للأمير بشير: «بنى الشيخ بشير جامعاً في المختارة فانكاد الأمير منه جداً واستصوب تقوية اليزبكية» وليست الحال، فيما يخصّ بناء الجامع، كما حاول أن يصوِّرَه مؤرِّخو «الغرض الطائفي»، وإنما هي نهضة تستلهم تراثها كما رأيناه في السابق. وشكْل الجامع كما هو في ذهنيَّة «عقّال» الموحِّدين لا يرتبط تحديداً بالهندسة المنطلقة إلى فضاء الفسحة الخارجية بقدر ما هو مرتبط بمفهوم «الداخل» فتبحثُ النفسُ فيها عن انسجامها في تكوير المنحنيات «العقدية» والشكل الموحي بالتواضع لقباب تنحني في خشوع كما تجسّده خلواتهم ومساجدهم المتواضعة وتكاياهم الصوفية. ويبدو أن الشيخ بشيراً أراد لجامعه أن يكون حائطاً بالمعنَيـيْن ظاهراً وباطناً، فأقامه ببذلٍ وسخاء، وكان في كل حال جزءاً من نهضةٍ عمرانية أصابت القصور والجواسق والأقنية الخ…
هكذا بنى الشيخ «جامع المختارة» عام 1230هـ/1814م. غير بعيد عن قصره، على نسق جامع الجزّار في عكا، بمحاذاة القناة المائية التي أجراها من نهر الباروك. واستُعملت خمسة عشر قنطاراً من الرصاص في بناء قـبّته ومأذنته. وأقيمت في هذا الجامع الصلوات الخمس. وقد زيَّنت مدخله أبيات من الشعر:
الا اسجدوا في مسجدٍ جاء نورُه
                                      وأهدى الراكعين ضياء الهدى
مقـــــــــــــامٌ لدين الله أضحـى منـــوَّراً
                                      بآيــاته الحسـنى وأطلع فــرْقـــــدا
بنــــــاهُ بشـيرُ الجــنبلاطيُّ يرتجي
                                       من الله عفواً والثوابَ المشيَّدا
يلوح بتقوى الله جهراً فأرِّخوا
                                       وقارٌ وأمنٌ فادخلوا البابَ سُجَّدا
وعندما انفجر صراع البشيرَيْن وخرج الأميرُ الشهابيُّ منه منتصراً، لم يتورّع عن إشفاء غُلَّة كبده «فلغم الجامع بالبارود ودكّهُ كما دُكَّ الطور فغادره أثراً بعد عَين».
جبل «الاستشراق»!
سيشهد الجبل منذ الآن فصاعداً تحوّلاً عميقاً، ليس في انحراف وجهة الدروز الموحِّدين عن تراثهم وإنما في بروز عامل التدخُّل الاستعماري الغربي آنذاك واستخدامه للعبة الطوائف الجبليّة، وبالتالي الانكباب على بذر عوامل التفـتـيت المذهبية للإجهاز على جسد «الرجل المريض» الذي صارته أمبراطورية بني عثمان. إنها قصّة معروفة مسألة الأحداث الطائفية في الجبل الحاصلة منذ ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وانفجارها عام 1860 بشكلٍ شامل، واستغلال الدول الكبرى آنذاك لعصبية الطوائف وارتكاز كل منها على طائفة مما أدّى إلى فرض حلٍّ من قِبلها على العثمانيين فيما سُمِّي ببروتوكول 1861. ما يـهـمّ هنا هو عمل الاستشراق كأداة واكبت التدخُّل الاستعماري ومهَّدت له عن طريق استخدام المعرفة عاملاً من عوامل الفعل السياسي الهادف إلى تفـتيت المجتمع وتحطيم وحدته تمهيداً لتـنفـيذ خطط السيطرة و»الانتداب».
كان المستشرق البارون سيلفستر دو ساسي عميد المستشرقين الذي كتب في عقيدة الدروز وديانتهم. يُلاحَظ أن كتابه صدر في باريس عام 1838 حين كان دو ساسي قبل ذلك بسنوات «يُستشار بانتظام حول جميع المسائل المتعلِّقة بالشرق من قبل وزير الخارجية (الفرنسي)، وفي حالات معيَّنة، من قِبل وزير الحربية أيضاً». لم يكن هاجس دو ساسي معرفياً خالصاً ليتوغَّـل في بُنية التأويل التوحيدي وارتباطها الجوهري اللطيف بتراثها الإسلامي، وإنما كان منهجه يسير «طبقاً للقواعد المعرفيّة الجوهرية المتعلّقة بالخسارة والكسب التي كان دو ساسي أوّل من وفَّـرها وطبّـقها» إذ كان الموضوع العظيم في حياة سلفستر دو ساسي هو «الحسّ المكرَّس للنفعيّة التربويّة والعقلانية» . وهكذا، كان «الحسُّ المكرَّس للنفعيَّة» يخدم آنذاك المخطَّطات الفرنسية في «استقلاب» هويّة الإمارة الجبليّة ذات الموقع الاستراتيجي الممتاز.
وبتأثير الحسّ ذاته طالَعـنا «غيز Guys» بكتابه الموسوم بتلكَ التسمية التي لم يُسمع بمثلها من قبل: «الأُمَّة الدرزية» وهو كتاب واكب مجريات الأحداث المتسارعة التي تلت الفتن الطائفية عام 1860، وكان أبرزها عقد مؤتمر باريس في          3 آب 1860، ونزول الجيش الفرنسي في بيروت في السادس عشر من الشهر ذاته، ومن ثم الاتفاق على البروتوكول الأوّل في 9 حزيران 1861 والذي عُدِّل عام 1864 والذي ينص في السطر الأول من المادة الأولى فيه على ان «يتولّى إدارة جبل لبنان متصرِّف مسيحي تعيِّنه الدَّولة العليا…».
وما لبثت ان ازدحمت حقبة «حُكْم المتصرفية» الهادئة في لبنان بوفود الإرساليات الأجنـبيَّـة التي نشطت بشكل محموم، وزرعت بذور الانتماء الطائفي بمعناه السياسي في تربة الوطن القادم. ما يهمّنا هنا هو أن التراث الثقافي لكل طائفة بات سلعة للأهداف السياسية خاصّة وان التنافس اللامتكافئ كان محموماً حول دمغ الهوية بطابع مرغوب. وفيما يتعلَّق بالدروز فقد بدأت دفقات المنشورات حول تراثهم وعقيدتهم تتدافع إلى الظهور، وبدت الرغبة الأكاديمية في المعرفة المجرَّدة وليدة المشروع الاستعماري لأنها واكبته أولاً بأوّل فكأنّها تبزغ وفقاً لرغبات الهدف السياسي الذي يتحكّم به «الحسّ المكرّس للنفعيّة» إيّاه.
الأمر ذاته حدث بعد انحسار نجم العثمانيين وفرض نظام الانتداب على دول المنطقة وانفجار ثورة سلطان باشا الأطرش ضد فرنسا عام 1925. وما لبثت أبعاد هذه الثورة أن تفاقمت بشكل خطير بعد أن أذاع الزعيم الاطرشيّ باسم «قائد جيوش الثورة الوطنيّة السوريّة العام» البيانات الأولى التي حملت شعارات «الدفاع عن الأمّة» والدعوة إلى الثورة الشاملة ووحدة البلاد وقيام حكومة شعبية وجلاء المحتلّين.
لم يكن سلطان باشا يبحث عن مصالح طائفية وإنما كان انبعاثاً لتاريخ معروفي عتيق، ورمزاً لتراث الجماعة التاريخي المتمثّل «بسيف الأمّة» الممشوق دفاعاً عن كرامتها وعزتها وشرفها. و«أمَّتُه» كانت إسلاميّة عربيّة كما تعسَّف «هنري غيز» مِن قبل وسمّاها كما شاء لها أن تكون.
لن نستطرد في سرد التأثير العميق الذي أحدثته «الثورة السورية الكبرى» بينما الحديث عن تراث الجبل اللبناني، وإنما تجدر الملاحظة بأن رموز الثورة المذكورة صارت جزءاً ساطعاً في صُلب ذاكرة التراث المعروفي أينما وُجِدوا الدروز وأينما حلّوا.
الاستشراق الصهيوني
في هذه الفترة ايضاً انتعشت ذاكرة الاستشراق ونشطت، فصدرت موجةُ جديدةُ من المنشورات الباريسية التي تتناول بالبحث تاريخ الدروز وعقائدهم. ويُمكننا هنا أن نخلص إلى النتيجة إيّاها وهي أن «المعرفة» الاستشراقية كانت وسيلة لتحقيق الأيديولوجيا، والنتيجة مزيد من فوضى المعلومات والتشويش وتعميم الأحكام التعسُّفيّة.
ومن جملة المعلومات المغلوطة أن الدرزيَّةُ دينٌ قائمٌ بذاته، والدروزُ أُمَّةُ مغايرة للإسلام لهم تراث مستقل غير مرتبط بتراث «الجماعةِ» وذاكرتها التاريخيّة. هذه هي المبادئ التي جهدت دوائر دولة إسرائيل في تعميمها بشأن الدروز.
وقبل الدروز، فقد كانت مواجهة الباحثين الصهاينة قائمة على مستوى العرب والإسلام بشكل عام. ومنذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل كان الهدف الصهيوني في جوهره، كما يعرفُ الكبيرُ والصغير، هو خلق دويلات طائفيّة تحيط بالكيان اليهودي المصطنع كحدود آمنة. «وكان قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 على أرض فلسطين مرحلةً جديدة بالنسبة للاستشراق الصهيوني بكل المعاني» . فقد أدّى إلى تغيُّر الرؤى والمناهج في مواجهة العرب والإسلام. وتصاعدت حدّة تقـنية التـفـتيت وذلك عن طريق إثارة كل ما يؤجِّج نزعة التمذهب ويصطنع اختلاق غريزة حسّ الأقليات بما يخدم التوجّهات الطائفية. ليس هذا فقط، وإنما عَمِلَ الاستشراقُ الصهيوني على التشكيك بالمقدّسات الإسلامية مثل مفهوم النبوَّة ومفهوم التنزيل وقت دأب على بعث التاريخ الباطنيّ المنسيّ لدى مختلف المذاهب فلم ينجُ من شره أحد.
هذا النهج الصهيوني هو ما ينطبق تماماً على بعض المنشورات التي صدرت في أثناء احتدام الحرب اللبنانية قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبات الاقتناع راسخاً بأنها كانت تمهيداً له عن طريق إثارة الفتن الطائفية. هنا نجد أيضاً أن الأهداف السياسية غير البريئة هي التي تقف خلف المشروع بأسره، فأيُّ حقيقة تملكها تلك المنشورات غير حقيقية الدسّ والتزييف وإثارة الشكوك؟ أم أن ذاكرتنا التاريخية صارت بدورها نِتاجاً صهيونياً صِرفاً؟
السيِّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) 820هـ./884هـ.
تُعيدنا تلك الكتابات إلى مسألة العقيدة عند الدروز الموحِّدين. ولا يعتقدنَّ أحدٌ ان انفصاماً دهريّاً ممكناً بين جسد العشيرةِ التاريخي وروحها باستطاعته التعشُّش في شخصيتها طيلة تسعة قرون. وإلا كيف لنا أن نفسِّر هذا التواصل القديم الدائم بين سيوف الموحِّدين ومصلحة «الجماعة»؟ ويُعنى بالجماعة هنا المفهوم الذي عناه النبيُّ العربيُّ الكريم صلى الله عليه وسلّم.
نعم، ارتكز الموحِّدون في عقيدتهم القرآنيَّة على إيمانهم «بإمامة التأويل» التي ميَّزت فِرق التشيُّع بأكملها، بيد انهم أغلقوا باب التفسير دون المساس بقدسيَّة الوحدة المُفترض أن تكون عليها «الجماعة». يدخل هذا عندهم في طبيعة العلاقة المعقَّـدة القائمة في جدليّة الظاهر والباطن. لقد مسخ المستشرقون والاستشراقيون حقيقة هذه الجدليَّة العميقة إلى مجرَّد موضوع «التقيَّة» و»المساترة» بمعنى الدهاء السياسي. والحقيقة أن الأمر متعلِّق بطرائق المعرفة الروحيَّة التي منها العرفان والتصوُّف واستبطان المعنى وتثوير النصّ والتحقّق الذاتي لأبعاد الإنسان الذي هو «خليفة الله» على ما جاء في القرآن الكريم ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ…﴾. لهذا تفرض العقيدة على الدروز الموحدين عدم المساس بمفاهيم الجماعة بل الانطلاق منها، من الإيمان بها، إلى أبعادها المعرفية، كل حسب قدرته وطاقته ﴿لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسْعَهَا﴾. وهذا ما يفسِّر تاريخهم وتراثهم مثلما ورد في القليل منه في هذا البحث. وبما أن السياق افترض ذكر بعض وجوه الطبقة السياسيَّة والتزامها الأثيل بمصلحة الجماعة، فقد آن الأوان للتحدث عن الشخصيَّة الروحية التي يعتبرها الدروزُ الموحِّدون الأكبر التي عاشت في بلاد الشام في العصر الوسيط.
هو الأمير السَّيِّد جمال الدين عبد الله البحتري التنوخي، ابن الأمير علم الدين سليمان بن بدر الدين محمد بن صلاح الدين يوسف بن سعد الدين خضر أمير الغرب التنوخي. ربي يتيماً مع والدته فظهرت «مخيلات الورع» وهو صغير، وكان مولده ثاني عشر ربيع الأوّل سنة عشرين وثمانمائة، أوّل ما رغب في حفظ الكتاب العزيز فختمه سريعاً ثم جرّده ثانياً ودرسه. وكان يطوف القرى في طلب العلم والحديث وهو صغير السنّ. تورّع يافعاً ما لا تصل إلى ورعه الكهول من أولى العلم. ولما ثبت جنانه وشيّد بنيانه… طرح الدنيا واشتغل بعبادة الرحمن فجرّد كتاب الله العزيز المقدَّس المطهَّر ودرسه وتلاه غيباً وداوم الدراسة فطبعت فصوله وآياته وأعشاره وسوره وسطوره في قلبه حيث لا يغيب عنه منه لفظة واحدة… ثم جمع الشروحات والتفاسير من تفسير القرآن العزيز المكرَّم الشريف. وجمع كُتُب اللغة العربية… وسيَر الملوك وأخبار الأنبياء وكتب التواريخ والفلسفة وعلم الفقه على المذاهب وكُتُب النحو وغيرها. وكان يقرأ الكتاب العزيز ويشرحه ويتكلّم في علم الفقه والحديث ويُصَحِّح الأخبار ويشيد الإسلام ويرفع للحقّ منار… ثم أنه أمر بعمارة المساجد في القرى وتجديد الجوامع وإنشاء الوقوفات، ثم انه حثَّ على القراءة الصحيحة في القرآن المكرّم وجلب الفقهاء إلى النواحي وأقام الخطب في الجوامع يوم الجمعة في كل قرية يكمل العدّة. وأطاعَتهُ الخليقةُ واقتدت بأوامره ورضت بأحكامه الخصوم، وطاعته أكابر النواحي ومشايخ البلاد، كان له تلاميذ كُثُر… وكان له يوم معلوم من أيام الجمعة يفيد أهل بلده في معاني كلام الله تَعَالَى في كتابه العزيز وقول رسوله الكريم، ثم أخبار الأنبياء وأشعار الأتقياء ومناقب الصالحين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وأخذ من أخبار «سيدي عبد الرحمن الأوزاعي الفقيه» ورسخت هيبته في قلوب أهل المعاملة الكبير والصغير والغني والفقير والأكابر والمقدّمين وعلت كلمته وقويت حجّته… وكانت تأتيه الخصوم من أقصى المعاملة، من جيرة صفد إلى أطراف حلب، إلى حدود طرابلس، إلى شوف بعلبك مع أطراف دمشق. وكانت الذمة (يقصد أهل الذمة) من اليهود والنصارى تأتي على خبره وتحضر بين يديه في اختلافٍ بينهم في أمر الدنيا.
هكذا تمضي سيرةُ الأمير السيد(ق)، فتأتي بعدها على ذكر إقامته في دمشق لسنوات غير يسيرة ثم عودته إلى عبيه ووفاة ابنه الأمير سيف الدين عبد الخالق وصبره والتزامه جانب تأدية رسالته في نشر المعرفة وإعلاء جانب الحق حتى وفاته عام 884هـ/1479م.
تكرَّست «قداسةُ» السيّد الأمير لأنّه كان التجسيد الأمثل للحياة التوحيديَّة. وهذا الأمر يحظى بإجماع «عقّال» الموحِّدين في أربع جهات بلاد الشام. وحتى يومنا هذا يبقى ضريح الإمام التنّوخي محجَّة الدروز الروحيين والزمنيين في ذلك المزار الجميل القائم في حضن الثغر التنوخيّ القديم، بقناطره الصاعدة مع انحناءةِ الإقرار كمعراجِ نفسٍ طائعةٍ لوجه ربّها الكريم، بقبَّته المتواضعة على هيبةٍ ليس مثلها هيبة سوى ما توحي به تلك السلسلة الغريبة من العابدين الزاهدين المجاهدين الذين عرفهم زمن التصوُّف الأوّل في حضارة الإسلام الأولى.
تكرَّست أيضاً طريقةُ السيّد الأمير ونهجه في حياة الموحِّدين المسلكيَّة مرجَع ثـقةٍ بإجماعٍ لم يُر مثله لا من قبل ولا من بعد. فبعد وفاة السيد بحوالي مئة وخمسين سنة كان الشيخ الفاضل محمد أبي هلال الذي عاش حياة تقى وعبادة كانت الأمثل من حيث تطابقها شبه التام مع نهج الأمير التنوخي. وهو الذي قال فيه تلميذُه وكاتبُ سيرته الشيخ أبي علي عبد الملك ابن الحاج يوسف الحلبي الشافعي إنَّ آداب الشيخ الفاضل مع شروحات الأمير قدَّس الله روحه «أنه كان واقــفاً على جليلها وحقيرها، ملتزماً حدودها، حاضاً على العمل بها وانتهاج نهجها». ويحظى الشيخ الفاضل أيضاً بإجماع «العقاّل» على وضعه في رتبةٍ تأتي بعد رتبة الأمير السّيِّد مباشرة، ودائماً فيما يتعلَّق بالكيفيَّة التي يجب أن يكون عليها مسلك التوحيد والتي وردت بمعالمها الجوهرية في سيرة الأمير السيِّد(ق).
وبعد، فكأنَّ بالدروز حسّاً عميقاً بالقدَريَّة التي تعني هنا التّسليم القلبي الصّادق بإرادة الله في السرَّاء والضرَّاء، والنيَّة عندهم هي قطب الأعمال، فإذا ما صلُحت النيَّة حَسُن المصير وإذا ما خبثت انقلب سوءُ العمل على صاحبه ﴿ولاتَ حين مَناص﴾.
فإذا ما تطلَّعنا أخيراً إلى بعض رجالات الجبل من عشيرة بني معروف في القرن الحالي لرأينا أسماء كبيرة لرجال مجاهدين مثل شكيب وعادل أرسلان، سلطان الأطرش، أمين آل ناصر الدين، علي ناصر الدين، عجاج نويهض، كمال جنبلاط وغيرهم كثُـر… ولرأيناهم أيضاً رجالاً «للأمَّةِ» بما لا يُقاس مع ما هم لطائفتهم. أَلَمْ يَبْقَ الجبل بزعامته الوطنية طيلة الحرب اللبنانية الأخيرة قلعةً من قلاع العروبة وسيفاً ساطعاً من سيوف الإسلام الحق؟ إنه الوفاء لتراثٍ أقوى من أن تزعزعه أبوابُ الجحيم وأرسخ من أن تشوِّهَه خبايا المُغرضين والعَرَضُ زائلٌ والجوهر باق ما دامت الحياة.
نُشِرت هذه الدراسة للشيخ غسّان الحلبي في مجلة «تاريخ العرب والعالم» عدد 145، 1993، في إطار أعمال «المجلس الدرزي للبحوث والإنماء» في حيـنه، ويُعاد نشرُها اليوم لأهميتها في التذكير بثوابت التاريخ والهوية.

الرهاناتُ الخاطئة لا تتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي

كشف تقرير موسّع لصحيفة واشنطن بوست الأميركية (23-12-2025) عن مساعٍ إسرائيلية مبكرة لإعادة ترتيب المشهد الدرزي في سوريا قبيل سقوط نظام بشار الأسد.

ووفق التقرير، فإن تنفيذ هذا المشروع بدأ قبل أشهر من انهيار النظام، في محاولة لاستثمار الفراغ المتوقع في الجنوب السوري.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين سابقين شاركوا مباشرة في هذا الجهد، سعى قادة دروز في إسرائيل إلى تأسيس تنظيم عسكري في محافظة السويداء، المعقل الأساسي للدروز. ترافق ذلك مع الدعوة إلى إقامة دولة درزية ذات حكم ذاتي بدعم إسرائيلي، في مؤشر على طموحات انفصالية تتجاوز الواقع الديمغرافي والسياسي في الجنوب السوري.

غير أن هذا الرهان سرعان ما اصطدم بانقسامات داخلية حادة، ومع تصاعد الفوضى، بدأ الحماس الإسرائيلي يتراجع، رغم الاستمرار في تقديم دعم محدود، وسط قناعة داخل تل أبيب بأن مشروع الانفصال غير قابل للحياة في جنوب سوريا.

ردّاً وتعليقاً على التقرير الطويل لصحيفة الواشنطن بوست، الذي اختُصرت بعض نقاطه أعلاه، كتب الصحافي زياد حلبي (ابن بلدة دالية الكرمل) كبير مراسلي قناة العربية في فلسطين مقالاً بتاريخ 25-12-2025، بعنوان «السويداء بين «دروزستان» والتسوية: كيف تستخدم إسرائيل ضائقة الأقليات ثم تتجاوزها»، وإذ ننشر ردّ حلبي نظراً لأهميّته، نأمل أن يكون ذلك حافزاً للاستيقاظ من وهم الرهانات الخاطئة ودافعاً لفهم الواقع بوعي تاريخي وسياسي، كما يقول، وفي ما يلي نصُّ المقال:

«ما نشر في The Washington Post لا يمكن قراءته كنص إخباري معزول، بل كوثيقة سياسية صيغت بعناية لتؤدي وظيفة محددة في لحظة إقليمية دقيقة. فالتسريب، بمصدره وتوقيته ومضمونه، إسرائيلي بامتياز، ولم يكن من باب المصادفة. الرسالة المقصودة لم تكن موجّهة للرأي العام الغربي فقط، بل للفاعلين المحليين في الجنوب السوري، وفي مقدمتهم دروز السويداء، وللعواصم المعنية بمستقبل سوريا في آن واحد.

التقرير نقل صراحة عن مسؤول إسرائيلي استخدامه مصطلح «دروزستان»، لا للترويج له بل لنفيه، مع تأكيد معارضة إسرائيل قيام دولة درزية أو أي كيان انفصالي في سوريا. هذه التسمية، بحدّ ذاتها تُظهر أن الفكرة كانت حاضرة في الخيال السياسي الإسرائيلي، حتى عندما يجري إعلان رفضها اليوم. الموقف المعلن لا يعكس تحوّلاً أخلاقياً، بل إعادة تموضع استراتيجية تفرضها لحظة سياسية مختلفة.

تاريخياً، آمنت إسرائيل بنظرية «فرّق تسد» التي ورثتها عن الانتداب البريطاني وطوّرتها بما يخدم مصالحها: تجزئة المجزّأ، وتفتيت المفتّت، وتحويل الهويات الفرعية إلى أدوات سياسية وأمنية. في مراحل سابقة، لم يكن طرح دولة درزية في جنوب سوريا، ولا حتى أفكار ترحيل الدروز من داخل الخط الأخضر إلى كيان درزي محتمل مجردَ خيال سياسي، بل كانت جزءاً من نقاشات جدّية هدفت إلى إضعاف الدول المركزية المحيطة.

لكن السياسة ليست عقيدة ثابتة؛ إسرائيل اليوم في موقع مختلف، والمنطقة تغيّرت، والأهم أن الولايات المتحدة في مكان آخر. إدارة دونالد ترامب صنّفت أحمد الشرع علناً بوصفه صديقاً وحليفاً لواشنطن. هذه ليست عبارة بروتوكولية، بل إشارة استراتيجية تعني أن واشنطن قرّرت الاستثمار في استقرار الدولة السورية لا في تفكيكها، وفي سلطة مركزية يمكن التفاهم معها، لا في كانتونات متصارعة. وبهذا المعنى، كان على إسرائيل أن تعيد تموضعها وأن تُكيّف سياساتها مع الاتجاه الأميركي الجديد.

من هنا يُفهم الدعم الإسرائيلي المحدود لبعض القوى الدرزية في السويداء، كما ورد في التحقيق الأميركي، بوصفه أداة ضغط مؤقتة، لا مشروعاً سياسياً طويل الأمد. الهدف ليس تشجيع الانفصال، بل تحسين شروط التفاوض حول ترتيبات أمنية مستقبلية، في مقدمتها منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تمتد من محيط دمشق إلى الحدود. إسرائيل تريد أمناً وحدوداً هادئة، لا خرائط جديدة ولا كيانات هشة قد تتحول عبئاً عليها.

وفي هذا السياق تحديداً، لا يمكن فصل كشف التسليح والتمويل الإسرائيلي في السويداء عن هذا التحوّل. ففضحُ نقل السلاح والرواتب لا يعكس فقط تعرية مسار قد يورّط الداخل السوري أو يصبّ الزيت على النار، بل يُقرأ أساساً بأنه تنصّلٌ مدروس من الاستمرار وخلط متعمّد للأوراق. إخراج هذه المعطيات إلى العلن يضع مسافة محسوبة بين إسرائيل وهذا المسار، ويشير إلى نية سحب الورقة لا تعميقها. وفي الوقت نفسه، يؤدي الكشف وظيفة داخلية موازية، عبر تهدئة «الشارع الدرزي الضاغط» في الداخل الإسرائيلي، والإيحاء بأن دعماً ما قد قُدّم، بينما يجري عملياً الانتقال إلى مرحلة التسويات. هكذا يتحول النشر من فعل دعم إلى إدارة انسحاب، واحتواء داخلي، وإعادة ترتيب للأولويات قبل إقفال الملف.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز الخلط بين هذا التوظيف السياسي الخارجي لمأساة السويداء، وبين الحق الكامل وغير القابل للتصرّف لأبناء المنطقة في محاسبة ومعاقبة كل من ارتكب مجازر وفظائع بحقّ المدنيين هناك، أياً كانت هويته أو الجهة التي ينتمي إليها. هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، وهو حقٌّ ينسحب كذلك على الجرائم التي ارتُكبت سابقاً في الساحل السوري. فلا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة واضحة وعلنية، والفصل بين مطلب العدالة وبين مشاريع العزل أو الانفصال مسألة جوهرية، لأن الأولى حق، أما الثانية فمقامرة سياسية ذات أثمان بعيدة المدى.

هذا التحوّل انعكس أيضاً داخل إسرائيل نفسها. فحتى بعض القيادات الدرزية في الداخل، التي رفعت في مرحلة أولى لواء «الحماية الإسرائيلية» للسويداء، طُلب منها لاحقاً تعديل الخطاب: الاستمرار في إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة، لكن بالتوازي مع دعوة دروز السويداء إلى التفاهم مع الدولة السورية، لا القطيعة معها. هذا الضبط المختصر للخطاب ينسجم مع الاتجاه الاستراتيجي العام: حين تتجه إسرائيل نحو تسويات مع سوريا تصبح ورقة الأقليات عبئاً يجب احتواؤه، لا شعاراً يُرفع بلا حساب.

التجربة التاريخية تعزّز هذا الاستنتاج. في كل الساحات تقريباً، تخلّت إسرائيل عن قوى محلية اعتقدت أنها حلفاء دائمون عندما تغيّرت المصالح. جيش لبنان الجنوبي مثال صارخ: أداة استُخدمت ثم أُهملت بلا تردّد، من دون أي اعتبار للتداعيات الاجتماعية أو الإنسانية. في هذا المنطق، لا وجود لتحالفات أخلاقية، بل لاستخدامات وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة.

الخلاصة أن الرهان على إسرائيل بوصفها ضامناً لمستقبل الدروز في سوريا هو رهان على قراءة خاطئة للتاريخ وللحاضر معاً. إسرائيل ذاهبة إلى تسوية وحلول مع سوريا، عنوانها الأمن والترتيبات العسكرية والحدود، لا حماية الأقليات ولا إعادة رسم الجغرافيا. وعندما تكتمل هذه التسوية، ستُطوى الأوراق التي لم تعد ضرورية بلا تردّد.

الرسالة التي حملها التسريب الأميركي واضحة: تُستخدم ورقة الأقليات مرحلياً حجراً على لوح شطرنج تجيد اللعب عليه، ثم تُطوى عند أول تسوية. وعلى دروز السويداء أن يقرأوا هذه الرسالة بوعي تاريخي وسياسي، يتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي، لأن أثمان الرهانات الخاطئة لا تُدفع مرة واحدة، بل تُورَّث.

من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي
الطائفة، الخوف، والمأزق السوري

أتساءل، باستنكار بالغ، يكاد يلامس الغضب: كيف لبلاد قدّمت واحداً من أكثر العقول العربية-الإسلامية انفتاحاً ووحدوية، أن تُختزل اليوم في خطاب عصبي، يُفاخر بمفردة «القبيلة» كأنها إنجاز، لا سقوط؟

ليست «القبيلة» هنا توصيفاً أنثروبولوجياً بريئاً، بل إعلان انكفاء، وتراجع عن التاريخ، وانسحاب من المجال الوطني إلى ما قبل الدولة، الأخطر من ذلك أن هذه المفردة لا تأتي من هامش جاهل، بل تتكرر على ألسنة زعامات راهنة، زعامات بلا جذور حقيقية، لا في التاريخ الاجتماعي للبلاد، ولا في مسارها الوطني.

زعامات لم تولد من صراع الأفكار، ولا من تمثيل الناس، بل صُنعت حين استبدلت السياسة بالولاء، والزعامة بالخدمة، فباتت مقدمات خطاباتها لا تخلو من تكرار: أنا أحمي قبيلتي.

حين تُستدعى «القبيلة» في هذا السياق، لا تُستدعى لحماية الناس، بل لإبقائهم أسرى الخوف.. تُستدعى لتبرير الصمت، وتقديس الحذر، وتحويل الذريعة السياسية إلى ذريعة للشلل الأخلاقي، وهي في جوهرها، ليست سوى اللغة التي يستخدمها الاستبداد حين يريد جماعة بلا مواطنين، وطائفة بلا أسئلة، بما يعني: قبيلة وشيخ قبيلة.

هنا لا يكون السؤال عن طائفة، أو مجموعة بعينها، بل عن المعنى الذي جرى اغتياله.. عن المسافة الهائلة بين شكيب أرسلان، الذي رأى في الطائفة انتماءً ثقافياً داخل أفق أمة، وبين خطاب اليوم الذي يراها قطيعاً يحتاج إلى راعٍ.. بين فكرٍ كان يخشى التفكك، وخطابٍ لا يرى في التفكك سوى وسيلة للبقاء.

ولكن التحول من طائفة إلى قبيلة وفق أرسلان ليس قدراً، بل خيار سياسي فُرض من فوق، ودُفع ثمنه من كرامة الناس وحقهم في أن يكونوا أكثر من أرقام في معادلة أمنية.. ما يُنتج السؤال الحقيقي.
وليس السؤال الحقيقي لماذا يحدث ذلك؟ بل:
لماذا يُسمح بحدوثه وقد بات اللغة المُعتَمَدَة للطوائف؟

الآن، بات ضرورياً (أقلّه بالنسبة لي)، استعادة ما يمكن استعادته من شكيب أرسلان، أمير الكلمة، إجابة عن هذا السؤال، والآن، أعيد السؤال ثانية:
لماذا يُسمح لأن يحدث هذا باسم الطوائف، وفي الذاكرة، مفكّرون من وزن الأمير شكيب أرسلان، ذاك الرجل الذي يحق وصفه بـ :ساعي ضمير الحرية ، لا يهادن الانقسام ولا يخشى الانتصار للإنسان يوماً.

فما الذي كان يراه أرسلان، انطلاقاً من رؤيته؟

لم يكن شكيب أرسلان مفكراً يكتب عن الطائفة من داخل أسوارها، بل عقلاً قلقاً كتب ضد انغلاقها قبل أن يتحول الانغلاق إلى سياسة عامة، ما يدهش في تجربة أرسلان ليس فقط أنه انحدر من بيئة درزية ذات خصوصية عقدية، بل أنه رفض مبكراً تحويل هذه الخصوصية إلى هوية سياسية، أو إلى مشروع حماية، أو إلى ذريعة خوف.. رأى في الطائفة معطى تاريخياً وثقافياً، لا كياناً سياسياً مستقلاً، واعتبر أن لحظة خروجها من الصيغة الوطنية هي لحظة سقوطها الأخلاقي، لا لحظة نجاتها.

كتب أرسلان في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تتفكك، وتُعاد صياغة المشرق على يد القوى الاستعمارية، وكان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط دولة، بل تحول الجماعات إلى بدائل عن الدول، من هنا جاء موقفه الحاد من فكرة «حماية الأقليات»، التي رآها باباً واسعاً لتحويل الطوائف إلى أدوات، وإدخالها في علاقة تبعية دائمة مع الخارج.

بالنسبة له، لم تكن الطائفة مهددة لأنها أقلية، بل لأنها قد تُغرى بالخروج من المجال الوطني إلى مجال الخوف.

بهذا المعنى، استبق شكيب أرسلان اللحظة السورية-اللبنانية الراهنة بدقة مقلقة.. أدرك أن الصيغة الطائفية، سواء جاءت معلنة كما في لبنان، أو مستترة كما في سوريا، لا تنتج استقراراً، بل تؤسس لحروب مؤجلة.. كان يرى أن الطائفة، حين تُستدعى بوصفها فاعلاً سياسياً، تفقد وظيفتها الاجتماعية والروحية، وتتحول إلى كيان تفاوضي، يعيش على توازنات القوة لا على فكرة المواطنة.. الطائفة، في نظره، لا تحمي أبناءها حين تنعزل، بل حين تصبح غير ضرورية سياسياً؛ حين يشعر الفرد أن حقوقه لا تمر عبر زعيم، ولا تُشترى بالخوف، بل تُستمد من كونه مواطناً.
اليوم، في سوريا ولبنان، حيث تحولت الطوائف إلى ملاذات قسرية، والخوف إلى خطاب، تعود أفكار شكيب أرسلان لا بوصفها تراثاً فكرياً، بل بوصفها سؤالاً حياً.
كيف يمكن لجماعات متعددة أن تعيش داخل وطن واحد دون أن تتحول إلى قبائل؟
وكيف يمكن للطائفة أن تنجو من نفسها، لا من الآخرين؟

هذا المقال محاولة لقراءة شكيب أرسلان لا من موقع التاريخ، بل من موقع الراهن؛ لا بوصفه أميراً درزياً، بل بوصفه مفكراً أدرك باكراً أن أخطر ما يواجه الطوائف ليس الاضطهاد، بل فقدان الفكرة التي تجعلها جزءاً من وطن، لا بديلاً عنه.

الأمير شكيب أرسلان (الدرزي)، لم يتعامل مع الدروز بوصفهم مسألة فقهية أو عقدية، بل بوصفهم جماعة تاريخية/ سياسية تشكّلت داخل الفضاء الإسلامي، وتفاعلت معه، وأسهمت في صراعاته، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة موقعها الجغرافي والسياسي، ومن هنا، فإن فلسفته في تحديد علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي، لم تكن دفاعاً مذهبياً ضيقاً، بل رؤية وحدوية تستند إلى التاريخ، والمصير المشترك، والضرورة السياسية.

كان أرسلان، وهو الدرزي المولد، واعياً تماماً للإشكالية التي تحيط بالطائفة الدرزية، فهي طائفة ذات عقيدة باطنية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته نشأت تاريخياً داخل الإسلام الفاطمي، وتكلمت لغته، وعاشت في جغرافيته، وشاركت في حروبه وسلطناته، لذلك رفض الأمير اختزال الدروز في تعريف عقدي يُقصيهم عن محيطهم، ورأى أن هذا الإقصاء لم يكن يوماً سوى أداة سياسية استخدمها الاستعمار، أو بعض التيارات المتعصبة، لتفكيك المجتمعات المشرقية.

في كتاباته ومواقفه السياسية، أكّد شكيب أرسلان أن الدروز جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى الحضاري والسياسي، حتى وإن اختلفوا مذهبياً عن التيار السني الغالب، وهو هنا يستعيد تعريفاً واسعاً للإسلام، لا يقوم على الانتماء الفقهي الصارم، بل على الانتماء إلى دار الإسلام، وتاريخه، وثقافته، ومعاركه الكبرى، وبهذا المعنى، كان يرى أن إخراج الدروز من المحيط الإسلامي هو تزوير للتاريخ، ومقصلة لهم، فكان شديد الحساسية تجاه محاولات تصوير الدروز كجسم غريب أو كحليف طبيعي للغرب.

كان يعتبر أن هذه الصورة صنيعة استعمارية، غذّاها جهل متبادل، واستثمرت في سرّية العقيدة الدرزية لتكريس القطيعة، لذلك دافع في أكثر من موضع عن الدروز بوصفهم جماعة عربية، إسلامية الانتماء الحضاري، شاركت في مقاومة الاستعمار، ولا سيما في جبل العرب وسوريا الكبرى.

في فلسفته السياسية، ربط شكيب أرسلان مصير الدروز بمصير العالم الإسلامي الأوسع.. لم يكن يؤمن بإمكانية نجاة الأقليات عبر الانعزال، بل رأى أن الاحتماء بالمحيط الإسلامي هو الضمانة الحقيقية لبقائها، ولهذا انتقد بشدة أي نزعة انفصالية أو خصوصية سياسية مغلقة، سواء عند الدروز أو غيرهم من الأقليات، معتبراً أن هذه النزعات لا تؤدي إلا إلى تحويل الجماعات الصغيرة إلى أدوات في يد القوى الكبرى.
لم يطالب الدروز بالتخلي عن خصوصيتهم المذهبية، ولم يسعَ إلى تذويبهم عقدياً، بل دعا إلى صيغة تعايش داخل وحدة أكبر:
وحدة الأمة في مواجهة الاستعمار، ووحدة العرب في مشروع النهضة، ووحدة المسلمين في الدفاع عن كيانهم التاريخي.
بهذا المعنى، كان تصوره أقرب إلى الاندماج الحضاري لا الذوبان، وإلى الشراكة لا الإلغاء.
فلسفته حول علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي قامت على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً، اعتبار الدروز جزءاً أصيلاً من التاريخ الإسلامي السياسي والثقافي
ثانياً، رفض استخدام الاختلاف المذهبي كأداة للإقصاء أو التخوين.
ثالثاً، التأكيد على أن وحدة المصير تفرض وحدة الموقف في مواجهة الاستعمار والتفكك.

بهذا التصور، لم يكن شكيب أرسلان «مدافعاً عن الدروز» بقدر ما كان مدافعاً عن فكرة الأمة، وكان يرى في إنصاف الدروز داخل المحيط الإسلامي اختباراً أخلاقياً وفكرياً لقدرة هذا المحيط على تجاوز انغلاقه، وبناء وحدة تتسع للتعدد، لا تُقصيه.
بعض من سيرة الأمير:
– عاش شكيب أرسلان لحظة تاريخية استثنائية، يمكن وصفها بأنها زمن انهيار المرجعيات الكبرى:
انهيار السلطنة العثمانية
– صعود القوميات الأوروبية
– بداية الانتدابات الاستعمارية على العالم العربي
– تفكك مفهوم «الأمة» لصالح الهويات الجزئية والطائفية
– شهد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة سنة 1924، وتقسيم المشرق العربي باتفاقيات سايكس- بيكو، وفرض الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
هذه الوقائع لم تكن بالنسبة له أحداثاً سياسية عابرة، بل زلزالاً حضارياً يهدد وجود المسلمين كقوة تاريخية.

بعد الحرب، تنقّل بين أوروبا (خصوصاً سويسرا وألمانيا وفرنسا وشمال أفريقيا)، وأقام فترة طويلة في جنيف، حيث تحوّل منزله إلى ما يشبه مركز اتصال فكري وسياسي لزعماء الحركات الوطنية العربية والإسلامية.. هناك لعب دور الوسيط، والمحرّض، والناصح، والكاتب الذي يخاطب الرأي العام الإسلامي بلغته، ويجادل الغرب بلغته.

أما انتماؤه الدرزي، فلم يكن بالنسبة له عبئاً أو تناقضاً، بل تجربة شخصية جعلته أكثر حساسية لمسألة الأقليات داخل الأمة، وأكثر رفضاً لتحويل الاختلاف الديني إلى أداة تفتيت.
توفي الأمير شكيب أرسلان 1946 قبل عامين فقط من نكبة فلسطين، وكأنه غادر العالم عند لحظة اكتمال الانكسار الذي حذّر منه طويلاً، ومع ذلك، بقي أثره حاضراً بوصفه ضميراً فكرياً لمرحلة الانتقال من عالم إسلامي متداعٍ إلى عالم عربي ممزق، فكان رجل السؤال الكبير:
كيف يمكن لأمة مهزومة سياسياً ألا تُهزم روحياً؟
وكيف يمكن للاختلاف أن يكون عنصر غنى لا ذريعة للإلغاء؟

بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي

لم يكن سؤال الأقليات في الفكر العربي- الإسلامي الحديث سؤالاً هامشياً، بل وُلد في قلب الصدمة التاريخية التي أحدثها الاحتكاك بالغرب، وسقوط السلطنة العثمانية، وصعود الدولة الحديثة بوصفها كياناً يقوم على المواطنة لا الطوائف والملل، وقد مثّل كل من شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي استجابات مختلفة لهذا السؤال، تعكس اختلاف مواقعهم النفسية والفكرية داخل المشروع النهضوي.
انطلق شكيب أرسلان من موقع إشكالي وفريد: هو من أقلية دينية درزية، لكنه في الوقت ذاته من أشد المدافعين عن وحدة المسلمين.
هذا الموقع جعله ينظر إلى الأقليات لا كـ»مشكلة»، بل كاختبار أخلاقي لقدرة الأمة على استيعاب التعدد.
في تصور أرسلان، لا تُحلّ مسألة الأقليات عبر الاعتراف بها ككيانات مستقلة، ولا عبر صهرها القسري، بل عبر دمجها في الفضاء الإسلامي-الحضاري بوصفه فضاء تاريخياً وسياسياً مشتركاً.. كان يرى أن أي محاولة لفصل الأقليات عن هذا الفضاء، سواء باسم الحماية الغربية أو الخصوصية الدينية، تؤدي حتماً إلى تحويلها إلى أدوات في يد الاستعمار، لهذا دافع عن الدروز، والمسيحيين العرب، وغيرهم، بوصفهم شركاء في المصير، لا ضيوفاً مؤقتين في دار الإسلام.
لم يكن خطابه فقهياً، بل سياسياً/حضارياً، يرفض تحويل العقيدة إلى حدود سياسية، ويمكن القول إن أرسلان قدّم تصوراً براغماتياً وحدوياً.. وحدة لا تلغي التعدد، لكنها تضعه داخل أفق أكبر.
لم يكن بمفرده منشغلاً بالسؤال: «سؤال الأقليات». عبد الرحمن الكواكبي، كان كذلك منشغلاً بالسؤال، وإن من زاوية نظر أخرى، فقد اقترب الكواكبي من سؤال الأقليات عبر مدخل مختلف تماماً. لم ينطلق من الهوية الدينية، بل من نقد الاستبداد بوصفه العلّة المركزية.
انطلق من «طبائع الاستبداد»، التي تنتج الطائفية والانقسام، ففي كتابه الأشهر وأعني «طبائع الاستبداد»، لا تظهر الأقليات بوصفها خطراً على الامّة، بل بوصفها «ضحايا مضاعفين»: ضحايا السلطة المستبدة، وضحايا المجتمع الذي يُستثار ضدها (أليس هذا حال علويو سوريا اليوم؟).

الكواكبي رأى أن الاستبداد السياسي يحتاج دائماً إلى تفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب، وأنه يستثمر الخوف المتبادل بين الجماعات ليضمن بقاءه.. من هنا، فإن حل مسألة الأقليات عنده لا يكون عبر خطاب ديني توحيدي، ولا عبر حماية خارجية، بل عبر تحرير المجتمع كله من الاستبداد وبناء دولة عادلة تقوم على الحرية والمساواة.
شكيب أرسلان رأى في الأقليات امتحاناً لوحدة الأمة، وخطراً فقط حين تُعزل عن محيطها.

ولو أردنا تلخيص الفارق بينهما، لقلنا إن:
ـ أرسلان فكّر من منطلق الخوف على الأمة من التفكك.
ـ الكواكبي فكّر من منطلق الخوف على الإنسان من الاستبداد.
وهنا، ربما تتجلى أهمية شكيب أرسلان اليوم:
لا لأنه كان الأجرأ نظرياً، بل لأنه كان الأكثر وعياً بأن الأقليات ليست مشكلة في ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة حين تفشل الفكرة الجامعة.

 

الأقليات في سوريا ولبنان.. الامتحان المؤجل

إذا كان شكيب أرسلان والكواكبي قد كتبا عن الأقليات وهما يواجهان انهيار السلطنة العثمانية، فإن سوريا ولبنان عاشتا، منذ نشأتهما الحديثة، ترجمة سياسية دائمة لهذا السؤال: هل يمكن لمجتمع متعدّد أن يعيش دون فكرة جامعة؟ أم أن التعدد، حين يُدار خطأ، يتحول إلى لعنة تاريخية؟

لبنان: انتصار الصيغة على الفكرة

في لبنان، انتصرت الصيغة الطائفية مبكراً على أي مشروع وحدوي، قام الكيان منذ البداية على مبدأ تقاسم الطوائف للسلطة، لا على اندماجها في أفق وطني جامع.. بهذا المعنى، تحققت نبوءة شكيب أرسلان السلبية: حين تُعزل الجماعات عن محيطها الأوسع، وتُمنح حماية سياسية خاصة، تتحول من شركاء في المصير إلى كيانات تفاوضية دائمة.

لبنان، من زاوية أرسلان، هو مثال حيّ على فشل فكرة «حماية الأقليات» إذ لم يحم الغرب الأقليات في لبنان، بل حبسها داخل خوف دائم، وجعل وجودها مرهوناً بتوازنات خارجية، في حين كان الكواكبي سيقول إن المشكلة ليست في الطوائف، بل في نظام سياسي يمنع ولادة مواطن حر خارج الطائفة.

أرسلان والكواكبي كليهما على حق، كما لو أنهما البرتقالة وسرتها.
الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) جاءت كتتويج لهذا المسار: حين تفشل الصيغة في إنتاج معنى، تعود الطوائف إلى سلاحها، ويصبح الخارج هو الحكم الأخير.

هذه سوريا اليوم

في سوريا، حدث العكس تقريباً، لم تُبنَ الدولة على صيغة طائفية معلنة، بل على خطاب قومي-وطني جامع، أخفى التعدد بدل أن يديره، ومعه أخفى أوساخه تحت السجادة.. هنا يمكن استحضار الكواكبي بوضوح: دولة تدّعي الوحدة، لكنها تقوم على استبداد مركزي، فتنتج طائفية صامتة، كامنة، تنتظر لحظة الانفجار (وهذا ما حدث).

من منظور شكيب أرسلان، أخفقت سوريا في بناء وحدة اندماجية حقيقية، لأن الوحدة فُرضت بالقوة، لا بالشراكة، فغابت الثقة بين الجماعات، وحلّ محلها خوف متبادل (وهذا ما حدث).

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة.. تحولت الأقليات إلى رهائن للخوف، والأكثرية إلى كتلة غضب بلا أفق جامع، وتحقق أسوأ السيناريوهات: طائفية مسلّحة، واستدعاء الخارج، وانهيار فكرة الدولة نفسها.

بين لبنان وسوريا – غياب الكواكبي وحضور شبحه

يمكن القول إن لبنان اختار الطائفة بدل الدولة، بينما اختارت سوريا الدولة بدل المجتمع.
ما الذي حدث في الحالتين؟
غاب مشروع الكواكبي: الحرية بوصفها شرط الوحدة، فلا الطائفية اللبنانية حمت الجماعات، ولا القومية السورية دمجتها.
أما شكيب أرسلان، فكان سيجد في التجربتين دليلاً إضافياً على فكرته المركزية: لا حماية للأقليات خارج الفضاء الأوسع، ولا وحدة دون عدالة.

سؤال لم يُحسم

سوريا ولبنان لم يفشلا لأنهما متعددان، بل لأنهما لم يملكا فكرة قادرة على تحويل التعدد إلى معنى، لا صيغة لبنان نجحت، ولا فكرة سوريا صمدت. وبينهما، ظل سؤال الأقليات معلّقاً، يتأرجح بين الخوف والحماية والاستبداد.
ربما كان الكواكبي هو الأكثر راهنية اليوم، لا لأنه امتلك حلاً جاهزاً، بل لأنه أشار إلى العطب الحقيقي. لا تُحلّ مسألة الأقليات قبل حل مسألة الحرية.

الطائفة التي لا تحمي

في سوريا اليوم، ليس بوسعك أن ترى الأقليات ككتل متماسكة، بل كأفراد محاصرين بخطابات الخوف.. الخوف من الأكثرية، الخوف من الانتقام، الخوف من المستقبل، والخوف (وهو الأخطر) من الحرية نفسها.
وحين تُختزل الجماعة في هاجس البقاء، تصبح مستعدة للتنازل عن كل شيء آخر:
ـ العدالة، الكرامة، وحتى الحقيقة.
هنا، لا أستطيع أن أرى في الطائفة ملجأً.. الطائفة، حين تُسيّس، لا تحمي أبناءها، بل تضعهم في الواجهة، تجعلهم موضوعاً للشك، ووقوداً للصراعات، وتحوّلهم من مواطنين إلى أوراق تفاوض.

هذا ما فهمه شكيب أرسلان مبكرا، حين رفض منطق «الحماية الخاصة»، واعتبره بداية النهاية لأي جماعة.
من جهتي، لا أرى الخلاص في خطاب إنكاري يقول للأقليات: «انسوا خوفكم».. الخوف واقعي، ومبرَّر، ومتجذّر في تاريخ طويل من الخيبات.
والسؤال ليس: هل تخاف الأقليات؟
بل: ماذا نفعل بهذا الخوف؟
هل نحوّله إلى سياسة؟ أم نحوّله إلى وعي بهذا الخوف؟ بما ينتجه ويراكمه؟

بين أرسلان والكواكبي: أين تقف؟

أتكلم عن نفسي، دون أن أقترح على القارئ أين سيقف، أما عني، فأنا أقف بوعي وربما بتردد، في المسافة بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي.

من أرسلان أخذتُ رفض العزلة، ورفض تحويل الاختلاف إلى مشروع سياسي، ومن الكواكبي أخذتُ قناعتي بأن الاستبداد هو الذي يصنع الطوائف السياسية، لا العكس.

أعرف، من داخل تجربتي (على تواضعها واعوجاجاتها)، أن الحديث عن «الأمة» لم يعد كافياً، كما أن الحديث عن «الدولة» حديث فارغ إن لم تكن دولة الحريات.

ما أبحث عنه (وما أظن أن سوريا تحتاجه ) ليس حماية الأقليات، بل تحريرها من دور الضحية الدائم، ومن وهم أن السلامة تكون بالانكفاء.

كلمة أخيرة من موقع الشخصي:
لا أكتب هذا دفاعاً عن الدروز، ولا نقداً لهم، بل دفاعاً عن حق الفرد في أن يكون أكثر من طائفته، وحق الطائفة في ألا تُختزل في دور سياسي لم تختَره، وحين أستعيد شكيب أرسلان، أفعل ذلك لا بوصفه سلفاً فكرياً، بل شاهداً على أن الخروج من الاصطفاف ليس خيانة، بل محاولة إنقاذ متأخرة.

ربما لن ننجح في الإجابة عن سؤال الأقليات في سوريا الآن، لكننا نستطيع (على الأقل) أن نمنع السؤال من أن يتحول إلى متراس.
وهذا، بالنسبة لي، هو المعنى الوحيد المتبقي للكتابة.

ثوابت الموحِّدين الدُّروز التمسُّك بالثوابت الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود

مقدمة

يهدف هذا العرض إلى التعريف بالثوابت التي بني عليها الميثاق السياسي لبني معروف لأكثر من قرن من الزمن، وعلى الأخص منذ زوال الدولة الإسلامية الجامعة وتقسيم المنطقة العربية، وإنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948.

وتبرز الحاجة لهذا النوع من التأكيد على تلك الثوابت الوجودية نظراً لجملة من العوامل المستجدّة والتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وقد بلغت المواجهات حدّاً بات يفرض على الموحدين الدروز تحمّل مسؤولياتهم التاريخية عبر توحيد موقفهم كجماعة مجاهدة، وتأكيد صلتهم العضوية مع العالم العربي والإسلامي وتوضيح رؤيتهم لدورهم الوطني في الأقطار العربية التي ينتمون إليها.

 

1- العامل الإسرائيلي:
إن المنطلق الأول للسياسة المعروفية من أحداث المنطقة هو فهم الأثر التدميري المستمر للمشروع الإسرائيلي على حياة الأوطان والشعوب في هذه المنطقة التي نكبت بتقسيم فلسطين عام 1947، وهذه الكارثة لم تكن فقط «نكبة» لشعب فلسطين، بل للعرب جميعاً.

إن حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو منع قيام أي دولة عربية سيدة ومزدهرة في المنطقة، وفي الوقت نفسه إحباط أي فرصة لاتّحاد دول عربية في كيان إقليمي يكون له ثقله الاقتصادي والبشري والعسكري.

وعملا بهذا المبدأ فإن التحالف الإسرائيلي- الغربي، مستغِلّاً ضعف الدول والأنظمة السياسية العربية وانقساماتها عبر عقود طويلة، عمل عبر سلسلة من الحروب والانقلابات والتدمير المنهجي على تحويل القارة العربية (التي تزيد مساحتها بنسبة %40 عن مساحة الصين ويفوق عدد سكانها بنسبة %30 عدد سكان الولايات المتحدة) والتي تحتوي على نسبة كبيرة من ثروات العالم، إلى منطقة نزاعات وحروب وفساد وتخلّف اقتصادي وسياسي، وهناك الآن على الأقل ستة بلدان عربية رئيسية ممزقة (اليمن، وسوريا، والعراق والسودان وليبيا وفلسطين)، وقد تحولت تلك البلدان الجميلة التي كانت قبل سنوات معدودة تتمتع بالاستقرار وتنعم شعوبها بالعيش الكريم والخدمات الحكومية المتطورة إلى ساحات قتال وهجرات جماعية بينما تحولت ثرواتها ومواردها إلى أسلاب تتناهبها القوى الخارجية والجيوش والميليشيات.

إن الدروس المستفادة من دور إسرائيل وأهدافها في العالم العربي، أضيفت إليها الدروس التي قدمتها الحرب على غزة، وما رافقها من تغطية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني وأيديولوجيته العرقية والفاشية وأساليبه الوحشية، ومن دعم عسكري واقتصادي ومالي وإعلامي، الذي تقدمه بعض الأنظمة القريبة والبعيدة لهذا الكيان. وقد ساهم النضال الفلسطيني البطولي، الذي خلق نهضة لدى أحرار العالم ومفكريه وصحافته التقدمية، في كشف ما كان مخفيّاً من حقيقة هذا الكيان، وساهم بالتالي في تعميق عزلته وحشد القسم الأكبر من الرأي العام العالمي حول نصرة القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه معاداة إسرائيل والانحياز الغربي الذي يدعمها.

 

2- هويّة الموحِّدين الدُّروز
الموحدون الدروز، كما وصفهم الأمير شكيب أرسلان، ليسوا أقلية مذهبية، بل هم عرب ومسلمون أقحاح مَحتداً ولساناً وثقافةً ونسباً، يحملون شعور الافتخار بانتمائهم الذي هو معدن هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، وجامع أمجادهم وتراثهم الذي تتناقله الأجيال، جيلاً بعد جيل.

ويدل السجل الطويل للموحدين الدروز على أصلهم العربي الصريح ورفعة نسبهم وعلوّ همتهم ونبل آدابهم وشجاعتهم، وهذه الميزات حافظوا عليها عبر القرون بسبب تحصنهم في معاقلهم الجبلية ومحافظتهم على أصولهم وأنسابهم وعلى شخصيتهم الثقافية.
بالإضافة إلى أنسابهم العربية الصافية، فإن الدروز هم من الأقوام المحاربة WARRIORS بالدرجة الأولى، ثم أصبحوا، بسبب ما كان مشهورا عنهم من صفات القوة وشدة البأس، الحاميات الرئيسية للسواحل السورية وطرق التجارة الإسلامية مع العالم. وقد أظهر الموحدون الدروز وأمراؤهم التنوخيون واللخميون أعلى درجات الثبات والبطولة في الذود عن الدولة الإسلامية وقتال البيزنطيين وقطاع الطرق المردة، كما ثبتوا في وجه الجيوش والحملات العسكرية دفاعاً عن حياضهم في جبل لبنان ووادي التيم. وتابع الموحدون الدروز دورهم العربي والوطني عندما قاتلوا بشراسة وثبات أقوى جيش على وجه الأرض إبان الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهؤلاء المجاهدون الأبطال لم تخفهم قوة الجيش الفرنسي ولم يهنوا، بل خاضوا المعارك الشرسة وقدموا التضحيات الجليلة دفاعا عن وحدة سوريا وحريتها. وقد خسر جبل العرب حسب بعض المؤرخين نحو %10 من شبابه ورجاله في تلك المعارك.

 

3- مواطنون وليسوا أقلية
بسبب انتمائهم العربي واندماجهم الوطني فإن الموحدين الدروز، رغم قلة عددهم النسبية، لم يتصرفوا في أي وقت مضى كأقلية، لكنهم تصرّفوا ويتصرفون بثقة كشركاء كاملي المواطنة أوفياء لبلدانهم، مراعين لمصالحها وأمنها ولقوانينها، متفانين في خدمتها وحمايتها، مع ما يترتب لهم من حقوق وما يترتب عليهم من واجبات.

إن الموحدين هم جزء لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي، وهم يفخرون بهذا الانتماء ويمارسونه قولا وفعلا، ووقفاتهم التاريخية شاهدة عليهم. كما أنهم يرفضون خدعة «حلف الأقليات» التي تروّج لها الدولة اليهودية بهدف تقسيم سكان المنطقة والسيطرة عليهم، ومهما كانت الصعاب، فإن الموحدين الدروز يعتمدون في حفظ وجودهم على إيمانهم ووحدتهم واعتدالهم وعلاقات الأخوة بجيرانهم، ويرفضون رفضا باتا الارتباط بأي دولة أجنبية.

 

4- مسلك ارتقاء وسعي دائم
يتوافق المسلمون الموحدون الدروز على أنهم يمثّلون مسلكا إسلامياً روحياً تعبّدياً أخلاقياً يستهدف إصلاح النفس وحفظ المجتمع والترقّي في مكارم الأخلاق التي يجعلونها في مرتبة عليا تفوق التديُّن الشكلي، وهم يرددون دوما القاعدة الذهبية القائلة بأن «أدب الدين قبل الدين». إنّهم وإن كانوا يؤكدون قول الآية الكريمة: «إن الدين عند الله الإسلام»، إلّا أنهم يدركون أن مسلك التوحيد الذي ينتمون إليه هو مسلك سعيٍ دائم ومسافرة وارتقاء من درجة إلى درجة، كما أشار الرسول (ص) إلى مراتب الإسلام فالإيمان فالإحسان الذي يفهمونه بأنه عيشٌ مع الله وعبادته على قاعدة «أنك إذا لم تكن تراه فهو يراك»، وتلك هي أرفع درجات الصدق في العبادة.

ومن هذا المنطلق، فإن الموحدين الدروز فتحوا مجالس الصلاة والذكر وأنتجوا زهاداً وأولياء، عبدوا الله في دُورهم البسيطة أو في خلواتهم أو في معتكفاتهم النائية، وهؤلاء الزهاد حرثوا الأرض وأكلوا من زرع أيديهم وابتعدوا عن العوام أو عليّة القوم، ومشوا في أثر الرسول العربي الأكرم (ص) والصحابة الكبار وآل بيت النبي وزهاد الصوفية والصالحين، وما ادّعوا لأنفسهم فضلاً أو توقّعوا تحصيل مكانة، بل إن الناس هم الذين تعلّقوا بهم وسعَوا إليهم لأخذ البركة أو المشورة والعظة.

على هذا النحو، فإن الموحدين الدروز تطوّروا، لكنهم بقوا مجتمعا حراً، يعلي شأن العقل والبحث الحر، ولا يخشى التنوع، بل ولا يخشى الاختلاف.

 

5- إسلام الموحِّدين الدروز
أخذ مسلك التوحيد بالطريق الوسط في الإسلام، وتمكن بذلك من تقدير الإضافات الهائلة التي أسهمت بها فئات ومذاهب ومدارس فكرية عدة في التيار المعرفي الواسع للإسلام، ويحتل الإسلام صدارة أديان العالم بسبب تنوّعه وغنى محتواه والمرونة التي ميّزته.

إن الموحدين الدروز تأثروا كثيرا بسيرة النبي العربي محمد بن عبدالله (ص) وأصحابه خلال المرحلة الأولى الجهادية من الإسلام، حيث تجسّد الدين بأنقى صور التسليم لله والجهاد في سبيله والزهد بالدنيا ومتاعها. ويكنُّ الموحدون الدروز حبّاً خاصا لآل بيت النبي ويكرّمون الصحابة على العموم، ويكرّمون الخلفاء الراشدين، ويرفضون الخوض في الخلافات التي ثارت بعد موت النبي، وهم يرون في تسعير الاختلافات الراهنة خطة مدروسة لتغذية وتعميق الشقاق والفرقة بين المسلمين، وهم لذلك يدعون باستمرار إلى الوحدة ونبذ الاختلافات وتوحيد الصفوف في التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجه عالم الإسلام، مثل تطوير الأنظمة السياسية والفكر والتعليم وقضايا الديمقراطية والتنمية وحرية وكرامة الإنسان وغيرها.
إنّ الموحدين الدروز هم دعاةٌ لتنمية روابط المودّة والتسامح والتقارب بين المسلمين، إلا أن هذا التقارب لا يمكن بنظرهم أن يقوم فقط على اللقاءات الشكلية والاحتفالية ببن الحين والآخر، بل يحتاج لاتفاق بلدان العالم الإسلامي على وقف السجالات الدينية والتناظر السلبي وتغيير الهويات الثقافية، والتركيز بدلاً من ذلك على إبراز الأرضيات المشتركة، وعلى وضع برامج إسلامية تستهدف رصَّ الصفوف لمواجهة خطط تدمير الأسرة العربية والإسلامية ومحو التاريخ المجيد لهذه المنطقة التي تمثّل مهدَ الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، ومواجهة محاولات هدم الإرث الأخلاقي القيمي العربي الإسلامي المسيحي، والتشجيع على الأخذ بمظاهر الانحطاط في المجتمع الغربي المتداعي والآيل، لا محالة، إلى السقوط.

6- عروبة الموحدين الدروز
يلتزم الموحدون الدروز بالعالم العربي وقضاياه، وقد كانوا منذ وجودهم في هذه الديار حماةَ الثغور دفاعاً عن بلاد االإسلام، وكانوا على الدوام سدّاً منيعاً في وجه المطامع الأجنبية ومشاريع الاحتلال والتقسيم، وهم قادوا صفوف الثورة العربية الكبرى، وشاركوا بقوة في النضال الفلسطيني والعربي ضد الاستيطان، ثم ضد الاحتلال الصهيوني، وسقط من بينهم مجاهدون من لبنان وسوريا والأردن شهداء على أرض فلسطين. وكان للموحدين الدروز في لبنان الفضل الكبير في إسقاط مشاريع التقسيم، لا سيما مشروع الدولة الدرزية واتفاق السابع عشر من أيار، وكان لهم بالتالي السهم الأكبر في صون وحدة لبنان وعروبته.

كما إن الموحدين الدروز عملوا من أجل نهضة العرب وتقدّمهم ومواكبة تطوّر شعوب العالم، وقدّموا لهذه الرؤية النهضوية الأفكارَ والأسس، وبرز منهم علماء وقادة طليعيُّون، في مقدّمتهم الأمير شكيب أرسلان، وهو الدرزيُّ المنشأ والعلّامةُ الإسلاميُّ الكبير الذي جال العالم العربي منظّراً للنهضة العربية وداعياً لوحدة العرب واستقلال بلدانهم ومقاومة المحتلّ.

وساهم الموحدون الدروز في حركة الاستقلال العربي وفي انطلاقة الدول العربية الحديثةِ النشوء والاستقلال، وفي تطوّرها ونهضتها الاقتصادية، خصوصاً في بلاد الشام وفي الخليج العربي، وهم يعتزّون بالولاء لبلدانهم ويهبُّون لنصرتها في وجه أي تهديد أو أزمات.

 

7- لتعزيز الوحدة والمجتمع المدني
لا يجتمع الموحدون الدروز على عصبية، بل يفضّلون نظاماً مدنياً للمجتمع، ويظهرون في الوقت نفسه انفتاحاً تجاه مختلَف الأديان.

كما يترتب على «رجل الدين» في طائفة الموحدين الدروز أن يكسب رزقه عبر العمل في ما يستطيع إليه سبيلاً، وفي الوقت نفسه فإن الموحدين الدروز يظهرون الاحترام والتوقير الشديد للمشايخ الزهاد الذين ينأون بأنفسهم عن صخب الحياة العامة وينفقون وقتهم في العبادة والذكر.
ومن المحامد الفريدة عند الدروز أنهم لا يبغون جدالا ًأو نقاشاً أو سجالاً حول مفاهيم الدين الحنيف، ولا يسعون لاجتذاب أحد إلى معتقدهم، وهم يعتبرون أنفسهم غير معنيين بالنزاعات وبحملات التكفير والتكفير المضاد، وهم يعتبرون أسواق الكلام المنتشرة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي هي جزءٌ من خطط تفتيت الأمة الإسلامية وابتلاء للغافلين. ويعتمد الموحدون معيار السلوك والمحبة والتواضع وحسن الطوية تجاه الآخرين كمعيار لصدق الإيمان وصحة الاعتقاد، والقاعدة الأهمّ لتوطيد روابط الثقة والمحبة بين الناس، أنّى كان اعتقادهم.

 

8- وحدة العشيرة المعروفية
إن ما يشدّ الدروز بعضهم لبعض ليس الدين أو المذهب فحسب، بل ما يجمعهم هو، ومنذ فجر الدعوة الإسلامية، رابط العشيرة العربية المعروفية والتاريخ الطويل من الكفاح والمعارك والتضحيات التي بذلوها في حماية الإسلام من جهة وفي حماية حياضهم ومواطنهم من الغزاة والمعتدين من جهة ثانية. لكن الولاء الدرزي للدولة الإسلامية الجامعة لم يكن بدوره ولاء تبعية، بل كان ولاء شراكة احتفظ الأمراء الدروز ضمنها بدرجة كبيرة من المكانة والاستقلالية.

وبسبب شخصيتهم العربية الفخورة، ودورهم التاريخي قادةً وجيوشاً، وبسبب المعارك المستمرة التي خاضوها والتي غالباً ما تكلّلت بالنجاح، فقد نشأ لدى الدروز شعور افتخار وثقة كبيرة بالنفس. لكن الوجه الآخر لهذا الشعور بالثقة هو أن الموحدين الدروز واقعيون، ويعرفون حجم المخاطر التي تحيط بهم، وهذا الإدراك بالتحديد هو الذي يفسر تعاملهم الصبور والعقلاني مع الأزمات والتحديات، لكنه هو الذي يفسِّر في الوقت نفسه استماتتهم في مواجهة أي تهديد لوجودهم، وما يظهرونه من مآثر في الدفاع عن حياضهم، وفي أنهم في الملمات لا يطيقون الانقسام، ويحرّمون كل مظاهر الخلاف، ويحولون أمور السياسة والحرب كلها بالتالي إلى قيادة واحدة يولونها أمورهم.

إنّ الميزة المزدوجة للوحدة الشعبية ولوحدة القيادة في المواجهات الصعبة هي في كونهما يساعدان في اعتماد الموقف الأصح والأكثر انسجاما مع مبادئ بني معروف ومصلحتهم السياسية. وعلى العكس من ذلك فإن غياب القيادة المنسجمة والموثوقة للعديد من الجماعات أو الحركات السياسية، والذي غالبا ما يتسبب في انقسام تلك الجماعات وتشتّت قواها وفشلها في تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها.

 

9- التنوّع المعروفي ضمن الوحدة
كما أن الموحدين الدروز يعتمدون نهج الانفتاح واحترام الآخر في الإطار الوطني والإنساني، فإنهم أيضا يقدّرون الظروف المختلفة التي يعيشونها بأنفسهم في كل بلد. ولقد حصل عبر الزمن افتراق ملموس في تطور نمط عيش وعادات وثقافة الدروز، بل حتى في لغتهم أو لهجاتهم المميزة، وذلك في موازاة تباعد المسافات واختلاف مواطن العيش وأنماطه. وقد حصل نتيجة لذلك تفاوت كبير في مسارات تطور الموحدين الدروز بين جبل لبنان وجبل العرب وجبل السماق وجبل الشيخ والغوطة ومملكة الأردن وفلسطين.

ورغم مقولة «طبق النحاس» فإن الموحّدين الدروز ملتصقون بالدرجة الأولى ببلدانهم، موالون لها ومندمجون في مؤسساتها، وهذا الارتباط السياسي الوطني ببلدانهم يفسر لماذا ينأى الموحدون الدروز بأنفسهم عن المشاريع المذهبية أو التحركات الفوضوية، ويُقصِرون تحركهم فقط على الحالات التي يتحول فيها انقسام البلد وانتشار الفوضى وفساد النظام والتدخلات الخارجية تهديدا مباشرا لأمنهم ووجودهم.

ومن الجدير بالذكر أن التضامن بين الموحدين الدروز ليس تضامناً جاهلياً، بل هو تضامن توافقي ذو مضمون سياسي ومبدئي، ويستند إلى عقيدة سياسية وأخلاقية التزمها الموحدون الدروز وتمسكوا بها في جميع الظروف، وكانت هي الموجّه لمواقفهم السياسية ومعاركهم الكبرى. وجوهر هذه العقيدة هو الإسلام الحضاري الرافض للغلوّ والمنفتح على مختلف الجماعات والمذاهب الإسلامية والأديان التوحيدية السماوية، والرافض أيضاً لكل أشكال العنف، والداعي للتسامح والاحترام المتبادل داخل مجتمع إنسانيٍّ حديث.

 

10- الموحدون الدروز والقضية اللبنانية
يُعتبر لبنان ظاهرة فريدة لاجتماع عدد كبير من الطوائف والجماعات العربية وغير العربية والثقافات على إرادة العيش المشترك في بلد صغير، يشكلون شعبه المتنوع واقتصاده الحر ونظامه السياسي التشاركي، وهو النظام الذي يسمح للمكونات المتعددة بالتعبير عن شخصيتها واستخدام لغتها وممارسة تقاليدها وإحياء ثقافتها وأعيادها. وتعيش هذه المكونات آمنة في مناطق جغرافية ارتسمت عبر القرون واتفق اللبنانيون على العيش فيها بأمان ووئام وتآخٍ، وعدم السماح بإثارة النزاعات الأهلية فيما بينهم، حتى بات لبنان نموذجا للعيش الواحد، وواحة للتنوع الثقافي، وقد وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بالوطن الرسالة.

إن الموحدين الدروز لا ينظرون إلى التنوّع اللبناني كنقطة ضعف، بل يعتبرونه على العكس عامل تعدّد وغنى وحيوية، ساهم في إلزام اللبنانيين بإنتاج نظام سياسي تشاركي ومنهج حياد إيجابي، يقوم بالدرجة الأولى على النأي بالبلد عن النزاعات الإقليمية والدولية، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية لمكوناته كافة، وقد سمحت «ديمقراطية التنوع» لفترة معينة بتغليب المصالح المشتركة للبنانيين على ما عداها. وعلى الرغم من سلبيات هذه الصيغة، فإنها تبقى في نظر اللبنانيين أفضل بكثير من نشوء حكم فردي أو ذي غلبة طائفية يوقد نار التوتر بين الفئات اللبنانية ويؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انهيار البلد.
إنهم يدعمون بقوة الحفاظ على صيغة التعايش اللبناني التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كوسيلة لحماية السلم الأهلي والسماح للبلد بمواجهة مشاكله الكثيرة، وهم يرفضون مشاريع الهيمنة أو التقسيم تحت أي مسمى.

وهم يدعون إلى حوار وطني حول خيارات المستقبل، وخصوصاَ إصلاح عمل الدولة ومؤسساتها، ويشددون على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف، لا سيما إلغاء الطائفية السياسية، وتطبيق اللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي.

إنهم دعاة سلم لا حرب ودعاة وحدة وطنية لا تناحر طائفي، وكما أنهم قطعوا الطريق على كل محاولات سلخ لبنان عن محيطه العربي، فإنهم كانوا السباقين أيضا إلى المصالحة، والانفتاح على الآخر، وطي صفحات الماضي، والبناء من أجل المستقبل.

إن الموحدون الدروز في لبنان يدركون أن قوتهم وقوة أي من مكونات البلد لا يمكن أن تستمد من استقواء طرف أو من أحلاف خارج الحدود بل من قوة الدولة الوطنية والعادلة، ومن المشاركة الحقيقية للجميع في صياغة سياساتها وإدارة شؤونها. ومن هنا، فقد تصدت القيادات المعروفية، في أكثر من مناسبة، للطغيان الطائفي واستغلال الدولة، كما تصدت للحرب الأهلية التي استهدفت خلال العامين 1975 و1976 تقسيم لبنان، فساهمت بذلك في صون وحدة البلد، ثم في دعم الإصلاحات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف في أواخر العام 1989.

 

11- الدور الوطني للدروز في سوريا
إن الموحّدين الدروز متمسكون بوحدة سوريا وطناً واحداً لجميع أبنائه، يحفظ لهم العيش بحرية وكرامة واستقرار وأمان، وهم يدعون لقيام حكم وطني ديمقراطي لاطائفي يعيد لسوريا وحدتها المجتمعية وازدهارها الاقتصادي ودورها الإقليمي. وقد تصدّى الموحدون الدروز لمشاريع نشر الاقتتال والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد، وبصورة خاصة، فقد قاوم الموحدون الدروز بشدة الضغوط التي هدفت لتجنيدهم ودفعهم إلى مقاتلة إخوانهم السوريين في مناطق الصراع، وهم بدلاً من ذلك صرفوا كل جهودهم لحماية أهل جبل العرب على اختلاف انتماءاتهم، من العصابات الداعشية ومن المؤامرة الهادفة لكسر وحدة الجبل واختراقه وإخضاعه.

وقد وقف دروز سوريا جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية في محافظة السويداء وفي درعا وجبل السماق والجنوب السوري والجولان المحتل في تصديهم لمؤامرات التهجير والتركيع والفتن الطائفية والاحتلال الأجنبي.
وكما حافظ الموحدون الدروز في سوريا على انتمائهم الوطني، كذلك فعلوا في الجولان المحتل، رافضين الهوية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية، رغم كل محاولات الاحتلال لتطويعهم، تارة بالترهيب، وتارة أخرى بالترغيب.
ويشهد التاريخ للموحدين الدروز في الجولان قطعهم الطريق على المؤامرات الإسرائيلية المتكررة لعزل الدروز وسلخهم من انتمائهم العربي، وكان آخرها حادثة مجدل شمس وموقفهم الشجاع الذي ساهم بوأد الفتنة في مهدها.

إن الواقع الضبابيَّ اليوم، بعد بروز الأطماع الإسرائيلية التوسُّعية، ومع تبدُّل الحكم في سوريا وما حصل ويحصل في جبل العرب من مواجعةٍ وتجاذب، وما يُحاك من مؤامرة لحرف الموحدين الدروز عن هويتهم وانتمائهم الوطني والعربي والإسلامي، بات يثير قلقاً بالغاً من صراعٍ يتنامى بين المتأثرين منهم بالسياسة الإسرائيلية التي تدّعي حمايتهم وتدفعهم إلى معاداة الدولة السورية الجديدة، وبين المتمسّكين منهم بتراثهم وتاريخهم وانتمائهم التاريخي والداعين إلى دورٍ تشاركيٍّ فاعل في الدولة، وذلك في ظلّ هاجس الخوف من عدم تمكنها من لجم التطرُّف والتعصّب والتكفير واحتمال تكرار ما حدث في السويداء من اعتداءاتٍ طالت الرموز الدينية والأبرياء وضربت نسيج العيش المشترك بين أبناء جبل العرب.

 

12- دروز الأردن… بنو معروف
الموحدون الدروز في المملكة الأردنية الهاشمية معروفيون أصيلون، وهم مواطنون أردنيون يعتزّون بوطنيتهم، ويتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدُّون كامل واجباتهم تجاه المملكة، ويتمسكون بانتمائهم الإسلامي والعربي، ويدافعون عن القضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وقد كان لهم دور جليل في احتضان الثورة السورية الكبرى وقيادتها في أكثر من مرحلة، لا سيما عندما اضطر سلطان باشا الأطرش للانتقال مع عائلته ورفاقه المجاهدين إلى محافظة الأزرق الأردنية، فلم تكن الأردن المنفى، إنما الوطن الذي حماهم واحتضنهم إلى حين عودتهم الى الجبل بكرامة.

ولا يزال أبناء طائفة الموحدين الدروز المعروفيون في الأردن، وفي كافة الميادين السياسية والاجتماعية، يعكسون هذا الانتماء والنهج لما فيه خير وطنهم وأمتهم العربية والإسلامية.

 

13- دروز فلسطين
تعرضت آمال دروز فلسطين بإمكان حماية وضعهم كأقلية عربية إلى صدمات متلاحقة منذ تأسيس الكيان العنصري في العام 1948، وهم الذين يُسجّل لهم أنهم لم يتركوا أرضهم، إنما تجذّروا فيها رغم كل التحديات، وبالرغم من اغتصاب ثلثي أراضيهم ومشاعات قراهم، ومن «قانون الجنسية» للعام 2018 الذي حوّلهم رسمياً، وهم أصحاب الأرض الأصليون، إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة داخل إسرائيل التي أعلنت نفسها دولة حصرية لليهود.

لقد أحدث صدور القانون صدمة نفسية كبيرة، واعتبره أكثر دروز فلسطين نذير شؤم لمستقبل الدروز في فلسطين. وتظاهر آلاف الدروز ضد القانون، وتزايد في وقت قصير عدد الذين يرفضون الخدمة العسكرية، كما ارتفعت بقوة نسبة الذين باتوا يعرّفون عن أنفسهم بأنهم مواطنون عرب.

عُرف الموحدون الدروز، عبر التاريخ، بالشجاعة في الحق، ونصرة المظلوم، واحتقار القوة الغاصبة بل وإذلالها، ولدى العشيرة المعروفية حلف شرف له نواميسه التي لم تحد عنها، ومن هذه النواميس، بل في رأسها، أنهم لا يعتدون على مَن لا يعتدي عليهم، وأنهم لا يقتلون بريئاً أو طفلاً أو شيخاً، وهذا الميثاق هو عهد الله عليهم ودستور سلوكهم، لا يصح لأي فئة صغيرة أن تكسره وأن تحمِّل العشيرة أوزاراً لا طاقة لها على تحمُّلها، لذلك وفي الأيام العصيبة، فإن الموحدين الدروز يؤكدون أن أي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب على المدنيين والأبرياء هي ضلال، وأنهم بريئون مما يفعل الضالُّون منهم والظالمون.

لقد أصبح المجتمع الدُّرزي كتلةً بشرية وازنة، إذ يفوقُ بعدده الـ150 ألف إنسان، وهم يضمُّون نسبة كبيرة من المهنيين والأكاديميين والمفكرين والمثقفين، ومن هذا الواقع فإنهم مدعوُّون كطائفة لها هذه القوّة العددية وهذا الحجم من الكفاءات، للعب دورٍ إيجابيٍّ مؤثّر بقول كلمة الطائفة القوية والإعلان عن حقّها بالتعبير عن حقيقة انتمائها، ورفض سلخها عن هويتها الحقيقية كجزء من الشعب الفلسطيني، والمطالبة بحقّه في تقرير مصيره وإدانة الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها.

 

خاتمة

إن ما يحصل في زمننا الحاضر من هجمة غير مسبوقة في منطقة ما كان يُسمّى بـ «بلاد الشام»، ومن مخطّطٍ شرسٍ يرمي إلى تمزيق الدول وتحطيم ثوابت المجموعات المذهبية والعرقية والإثنية، ومنها «الموحدون الدروز»، الذين يواجهون اليوم أعتى المؤامرات ويوضَعون في أصعب المواقف، بين مؤامرةٍ هادفة إلى اقتلاعهم من تاريخهم وإرثهم وقوميتهم ووطنيتهم ومحيطهم، وبين تطرُّفٍ وتكفيرٍ يُخشى من تمدُّده، ما يستدعي الوقوف وقفة موحَّدة صلبة وثابتة وعدم الانزلاق إلى مصيرٍ مجهول مهما كانت الإغراءات ومهما تعاظمت التهديدات، فالأوطانُ ملاذُ أبنائها، والتمسُّك بالثوابتُ الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود.
تلك هي الثوابت التاريخية التي التزم بها الموحّدون الدروز عبر تقلّب الأزمان والدول، وهي تعَدُّ أصدق تمثيل لتاريخهم العريق، كما أنها تخدم حاضرهم، وتوفّر الأمان والمنعة لمستقبلهم، وكلّ إهمال لهذه المبادئ أو استهانة بها، أيّاً كانت الأسباب، من شأنه أن يهدد مكانتهم ويُضعف دورهم الكبير في أوطانهم، بل إنه يضع وجودهم السياسي على المحك، والالتزام بها يرقى إلى مرتبة الواجب الوطني والقومي، بل إلى مرتبة الوجود المعروفي بحدّ ذاته.

اللحظة الدرزية الراهنة: المآزق والمخارج

ليست المرة الأولى التي تمر بها طائفة الموحدين الدروز بمصاعب كبيرة وتحديات يلامس بعضها الطابع الوجودي، وربما لن تكون الأخيرة في منطقة تلتهب فيها النيران الطائفية والمذهبية عند كل منعطف تاريخي وعلى مشارف كل تغيير سياسي كبير. ولكن الثابت والأكيد أن اللحظة الدرزية الراهنة في الشرق الأوسط هي لحظة شديدة الحساسيّة والحراجة على ضوء الأحداث المأساوية التي شهدتها سوريا وقبلها لبنان، وطبعاً- وبصورة دائمة- فلسطين.

وتحتّمُ هذه اللحظة المفصليّة بناء مقاربات سياسيّة تأخذ في الاعتبار التطورات غير المسبوقة التي شهدتها المنطقة تحديداً بعد السابع من أكتوبر 2023 عند إنطلاق عملية «طوفان الأقصى» ومن ثم حرب الإبادة الإسرائيليّة على قطاع غزة بالتوازي مع استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقضم التدريجي لأراضيها بإزاحة السكان الأصليين، ومواصلة مخططات تهويد القدس الشرقيّة منها ورفض إسرائيل لكل مقترحات السلام القائمة على حل الدولتين وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة.

ولا يمكن إغفال أيضاً الحرب التي توسعت نحو لبنان سنة 2024 نتيجة «حرب الإسناد» والتي أسقطت نظرية «توازن الردع» التي كانت بُنيت بعيد حرب تموز/ يوليو 2006 وأدت إلى استباحة السيادة اليومية للبنان دون أي اعتبار لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. أساساً، بات واضحاً أن إسرائيل تكرّس أعرافاً جديدة في المنطقة بحيث أنها قلما تحترم الاتفاقيات الموقعة (وقف الأعمال الحربية في لبنان وغزة، اتفاق فك الاشتباك في سوريا…) وتمنح نفسها الحق في مواصلة القصف والاستهداف بعد التوصل إلى الاتفاق وهي سابقة جديدة في العلاقات الدولية.

وإذا كانت التطورات الحاصلة في غزة ولبنان قد أسهمت إلى حد كبير في خلط الأوراق وإعادة ترسيم موازين القوى الجديدة، فإن سقوط نظام آل الأسد في سوريا بعد 55 عاماً من الحكم الديكتاتوري البعثي قد أدّى إلى تغيير جذري في سوريا ودفع في اتجاه قيام سلطة جديدة وجدت نفسها أمام تحديات لا تعد ولا تحصى: الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي الداخلي، العلاقات مع الخارج، العقوبات الدولية، انهيار العملة الوطنية والكثير من الملفات الأخرى.

وسواءً أكان عن قصد أو غير قصد، حصلت تجاوزات كبيرة أدت إلى مجازر بشعة في الساحل السوري لا سيما في القرى ذات الأغلبية العلوية ولاحقاً في السويداء ذات الأكثرية الدرزية تلتها أعمال انتقامية من بدو حوران. وساهمت كل هذه المشاكل في حصول اهتزاز عميق في الهوية الوطنية السورية وطرحت تساؤلات عن طبيعة المشروع الوطني السوري المستقبلي على ضوء هذه الأحداث الخطيرة.

 

من أحداث السويداء

 

الأكيد أن أي تعرّض للمدنيين، بمعزل عن انتمائهم الطائفي، هو تعرّض مدان ومرفوض، ويتناقض مع أبسط المواثيق والقوانين الدولية والإنسانية ولا يمكن تبريره تحت أي مسمى، والقتل على الهوية (الذي سبق أن جُرّب لبنانياً في حقبة الحرب الأهليّة السوداء) لا يمكن وصفه إلا بالبربرية التي تنتمي إلى عصور غابرة يفترض أن تكون قد ولت ولم تعد. هذه مبادئ وثوابت لا يمكن الحياد عنها، ولا يمكن تغليفها بأي مبررات أو أسباب «تخفيفيّة».
من هنا كانت المطالبة المحقة بالتحقيق الدولي الشفاف في أحداث السويداء لتحديد المسؤوليات تماماً وبوضوح تام من دون مواربة، على أن يكون هذا التحقيق ونتائجه هي المدخل لمحاسبة جميع المرتكبين لأي فئة انتموا ممن خالفوا حقوق الإنسان وتعرضوا للأبرياء العزّل. ومن نافل القول أن غياب التحقيق أو تغييبه، يساهم في مراكمة الأحقاد وفي تربية مشاعر الكراهية وتعزيزها وفي تغذية الرغبة الدفينة في الانتقام، ويؤسس تالياً إلى تعميق الشرخ الاجتماعي والسياسي.

وإذا كانت هذه العناوين الأساسية هي من المسلّمات التي لا يجوز الحياد عنها، فإن التذرع بها لسلوك دروب التقسيم والانشطار عن الوطن هو من الخطايا السياسية والوطنية التي لا تُغتفر مهما بلغت الصعاب المدارك المتقدمة خصوصاً في ظل وجود احتلال شرس أثبتت كل التجارب معه أنه لا يكترث إلا لمصلحته الخاصة وأنه على استعداد دائم للدوس على من يتعاون معه، قبل الدوس على من يناوئه، في سبيل تحقيق أهدافه التي تتلخص حصراً بتطبيق العقيدة الصهيونية التي لا تترك إلى جانبها متسعاً من المكان لأي من المكونات الأخرى.

وهذا يطرح المخاطر المركزية عند بعض الجهات الدرزية في السويداء التي لم تتأخر عن امتطاء الحصان الإسرائيلي رغم معرفتها (أو عدم معرفتها ربما) أنها سوف تُسقط عنه عاجلاً أم آجلاً، ورغم أن الخيارات التي يقدمها سلوك هذا المسار لا تعدو كونها خيارات انتحارية لا طائل منها إلا بث الفرقة والانقسام بين أبناء الوطن السوري الواحد.

 

الانتهاكات والتجاوزات في السويداء

 

إن الرهان من بعض أبناء السويداء على مشروع الدويلة الدرزية التي سبق أن رفضها قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش في عشرينيات القرن الماضي، هو وصفة جاهزة للاستسلام والتبعية، في إطار «دولتي» غير قابل للحياة ليس بسبب هويته السياسية المشبوهة فحسب، بل أيضاً بسبب عدم توفر مقومات عيشه إلا من القوت الإسرائيلي، وهو القوت المسموم والمؤقت الذي يمكن أن يُقطع في أي لحظة من اللحظات، ودون سابق إنذار.
لعل الاختيار الإرادي للعمل مع إسرائيل هو قمة العمى السياسي في لحظة الالتهاب الدرزي. وعلى الرغم من قسوة الدرب الوطني ووعورته، وضرورة تصويبه كمنطلق حتمي لا تراجع عنه للمرحلة الجديدة؛ إلا أنّ أشواكه تبقى أقل قسوة من الخيار الإسرائيلي المجرّب يومياً في غزة والضفة الغربية والقدس والخليل ورام الله وكل أرجاء فلسطين، وهو مثبت بالصوت والصورة.

إلى أهل السويداء الأبطال، لا تسلكوا إلا طريق وطنكم، مهما كان شاقاً، وابتعدوا عن الخيارات الانفعالية التي سوف تستغلكم لتحقيق المشاريع والمآرب الخاصة. لا تتخلوا عن هويتكم العربية كما كنتم دائماً في طليعة العرب الأقحاح.

السُّويداء المنكوبة
انتهاكاتٌ... حِصارٌ ومسْتقبلٌ مَجهول!

السُّوَيْداءُ… نِسْبَةً لِحِجارَتِها البازَلْتِيَّةِ السَّوْداءِ، هِيَ جَبَلُ الرَّيَّانِ فِي العَصْرِ الإِسْلامِيِّ لِخُصُوبَةِ أَرْضِها وَكَثْرَةِ المِياهِ، وَلَكِنْ مُنْذُ 12 تَمُّوز/يُولْيُو 2025، بَدَأَتْ مِحْنَةُ المُحافَظَةِ وَالمُسْتَمِرَّةُ حَتَّى الآنَ، لِتَبْدَأَ سِلْسِلَةٌ مِنَ الأَحْداثِ المَقِيتَةِ، وُصُولًا إِلى اِعْتِداءاتٍ دامِيَةٍ وَاِنْتِهاكاتٍ بِحَقِّ المَدَنِيِّينَ العُزَّلِ مِنْ قَتْلٍ وَاِغْتِصابٍ، وَنَهْبٍ وَحَرْقٍ لِلْبُيُوتِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالمَحَلَّاتِ التِّجارِيَّةِ، وَاعْتِداءاتٍ عَلَى الطَّواقِمِ الطِّبِّيَّةِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ، وُصُولًا لِمَوْجَةِ نُزُوحٍ مِنْ حَوالَيْ 37 قَرْيَةً دُمِّرَتْ بِالكامِلِ، تَزامُنًا مَعَ حَمَلاتٍ كَثِيرَةٍ لِإِيواءِ الآلافِ مِنَ النّازِحِينَ فِي أَمَاكِنَ مُؤَقَّتَةٍ مِنْها مَدارِسُ وَغَيْرُها، وَحِصارٍ لا يَنْتَهِي وَتَجْوِيعٍ وَقَطْعٍ لِلْمِياهِ وَالمَحْرُوقاتِ وَالكَهْرَباءِ وَالإِنْتِرْنِتِ، وَتَعْتِيمٍ إِعْلامِيٍّ مُنَظَّمٍ لِما يَحْصُلُ حَقيقَةً، مَعَ تَنامٍ فِي خِطابِ كَراهِيَةٍ مِنْ مُخْتَلَفِ الخَلْفِيَّاتِ المَذْهَبِيَّةِ.

أَمامَ هذِهِ الاِعْتِداءاتِ الدَّامِيَةِ، لَمْ يَكُنْ أَمامَ الأَهالِي إِلَّا الوُقُوفُ دِفاعًا عَنْ أَرْضِهِمْ وَعِرْضِهِمْ، فَاِمْتَشَقَ الرِّجالُ وَالنِّساءُ عُدَّةَ الحَرْبِ وَالتَّمْرِيضِ وَالخِدْمَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ، لِيَتَمَكَّنُوا وَلَوْ بِالقَلِيلِ المُتَوَفِّرِ مِنْ تَهْوِينِ الأَمْرِ عَلَى أَهالِيهِمْ، آمِلِينَ الوُصُولَ إِلى حُلُولٍ نِهائِيَّةٍ، تُساهِمُ فِي إِعادَةِ الاِسْتِقْرارِ وَالأَمْنِ وَالسَّلامِ، وَلِيَعُودُوا إِلى عادَاتِهِمِ القَدِيمَةِ مِنَ الشَّهامَةِ وَالكَرَمِ.

لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْ إِحْصاءِ التَّكالِيفِ المادِّيَّةِ لِهذَا العُدْوانِ عَلَى المُحافَظَةِ، وَالَّتِي تُقَدَّرُ رُبَّما بِعَشَراتِ المِلْيارَاتِ مِنَ الدُّوَلاراتِ، وَلَكِنَّها لا مَجالَ لِمُتابَعَتِها أَمامَ الخَسائِرِ بِالأَرْواحِ، حَيْثُ نُظِّمَتْ وَقْفاتُ تَأْبِينٍ عِدَّةٌ اِمْتَلَأَتْ بِها ساحاتٌ وَقاعاتُ المُدُنِ وَالقُرَى فِي المُحافَظَةِ لِلشُّهَداءِ، مِنْهُمْ عائِلاتٌ بِالكامِلِ، وَتَبْقَى فِي القُلُوبِ غُصَّةٌ، عَلَى المِئاتِ مِنَ المَفْقُودِينَ وَلا سِيَّما مِنَ النِّساءِ، اللَّاتِي يَتَخَوَّفُ الكَثِيرُونَ عَلَى مَصِيرِهِنَّ لِجِهَةِ سَبْيِهِنَّ وَبَيْعِهِنَّ فِي أَسْواقِ النِّخاسَةِ، الَّتِي لا زالَتْ تَتَواجَدُ فِي القَرْنِ الواحِدِ وَالعِشْرِينَ، لِتُعِيدَنا إِلى العُصُورِ المُظْلِمَةِ مِنَ التَّارِيخِ العَرَبِيِّ.
وَعَلَى لِسانِ شُهُودٍ مِنَ السُّوَيْداءِ، وَصَلْنا إِلى حَقيقَةٍ قاتِمَةٍ لِلْغايَةِ وَأَفْظَعَ مِمَّا نَتَصَوَّرُ، خُصُوصًا مَعَ الواقِعِ المُتَرَدِّي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.

وَقالَ خالِدُ سَلُوم مِنْ مُنَظَّمَةِ «جُذُورُ سُورِيّا»: «أَهَمُّ المُشْكِلاتِ الَّتِي تُواجِهُ المُحافَظَةَ اِنْعِدامُ المُواصَلاتِ بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ المَحْرُوقاتِ مِنَ المازُوتِ وَالبَنْزِينِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّ المُخَصَّصاتِ الَّتِي تَأْتِي لا تَكْفِي لِتَشْغِيلِ الأَفْرانِ العامَّةِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ، بِالإِضافَةِ لِشُحٍّ كَبِيرٍ بِالمَوادِّ الغِذائِيَّةِ، وَحَتَّى المُساعَداتِ الَّتِي تُقَدَّمُ لا تُغَطِّي أَكْثَرَ مِنْ 30% مِنَ النّازِحِينَ، وَبِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِها بِشَكْلٍ يَوْمِيٍّ تُصْبِحُ عَمَلِيَّةُ التَّوْزِيعِ غَيْرَ عادِلَةٍ».

وَتابَعَ سَلُوم: «تَتَجاوَزُ المُشْكِلاتُ إِلى نَقْصٍ فِي الخَدَماتِ الصِّحِّيَّةِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُصُولِ سِلالٍ صِحِّيَّةٍ لِلْمَشافِي وَلَكِنَّها غَيْرُ كافِيَةٍ، وَهُناكَ مَرْضى وَجَرْحى مُهَدَّدُونَ بِالمَوْتِ أَوِ الإِعاقَةِ بِسَبَبِ التَّأَخُّرِ فِي العِلاجِ المُناسِبِ، وَحَتَّى المِياهُ وَضْعُها كارِثِيٌّ، ما يُنْبِئُ بِخَطَرِ اِنْتِشارِ الأَمْراضِ الَّذِي أَصْبَحَ وَشِيكًا».

وَطالَبَ سَلُوم بِضَرُورَةِ «العَمَلِ عَلَى فَتْحِ مَعْبَرٍ إِنْسانِيٍّ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ مِنَ الأُرْدُنِ لِدُخُولِ المَحْرُوقاتِ وَالمَوادِّ الغِذائِيَّةِ، وَعَلَى فَكِّ الحِصارِ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ السُّورِيَّةِ».

وَقالَتِ المُحامِيَةُ وَالنّاشِطَةُ المَدَنِيَّةُ شُرُوقُ أَبُو زَيْدان: «السُّوَيْداءُ مَنْكُوبَةٌ حَرْفِيًّا، وَهِيَ بِحاجَةٍ لِتَدَخُّلٍ دُوَلِيٍّ سَرِيعٍ، لِإِيقافِ الاِعْتِداءاتِ مِنْ قِبَلِ المُهاجِمِينَ وَإِبْعادِهِمْ عَنْ أَرْضِها، وَدُخُولِ المَوادِّ الأَساسِيَّةِ وَالغِذائِيَّةِ وَالمَحْرُوقاتِ إِلَيْها دُونَ شُرُوطٍ، فَهُناكَ قَطْعٌ مُتَعَمَّدٌ لِلْكَهْرَباءِ عَنِ المُحافَظَةِ، إِذْ تَصِلُ ساعَاتُ قَطْعِ الكَهْرَباءِ لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ ساعَاتٍ وَنِصْفِ السّاعَةِ مُقابِلَ نِصْفِ ساعَةٍ مِنَ الوَصْلِ، وَهَذا بِدَوْرِهِ يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى مُخْتَلَفِ القِطاعاتِ وَالخَدَماتِ مِثْلَ وُصُولِ المِياهِ وَالاِتِّصالاتِ وَالإِنْتِرْنِتِ، فَضْلًا عَنْ تَراجُعِ أَدَاءِ الأَفْرانِ العامَّةِ وَالخَاصَّةِ، خُصُوصًا فِي ظِلِّ أَزْمَةِ المَحْرُوقاتِ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ تَدْخُلْ مُخَصَّصاتُ المُحافَظَةِ مِنَ المَحْرُوقاتِ مُنْذُ يَوْمِ 13 تَمُّوز 2025 وَلِغايَةِ اليَوْمِ، فَعَدا القَلِيلُ مِنْ مادَّةِ المازُوتِ لِتَشْغِيلِ الأَفْرانِ، فَإِنَّ هُناكَ شَلَلًا شِبْهَ تامٍّ فِي قِطاعِ النَّقْلِ، إِلَّا بَعْضَ الباصاتِ بَيْنَ المَناطِقِ المُخْتَلِفَةِ لِإِيصالِ النّاسِ لِمَرْكَزِ المَدِينَةِ، كَما وَأَنَّ هُناكَ شُحًّا كَبِيرًا بِالمِياهِ لِلْأَسْبابِ السّابِقَةِ وَنَظَرًا لِتَعْطِيلٍ وَتَخْرِيبٍ لِشَبَكاتِ المِياهِ خِلالَ الهُجُومِ الإِرْهابِيِّ عَلَى المُحافَظَةِ».
وَتَابَعَتْ: «أَمَّا الْمَشَاكِلُ الْكُبْرى فَهِيَ وُجُودُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ نَازِحٍ دَاخِلِيًّا مِنْ قُرَاهُمُ الْمَحْرُوقَةِ، حَيْثُ بَلَغَ عَدَدُ الْقُرَى الَّتِي أُحْرِقَتْ وَتَمَّ تَهْجِيرُ أَهْلِهَا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ قَرْيَةً، وَهِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا بِنِسْبَةٍ تَفُوقُ الثَّمَانِينَ بِالْمِئَةِ، حَتَّى لَوْ تَمَّ إِخْلَاؤُهَا مِنَ الْعَشَائِرِ الَّذِينَ يَتَمَرْكَزُونَ فِيهَا وَيُكَرِّرُونَ الْهُجُومَ عَلَى مَنَاطِقِ الْمُحَافَظَةِ مِنْهَا فِي مُعْظَمِ الْأَيَّامِ. وَهَذَا يَأْخُذُنَا إِلَى مُشْكِلَةِ عَدَمِ الشُّعُورِ بِالْأَمَانِ فِي مَدِينَةِ السُّوَيْدَاءِ أَوِ الْقُرَى الْمُحِيطَةِ بِهَا بِسَبَبِ تَكْرَارِ الْهُجُومِ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَجْمُوعَاتٍ الْعَشَائِرِ والفصائل، وَخَرْقِهِمِ الدَّائِمِ لِلْهُدْنَةِ، وَتَوَغُّلِهِمْ، وَحَرْقِهِمِ الْمُتَكَرِّرِ لِلْقُرَى فِي الرِّيفِ الْغَرْبِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ».

وَأَضَافَتْ: «هُنَاكَ الْحِصَارُ الْمَفْرُوضُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ مِنْ قِبَلِ الْحُكُومَةِ، وَالَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ أَوْ دُخُولَ شَيْءٍ أَوْ أَحَدٍ إِلَيْهَا دُونَ مُوَافَقَتِهَا، وَمِنْهَا الْمَوَادُّ الْغِذَائِيَّةُ. كَمَا لَا يُمْكِنُ لِلْأَشْخَاصِ التَّحَرُّكُ مِنْ وَإِلَى الْمُحَافَظَةِ إِلَّا عَبْرَ الْمَعْبَرِ مِنْ دَرْعَا، وَبِتَنْسِيقٍ مُسْبَقٍ مَعَ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَبِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْحُكُومَةِ، أَيْ إِقَامَةٌ جَبْرِيَّةٌ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ. وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحِصَارَ يَمْنَعُ التَّحْوِيلَاتِ الْمَالِيَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ لِلْمُحَافَظَةِ، مِمَّا يَزِيدُ الْأُمُورَ تَعْقِيدًا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّاسِ، كَمَا بَدَأَتِ الْمَوَادُّ الْغِذَائِيَّةُ وَالْأَدْوِيَةُ بِالنَّفَادِ مِنَ الْأَسْوَاقِ، مَا يُهَدِّدُ أَمْنَهَا الْغِذَائِيَّ وَالدَّوَائِيَّ».

وَلَفَتَتْ إِلَى أَنَّ «هُنَاكَ مُشْكِلَةً تَتَعَلَّقُ بِالْقِطَاعِ الصِّحِّيِّ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْكَوَادِرِ، وَعَدَمُ وُجُودِ لَوَازِمَ صِحِّيَّةٍ، وَمُعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا الْمَشَافِي فِي ظِلِّ الْكَارِثَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُهَا الْمُحَافَظَةُ».

وَأَوْضَحَتْ أَنَّهُ «لَا إِنْفِرَاجَاتٌ، اَللَّهُمَّ إِلَّا بَعْضَ الْمُسَاعَدَاتِ الَّتِي تَصِلُ لِلْمُحَافَظَةِ وَتَحْصُرُهَا الْحُكُومَةُ بِيَدِ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ سِلَلٍ إِغَاثِيَّةٍ وَغِذَائِيَّةٍ لَا تُغَطِّي عَشْرَةَ بِالْمِئَةِ مِنِ احْتِيَاجَاتِ الْمُحَافَظَةِ، وَلَا تَتَضَمَّنُ كُلَّ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ وَحَتَّى الْأَسَاسِيَّةِ مِنْهَا. كَمَا أَنَّ الْحُكُومَةَ تَمْنَعُ دُخُولَ الْكَثِيرِ مِنْ قَوَافِلِ الْمُسَاعَدَةِ بِحُجَجٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَهُنَاكَ مُشْكِلَةُ الشُّحِّ بِمَادَّةِ الطَّحِينِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا الْمُحَافَظَةُ، وَالَّتِي تُقَدَّرُ فِي الْحَالَاتِ الْعَادِيَّةِ بَيْنَ مِئَةٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَةٍ وَأَرْبَعِينَ طُنًّا يَوْمِيًّا، وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ هَذَا الْكَمُّ مِنْهُ بِسَبَبِ حَرْق ِ العشائرِ والفصائلِ لصَوَامِعِ الْقَمْحِ وَمَطَاحِنِ الطَّحِينِِ خِلَالَ الْهُجُومِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ. وَلَا يَكْفِي الطَّحِينُ الْوَاصِلُ عَنْ طَرِيقِ الْمُسَاعَدَاتِ لِسَدِّ هَذَا الِاحْتِيَاجِ، مِمَّا أَدَّى لِتَخْفِيضِ الْمُخَصَّصَاتِ الْيَوْمِيَّةِ لِأَقَلَّ مِنْ مِئَةِ طُنٍّ، مَعَ تَوَقُّفِ الْكَثِيرِ مِنَ الْأَفْرَانِ عَنِ الْعَمَلِ لِشُحِّ الطَّحِينِ وَالْمَحْرُوقَاتِ. وَيَبْقَى التَّخَوُّفُ لَدَى الْأَهَالِي مِنَ الِاشْتِبَاكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمِنْ خَطَرِ تَكْرَارِ الْهَجَمَاتِ مِنَ الْمَجْمُوعَاتِ الْمَدْعُومَةِ مِنْ قُوَى الْأَمْنِ الدَّاخِلِيِّ أَوِ الْعَامِّ، وَالَّتِي لَا تَزَالُ مُتَمَرْكِزَةً فِي الْقُرَى فِي الرِّيفَيْنِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّمَالِيِّ، وَالَّتِي لَا تَنْفَكُّ تَخْرِقُ الْهُدْنَةَ وَتَسْتَمِرُّ بِالْهُجُومِ عَلَى الْقُرَى وَالْمَدِينَةِ بِالْقَذَائِفِ وَالْأَسْلِحَةِ الثَّقِيلَةِ، وَتُحْرِقُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْقُرَى (إِنْ تَبَقَّى مِنْهَا شَيْءٌ)». وَطَالَبَتِ الْمُجْتَمَعَ الدَّوْلِيَّ بِضَرُورَةِ «تَشْكِيلِ لَجْنَةِ تَحْقِيقٍ دُوَلِيَّةٍ لِلتَّحْقِيقِ بِالْمَجَازِرِ الَّتِي اُرتكبت بحقّ المدنييّن الأبرياء فِي الْمُحَافَظَةِ، وَفَتْحِ مَعْبَرٍ فِي الْمُحَافَظَةِ يَضْمَنُ الْحَرَكَةَ التِّجَارِيَّةَ وَالْبَشَرِيَّةَ، مَعَ إِطْلَاقِ سِرَاحِ الْمَخْطُوفِينَ وَالْأَسْرَى».

وَعِنْدَ الطَّلَبِ مِنْهَا لِشَهَادَةٍ مِنَ الْأَطْفَالِ حَوْلَ الْوَاقِعِ الْمُتَرَدِّي عَلَى لِسَانِهِمْ، أَجَابَتْ: «لَا يُمْكِنُنِي حَتَّى الطَّلَبُ، الْأَطْفَالُ فِي مِحْنَةٍ وَصَدْمَةٍ، وَأَيُّ سُؤَالٍ يُعِيدُهُمْ لِعَيْشِ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْمُخِيفَةِ، وَنُحَاوِلُ بِكَافَّةِ الْوَسَائِلِ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ. مُسْتَقْبَلًا، هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ يَحْتَاجُونَ لِعِلَاجٍ وَمَشُورَةٍ فِي الْمَجَالِ النَّفْسِيِّ وَالْمُجْتَمَعِيِّ».

وَقَالَتْ مُدِيرَةُ مَرْكَزِ «نَبْضٍ الْمُجْتَمَعِيِّ» الْجَمْعِيَّةِ السُّورِيَّةِ لِلتَّنْمِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ «نَدَى الصَّبَّاغُ» مِنْ صَلْخَدْ: «أَعْمَلُ فِي مَجَالِ الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، أَهَمُّ مَا نُعَانِي مِنْهُ حَالِيًّا هُوَ نَفَادُ الْوَقُودِ مِنْ غَازٍ وَبِنْزِينٍ وَمَازُوتٍ، وَهَذَا النَّفَادُ كَارِثِيٌّ يُؤَثِّرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ سَيَّارَاتِ الْإِسْعَافِ، وَعَلَى نَقْلِ الْخُضَارِ وَالْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ وَالْأَدْوِيَةِ لِلْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ وَالدَّائِمَةِ وَأَدْوِيَةِ السَّرَطَانِ وَالْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَكِبَارِ السِّنِّ وَالْأَطْفَالِ، وَالَّتِي عَلَيْهَا طَلَبٌ كَبِيرٌ لِلْغَايَةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ مَسْتَوْدَعَاتِ أَدْوِيَةٍ، إِلَّا أَنَّهَا قَارَبَتِ النَّفَادَ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَقْصٍ حَادٍّ فِي حَلِيبِ وَحِفَاضَاتِ الْأَطْفَالِ وَالْعَجَزَةِ، وَفِي مِيَاهِ الشُّرْبِ، فَهُنَاكَ آبَارٌ خَارِجُ الْخِدْمَةِ تَمَّ تَعْطِيلُهَا خِلَالَ الْحَرْبِ، وَقَدْ أَثَّرَ هَذَا عَلَى ثَلَاثِ مَنَاطِقَ رَئِيسِيَّةٍ هِيَ مَدِينَةُ السُّوَيْدَاءِ وَصَلْخَدْ وَشَهْبَا. وَخِلَالَ الْأَزْمَةِ، انْقَطَعَتِ الْكَهْرَبَاءُ لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ، وَحَالِيًّا تَأْتِي بِصُورَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ وَغَيْرِ كَافِيَةٍ، مَا أَدَّى لِفَسَادِ الْأَدْوِيَةِ، لَا سِيَّمَا لِمَرْضَى السُّكَّرِيِّ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى إِبَرِ الْإِنْسُولِينِ. كَمَا وَأَنَّ هُنَاكَ نَقْصًا لِلْمَوَادِّ الْإِسْعَافِيَّةِ وَاللَّوَازِمِ الطِّبِّيَّةِ فِي الْمَشْفَى الْوَطَنِيِّ فِي السُّوَيْدَاءِ وَمَشْفَى صَلْخَدْ، وَنَقْصًا فِي الْكَادِرِ الطِّبِّيِّ بِسَبَبِ عَدَمِ قُدْرَةِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْوُصُولِ لِلْمَشَافِي بِسَبَبِ مَا سَبَقَ مِنْ نَقْصٍ فِي الْوُقُودِ لِلْمُوَاصَلَاتِ. وَهُنَاكَ نِقَاطٌ صِحِّيَّةٌ تَعْمَلُ بِمَا يَتَوَفَّرُ وَمَا بَقِيَ فِيهَا، وَحَتَّى هُنَاكَ حَالَاتُ وِلَادَةٍ تَتِمُّ دُونَ إِشْرَافٍ، حَتَّى قَابِلَةٍ قَانُونِيَّةٍ».

وَتَابَعَتْ: «هُنَاكَ انْفِرَاجَاتٌ قَلِيلَةٌ عَلَى شَكْلِ مُسَاعَدَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَصَلَتِ الْمُحَافَظَةَ عَبْرَ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَالْمُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ مِثْلَ مُنَظَّمَةِ الْأَغْذِيَةِ الدُّوَلِيَّةِ وَ (UNHCR) وَالصَّلِيبِ الْأَحْمَرِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَفِي بِكُلِّ الْمَطْلُوبِ. فَهُنَاكَ احْتِيَاجَاتٌ لِلنَّازِحِينَ فِي مَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ، وَهُنَاكَ الْأَزْمَةُ الْخَانِقَةُ لِلْأَهَالِي الْمُسْتَضِيفِينَ لِلْعَائِلَاتِ النَّازِحَةِ فِي الْمُدُنِ الثَّلَاثِ، مَعَ عَجْزٍ شَدِيدٍ فِي تَوْفِيرِ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ».

وَتَابَعَتْ: «الْمُحَافَظَةُ مَنْكُوبَةٌ، وَتُعَانِي مِنْ حِصَارٍ مُنْهَجٍ وَسِيَاسَةِ تَجْوِيعٍ وَخَنْقٍ، وَقَدْ ضُرِبَتِ الْبُنَى التَّحْتِيَّةُ، مِنْ خُطُوطِ الْكَهْرَبَاءِ وَأَنْابِيبِ الْغَازِ. وَفِيمَا يَخُصُّ مَرَاكِزَ الْإِيوَاءِ، يَتِمُّ تَحْضِيرُ الطَّعَامِ مِنَ الْحِصَصِ الْغِذَائِيَّةِ عَبْرَ مَوَاقِدَ عَلَى الْحَطَبِ وَبِشَكْلٍ جَمَاعِيٍّ وَتَوْزِيعُ الْحِصَصِ».

وَأَشَارَتِ الصَّبَّاغُ إِلَى «التَّخَوُّفِ لَدَى الْأَهَالِي مِنْ عَوْدَةِ الِاشْتِبَاكَاتِ، فَالْخَطَرُ الْأَمْنِيُّ لَا يَزَالُ قَائِمًا، وَهُنَاكَ قُرًى لَا زَالَتْ تَحْتَ خَطِّ النَّارِ، وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْجَثَامينَ الَّتِي لَمْ يَتُمَّ رَفْعُهَا بَعْدُ فِي هَذِهِ الْقُرَى. وَفِي مَجَالِ خِبْرَتِنَا فِي الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، هُنَاكَ نِيَّةٌ لِإِنْشَاءِ مَرَاكِزَ إِيوَاءٍ دَائِمَةٍ، كَوْنُ هَذِهِ الْقُرَى مُدَمَّرَةً وَمُهَجَّرَةً كُلِّيًّا، بِسَبَبِ مَسْحِهَا وَحَرْقِهَا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا، مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِيَّةِ الْأَهَالِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا بِسَبَبِ الْوَضْعِ الْأَمْنِيِّ الْحَرِجِ».
وَوَجَّهَتْ رِسَالَةً لِلْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ وَالْمَحَلِّيِّ «لِفَكِّ الْحِصَارِ عَنْ مُحَافَظَةِ السُّوَيْدَاءِ، وَفَتْحِ مَعَابِرَ إِنْسَانِيَّةٍ دُوَلِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ وُصُولَ قَوَافِلِ الْمُسَاعَدَاتِ لَا يَعْنِي أَبَدًا سَدَّ الِاحْتِيَاجِ الْهَائِلِ، فَمُؤَشِّرُ الْخَطَرِ يَرْتَفِعُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَالْوَضْعُ الْإِنْسَانِيُّ حَرِجٌ لِلْغَايَةِ، وَهُنَاكَ خَطَرٌ وَتَهْدِيدٌ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ فِي ظِلِّ نَقْصِ الْمِيَاهِ وَالْأَدْوِيَةِ، مَعَ إِمْكَانِيَّةِ انْتِشَارِ الْأَوْبِئَةِ فِي مَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ أَوِ الْأَمَاكِنِ الْمُسْتَضَافَةِ». وَنَاشَدَتِ النَّاشِطِينَ وَالْحُقُوقِيِّينَ الْمُطَالَبَةَ بِإِنْقَاذِ الْمُحَافَظَةِ، وَتَوْثِيقِ الِانْتِهَاكَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ وَتَحْصُلُ فِيهَا.
وَقَالَ الْمُهَنْدِسُ الزِّرَاعِيُّ عُمَرُ الْحَلَبِيُّ: «اسْتَعَضْتُ عَنِ الْأَبْحَاثِ وَأَدَوَاتِ الزِّرَاعَةِ بِالسِّلَاحِ، لِحِمَايَةِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ وَكَرَامَةِ أَهْلِي. وَتَحْضُرُ لِلذَّاكِرَةِ أَنَّهُ فِي بِدَايَةِ الثَّوْرَةِ مُنْذُ آذَارَ 2011 وَفَكِّ حِصَارِ دَرْعَا، أَوْ مَا سُمِّيَ بِـ (حِصَارِ الْحَلِيبِ)، لَمْ أَتَخَيَّلْ أَنْ نُطَالِبَ بِفَكِّ حِصَارِ السُّوَيْدَاءِ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ تُنْصَبْ خَيْمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلنَّازِحِينَ بَلِ اسْتُقْبِلُوا فِي مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَبَلِ، وَقَدْ رَفَضَ الْأَهَالِي الِانْضِمَامَ لِلْجَيْشِ حَتَّى لَا يَرْفَعُوا السِّلَاحَ بِوَجْهِ جِيرَانِهِمْ، وَتَمَّ حِينَهَا تَأْسِيسُ مَجْمُوعَةٍ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْمُحَافَظَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْحِرَاكُ الثَّوْرِيُّ رَغْمَ تَوَقُّفِهِ فِي كَافَّةِ الْمُحَافَظَاتِ، وَلِلْأَسَفِ كَانَتْ أُولَى الْفَصَائِلِ الَّتِي دَخَلَتِ الْمُحَافَظَةَ فَصَائِلَ مِنْ دَرْعَا».

وَقَالَ: «أَهْلُنَا النَّازِحُونَ فِي بُيُوتِ أَهْلِهِمْ فِي السُّوَيْدَاءِ وَالْمَنَاطِقِ الْآمِنَةِ، وَمَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ مِنْ مَدَارِسَ وَقَاعَاتٍ، نُحَاوِلُ مَا اسْتَطَعْنَا تَأْمِينَ الْحَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَلَكِنَّ الْوَضْعَ صَعْبٌ لِلْغَايَةِ».

وَأَشَارَ الْحَلَبِيُّ إِلَى مُسَاعَدَاتٍ مِنَ الْأَيَادِي الْبَيْضَاءِ وَصَلَتْ مِنْ لُبْنَانَ، وَاحِدَةٌ مِنْهَا مِنْ أَحَدِ رِجَالِ الدِّينِ (ن. أ. ج.) قُدِّرَتْ بِأَلْفِ طُنٍّ مِنَ الطَّحِينِ، وَاسْتِهْلَاكُ الطَّحِينِ لِلْمُحَافَظَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِئَةِ طُنٍّ يَوْمِيًّا. وَقَدِ اسْتَلَمَهَا الشَّيْخُ أَبُو يُوسُفَ حَمْزَةُ خُضَيْرٌ أَمَامَ الشُّهُودِ، وَقُدِّرَ ثَمَنُهَا بِـ 400 أَلْفِ دُولَارٍ. وَأَكَّدَ أَنَّ هُنَاكَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُسَاعَدَاتِ مِنْ مَنَاطِقَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ لُبْنَانَ، وَلَكِنَّ مُعْظَمَهَا لَا يَصِلُ إِلَى الْمُحَافَظَةِ بِسَبَبِ الْحِصَارِ. كَمَا وَأَنَّهُ مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ وَصَلَتْ سَبْعَةُ أَجْهِزَةٍ لِغَسِيلِ الْكُلَى، وُضِعَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا فِي الْمَشْفَى الْوَطَنِيِّ مَرْكَزِ الْمَدِينَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي مَشْفَى صَلْخَدْ. وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ لَا تَتَوَفَّرُ الْمَحَالِيلُ اللَّازِمَةُ لِعَمَلِيَّاتِ غَسْلِ الْكُلَى. وَقَدْ أَكَّدَ رَئِيسُ جَمْعِيَّةِ أَصْدِقَاءِ السَّرَطَانِ الدُّكْتُورُ عَدْنَانُ مُقْلِدٌ فِي حَدِيثٍ لَهُ مُنْذُ فَتْرَةٍ أَنَّ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِئَةِ مَرِيضِ سَرَطَانٍ بِحَالَةٍ مَزْرِيَةٍ بَعْدَ تَوَقُّفِ تَزْوِيدِهِمْ بِالدَّوَاءِ الضَّرُورِيِّ لِعِلَاجِهِمْ».

وَفِي الِاخْتِتَامِ، لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مِئَاتٍ مِنَ التَّوْثِيقَاتِ لِلْمَجَازِرِ الَّتِي طَالَتِ الْمَدَنِيِّينَ، دَفَعَ ثَمَنَ مُعْظَمِهَا الْأَبْرِيَاءُ وَخُصُوصًا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَالْمَفْقُودِينَ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ مَجْهُولِي الْمَصِيرِ، بِانْتِظَارِ أَنْ تَسْتَتِبَّ الْعَدَالَةُ وَيَنْفَكَّ الْحِصَارُ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْوَضْعَ فِي الْمُحَافَظَةِ سَيَصِلُ إِلَى خَطِّ اللَّا رُجُوعِ، بَعْدَ أَنْ يَفْتِكَ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالْأَمْرَاضُ بِالْمَدَنِيِّينَ، وَيَسْتَحِيلَ بَعْدَهَا أَيُّ حَلٍّ لِلنِّزَاعِ وَالْوُصُولِ إِلَى السَّلَامِ وَالْمُصَالَحَةِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَنَامِي خِطَابِ الْكَرَاهِيَةِ َمِنَ الْأَطْرَافِ الْمُخْتَلِفَةِ.

الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة مظلّة الإصلاح والإنقاذ

مقدمة

كما عوّدت مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدّروز في لبنان اللبنانيّين على الدّوام، كانت النّدوة الثّقافيّة التي انعقدت في قاعة بلدة شانيه، جبل لبنان، بتاريخ 21/5/2025 مناسبة روحيّة/ثقافيّة/وطنيّة جامعة، تحت رعاية مزدوجة من سماحة شيخ العقل الشّيخ الدكتور سامي أبي المنى، ووزير الثّقافة الدكتور غسّان سلامي، مدماكاً جديداً متميّزاً في البنيان اللّبناني الوطني الواحد.

كانت عناصر النّدوة، من العنوان (الشّراكة الرّوحية الوطنيّة) إلى المشتركين فيها (رؤساء جامعات لبنانيّة محترمة) ورعاية وحضور وزير الثّقافة، وبإدارة العميد الدّكتور رياض شيّا، وبحضور ديني، ورسمي، وشعبي لافت، تدلّ جميعها إلى المعنى المزدوج الّذي يستبطن موضوع النّدوة: حاجة البلاد في هذه اللّحظة بالذّات إلى شراكة روحيّة بين العائلات الرّوحيّة الّتي تؤلّف مجتمعنا وبلدنا من جهة، وإبراز الطّابع الوطني للشّراكة الرّوحية تلك من جهة أخرى.

لم يكن اختيار الميزتين أعلاه، وربطهما، فعل صدفة عابرة، وإنّما كان اختياراً، هدف من خلاله سماحة شيخ العقل أن يضع اللّبنانيّين جميعاً، روحيّين ورسميّين وسياسيّين وقادة رأي أمام مخاطر؛ أن لا تجمعنا الشّراكة التّامة في اللّحظة الحرجة الّتي يمرّ بها شرقناووطننا، – ولأسباب ما عادت خافية على أحد بعد الانفجار اليميني العنصري غير المسبوق الّذي أصاب العقل الإسرائيلي منذ بضع سنوات، والّذي آنس في الإدارات الحاكمة في عواصم القرار الغربية. والمطلب الملح بالتّالي هو أن تتجسّد الشّراكة الرّوحية منعة لوطننا، وحافزاً لوحدة الصّف والموقف والخطاب، لا لدى المرجعيّات الرّوحية فقط، بل لدى قادة الرّأي في البلد في أطيافهم وميادينهم كافّة.

وكانت الإسهامات الفكريّة/الرّوحيّة والرّسميّة الّتي قدّمت من على منبر النّدوة – والّتي تعرضها الضّحى كما هي من دون أي تدّخل أو تعليق – خير معبّر عن مخاطر اللّحظة الّتي يعيشها بلدنا والشّرق عموماً من جهة، وخارطة طريق تفصيليّة لأولي الشّأن الرّوحي والثّقافي والرّسمي في كيفية وصل ما انقطع، أو يكاد، بين المكوّنات اللّبنانيّة الاجتماعيّة، وكيفيّة تعميق جذور المشترك هذا، وتوسعة مساحته، والمنخرطين بنيّة طيّبة فيه، ما يقي بلدنا ومجتمعنا مخاطر المؤامرات الخارجيّة المتربّصة بنا، وكذلك مخاطر الغلوّ والتّطرف والخطب العاليّة السّقف، الحادّة المواقف، الأحاديّة الجانب، الجزئيّة، والمتفرّدة.

ندوة «الشّراكة الرّوحية الوطنيّة»، كانت بحقّ مظلّة يمكن الاحتماء بها وتوسعتها، وسط صخب الأمواج وهدير الرّعود، وشرر البروق المحدقة ببلدنا ومنطقتنا.


كلمة سماحة شيخ العقل الشّيخ الدّكتور سامي أبي المنى
الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة، هذا العنوانُ الّذي أطلقناه من دار طائفة الموحّدين الدّروز، ومن دار الفتوى ومن المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى، والّذي توافقنا عليه معَ بكركي من قبلُ ومن بعد، وأكّدناه منذ أيّامٍ من القصر الجمهوري، وبالأمس من مقرِّ الرّئاسة الثّانية، وبتفاهمٍ مع رئاسة الحكومة، إنَّما هو العنوانُ الأشملُ الّذي نراهُ لبناء الدّولة واستعادةِ الأمل، والشعارُ الأرقى الّذي يُجسِّدُ معنى وجودِ لبنان، كوطنِ التّنوُّع والشّراكة؛ وطنِ التّنوُّع في الوحدة، والشّراكةِ في العمل، وطنِ المؤمنين باللّه وبالعيش الواحد المشترَك:
العيشُ مشترَكٌ،  بل واحدٌ أبدا
وحبُّ  لبنانَ  عهدٌ  بيننا   عُهِدا
الدّينُ  يَجمعُنا  والحقُّ  مَرجِعُنا
شُقُّوا القلوبَ تلاقوا الواحدَ الأحدا
إنَّ لبنانَ مختبَرُ إيمانٍ وتفاعلٍ وطنيّ رائع؛ علمنةٌ روحانيّة، ومدنيّةٌ مؤمنة، وتنوُّعُ مكوِّناتٍ حضاريّة تَجعلُه متميِّزاً بين بلدان هذا الشّرق، شعبُه واحدٌ بالرّغم من تعدُّد أديانه ومذاهبه وثقافاته، جذورُه متينةٌ وصَلبة، وأغصانُه وزهورُه مُتعدّدةُ الألوان والأحجام والاتّجاهات، لكنَّها متفرِّعةٌ من جَذعٍ تاريخيٍّ وعربيٍّ ووطنيٍّ متين، وكأنّها ترسمُ لوحةً جميلةً رائعةً كطبيعته الخلَّابة، والشّعبُ اللّبنانيّ الأصيلُ كتلك الطبيعةِ الخالدة عصيٌّ على التّفكُّك والانكسار والزّوال، لما يُوجَدُ بين أبنائه من روابطَ روحيةٍ ووطنيّة متينة، وتلك لَعمري هي مِظلَّةُ الإصلاح والإنقاذ، الّتي تجمعُنا دائماً تحت فيئها وأمنِها وأمانها.
وإذا كان القولُ المأثور صحيحاً: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه»، وهو كذلك، وإذا كان الدّستورُ اللّبناني قد عزَّز دورَ مجلس الوزراء بما أعطاه من صلاحيّاتٍ كسلطةٍ تنفيذيّة راعيةٍ ومسؤولة، إلَّا أنَّ رعايةَ رئيسِ الجمهورية هي الأعلى بما تكتسبُ من قوّةٍ معنويَّة لا يضاهيه فيها أحدٌ ولا ينازعُه عليها قائدٌ أو مسؤول، متى عَرف كيف يجمعُ حوله جميعَ المكوِّنات والقوى الوطنية، ليكونَ الرئيسَ القويَّ بقوّة الجمع والثّبات والتمسُّك بروح الشّراكة، لا بقوّة المواجهة والتحدّي وتنازع الحصص.
من هذا المنطلق أطلقنا فكرةَ الشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة، وبتقديرنا الكبير لمعالي وزير الثّقافة لما يتمتَّعُ به من عميق فكرٍ وسَعةِ تجربة، أردنا أن نفتتَحَ سلسلةَ النّدوات حول هذا الموضوع برعايته ومشاركته، وقد عقدنا العزمَ على أن نَنشرَ تلك الثّقافة، وأن نجمعَ حولَها المداخلاتِ القيِّمةَ في أكثرَ من ندوةٍ ومعَ أكثرَ من رأيٍ من نخبة القوم، علَّنا نختتمُ هذه النّدواتِ بمؤتمرٍ وطنيٍّ روحيّ يرعاه فخامةُ الرّئيس، وتُطرَحُ فيه خلاصاتُ الأفكار والمواقف، بَدءاً ممَّا سيُقدَّمُ اليومَ من قِبل الأساتذة المحاضرين الأثرياءِ بفكرِهم، والقادمين من منابرَ جامعيّةٍ مرموقة، هي الأَولى بالإضاءة على تلك الثّقافة، وبتعزيز هذا التّفاعل، وبنشر الوعي بين أبناء الوطن.
إنّ هذه الندوةَ اليومَ تتوازى مع اليوم العالمي للتنوُّع الثّقافي من أجل الحوار والتّنمية، وهو ما يتماهى معَ طرحِنا بأن يكونَ التنوُّعُ الثّقافي والدّيني القائم في لبنان مغذّياً للشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة التي تُصبح بدورها سبيلاً للتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستدامة الّتي نسعى إليها من خلال بناءِ جسور الحوار الدّائم، مدركين أن هذا البناءَ الوطنيَّ والإنساني لا يعني هدمَ البناء الخاصّ بكل عائلةٍ روحيّة، فالتمسكُ بالهُويّة  الرّوحيّة الخاصّة لا يتعارضُ معَ الانفتاح والحوار والعيش الواحد، ومع المصالح العليا للوطن، لأنّنا جميعنا مرتبطون بتراثنا الثّقافي وهويّتنا الرّوحيّة، ومتمسّكون بخصوصيّاتنا، مع الرّغبة في السّعي نحو الاندماج  والتّكامل معَ شركائنا في الوطن؛ وهنا يكمن التحدّي المزدوج، الأوّل في تثقيفِ الشّباب وتربيتهم على التّمسُّك بالجذور والأصول، والثّاني في الانفتاح على المعرفة والتّطوُّر الدّائم.
لقد كنَّا معاً وغبطةُ البطريرك الرّاعي في لقاء الشّوف الجامع في بعقلين، وفي لقاء حمَّانا حول الاغتراب والتّنمية، وكنَّا معاً والرّؤساءُ الرّوحيّون جميعُهم في القمَّة الرّوحيّة، وفي أكثرَ من لقاء، فأكَّدنا أنّنا مستمرُّون في تلاقينا لتعزيز الثّقة في مجتمعنا، وإنعاش الأمل في قلوب أبنائنا، بالرّوح الطيّبة والكلمة الطيِّبة وبالعمل الطيِّب. كيف لا؟ ونحن أبناءُ التّوحيدِ، والمحبةُ هي لُبُّ التّوحيد، والتّوحيدُ جامعٌ مشترَك فوقَ المظاهر والطّقوس، وقد عبَّرنا عن ذلك شعراً منذ زمنٍ، فقلنا:
تعمَّقتُ في ديني الحنيفِ فقادني
إلى  غيرِه،  لو أنّ ذاك  مُغايِرُ
وأدركتُ أنَّ الحقَّ  أصلٌ،  وكلُّنا
فروعٌ    وأغصانٌ   له   وأزاهرُ
إذا   فرَّقَتْ  بينَ  الأنامِ  عبادةٌ
فتجمعُهم فوقَ الطقوسِ الجواهرُ
إنَّ الوطنَ تاريخٌ، والتّاريخُ لا يُمحى بحادثةٍ هنا ومواجَهةٍ هناك، وتراثٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ لا يتبدَّلُ بخطأٍ من هذه الجهةِ أو خطيئةٍ من تلك. الوطنُ سيرةُ أبطالٍ قادةٍ نُجباء وفلَّاحين أُخوةٍ شرفاء، هو كهفُ تعبُّدٍ وصومعةُ نُسكٍ وساحةُ جَمعٍ في الأفراح والأتراح، هو مَيدانُ عملٍ وشراكةٍ ولقاء، كرَمٌ وكرْم، سيفٌ وضَيف، نسمةٌ وبسمة، فيه وُلِدنا وفيه نعيشُ وفيه نموتُ وفيه نُبعَثُ من جديد، ومعاً نُعليه فوق الخلاف والاختلاف لنجعلَه النّموذجَ الحيَّ للإنسان، ولكلِّ الأوطان.

من هذا المنطلَق الوجداني والواقعي أطلقنا عنوانَ الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة كمشروعِ تفاعلٍ وطنيٍّ يبدأ بالثّقافة والتّربية، ولا ينتهي بالتّنمية والاقتصاد وبالسّياسة، وفي كلِّ ذلك هناك ميادينُ عملٍ تنتظرُنا للقيام بالمبادرات، وإن كنَّا اعتدنا أن ننتظرَ الخارجَ ليبادرَ ولِيرسُمَ لنا سبيلَ الخروج من الأزمات، لكنَّ الواجبَ يدعونا لكي نبدأَ أوّلاً، ومن ثُمَّ نستعينُ بالأخوة والأصدقاء، أمَّا دورُنا كمرجعياتٍ روحيّة، فإنّنا نراهُ دوراً إنسانيّاً وأخلاقيَّاً يشكِّلُ مِظلَّةً روحيّة تتلاقى مع مظلّةٍ وطنيّةٍ كبرى تتمثَّل برئاسة الجمهوريّة، لتشكِّل معاً مظلَّة الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة الجامعة الّتي هي حاضنةُ الإصلاح والإنقاذ، وضمانةُ التّلاقي السّياسيِّ الوطنيِّ المنشود.


كلمة العميد الدّكتور رياض شيّا
«الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة: مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ» – عنوانُ ندوتِنا الفكريّةِ اليوم، تُعقدُ في هذا الصّرحِ وفي هذه البلدةِ المضيافة، هو عنوانٌ أطلقَه صاحبُ السّماحة ليكونَ مظلّةً للإصلاحِ والإنقاذ، والوطن على أبواب مرحلةٍ جديدة. فلبنان، منذ تأسيسه كدولة في العام 1920، وتحديداً منذ استقلالِه في العام 1943، شكّل نموذجًا فريدًا للتّعدّدية الدّينيّة والثّقافيّة، لكنّه أيضًا عانى مرارًا من توتّرات طائفيّة تحوّلت في مراحل عديدة إلى صراعات دمويّة، كان أبرزها الحرب الأهليّة بين العامين 1975 و1990. وقد خلّف هذا التّاريخ جراحًا عميقة وانعدامَ ثقةٍ بين مكوّنات المجتمع اللّبناني، ورسّخ نظامًا سياسيًّا طائفيًّا هشًّا قائمًا على المحاصصة، ما أعاق بناءَ دولةٍ مدنيّة عادلة وقويّة.من هنا، فالمفردات الّتي اختيرت بعناية عنواناً للنّدوة جاءت لتقول إنّ الشّراكة بين الطّوائف اللّبنانيّة اليوم هي البديل عن صراعات وانقسامات الماضي، والسّبيل لإصلاح مستقبل الوطن. ثمّ إنّ اختيارَ عبارة «الشّراكة الرّوحيّة» بحدّ ذاتها تستبطنُ أمراً في غاية الأهميّة لا بدّ من التّطرق إليه، وهو ضرورة التّمييز بين الدّين والطّائفيّة.

فوسطَ ما يشهده العالم من تحوّلات وتغييرات اجتماعيّة وسياسيّة، يبدو أنّ هناك التباساً عميقاً بين مفهومَي «الدّين» و»الطّائفيّة»، ما أدّى بالكثيرين، عن جهلٍ أو عن سوءِ نيّة، إلى الخلط بين الرّسالة السّماويّة الّتي تدعو إلى السّموِّ والرّحمة الّتي يمثّلها الدّين، وبين التّعصب والانغلاق الّذي تمثّله الطّائفيّة. وهذا الخلط لا يقتصر على المفاهيم، بل يتعداها إلى الممارسة، حين يُستغلّ الدّين لتحقيق غايات لا تمتّ إلى جوهره بصلة. لذا من الضّروري الوقوفُ عند الفرق بين الدّينِ والطّائفيّةِ والتّمييز بينهما، وفضحُ صور استغلال الدّين في غير مقاصده.

إنّ الدّين هو منظومةٌ متكاملة من العقائد والعبادات والأخلاق، تهدفُ بمجموعِها إلى تنظيم العلاقة بين الإنسانِ وخالقِه، والى علاقتِه بنفسِه، وبمجتمعهِ. في جوهرهِ، يرمي الدينُ إلى بناء إنسانٍ فاضل، ومجتمعٍ عادل، قائمِ على الرّحمة، والصّدق، والعدالة والمساواة، والتّكافل، والحريّةِ المسؤولة. الأديانُ السماوية، وعلى رأسِها المسيحيّةُ والإسلام، جاءت لتُخرِجَ الناسَ من ظلماتِ الجهلِ والظّلم إلى نور المعرفة والعدل، ولتدعوَ إلى السّلام، وتحضَّ على الرّحمة، وتَنهَى عن الفتنةِ والبغي.
والدينُ، بهذا المعنى، هو قوّةُ توحيد، تربطُ البشرَ بقيمٍ روحيّةٍ عليا، وتتجاوزُ الانتماءاتِ الضّيّقة، لتؤسّسَ لوحدةٍ إنسانيّة تقومُ على كرامةِ الإنسانِ وحريته.

في المقابل، الطّائفيةُ تحزّبٌ ضمنَ إطارٍ مذهبيٍّ ضيّق، يقوم على الانتماءِ لجماعةٍ أو عصبيّةٍ معيّنة، ورفضِ الآخر المختلف، والنّظرِ إليه كخصمٍ أو حتّى كعدوّ. إنّها حالةٌ من الانغلاقِ العقلي والنّفسي، تُغذَّى بالتّعصّب والكراهيّة، وتنتهي غالبًا إلى العنف، والتّمييز، وتقسيمِ المجتمعات.

الطّائفيةُ لا تعبّرُ عن جوهرِ الدّين، بل هي تشويهٌ له، لأنّها تختزلُ الدّينَ في هويةٍ فرعيّة، وتوظّفُ المقدسَ لخدمةِ المصالحِ الدّنيويّة. حينَ تسودُ الطّائفيّةُ، تُستبعدُ القيمُ الكبرى للدّين، وتُستبدلُ بولاءاتٍ ضيّقة، تُقسّمُ النّاس إلى «نحن» و «هم»، وتهدمُ جسورَ التّعايش.

وهكذا، فإنّ الدّينَ يبني والطّائفيةَ تهدم، الدينُ يوحّد والطّائفيةُ تفرّق، الدّينُ محبّةٌ ورحمةٌ وتسامحٌ، في حين إنّ الطائفيةَ تعصبٌ أعمى.
إنّ أخطرَ ما يواجه الدّينَ اليوم، هو استخدامُه وسيلةً لتّحقيقِ أهدافٍ دنيويّة، سواءَ كانت سياسيّةً أو اقتصاديّةً أو سلطويّة. فحينَ نُعيدُ للدّين رسالتَه الرّوحيّة، ونفصلُ بين المقدّسِ واستغلالِه، نكونُ قد خَطَونا خطوةً نحوَ مجتمعاتٍ أكثرَ وعيًا وإنصافًا، وأكثرَ قدرةً على العيشِ المشترك.

من هنا تبرزُ الحاجةُ إلى مبادراتٍ جامعة تتجاوزُ الانقساماتِ الطّائفيّة والمصالح الفئويّة. ومن بين هذه المبادرات، تبرزُ «الشّراكةُ الرّوحيّة» كإطارٍ جامعٍ بين المرجعيّاتِ الدّينية المختلفة في البلاد، تحملُ في طيّاتِها أملًا حقيقيًّا بالإصلاحِ والإنقاذ.

تقومُ الشّراكةُ الرّوحيّةُ على مبدأ التّعاون بين القيادات الدّينيّة من مختلف الطّوائف اللّبنانيّة، ليس فقط من أجل تعزيزِ العيشِ المشترك، بل أيضًا للتّصدي للأزمات الوطنيّة بروحِ المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. فالدّينُ في لبنان لم يكن يومًا مجردَ شعائر، بل كان دائمًا عنصرًا فاعلًا في الحراكِ الاجتماعي والسّياسي. واليوم، تتّجهُ الأنظارُ إلى هذه المرجعيّات لإحداثِ تأثيرٍ إيجابي يدفعُ باتجاهِ محاسبةِ الفاسدين، والدّعوة إلى قيامِ دولةٍ عادلةٍ ومؤسّسات قويّة.

إنّ لبنان، الّذي عاش طويلاً في ظلِّ الاصطفافاتِ الطّائفية، يحتاجُ اليومَ إلى مظلّةٍ جامعة من القيمِ والإيمان، تقودُ مسيرةَ الإنقاذِ الوطني بضميرٍ حي، ونَفَسٍ جامع. إنّ مظلّةَ الشّراكةِ الرّوحيّة، حينَ تتوحّد، تملكُ القوةَ المعنويّة لتقويمِ الأداءِ العام، ولإعادةِ بثِّ الثّقة بين النّاس ومؤسّسات الدّولة. فحين يتكلّمُ صوتُ الإيمانِ والضّمير، يصعبُ تجاهُله، لا من قبلِ السّياسيّين، ولا من قبل المجتمعِ الدّولي.
من هنا، يمكنُ القول إنّ الشّراكةَ الرّوحيّةَ في لبنان لم تَعُد خيارًا، بل ضرورةً وطنيّة وأخلاقيّة، تمثّلُ بارقةَ أملٍ في نفقٍ طويل من الأزمات. وعلى اللّبنانيّين أن يدعَموها، لأنّها قد تشّكلُ بدايةَ طريقِ الخلاص.

لكن، من المهمِّ التّأكيد، وبوضوح، أنّ الشّراكةَ الرّوحيّة ليست بديلاً عن الدّولة، لكنّها تمثلُ قوّةً أخلاقيّة ووطنيّة جامعة، تضعُ ضميرَ المجتمع أمامَ مسؤوليّاتِه، وتدفعُ باتجاهِ إصلاحٍ حقيقي ينقذُ لبنانَ من أزماتِه المتفاقمة.

ومن هذا المنطلق، تأتي ندوتُنا اليوم في توقيتٍ دقيقٍ يمرُّ فيه وطنُنا بأزمات متشابكة، تتطلّبُ استجاباتٍ غير تقليديّة ومساراتٍ جامعة. واجتماعُنا اليوم، برعايةِ الفكرِ والعلمِ، وبحضورِ نخبةٍ من قادةِ التّعليمِ العالي في لبنان، يؤكدُ أن الجامعات ليست فقط مناراتٍ للمعرفة، بل هي أيضاً منابرُ حيّة للحوار، ومصانعُ للوعي الوطني، ولصناعةِ جيلٍ لبناني يؤمنُ بالتّعدّدية، يعملُ من أجل الوطن، لا الطّائفة.

سنستمعُ اليوم إلى رؤى قيّمة من أصحاب الاختصاص والخبرة، ونأملُ أن يثمرَ لقاؤنا اليوم توجيهاتٍ واقعيّة تسهمُ في بناء مسارٍ إنقاذيّ حقيقي، يضعُ الإنسانَ في صلبِ أيّ مشروعٍ وطني.
أجدّدُ الترحيبَ بكم جميعاً، وأتمنّى لنا ندوةً بنّاءة، وحوارًا غنيًّا بالأفكار والمبادرات.


كلمة رئيس الجامعة الإسلامية معالي الدّكتور حسن اللّقيس

إنّهُ لَشَرَفٌ كبيرٌ أنْ نكونَ في رُبوعِ الجبلِ الشّامخِ الّذي اعتادَ جَمْعَ فُسَيْفِساءَ الوطنِ بالمحبّةِ، وما هذا اللقاءُ الثقافيُّ العابرُ لكلِّ الحدودِ الجغرافيّةِ والطائفيّةِ والمَذْهَبِيَّةِ والمناطِقِيَّةِ تحْتَ عباءَةِ مَشْيَخَةِ العقْلِ الموقّرة، ومعالي وزيرِ الثّقافةِ العزيز، وبِحُضورِ الرّؤساء الأفاضلِ لكُبْرى الجامعاتِ في لبنان، عَنَيْتُ بِهِم الأبَ حبيقة الموقّرَ، والدكتور غزيري المحترم إلّا خيرُ دليلٍ على روحِ الجمْعِ والوحدةِ والتّآخي الوطنيِّ.

يقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ العزيز: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ). فلا نبالغُ القولَ لو قُلْنا إنَّ التّلاقي فريضةٌ؛ ولأنَّ لبنانَ وطنُ التّآخي والتّآلف، كانَ هذا اللقاءُ مرآةَ التّلاقي، وهذا ما انعكَسَ في عنوانِهِ الموسومِ بـ: «الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ – مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ».

ما الشّراكةُ الرّوحيّةُ؟ أَهِيَ أنْ يتقاطعَ اثنانِ في مصيرٍ واحد؟ أم تُراها تلكَ الحالةَ الوجدانيّةَ الّتي تجتاحُنا عندَما يُصابُ أخٌ لنا في الوطنِ بمكروهٍ، فنشعرُ بأنّنا نشاطرُهُ الألم. إنّها سموُّ الإنسانِ في وطنِهِ كريمًا معزّزًا تحتَ خيمَةِ الوطن. ومن فيْءِ خيمةِ الوطنِ يأتي دورُ البيوتاتِ الأصيلةِ والعائلاتِ الرّوحيّةِ، وهمْ نِعْمَةُ الوطنِ الّتي تَحُولُ دونَ تَحْويلِ خلافاتِ السّياسةِ إلى لَوْثَةِ الخلافِ المذهبيّ- الطائفيِّ القاتل.

لماذا العائلاتُ الرّوحيّةُ «روحيّةٌ»؟ لأنّها هيَ الّتي تُهَنْدِسُ الخطابَ وتُمَنْهِجُهُ ليواكِبَ روحَ التّآخي في الوطن، روحُ الوطنِ في هذه العائلاتِ، وهيَ حتمًا السّدُّ المنيعُ الّذي يمنعُ الكراهيةَ وينبذُ العنفَ، ذلكَ كلُّه في سبيلِ الوطن. وفي السّياقِ ذاته، لا تغيبُ بيوتاتنا الشريفةُ هذهِ عندَ أزماتِ العيشِ وشَظَفِهِ، فتراها سبّاقَةً للنجْدَةِ الإنسانيّة.

والعائلاتُ الرّوحيّةُ سياجُ المجتمع، وهوَ ملعبُها وميدانُها، فهيَ كالشّرطيِّ في أيّامِنا هذه، تحفظُ الوطنَ وأبناءَه، في ظلِّ خطرِ الأفكارِ المعلّبةِ والمستوردة، فتكونُ هيَ ضمانُ الأصالةِ، عندما يحلُّ الخطر.

ولمْ يفتْ أهلُ الشّراكةِ والرّوحيّة الوطنيّة أنْ يصبّوا اهتمامَهُم على التّربية، وهوَ أكثرُ ما يعْنينا بصفتِنا رؤساءَ جامعاتٍ مشاركينَ في هذهِ النّدوةِ القيّمة، إذْ تتَنَكّبُ أوساطُنا الرّوحيّة عناءَ الاهتمامِ بالتّعليمِ العالي، فتُشيّدُ صروحَ التّعليمِ، وتسهر على ضبطِ المناهِجِ البنّاءةِ، على أساسِ حفظِ أجيالِنا وخدمةِ الإنسانِ والوطن. ولِعَمْري إنّنا جميعًا تقاطَعْنا على لازمةٍ شريفةٍ أمامَ طلّابِنا، وقلْنا عنِ الإنسان إنّه إمّا أخٌ لكَ في الدّين أوْ نظيرٌ لكَ في الخلق، فإنّني منْ على هذا المنبرِ الكريم، أدْعو إلى تعزيزِ الشّراكةِ بينَ هذهِ الجامعاتِ بإشرافِ العائلاتِ الرّوحيّةِ، فلنُواظِبْ أيّها الأخوةُ على عقْدِ هكذا لقاءاتٍ، علّها تؤسّس إلى مدماكٍ يبني طودَ الوحدةِ بشموخٍ وافتخار، على قاعدةِ لبنان: الوطن النّهائيُّ لجميعِ أبنائِه.

ونَحنُ في الجامعةِ الإسلاميّةِ في لبنان، جامعةٌ لكلِّ الوطن، نعتَمِدُ في منهجِنا الدّراسيِّ مادةً إلزاميّةً تحتَ عنوان «ثقافةُ أخلاقٍ وأديان» لنلتزم بذلك وصيّةَ إمامِنا المؤسّسِ السّيدِ موسى الصدر، إمامُ الوحدةِ الوطنيّةِ والعيشِ المشتركِ، وما لهفةُ المستمعينَ الكرامِ عنْدما يُذْكَرُ أمامهُمْ هذا الرجلُ إلّا خيرُ دليلٍ حيّ… فمنذُ عودةِ الإمامُ الصدرِ إلى أرضِ أجدادِه في لبنان، وهو يسهر على صونِ الوحدةِ الوطنيّةِ، ونبذِ الطائفيّةِ، وكثيرَةٌ هي نداءات الإمامِ، وغنيّةٌ عنِ التّعريفِ، إذْ رامَ أنْ يجعلَ أبناءَ الوطنِ الواحدِ كالبنيانِ المرصوص. فهوَ الذي حوّلَ أزمةَ الجنوبِ إلى مدعاةِ وحدةٍ وتلاقٍ، فأسّسَ هيئةَ نصرةِ الجنوب عام 1969 بحُسْبانِها مبادرةً دينيّةً وطنيّةً مدنيّةً جامعة، في ظلِّ غيابِ السّلطةِ، آنَذاك، عنْ همومِ الجنوبيّينَ، وهكذا جابَهَ الإمامُ الصدرَ العدوَّ الصهيونيَّ، وجابهَ الطّائفيّةَ في بوتقةٍ وحدة. كما كانَ لِلْقِمَمِ الرّوحيّةِ حينَها الدورُ الأبرزُ في الشّراكةِ الوطنيّةِ انطلاقاً مِنَ الشّراكةِ الرّوحيّةِ، والرّغبةِ الإصلاحيّةِ الإنقاذيّة، والّتي كانتْ تجمعُ إلى جانبِ الإمامِ الصدر، الشّيخَ محمد أبو شقرا، والشيخَ حسن خالد، والبطريرك مارْ أنطونيوس بطرس خريش، والمطران جورج خضر، والبطريرك ماكسيموس الخامس حكيم… وكانتْ هذهِ القممُ الرّوحيّةُ تدعو إلى الحفاظِ على السّلمِ الأهليِّ، والتّمسُّكِ بالعيشِ المشتركِ ورفضِ الفتنِ الطّائفيّةِ والمذهبيّة.

وفي هذا السّياقِ، يقولُ راعي حفلِنا الشّيخُ الدكتور سامي أبي المنى، في مؤتمرِ «كلمةٌ سواء» الحادي عشر «اجتَمَعْنا مِنْ أجلِ الإنسان» (الإمامُ موسى الصدر، رغمَ كونِهِ فقيهًا شيعيًّا، كانَ يسعى إلى تجاوزِ حدودِ طائفتِه) ويضيفُ (إنَّ البعضَ شبّهَ الإمامَ الصدرِ بالفكرِ التّقدميِّ للمعلّمِ كمال جنبلاط، الّذي كان يسعى أيضًا إلى أُفُقٍ إنسانيٍّ أوسع) مؤكدًا أهمّيّةَ الفكرِ المعتدلِ، والانفتاحِ على الآخرِ في بناءِ وطنٍ موحّدٍ ومتقدّم.

وهذا ما يؤكّدُهُ الإمام الصّدر بنفْسِهِ عندما يقولُ: «كمال جنبلاط رجلٌ استثنائيٌّ، كانَ يرى في الوحدةِ الوطنيَّةِ قداسةً لا تقلُّ عنْ قداسةِ الإيمان». ليُقابِلَه المعلِّمَ الودَّ الروحيَّ الوطنيَّ قائلًا: «الإمامُ موسى الصدر رجلٌ يحملُ روحًا رساليّة…» وعلى سيرةِ الآباءِ كانَ الأبناء، فهذا الرّئيس نبيه برّي رجّعَ الصّدى الأصيلَ قائلًا في وليد جنبلاط: «وليد جنبلاط هوَ وريثُ علاقةٍ تاريخيّةٍ أرساها كمال جنبلاط معَ الإمامِ الصدر. نحافظُ عليْها كأمانةٍ في ضميرِ الوطن.»

ومنْ هذهِ الأمانةِ الّتي نَحْمِلُها، أُجَدِّدُ شكريَ للمُلْتَقى الثّقافيِّ والاجتماعيِّ لجُرْدِ عاليْه والجوار على هذهِ النّدوةِ القيِّمَةِ، وإلى المنتدين الكرام، رعاة النّدوة، والزّملاء الأعزَّاء والحضور الكريم … دامَتِ الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ شامخةً بشموخِ الجبلِ الأشمّ. والسّلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتِهِ.


كلمة رئيس جامعة المقاصد الدّكتور حسّان غزيري

نجتمع اليوم لنتدارس موضوعاً في غاية الأهميّة، ألا وهو»الشّراكة الرّوحيّة: مظلّة الإنقاذ والإصلاح».

سنتناول في كلمتنا اليوم بعض المحاور لمفهوم الشّراكة الرّوحيّة، مستعرضين أبعادها المختلفة وتجليّاتها في واقعنا اللّبنانيّ، ومبيّنين كيف يمكن لهذه الشّراكة أن تكون مظلّة إنقاذ للوطن وأداة إصلاح للمجتمع في آن واحد.

مفهوم الشّراكة الرّوحيّة

الشّراكة الرّوحيّة هي صيغة من التّعاون والتّفاعل بين الأفراد أو الجماعات أو المؤسّسات تقوم على أسس غير مادّيّة، مثل القيم، والمبادئ الأخلاقيّة، والرّوابط الإيمانيّة، والمشاعر الإنسانيّة العميقة، وذلك بهدف خدمة الصّالح العام، أو تحقيق أهداف سامية تتجاوز المصالح الشّخصيّة أو الفئويّة أو الماديّة.

على عكس الشّراكات الّتي تُبنى على العقود أو المنافع المتبادلة، تقوم الشّراكة الرّوحيّة على الإيمان المشترك بغاية إنسانيّة أو أخلاقيّة أو دينيّة، وعلى الالتزام الدّاخلي الصّادق بمبدأ العطاء، والتّسامح، وخدمة الآخر.

جذور الأزمة: من الانتماء إلى الاصطفاف

غير أنّ تطبيق هذا المفهوم في الواقع اللّبنانيّ يواجه تحدّيات جمّة، أبرزها هيمنة الولاءات الطّائفيّة الضّيقة على حساب الانتماء الوطني، وغلبة المصالح السّياسيّة والاقتصاديّة الآنيّة على المصلحة العامّة، فضلاً عن التّدخّلات الخارجيّة الّتي تعمّق الانقسامات الدّاخليّة.

منذ نشأة دولة الاستقلال، فإنّ المسالة الرّئيسيّة الّتي واجهها صنّاع الاستقلال اللّبناني وبناة الدّولة، هي المسألة الطّائفيّة. وما زلنا إلى يومنا هذا نسعى بدون كلل ولا ملل، ودون جدوى أيضًا، لتجاوز الطّائفيّة، وتخفيف آثارها السّلبيّة على الدّولة اللّبنانيّة.

سأتلو عليكم ما ورد في البيان الوزاري للرّئيس رياض الصّلح في العام 1945:
«ومن أسس الاصلاح الّتي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطّائفية، والقضاء على مساوئها. فإنّ هذه القاعدة تقيّد التّقدم الوطني من جهة، وتشوّه سمعة لبنان من جهة أخرى، فضلاً عن أنّها تسمّم روح العلاقات بين الجماعات الرّوحيّة المتعدّدة التي يتألّف منها الشّعب اللّبنانيّ.
إنّ السّاعة الّتي يمكن فيها إلغاء الطّائفيّة هي ساعة يقظة وطنيّة شاملة مباركة في تاريخ لبنان»

كما حاول الرّئيس فؤاد شهاب بعد ربع قرن بناء دولة المؤسّسات الحقيقيّة والفعليّة، مستندًا إلى الجيش في الدّاخل، ووضع معادلة إقليميّة َمرنة تسمح بحماية نظام حكمه من التّدخلات الخارجيّة. لكنّه أيقن لاحقًا أّنّ منطق المحاصصة «السّهل» والمغري أقوى من منطق المؤسّسات الصّارم، فآثر الابتعاد رافضًا بنحو قاطع الاستجابة لدعوات التّجديد له.

 

لذلك تبقى الدّولة عقدة اللّبنانيّ، وفريسة السّياسيّين، وضالة اللّبنانيّين.

ولعلّ الأزمة الرّاهنة الّتي يعيشها لبنان تمثّل اختباراً حقيقيّاً لقدرة اللّبنانيّين على تجسيد مفهوم الشّراكة الرّوحيّة، والارتقاء من حالة التّعايش السّلبي إلى مستوى التّكامل الإيجابي، الّذي يحفظ التّنوّع ويحقّق الوحدة في آنٍ معاً.

تجربتان لمعالجة مسألة الطّائفيّة

ميشال شيحا

أستعرض هنا تجربتَين لمعالجة مسألة الطّائفيّة في نظام الحكم اللّبناني؛ التجربة الأولى: هي تجربة ميشال شيحا. وأمّا التّجربة الثّانية فهي تجربة دولة الرّئيس حسين الحسيني الّتي تجسّدت في اتفاق الطّائف.

لم ينظر ميشال شيحا إلى الطّائفية كمشكلة أو كعائق أمام بناء الدّولة، بل على العكس، رأى فيها أحد أسس الهويّة اللبنانيّة، إذ اعتبر أنّ لبنان ليس دولة قوميّة تقليدية، بل كيان قائم على تعدّدية طوائفيّة متجذّرة في التّاريخ والجغرافيا.

إنّ ما يجعل فكر شيحا موضوعًا دائمًا للنّقاش هو الجدل المستمرّ بين رؤيته الواقعيّة للطّائفيّة بوصفها تنظيمًا للتّعدّد، وبين دعوات الحداثة والدّولة العلمانيّة على النّمط الغربي الّتي ترى في الطائفية عائقًا أمام بناء المواطنة والمساواة. فبينما يشيد البعض بشيحا بوصفه واضعًا لأسس التّعايش السّلمي، ينتقده آخرون باعتباره المُنظّر الأوّل للطّائفية السّياسيّة الّتي قادت لبنان إلى أزمات متكرّرة.

يمكن القول إنّ ميشال شيحا كان براغماتيًا في رؤيته للنّظام اللّبناني. فقد أدرك أنّ التّركيبة الطّائفيّة ليست عيبًا بل واقعًا يجب التّعامل معه بذكاء، فدعا إلى نظام يضمن التّمثيل العادل لكلّ الطّوائف ضمن إطار ديمقراطي توافقي لكنّه في الوقت ذاته كان يدرك مخاطر الطّائفيّة إذا تحوّلت إلى عصبيّة أو وسيلة للفوضى والانقسام، فدعا إلى تعزيز الحسّ الوطني والمواطنة، والعمل على تطوير النّظام تدريجيًّا نحو دولة حديثة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني: المواطنيّة الحاضنة للبعد الروحي

هذا ويشكّل اتّفاق الطّائف نقطة تحوّل جوهرية في مسار بناء الدّولة اللّبنانيّة الحديثة، وقد ارتكز في عمقه على مبدأ الانسجام بين الدّين والدّولة، لا على فصلهما، بل على تنظيم العلاقة بين القيم الرّوحيّة والبنية السّياسيّة بما يضمن وحدة الدّولة وتنوّع المجتمع. وقد تُرجمت هذه الرّؤية المتوازنة في مجموعة من البنود الإصلاحيّة الّتي تهدف إلى الخروج التّدريجي من النّظام الطّائفي، دون إنكار الهويّة الدّينية للمجتمع اللّبناني.

في هذا السّياق، نصّ الاتفاق بوضوح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف نهائي، على أن يتمّ ذلك ضمن آليّة توافقيّة، كما دعا الطّائف إلى إنشاء مجلس نيابي يُنتخب خارج القيد الطّائفي، ويرتكز على مبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية، بما يسمح بإعادة تكوين السّلطة التّشريعيّة على أسس وطنيّة لا فئويّة.

في موازاة ذلك، ولصون التّعدّدية وضمان تمثيل الهويّات الدّينيّة والثّقافيّة، اقترح الاتّفاق إنشاء مجلس شيوخ يمثّل العائلات الرّوحيّة اللّبنانيّة، ويكون بمثابة فضاء دستوري يُعبّر عن مبدأ الشّراكة الرّوحيّة ويُكرّس صيانة العيش المشترك . وبهذا يُصبح الطّائف ليس فقط اتفاقًا لوقف الحرب، بل مشروعًا لتأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة في الإطار المدني، والشّراكة في الإطار الروحي، انسجامًا مع هويّة لبنان كدولة ذات رسالة تعدّدية في الدّاخل ومنبر للحوار في الخارج.

وُقِّع هذا الاتفاق في عام 1989 بمدينة الطّائف بالمملكة العربيّة السّعوديّة، ليُشكِّل نقطة تحوّل أساسيّة أنهت حربًا أهليّة استمرّت خمسة عشر عامًا. وبالرّغم من نجاحه في وضع حدٍّ للعنف المسلّح، وإعادة هيكلة النّظام السّياسي، إلاّ أنّ تطبيقه الكامل لا يزال موضع جدل، إذ تعثَّر تنفيذ العديد من بنوده نتيجة لعوامل داخليّة وخارجيّة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني

رغم النّص الواضح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف استراتيجي، لم تُنشأ الهيئة الوطنيّة المسؤولة عن ذلك، وظلّت الطّائفيّة عاملًا رئيسيًّا في تشكيل السّلطة. أدّى هذا إلى تعثّر الإصلاحات السّياسيّة المطلوبة، وإلى استمرار الانقسامات بين مختلف الطّوائف. ظلّ لبنان ساحة مفتوحة للتّدخّلات الإقليميّة والدّوليّة، حيث أثَّرت هذه التّدخّلات سلبًا على قدرة الأطراف اللّبنانيّة على تطبيق بنود الاتفاق بشكل كامل. ممّا دفع الرّئيس حسين الحسيني إلى تقديم استقالته من عضويّة مجلس النواب وقال في خطاب تاريخي:
لم أرَ في حياتي السّياسيّة الّتي تقارب النّصف قرن، في الحرب والسّلم، في الحكم والمعارضة، تناقضاً كهذا التّناقض.
لم أرَ في حياتي السّياسيّة تمزيقاً للدّستور كهذا التّمزيق، حيث ندفع بنصّ الدّستور إلى أن يكون استهزاءً بروحه.
إنّه لأمرٌ محزنٌ حقّاً أن يستمرّ هذا المشهد.
كأنّنا لم نتعلّم من تجارب الماضي،
كأنّنا نريد دولةً بلا مؤسّسات،
كأنّنا نريد وطناً بلا مواطنين.
وأمام هذه الحقيقة، حقيقة أنّ السّلطة قادرةٌ إذا أرادت، وحقيقة أنّها حتّى الآن لا تريد،
أجدني مضطرّاً إلى إعلان استقالتي من عضويّة هذا المجلس»

الواقع المأزوم

انطلاقا من الظّروف السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الرّاهنة نستطيع تشخيص الوضع على الوجه التّالي:
– إنّ العجز في تكوين السّلطات اللّبنانيّة كما نشهده اليوم، يوجب طرح مسألة فعاليّة النّظام السّياسي من حيث الالتزام بتطبيق الدّستور، ومن حيث تطوير أجهزه الدّولة ومؤسّساتها، وتأدية مهامّها تجاه المواطنين، وتأمين سيادة لبنان التّاريخيّة وتطلّعات اللبنانيّين المستقبليّة.
– إنّ التّوازن الطّائفي لم يعد يؤمِّن للدّولة إمكانيّة القيام بوظائفها، بل على العكس فقد بات عائقًا رئيسيًّا يحول دون قيام الدّوله بمهامّها، بدليل ما نشهده من انتهاكات يوميّة لأبسط حقوق المواطن اللّبنانيّ.
– إنّ الصّراعات داخل الطّبقة السّياسيّة اللّبنانيّة، والّتي تضع لبنان على شفير الهاوية، وتهدّد بتفجير العنف المسلح، ناتجة عن تناقض مأزقي كامل في بنية الدّولة اللّبنانية، ممّا يفرض ضرورة إحداث التّغيير في هذه البنية وتلك التّوازنات.

لقد فشلت الطّائفيّة السّياسيّة في تحقيق العدالة والتّنمية، وفشلت كذلك محاولات إلغاء الهويّة الدّينيّة أو قمعها. من هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الاستقطاب التّقليدي بين «الدّولة العلمانيّة» و«الدّولة الطّائفيّة»، وتُعيد تشكيل الهويّة اللّبنانيّة حول مفهومَي الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.

إنّ العيش المشترك في لبنان لا يمكن أن يُبنى فقط على المصالح السّياسيّة أو التّوازنات العدديّة، بل يجب أن يُدعَّم بـ»شراكة روحيّة» حقيقيّة بين المكوّنات اللّبنانيّة.
إذا ما هو الحلّ وما العمل؟؟
في ظلّ الانهيار الشّامل الّذي يطال المؤسّسات اللّبنانيّة – من الاقتصاد إلى القضاء، ومن التّعليم إلى الصّحة – يبرز سؤال جوهري: على أيّ أساس يمكن إعادة بناء الدّولة؟

ما الحل؟ ما العمل؟

لا أحد يمتلك الحلّ للمسائل اللّبنانيّة المعقّدة والمتعدّدة الأبعاد، ولا أحد يمتلك بمفرده القدرة على التّغيير بمعزل عن بقيّة مكوّنات الوطن. بل المقترح هو بلورة مشروع وطني جامع انطلاقاً من مجموعة من تفاهمات، هدفها إشراك عامة اللّبنانيّين في صياغة قواعد جديدة للحياة السّياسيّة في لبنان.

تكون هذه التّفاهمات تجسيداً لمسلّمات العيش المشترك في المجتمع اللّبنانيّ الواحد، الّتي تشتمل على أربعة مسلّمات تشكّل جوهر وجود لبنان، وصميم كيانه، ورسالته التّاريخيّة، وهي:
أوّلاً: الحرية.
ثانياً: تكافؤ الفرص، والمساواة أمام القانون.
ثالثاً: العيش الكريم.
رابعًا: التّكافل والتّضامن بالارتكاز على قاعدة مدنيّة روحيّة جامعة تضمن الإنسجام بين الدّين والدّولة من خلال مبدأ الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.
الشّراكة الرّوحيّة أي التقاء القيم الإيمانيّة والضّميريّة في فضاء وطني جامع، تقوم على الاعتراف المتبادل والتّضامن.
المواطنة أي ممارسة فعليّة لحقوق متساوية تقوم على القانون والانتماء الوطنيّ الشّامل.
لبنان وطنٌ لا يُبنى إلّا إذا اجتمعت فيه روح المواطنة وعدالة الشّراكة.

إنّ اتفاق الطّائف، الذي أنهى الحرب الأهليّة اللّبنانيّة وأرسى أسس النّظام السّياسي الجديد، لا يمكن أن يُفهم أو يُحيا فقط كنص دستوري أو معادلة لتّوزيع السّلطات. فجوهر هذا الاتفاق يكمن في كونه تسوية أخلاقيّة وروحيّة قبل أن يكون عقدًا سياسيّاً، ولذلك فإنّ وضعه في إطار قيمي معنوي جامع يُعدّ ضرورة استراتيجيّة.

إنّ الشّراكة الرّوحية الوطنيّة هي الإطار الذي يمنح الطّائف معناه العميق: فهي تحصّنه من الخارج في وجه محاولات التّلاعب به كوثيقة نفوذ أو مصالح، وتحفّز الدّاخل على تطبيقه تطبيقًا كاملاً بوصفه التزامًا ضميريًّا جامعًا لا صفقة وقتيّة. وعندما يُستعاد الطّائف بهذه الرّوح، يتحوّل إلى ضمانة حقيقيّة لجميع المكوّنات اللّبنانيّة، لأنّه لا يعود أداة توازن قلق، بل إعلان نوايا صادقة للعيش الواحد والتّكامل المتعدّد.

وفي هذا السّياق، يتقاطع الطّائف مع رسالة لبنان التّاريخيّة. فلبنان ليس مجرد دولة، بل وطن يحمل مشروعًا حضاريًّا قائمًا على التّلاقي لا الصّراع، وعلى الجمع لا الاستبعاد. ووضع الطّائف ضمن هذا الإطار يعيد للبنان دوره كجسر حوار دولي، ونموذج للتّعدّديّة المستنيرة، ورسالة للعيش المشترك في عالم مضطرب. وتصبح الشّراكة الرّوحيّة الوعاء الّذي يستقرّ فيه اتفاق الطّائف، ويتمّ تنفيذ جميع بنوده بما فيها إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة، وإجراء انتخابات المجلس النّيابي خارج القيد الطّائفي، وإنشاء مجلس الشيوخ.

إنّ المشروع اللّبناني القائم على الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة الجامعة، إذا ما تمّ إنجازه بصدق ووعي وجرأة، لا يُمثّل فقط فرصة لتحقيق الاستقرار والأمن والازدهار داخل لبنان، بل يتحوّل إلى نموذج حضاري فريد لهذا الشّرق الممزقّ .إنّه مشروع ينقض من أساسه كلّ المشاريع الّتي تقوم على التفوّق العرقي أو الاستئصال أو الاستبداد، وفي مقدّمتها المشروع الصّهيوني الّذي يُبنى على العنصريّة، والتّطهير العرقي، والإبادة، والتّجويع، والإقصاء .ففي حين يكرّس المشروع الصّهيوني منطق القوّة والهيمنة، يقدّم لبنان- متى استعاد روحه وقيمه التّأسيسيّة- صورة مضادة ؛ صورة دولة قائمة على الكرامة الإنسانيّة، التّعدد المنظَّم، والانتماء إلى الإنسان قبل الانتماء إلى أي عِرق أو طائفة.

وهنا لا بدّ من القول إنّ سقوط هذا النّموذج اللّبناني، أو إفشاله، لا يُعدّ خسارة وطنيّة فحسب، بل كارثة حضاريّة للبشريّة جمعاء. لأنّ العالم، في عصر الانغلاق والصّراعات الهويّاتيّة، يحتاج إلى شاهد حيّ على أنّ التّنوّع لا يفضي إلى حرب، بل يمكن أن يكون دعامة سلمٍ واستقرار. ولبنان، بهذا المعنى، ليس مجرد وطن، بل رسالة أخلاقيّة وروحيّة كبرى، تستحق أن تُحيا وتُحمى.

 


كلمة النّائبِ العام في الرَّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة والرّئيسِ الفخري لجامعةِ الرّوحِ القدس الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة

في القرن الرّابعِ قبل المسيح، كان فيلسوفُ الأجيال أرسطو يشدّدُ بقوة على أنّ الإنسانَ كائنٌ علائقي. يقوم جوهرُه على العلاقة مع الآخر، على الشّراكة غير المنقوصة معه. وتوّج تحليلاتِه المكثّفة لهذا المعطى الأساس في تكوين الإنسان بالتّحديد الذّائع الصيت «الإنسانُ حيوانٌ اجتماعي» Zoon Politikon. أي بتعبير آخر، العيشُ مع الآخر إنّما هو أساسُ وجوده. وإذا خرج الإنسانُ من هذه المعادلة الوجوديّة، انهار جوهرُه وتداعى كيانُه. فالإنسانُ يدرك جيّدًا أنّه آتٍ من الآخر. ولولا الآخرُ لما كان له وجودٌ. إنّه يفقهُ بعمق أنّه لم يكن في أساس وجوده. ولم يعمل شيئا ليستحقَّ الحياة. فهو يأخذُها من الآخر مجانًا.

في اللّغَة الألمانيّة نقعُ على مفردة غنيّة جدًّا لتحديد الكائن البشريّ Dasein، أي الكائنُ هنا. وهذا المصطلحُ يُفيدُ بأنَّ الكائنَ البشريَّ يعي ذاتَه مرميًّا في معادلةٍ كيانيّةٍ لم يخترها، وينطلقُ منها إلى تحقيقِ ذاتِه. مَن منّا اختار أباه أو أمَّه، أو بلدَه أو ثقافتَه أو لغتَه، أو حتّى دينَه؟ نستخلص ممّا سبق أنّ حياةَ الإنسان تقوم حصرًا على الشّراكة الوجوديّة مع الآخر. والجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الشّراكة تأخذ من الفرادة حقلًا خاصًّا لتمظهرها. كلُّ امرئ منا هو فريد من نوعه، لم ترَ البشريّةُ مثيلاً له من قبلُ، ولن ترَ نظيرًا له من بعدُ. يكفي مثالاً بليغًا على ذلك، بالإضافة إلى بصمة الأصابع، أن نعلم أنّ كلَّ عينٍ فريدةٌ من نوعها، ونحن مدينون بهذه الخصوصيّة جزئيًا للقُزَحِيَّة iris، الجزء الملوّن من العين. مع أليافها البالغِ عددُها ستَّةَ آلافٍ والّتي تتوزّع على شكل أشعة حول الحدقة، تختلف القزحيّةُ من عين إلى أخرى ومن شخص إلى آخر. في حالة القياسات الحيويّة للعين، يمكن لكلٍّ من شبكة العين والقزحيّة أن تساعدا في تحديد هويّة الفرد من خلال تركيبتهما الفريدتين. من هنا، لا شراكة وجوديّة خارج الاعتراف بفرادة الشّريك الوجودي. وهذا يستتبع حتمًا مرتكزات الفرادة من فكر وحرّيّة وإرادة.

إنّ الدّراسات القيّمة الّتي وضعها في نهاية القرن العشرين تشارلز تيلور Charles Taylor الفيلسوف الكنَدي والعالم في السّياسة في مؤلَّفه الشهير Multiculturalism and The Politics of Recognition التّعدّديّةُ الثّقافيّة وسياسة الاعتراف، تُظهرُ بشكل جليٍّ أهمّيّةَ الحنكةِ في إدارة التنوّع الثّقافي، والأنماطِ الحياتيّة، والتّباينات الطّبيعيّة بين البشر.

لا تستقيمُ الشّراكةُ الحياتيّة، إن روحيّة وإن وطنيّة، في الإلحاق أو الإخضاع أو الاختزال أو التّهميش أو الانصهار. إنَّ الانصهارَ الّذي تتناولُه وتُشدِّد عليه مرتين، بكلّ أسف، نصوصُ اتفاقيّة الطّائف، ويطفو كزبدٍ مَرَضيٍّ على سطح الخطب السّياسيّة، إنّما هو مصطلحٌ يُستعمَل، أصلاً وحصراً، للمعادن الّتي تدخل متنوّعةً إلى الأتّون لتخرج منه شكلاً واحدًا ولونًا واحدًا وتركيبًا كيميائيًّا واحدًا. فلبنان لم يعشْ قطُّ هذه الحالةَ الانصهارية المذوّبة لحقِّ الآخر في الاختلاف. تقومُ رسالةُ لبنان الاجتماعيّة والسّياسيّة على أنّه ليس مطلقاً مشروعَ انصهارٍ، بل دائماً مشروعُ وحدةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ بين عائلاتٍ روحيّةٍ ومجموعاتٍ إثنيّة وثقافيّةٍ وحضاريّة، على شاكلة وحدة الجسد القائمةِ على التّكاملِ الوظيفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعُها إلاّ الاختلافُ في التّآلف.

انطلاقًا من هذه المعطيات مجتمعة، ذهب العالم الهولندي ــ الأميركي الشّهير في العلوم السّياسيّة «أرند ليبهارت» Arend Lijphart إلى المناداة بالدّولة التّوافقيّة Consociational State المستندة إلى مبدأ تقاسم السّلطة تبعًا لمكوّنات المجتمع Cross-Community Power-sharing، لإدارة المجتمعات المتعدّدة دينيّا أو إثنيّا أو لغويّا، وتعزيز الشّراكة المجتمعيّة والوطنيّة. إنَّ بعضَ الباحثين يقيمُ مقارنة مفيدة للغاية بين فكرة الكوربوراتيّة الاقتصاديّة الّتي صُمّمت لتنظيم الصّراع الطبقي وتعطيل الانفجار المجتمعي، من جهة، ونظريّة الدّولة التّوافقيّة لإدارة التنوّع وتخصيبه والحؤول دون التصدّع المجتمعي على أسس دينيّة أو عرقيّة أو لغويّة، من جهة ثانية. بالنسبة لأرند ليبهارت، الدّيمقراطيّةُ العدديّة Majoritarian Democracy لا تصلحُ أبدًا لإدارة مجتمعاتٍ غيرِ متجانسةٍ، وتؤدّي حتمًا إلى حروب أهليّة. وخيرُ مثالٍ على ذلك ما حصل في إيرلندا الشّماليّة. ثلاثون سنةً من التّقاتل الدّاخلي بين أقلّيّة كاثوليكيّة كانت تعتبر نفسَها مهمّشة ومُبعدة عن الحكم وإدارات الدّولة، وأكثريّةٍ بروتستنتيةٍ حاكمةٍ ومستأثرةٍ بجميع مفاصل الدّولة من سنة 1968 إلى سنة 1998. وضع هذا الصّراعُ الداخليُّ الدّمويّ أوزارَه بعد إبرام اتفاقيّة الجمعة العظيمة Good Friday Agreement في 10 نيسان 1998، بفضل تدخّل الرّئيس «بيل كلنتون» ووساطة مبعوثه الخاصّ السّناتور الدّيمقراطي «جورج ميتشيل» George Mitchell. قد يكون مفيدًا أن نشيرَ هنا إلى أن والدة جورج ميتشيل هي ماري سعد من بكاسين وأباه الإيرلندي الأصل تبنّته عائلة لبنانيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. فنقل جورج ميتشيل إليهم مرتكزاتِ الشّراكة الوطنيّة بحسب الدّولة التّوافقيّة ومبدأ تقاسم السّلطة كما تنصّ عليه الصّيغةُ اللّبنانيّة، وحلَّ مشكلةَ إيرلندا الشّماليّة: رئيسُ الحكومة من الحزب الاتّحادي البروتستانتي، ونائبُ الرّئيس من الحزب الوطني الكاثوليكي، ويتمتّعان بالصّلاحيّات ذاتها، وتوافقُهما ممرٌ إلزامي لجميع قرارات الحكومة. حول هذه النّقاط البالغة الأهميّة، يكفي أن نعودَ إلى الباحث الإنكليزي «مايكل كير» Micheal R. Kerr في كتابه Imposing Power Sharing: Conflict and Coexistence in Northern Ireland and Lebanon «فرضُ تقاسُمِ السّلطة: صراعٌ وعيشٌ مشترك في إيرلندا الشّمالية ولبنان»، الصادر سنة 2006.

أمّا بالنسبة إلى الشّراكة الرّوحيّة، فهي مبنيّة حصرًا على مبدأ حرّيّة المعتقد. الإنسان حرّ في ما يؤمن به، طالما أنّ هذا الإيمان لا يهدّد السّلمَ الأهليّ ولا يمسُّ بمنظومة القيم الأساسيّة الّتي عليها تقوم المجتمعات البشريّة. في الشّراكة الرّوحيّة، نقبل بعضُنا البعضَ كما نحن، باحترام كامل ومحبّة غير منقوصة. في الشّراكة الروحيّة، لا ينبغي أن نفرض على الآخر كيف يجب أن يكون. على الإنسان أن يكوّن ذاتَه، لكي يكونَ مع الآخرين. هذا هو الشّرطُ الأساسُ للتّلاقي. هل من الممكن أن ألتقي بإنسان بدون أيِّ معتقد دينيّ ولا أيّ مخزون ثقافيّ ولا أيّ شيءٍ آخر ؟ هل يسعني أن ألتقي بإنسان صرف؟ هذا أمرٌ مُحال. فالقاسم المشترك بين المعتقدات الرّوحيّة إنّما هو السّيرُ معًا متمايزين، وكلٌّ على طريقته إلى هيكل الله الواحد. هذا لا يمنعني من أن أعتبر إيماني حقيقةً دينيةً مطلقةً موحاةً من الله. بيد أنّ هذا اليقينَ لا يجبُ أن يسمحَ لي البتَّة أن أنزلق إلى موقف تكفيري إزاء المعتقدات الدّينيّة المغايرة. فالمؤمن الحقيقي الّذي يعتبر ذاته متّحدًا بالذّات الإلهيّة، يختلجُ قلبُه تلقائيًا حبًّا واحترامًا وتقديرًا للآخر المختلف ضمن الشّراكة الإنسانيّة السُميا ومبدأ حرّيّةِ المعتقد. في الشّراكة الرّوحيّة، لا نحكمُ على بعضنا البعض، ولا نُدينُ بعضُنا البعض. من أنا حتى أحكمَ بالهلاك على من لا يقاسمُني الإيمانَ عينَه؟ في حكمي هذا، ألا أُنصّبُ نفسي ديّانًا للنّاس مكانَ الله عزَّ جلالُه؟ أليس هذا انتحالُ صفة وتعدٍّ سافر على مسؤوليّات الله؟ في سلوكي هذا، ألا أنسبُ إلى نفسي صفاتٍ معقودةً حصرًا للعزّة الإلهيّة؟ هل غاب عن ذِهننا هذا القولُ العظيمُ والمأثورُ في أريافنا الّتي تختزنُ حكمةً وجوديّة ولا أعمق: «كِلْ واحَدْ على دينو، الله بِعينو». هذا هو الإيمانُ الصّحيح، البعيدُ كلَّ البعدِ عن التبجّح والاعتداد بالنّفس والانتفاخ. أَنْ تؤمنَ هو أن تشعر بالعوز الرّوحي إلى رحمة الربِّ وعضده. الإيمانُ الحقيقي يدفع بنا إلى الخفر والتّواضع والخَشية. إنّ هذا الشّعورَ بالانسحاق أمام الله يؤهّلُني لاستقبال الآخر المختلف دينيًّا وثقافيًا بالتّرحاب والاحترام والمحبّة. لا شراكةَ روحيّةً حقَّة بدون محبّة.

في الكتاب المقدّس وفي القرآن الكريم تشديدٌ بيّنٌ على أنّ اللهَ الكليَّ القدرة إنّما هو في جوهره المطلق محبّةٌ ورحمة. سأل عالمٌ بالتّوراة يسوعَ المسيح ممتحنًا له: « يا معلّمُ، ما الوصيّةُ العظمى في التّوراة؟» قال يسوع: أحبب الربَّ إلهَك بكلِّ قلبِك، وكلِّ نفسِك، وكلِّ فكرِك. هذه هي الوصيّةُ العظمى والأولى. والثّانيةُ الّتي تُشبهُها، أَحبب قريبَك حُبّكَ نفسَك. وبهاتين الوصيّتين تُختصرُ التّوراةُ كلُّها والأنبياء» (متى 22: 35-40). وفي رسالة مار يوحنا الأولى، نقرأ ما يلي: « أيّها الأحبّاء، فلنحبَّ بعضُنا بعضًا، لأنّ المحبّةَ من الله. وكلُّ من يحبُّ هو مولودٌ من الله، ويعرفُ الله» (4: 7). «إن قال أحدٌ: إنّي أُحبّ الله، وهو يُبغضُ أخاه، كان كذّابًا. فمن لا يحبُّ أخاهُ الّذي يراه، لا يسعُه أن يُحبَّ اللهَ الذي لا يراه» (4: 20).

في الآية الأولى من سفر الفاتحة، «بسم الله الرّحمن الرّحيم»، الّتي تحدِّدُ بدقّة متناهيّة جوهرَ العزّة الإلهيّة، لا نجدُ غيرَ الرّحمة. إنّ اللهَ رحمانٌ رحيم. لا مكانَ فيه لقوّة أخرى. إنّ جبروتَه الإلهيَّ يسطعُ حصراً في كثرة الرّحمة وقوّة المحبّة وطاقة الشّفقة ومُكنة الغفران. من هنا العنفُ المقدّسُ يتنافى كلّيًّا مع كيان الله. فالعنفُ لا يمكن أن يكونَ مقدّسًا، وما هو مقدسٌ ليس بوسعه أن يُداني العنف. إنّ العنفَ باسم الله يتعارضُ كلّيًّا مع جوهر الله المحبّة والرّحمة، ويتناقضُ بشكل كامل مع الإيمان الصّحيح باللّه، ويُسقطُ بالتّالي أيَّ مشروعِ شّراكةٍ رّوحيّةٍ بين معتقداتٍ دينيّةٍ متمايزة.

في جهودِنا لترسيخ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة، كمِظلّة إصلاحٍ مستدام وإنقاذٍ مستمرّ للصّيغة اللّبنانيّة، المحفوفة أبدًا بالمخاطر، في كَنَفِ عَالمٍ مُتَصَدِّعٍ ومُتبدِّل، نسترشدُ بالقانون الّذي يتحكَّمُ في الوجود الحسّيّ بأكملِه، ألا وهو «قانونُ الجَهدِ المهدور» Law of wasted effort. جميعُ المخلوقاتِ تخضعُ لِهذا القانون. عَلى سبيل المثال لا الحصر، يحاولُ الأسَدُ مئةَ مرّةٍ اصطيادَ طريدة، سَدًّا لجوعه. فهو ينجحُ فقط في خمسٍ وَعشرينَ محاولةً، ولا يُحقِّقُ مُبتغاه في خمسٍ وسبعين. وهذه النّتيجةُ المتواضعةُ لا تدفعُ به أبدًا إلى الإحباط أو إلى الكفرِ بهذا الوجودِ التّاعِس. فالإنسانُ هو الكائنُ الوحيدُ الّذي ينتفضُ بعد أيّ انتكاسةٍ ويفكّرُ فورًا في الانسحاب من ساحةِ الكفاح. لهذا الإنسانِ الـمُحبَط، يقولُ العلماءُ الّذين اكتشفوا هذا القانونَ، عَليكَ أن تخضعَ أنت أيضًا لقانونِ الجَهدِ المهدور، لافتينَ نظرَه إلى الأمرِ التَّالي: «إنّنا نفشَلُ فقط عندما نوقِفُ المحاولات، وليس عندما لا ننجحُ في محاولاتنا». فلا فشلَ يوهنُ عزيمتَنا في متابعة السّعيِ الحثيثِ والعنيدِ إلى صُنعِ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة في لبنان. بفضل الانتظاراتِ الجميلةِ الّتي تَستَوطِنُ عقولَنا وتُقيمُ في ربوعِ خيالِنا المـُنْعَتِقِ من أغلال الوَاقِعِيَّةِ الخانِقَةِ والمكبِّلَة، وتدفَعُ بنا بالتّالي إلى اليَقينِ الجازِمِ بأنَّ اليَومَ الأجمَلَ هو الآتي، بِفَضلِ هذهِ الانتظاراتِ الجَميلة، سنحوِّلُ هزائِمَنا المتلاحِقَةَ إلى مَدارجِ إقلاعٍ لمحاولاتٍ أُخرى مُتَقاطِرة، حتّى ننتهيَ جبرًا إلى استيلادِ لبنانٍ جديدٍ، وطنِ الإنسان، عاشِقِ السّلامِ ومـُدمِنِ ثَقافَةِ الحَياة التي تتمظهر بشكل بليغ في الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة.


كلمة معالي وزير الثّقافة الدّكتور غسّان سلامة

ختام النّدوة كانت كلمة للوزير غسّان سلامة، قائلاً:
«أحمل لكم أوّلًا تحيّات فخامة رئيس البلاد العماد جوزاف عون الّذي شرّفني وكلّفني بأن أكون معكم اليوم بهذا الاحتفال المهيب.
أمّا بعد، لقد عذّبني سماحة شيخ العقل، وطلب مني أن أستخلص بعض الملاحظات ممّا جاء به الزّملاء الأعزّاء فإنّي أعتبر نفسي أوّلاً أكاديميًّا مثلهم في ما جاء على لسانهم من أفكار قيّمة ومن طروحات جيّدة، وإن شئت الإيجاز، لأوجزت ملاحظاتي بكلمتَين، أمّا الأولى فهي التّنوع ، وفعلًا كما قال سماحة الشّيخ اليوم هو يوم التّنوع الثّقافي في العالم، وما لم يقله هو التّالي: لقد كان للبنان الدّور الأساسي لصياغة البند في هذه المعاهدة، لأنّ لبنان قاسى من سوء إدارة التّنوع فيه، واستفاد كثيرًا من وجود التّنوع بين أبنائه، لذلك كان عليماً بعظمة التّنوع، ولذلك قيل له أن يكون الصّائغ الأساسي لمعاهدة التّنوع الثقافي».

أضاف: «التّنوع الثّقافي كما قال المحاضرون يفرض الحوار، ولقد اعتاد النّاس على القول بأنّ الحوار هو نقيض الاقتتال، وفي يقيني أنّ هذه الفكرة غير صحيحة. إنّي أعتبر الحوار شكلًا من أشكال القتال، ذلك أنّ القتال هو قتال ضد الآخر، بينما الحوار هو قتال مع الذّات، مع النّفس لكي تقتنع بوجود الآخر، مع النّفس لكي تقبل باختلاف الآخر بعقيدته الدّينية أو في ثقافته أو في لغته أو في مذهبه. وقتال مع الذّات لكي تقبل بأن تتأثّر بفكر الآخر ولا تكتفي بمحاولة التّأثير عليه. لذلك فالحوار شكل من أشكال القتال إنّما هو قتال مع الذات. أما الكلمة الثّانية فهي كلمة الدّولة، في حال التّنوع تبقى الدّولة مجالاً رحبا ً لإدارة التّنوع، الدّولة هي صاحبة القرار السّياسي والاقتصادي، وإذا كان التّنوع في حال من التّناغم والتّناسب والتّناسق فإنّ الدّولة قادرة على الاستفادة منه لكي تتوجّه لمختلف مكوّنات المجتمع وتقتنص من كلّ مكوّن ما يفيد الوطن بأجمعه. لكنّ المكوّنات إذا كانت على تنافر، فإنّ الدّولة تبدو مشلولة عاجزة عن تجاوز هذا التّناغم من المكونات».

الدّكتور غسّان سلامة

وتابع: «نحن نستذكر اليوم بتواضع أنّنا عشنا 50 عاماً اختلط فيها التّنافر والتّقاتل مع المحاولات المتكرّرة للخروج من هذا التّنافر الى فضاء من التّواصل والتّكامل والتّفاعل. ذكرت اتفاق الطّائف، وكان محاولة عظيمة للانتقال من التّنافر للتّفاهم. هناك محاولات أخرى، ونحن اليوم على أبواب الإنقاذ والإصلاح، وقد اختارت الحكومة هاتين الكلمتين، لكنّ الحكومة أمام تحدٍّ حقيقي وهو أنّ 50 عامًا الّتي مرّت شهدت انحسارًا في نفوذ الدولة، ومن لا يعلم بذلك يكون على قدر من السّذاجة. لقد تراجع نفوذ الدولة، ولكنّ تراجع هذا النفوذ لم يحلّ مكانه الفضاء الخالي، لقد دخل أطراف عديدة لملء هذا الفراغ الّذي أحدثه انحباس قدرة الدولة».

وأردف: «لقد نشأت مصالح متجذّرة تدافع عن نفسها ضدّ الصالح العام، وعندما تأتي بفكرة الدّفاع عن الصّالح وهي مهمة الدّولة الأولى، فإنّها تصطدم بتجمّع متجذّر من المصالح. وفي العشرين أو الثّلاثين من السّنين الماضية تعدّدت هذه المصالح، ونراها في مختلف القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لذلك، المطلوب من الدّولة أن تكون على قدر من الجرأة لمواجهة هذه المصالح المتجذّرة لأنّها مصالح فئوية لا تبغي الدفاع عن الصّالح العام بل عن مصالح ضيّقة شخصيّة. نحن أمام مصالح ضيّقة في المصارف، مصالح لمولّدات الكهرباء، مصالح ضيّقة في مجال القمامة، مصالح في كلّ نواحي الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. عندما تبدأ عمليّة الإصلاح فإنّها تصطدم دومًا بهذه المصالح، لذلك على رغم قصر حياة هذه الحكومة، فإنّها التزمت بعدد من القرارات الّتي تحاول استعادة سلطة الدّولة إلى قلب الحياة اليوميّة في لبنان. أحيانًا في تبنّي هذه الإصلاحات نحتاج أحيانًا إلى كثير من الإقناع. لإقناع النّواب بها، ولإقناع اللبنانيّين في مختلف المجالات، لاستعادة الدّولة سيطرتها على الشّواطئ البحريّة، في قرار الدّولة لرفع السّرية المصرفيّة، لكي نتمكن من معرفة حقيقة وضع نحو 50 مصرفًا نعرف جميعًا أنّ بعضها في حالة صعبة. نحن بحاجة إلى إصلاحات أخرى أيضًا، ولقد أخذنا على أنفسنا محاولة تطبيق ما لم يطبّق أو طبّق بطريقة مشروطة عبر ميثاق الوفاق الوطني عام 1989، لكنّ هذا لا يكفي.

لقد اهتمّت الحكومات المتتالية منذ 50 عاماً بإعادة بناء البنى التّحتيّة، ونحن نعلم تمامًا أنّ هذا لا يكفي بتجنّب حروب جديدة ولتجنّب انحسار جديد في نفوسنا، بل أنّ الضّروري أيضًا هو إعادة بناء البنى الفوقيّة، بنى العقل والقلب، بُنى القيم المشتركة. ربّما أنّنا تنبّهنا لأهميّة إعادة البناء بعد الحرب الأهليّة، لكنّنا لم نتنبه بصورة كافية لضرورة استعادة إعمار بنى فوقيّة، ولبناء رقعة مشتركة بين مختلف مكوّنات هذا البلد، لذلك أرحّب بالشّراكة الوطنيّة، وأشعر بنفسي في مكاني معكم سماحة الشّيخ، لأنّ وظيفة الثّقافة بالذّات هي إعادة بناء البُنى الفوقية، أي بنى العقل، بنى الرّوح.

وتابع: «إنّنا نعيش في منطقة مضطربة، نعيش إلى جانب بلد جار شقيق هو سوريا يمرّ بتحوّلات ومصاعب عرفنا بعضها ونأمل لها أن تنتهي إلى نوع من الاستقرار، لأنّنا نعتبر أنّ استقرار الأوضاع في سوريا مفيدة لاستقرار الأوضاع في بلدنا. ونحن نعيش في منطقة تشهد نزاعًا دمويًّا لا مثيل له، في منطقة لا تتجاوز مساحتها 400 كلم مربعَا اسمها قطاع غزّة، والّتي يوجد فيها أكثر من 56 ألف قتيل الأكثريّة السّاحقة منهم من الأولاد والنّساء. هذا يجري على مرمى حجر من لبنان، وهذا سيبقى في ذاكرة الأطفال، وفي ذاكرة الّذين شهدوا هذه المجزرة غير المسبوقة في محيطنا، الّتي تجعل النّزاع بيننا وبين إسرائيل أكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى».

وختم سلامة: «على لبنان لا أن يجابه فقط المصالح المتجذّرة في الدّاخل، بل عليه أيضًا أن يواجه منطقة مضطربة أعطيت بعض الأمثلة عليها، لذلك فإنّ استقرارنا يساعد على مناعتنا. نحن بحاجة لتعزيز مناعتنا أمام الاضطرابات الإقليميّة والدوليّة، بحاجة الى مناعة داخليّة أكبر تجاه الأمور الشّعبويّة السّلبيّة في خطاب الدّول العظمى، مناعة أكبر بوجه النّزاع العربي-الإسرائيلي، بحاجة الى مناعة أكبر بوجه الاضطرابات الطّائفيّة في سوريا الشّقيقة، لذلك إنّ بناء هذه المناعة يتمّ طبعًا في تنفيذ القرارات الدّوليّة، وبإعادة إعمار ما هدمته الحرب على لبنان، وبالإصلاحات الضّرورية، لينهض لبنان من كبوته الماليّة والاقتصاديّة، ولكنّه يحتاج إلى إعادة بناء البنى الفوقيّة أي الذّات. فإلى شراكة روحيّة صادقة تعترف بأنّ الحوار قتال مع الذات».

 

التزوير في السردية الاعلامية الغربية المتصلة بحرب غزة
التزوير والإنحياز والتقصير

شكّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد معركة طوفان الاقصى في السابع من تشرين الاول (اوكتوبر) من العام 2023 محطة مهمة في فهم ومعرفة السياسات الإعلامية الغربية تجاه القضية الفلسطينية وما يعانيه الشعب الفلسطيني من قبل العدو الصهيوني من جرائم انسانية وحرب ابادة تنتهك كل معايير حقوق الانسان والمعاهدات العالمية حول الحروب وكذلك كل المعايير الانسانية والاجتماعية، ان من خلال قتل واستهداف العدد الكبير من السكان الفلسطينيين والذي تجاوز عشرات الالاف ومن ضمنهم الاف النساء والاطفال او من خلال تدمير واستهداف المستشفيات والكنائس والمساجد وسيارات الاسعاف، وكذلك فرض الحصار لفترة طويلة على سكان القطاع ومنع وصول الماء والطعام والادوية والوقود.

لكن الخطير في هذه الحرب اللانسانية والمدمرة والتي وصلت الى ما يمكن وصفه «بحرب ابادة» بكل ما تعنية الكلمة، ان العديد من وسائل الاعلام الغربية ساندت العدو الصهيوني في هذه الحرب وبررّت جرائمه وعدوانه وعمدت الى شيطنة قوى المقاومة والشعب الفلسطيني وخصوصا حركة حماس.

وسنحاول في هذه المقالة تقديم بعض النماذج عن كيفية التزوير في السردية الاعلامية الغربية لحرب غزة وكيفية شيطنة قوى المقاومة وكيفية تبرير جرائم العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.

وسنتطرق في هذه المقالة الى عدة نقاط ومنها:

أولاً: من يتحمل مسؤولية ما قامت به حركة حماس في معركة طوفان الاقصى وكيف تعاطت بعض وسائل الاعلام الغربية في هذا المجال .

ثانياً: كيفية مقاربات وسائل الاعلام الغربية للجرائم التي ارتكبها العدو الصهيوني ضد قطاع غزة .

ثالثاً: الحلول التي كانت تعرضها بعض وسائل الاعلام الغربية لانهاء الحرب والدعوة لانهاء حركة حماس وعدم الاخذ بالاعتبار لكل حقوق الشعب الفلسطيني .

أولاً: من يتحمل مسؤولية معركة طوفان الاقصى

من يتحمل مسؤولية ما قامت به حركة حماس في معركة طوفان الاقصى وكيف تعاطت بعض وسائل الاعلام الغربية في هذا المجال؟

منذ أن أطلقت المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها (كتائب عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) – في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، عملية طوفان الأقصى، أصبحت كثير من وسائل الإعلام الغربية تعتمد رواية الاحتلال الإسرائيلي على ما سواه متجاوزة في كثير من الأحيان الضوابط المهنية والحياد وقد ظهر ذلك في أكثر من مناسبة.

وعندما يتبني الاعلام الغربي والمسؤولون الغربيون كل الأخبار الواردة من الكيان الاسرائيلي دون استثناء، مثل خبر «قطع حماس رؤوس أطفال إسرائيليين»، والذي تحدث عنها الرئيس الامريكي جو بايدن، وتناقلته وسائل إعلامية غربية معروفة، وبقيت تكرره على انه حقيقة، رغم انه تم تكذيب الخبر لاحقا، بعد ان تبين ان مصدره جندي اسمه ديفيد بن زيون، وهو من عتاة المستوطنين المؤيدين لقتل الفلسطينيين، تناقلته قناة «إسرائيلية»، وتبناه الاعلام الغربي دون تردد او تحفظ.

كما تبنى الإعلام الغربي تحميل «حركة حماس» مسؤولية ما جرى في معركة طوفان الاقصى دون العودة الى ما كان يجري قبل السابع من تشرين الأول (أوكتوبر) من ممارسات عدوانية صهيونية ضد الشعب الفلسطيني، سواء من خلال محاصرة قطاع غزة لاكثر من 17 سنة او الاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى او وجود الاف السجناء الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية وعدد كبير منهم دون محاكمة وفي ظل معاناة كبيرة داخل السجون، وكذلك قتل الفلسطينيين من قبل الجنود الصهاينة او ممارسات المستوطنين الصهاينة ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة وكل الممارسات اللانسانية طيلة عشرات السنين من قبل العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.

في حوار تلفزيوني اجراه الصحافي ادم شمس الدين عبر قناة نيو تي في مع المسؤول الاميركي السابق دايفيد ساترفيلد حول ممارسات اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، اعتبر ساترفيلد انه من حق اسرائيل الدفاع عن نفسها حتى لو ادى ذلك لقتل مائة الف فلسطيني او اكثر. وهناك مقابلة كاملة حول هذا الموضوع على موقع قناة نيو تي في.

ثانياً: الاعلام الغربي وجرائم العدو الصهيوني

كيفية مقاربات وسائل الاعلام الغربية للجرائم التي ارتكبها العدو الصهيوني ضد قطاع غزة.
رغم فظاعة ووضوح الجرائم الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، سواء من خلال العدد الكبير من الشهداء والجرحى ومعظمهم من النساء والاطفال، او عبر استهداف المستشفيات وسيارات الاسعاف واخراج المرضى والاطباء بالقوة من المستشفيات واستهداف المدارس، فان بعض وسائل الاعلام الغربية حاولت تبرير جرائم العدو الصهيوني من خلال تبني الرواية الاسرائيليية بان المستشفيات هي ماركز عسكرية لحركة حماس او تحميل حركة الجهاد الاسلامي مسؤولية قصف المستشفى المعمداني، كذلك اللافت أن «بي بي سي» نشرت، قبل يوم واحد من قصف المستشفى تقريرا يتساءل: «هل تقوم حماس ببناء الأنفاق تحت المستشفيات والمدارس؟.»

ويضيف التقرير أنه «من المرجح أن تتدفق شبكة الأنفاق تحت أحياء مكتظة بالمنازل والمستشفيات والمدارس، مما يمنح الاحتلال الإسرائيلي ميزة الشك عندما يتعلق الأمر بقصف مثل هذه الأهداف».

وجاء الجواب من الاحتلال في اليوم التالي بارتكاب مجزرة المستشفى وقتل المئات من المرضى وذويهم من النساء والأطفال، في مجزرة ربما لم يشهد التاريخ مثيلا لها.

وكررت مراسلة «سي إن إن» الأميركية ما قاله جيش الاحتلال، وقالت إن «حماس ربما أخطأت في إطلاق الصواريخ لتسقط على المستشفى في غزة، وفقا للجيش الإسرائيلي» ويمكن مراجعة تقرير حول هذا الجانب على موقع قناة الجزيرة.

ومن الواضح ان الاعلام الغربي عمد مرارا الى تبني الروايات الاسرائيلية والى منع وجود اصوات داعمة للقضية الفلسطينية وأحد أهم النماذج لقمع الاعلام الغربي لأي صوت عربي مؤيد للفلسطينييين طرد الإعلاميين العرب أو إيقافهم عن عملهم والتحقيق معهم كما حصل مع مراسة البي بي سي في بيروت ندى عبد الصمد وكذلك مع صحافيين عرب آخرين في مؤسسات إعلامية غربية في المانيا وكندا.

ثالثاً: حول الحلول المطروحة القضية الفلسطينية والدعوة لانهاء حركة حماس

الحلول التي كانت تعرضها بعض وسائل الاعلام الغربية لانهاء الحرب والدعوة لانهاء حركة حماس وعدم الاخذ بالاعتبار لكل حقوق الشعب الفلسطيني.

معظم المقالات في وسائل الاعلام الغربية التي كانت تطرح حلولا للقضية الفلسطينية بعد معركة طوفان الاقصى والحرب على قطاع غزة كانت تركز على كيفية انهاء حركة حماس وقوى المقاومة ومواجهة الجهات الداعمة لها، وتعتبر انه لا يمكن التوصّل الى حلول نهائية للقضية الفلسطينية دون القضاء على حركة حماس، وحتى عنكما كانت بعض الاوساط الغربية، سواء من مسؤولين رسميين او وسائل اعلام، من اجل تبني حل الدولتين واقامة دولة فلسطينية كانت تشترط ضرورة انهاء حكم حماس لقطاع غزة وصولا الى انهاء وجودها كليا، ويعتبر هذا الطرح اساءة للشعب الفلسطيني ومقاومته، ومن ابرز الصحافيين الغربيين الذين دعوا الى هزيمة حركة حماس ومن يدعمها الصحافي الاميركي توماس فيردمان والذي أشار في مقال له في صحيفة «نيويورك تايمز»: إلى أنّ هناك صيغة واحدة تعزّز فرص انتصار قوى الاعتدال والتعايش في الحروب الثلاث، وهي: هزيمة حماس، طرد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وحلفائه المتطرّفين، ردع إيران، وإعادة تنشيط السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية بالشراكة مع الدول العربية المعتدلة، وإحياء خيار الدولتين. (عن مقال فيردمان المترجم في موقع اساس ميديا).

وهناك مقالات اخرى في الصحف الغربية تدعو لانهاء قوى المقاومة سواء في فلسطين أو لبنان لان ذلك هو الطريق الوحيد لضمان أمن الكيان الصهيوني .

طبعا لا يعني ذلك انه لم يحصل تغير في مواقف وسائل الاعلام الغربية تجاه القضية الفلسطينية بعد الحرب على غزة وما ارتكبه العدو الصهيوني من ممارسات اجرامية، فقد برزت مقالات ومواقف غربية تدعو لوقف الحرب على قطاع غزة والعمل للوصول الى حلول سياسية، وكان لمواقع التواصل الاجتماعي دورا كبيرا في نشر صور ما يجري في غزة وهذا انعكس ايجابا على الاوساط الشعبية والطلابية في الدول الغربية وتغيير موقفها من القضية الفلسطينية والمشاركة في المسيرات الشعبية الكبرى في معظم مدن العالم لنصرة للشعب الفلسطيني.

وقد قامت العديد من المؤسسات العربية المختصة بالشأن الفلسطيني ومنها مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز الزيتونة للدراسات والابحاث بنشر مقالات ودراسات تشرح حقيقة القضية الفلسطينية باللغات العربية والانجليزية والفرنسية وكان لها دور مهم في هذا المجال، اضافة لما قام به العديد من القنوات العربية والتي نجخت في الوصول الى الجمهور الغربي وخصوصا قناة الجزيرة، وهناك قنوات اخرى وصلت الى اميركا اللاتينية مثل قناة الميادين، اضافة الى دور اعلام المقاومة وما اعتمدته حركة حماس من اطلالات اعلامية وكيفية اطلاق الاسرى عندها، وبعض المواقف التي اطلقها عدد من الاطباء والدبلوماسيين العرب والغربيين والذين شرحوا حقيقة ما يجري في قطاع غزة، وهذا كله ساهم بالرد على السردية الاسرائيلية ولو بشكل محدود.

وفي الخلاصة نحن أمام معركة اعلامية وثقافية وفكرية إلى جانب المعركة العسكرية والنضالية من أجل شرح حقيقة ما يجري في فلسطين المحتلة ومواجهة الرواية الإسرائيلية في الإعلام الغربي، وقد تكون معركة طوفان الأقصى والحرب على قطاع غزة قد أتاحت للعرب والفلسطينيين إعادة طرح القضية الفلسطينية مجدداً على الصعيد العالمي، وهناك حاجة كبيرة لمواصلة الجهد في هذا المجال لان المعركة مستمرة ولن تنتهي بأسابيع او أشهر، وسيكون العالم في المرحلة المقبلة، وبغض النظر عما ستنتهي اليه الحرب العسكرية أمام تحديات كبيرة في كيفية مواجهة الجرائم الصهيونية ومحاكمة المجرمين الصهاينة وتوثيق ما جرى وإعادة كتابة تاريخ القضية الفلسطينية من وجهة نظر أصحابها الحقيقيين ولإعادة الحقوق الى أصحابها.

حرب غزة تفضح المعايير الزائفة في الإعلام الغربي
التزوير والإنحياز والتقصير

في أوقات الأزمات والحروب يبرز دور الإعلام وأهميته، إذ تشكل وسائل الإعلام الوجهة الرئيسية للمهتمين بمتابعة الحدث ومراقبة التطورات. ولا يختلف اثنان على مدى تأثير هذه الوسائل في تكوين وجهات النظر لدى المتلقين عن طريق السياسة التي تعتمدها في تسليط الضوء على الحدث، فهي تتحول من كونها مسؤولة عن نقل «الحقيقة» إلى المساهمة في تشكيل الرأي العام وصوغ مواقفه وتحركاته.

وللإعلام ضوابط ومعايير مهنية متعارف عليها تقتضي أن تلتزمها وسائل الإعلام، تتمثل في التقيد بمجموعة من المبادئ والقيم والسلوكيات، أهمها: نقل الواقع والحقيقة بتجرد، والدقة في نقل المعلومة، والشفافية، وتجنُب كل ما من شأنه إثارة خطاب الكراهية والعنصرية، وغيرها…

هذا من الناحية النظرية، لكنّ واقع الأمور بالنسبة إلى الإعلام، بصورة عامة، ربما لا يتطابق دائماً مع المعايير والضوابط، وفي كثير من الأحيان تصبح أخلاقيات المهنة مجرد مصطلحات نظرية، وهو ما جرى خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الفائت.

فممّا لا شك فيه أنّ الحرب الشعواء التي أعلنتها إسرائيل على القطاع، في أعقاب عملية طوفان الأقصى، كشفت كيفية تعامل الإعلام الغربي مع الحدث، ومدى التزامه المعاييرَ المهنيةَ؛ إذ سارعت أغلبية وسائل الإعلام الغربية الساحقة إلى تبنّي السردية الإسرائيلية منذ الساعات الأولى للعدوان، وهي سردية تجاوزت المعايير المهنية والأخلاقية، فقامت على مجموعة من الأكاذيب مظهرة تحيُزاً واضحاً إلى جانب إسرائيل، وخصوصاً في المراحل الأولى من الحرب.

وعلى الرغم من بعض التحول في توجهات الرأي العام الغربي، وهو تحوّل فرضته حقائق ما يجري على أرض الواقع من همجية إسرائيلية فاقت الوصف وكشفت زيف الإدعاءات الصهيونية، فإنّه من المفيد التوقف عند عدد من السرديات الإسرائيلية التي تبنّاها الإعلام الغربي من دون مراجعة أو تدقيق، وفرضها على الرأي العام عبر تبنّيها بصورة مطلقة وتكرارها:

السّردية الأولى: «حماس» قطعت رؤوس الأطفال

كان من اللافت انزلاق الإعلام الغربي في ترديد هذه الأكاذيب، وفي مقدمها الروايات التي تحدثت عن مجازر ارتُكبت بحق الإسرائيليين، وعن «قطع رؤوس الأطفال»، وحرق جثث، واغتصابات وغيرها من دون تقديم أدلة. ومن الأمور التي ساهمت في انتشار هذه الروايات مسارعة الرئيس الأميركي جو بايدن ومسؤولين في إدارته إلى تبنّي الرواية وترديدها أمام الرأي العام العالمي قبل التأكد منها.

لكنّ المفاجأة كانت أنّه عندما سُئل مسؤولون في البيت الأبيض عمّا إذا كانوا يملكون ما يؤكد صحة هذه الأنباء، اضطرّوا إلى التراجع عن التصريحات، فنقلت شبكة «CNN» الإخبارية الأميركية عن مسؤول في الإدارة الأميركية قوله إنّ التصريحات كانت مبنية على «مزاعم» مسؤولين إسرائيليين، ولم يرَ بايدن والمسؤولون الأميركيون الصور التي تثبت الرواية الإسرائيلية، ولم يتحققوا من صحتها.(1)

وهذا الموقف قاد مذيعة الـ«CNN» سارة سيندر إلى الإعتذار بسبب تبنّيها المقولات الإسرائيلية قبل التأكد من صحتها، لكنّ موقفها لم يجرِ على آخرين واصلوا ترديد هذه الأكاذيب حتى رسخت في أذهان كثير من الجمهور في الغرب.

السردية الثانية: «شيطنة» حركة «حماس»

عمد قادة العدو الإسرائيلي، منذ اللحظة الأولى في السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى «شيطنة» حركة «حماس» وتشبيهها بتنظيم «داعش»، مستخدمين عبارة الأعمال «الإرهابية»، و»البربرية» في تصريحاتهم. وتلقف أغلب المسؤولين الأميركيين والغربيين هذه المقولات التي باتوا يردّدونها كمرادف لحركة «حماس».

هذه «الشيطنة» انتقلت بدورها إلى الإعلام الغربي، الذي استخدم المصطحات نفسها في نشرات الأخبار وفي الصحافة المكتوبة. أمّا بالنسبة إلى المقابلات على الهواء، والتي نشطت بصورة غير مسبوقة منذ بداية الحرب على غزة، فحدِّث ولا حرج، إذ أصبح السؤال بشأن «إدانة حماس» لازماً كمقدمة لأي حوار يتناول الحدث، وباتت الإدانة بمثابة جواز مرور يرضي وسيلة الإعلام والمذيعين.

وبرزت المشكلة عندما حاول بعض وسائل الإعلام الغربي لاحقاً استضافة شخصيات فلسطينية، أو مؤيدة لفلسطين، فعمد المحاورون إلى أسلوب منافٍ للمعايير المهنية، يُقصد منه إحراج الضيف وإملاء الإجابات، وهذا ما أدّى إلى نقاشات ومشادات شابت هذه المقابلات، فحنان عشراوي، على سبيل المثال، انتقدت بشدة السؤال الذي وجهته مذيعة في إحدى محطات التفلزة السويدية، معتبرة أنّه «سؤال في غاية العنصرية والتعالي»،(2) رافضة الإجابة عنه. كما كان لسفير فلسطين في بريطانيا، حسام زملط، جولات مع وسائل الإعلام الغربي، رد فيها على كثير من الأسئلة الملتوية بمنطق متماسك.

المقولة الثالثة: أكذوبة «الدفاع عن النفس»

تحت هذا الشعار، أعطى الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية إسرائيل الحق في ارتكاب ما تشاء من مجازر في قطاع غزة. وإذا كان معظم زعماء الغرب قد تحدث صراحة أمام وسائل الإعلام عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فما بالك بردة فعل وسائل الإعلام؟

لقد شرّع الإعلام الغربي، عبر تبنّي مقولة «الدفاع عن النفس»، قتل أكثر من 15.000 مواطن غزي، بينهم أكثر من 6000 طفل، وتدمير المستشفيات ومقرات الأمم المتحدة والمدارس والجامعات ودور العبادة والأبنية والتجمعات السكانية، وهو ما أحدث دماراً أشبه بزلزال ضرب المنطقة، ناهيك بالحصار الكامل الذي فُرض على القطاع بمنع سبل الحياة كافة، من مياه وكهرباء وأدوية ومواد غذائية.

وتجاهل هذا الإعلام، بصورة منافية لأخلاقيات المهنة، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل خلال هذه الحرب، بل أيضاً برّر كل هذه الجرائم تحت حجة «الدفاع عن النفس».
فأي معيار أخلاقي مهني يجيز تبرير هذا الحجم من الجرائم التي تفوق الوصف؟

تداعيات التجييش الإعلامي

إنّ مجرد متابعة ما بثته وسائل الإعلام الغربي خلال هذه الحرب كفيل بأن يخدع المتلقين، وخصوصاً المؤيدين أصلاً لإسرائيل. وقد أدّى هذه التجييش الإعلامي إلى ردات فعل عنيفة جداً دفع ثمنها أبرياء لمجرد أنهم من العرب أو الفلسطينيين أو المؤيدين للقضية الفلسطينية. وشكلت ظاهرة المساواة بين «معاداة الصهيونية» و«معاداة السامية» تهديداً لكل من يعادي إسرائيل، إذ بات حكماً، نتيجة هذا الكم من التجييش والتسييس الإعلامي، معادياً للسامية ولليهودية. وهذه الظاهرة تنطوي على خلط في المفاهيم يتنافى مع الواقع، وينشئ التباساً لدى الرأي العام، ويشيطن كل من لا يؤيد إسرائيل. والأخطر من ذلك، أنّ هذه التهمة تؤدي بدورها إلى حرف الأنظار عن الجرائم المتواصلة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين على مدى 75 عاماً.
أمّا الاعتداءات التي تعرّض لها مواطنون في الغرب نتيجة هذا البث الإعلامي غير المهني، فلائحتها تطول، ونسوق في هذا المجال مثلين؛ فبعد نحو أسبوع على الحرب، أقدم عجوز أميركي على تسديد 26 طعنة أصابت طفلاً فلسطينياً في السادسة من العمر أدت إلى وفاته، بينما أصاب والدته بعدة طعنات أُخرى، وأُدرجت الجريمة تحت خانة «جرائم الكراهية»، بسبب الصراع الدائر بين إسرائيل و«حماس».(3)

وقبل أيام، أُصيب ثلاثة طلبة فلسطينيين في ولاية فيرمونت الأميركية بجروح بليغة، عندما أطلق مسلح النار على الشبان الثلاثة الذين كانوا يرتدون الكوفية ويتحدثون العربية. وقد طالب حسام زملط، سفير فلسطين في بريطانيا، تعليقاً على ما حدث بـ «وقف جرائم الكراهية ضد الفلسطينيين.(4)

ويضاف إلى جرائم الكراهية التي تسبب الإعلام بها انتهاكات أُخرى لا تقل خطورة طالت عاملين في وسائل إعلام غربية بحجة تأييد الفلسطينيين، أو معارضة إسرائيل؛ ومنها ما جرى مع الصحافية المخضرمة ندى عبد الصمد في محطة «BBC»، وما جرى مع المذيع الفرنسي ذي الأصل الجزائري محمد القاسي، والذي تعرّض لتوبيخ حاد من القائمين على محطة «TV5» الفرنسية بحجة توجيه سؤال إلى متحدث باسم الجيش الإسرائيلي ينطوي على مساءلة عن العمليات العسكرية الإسرائيلية في مستشفى الشفاء في غزة.

هذا غيض من فيض لما يتعرض له العرب والمؤيدون لفلسطين والفلسطينيّون في الغرب، وهي ممارسات يتحمل الإعلام المتحيز الجزء الأكبر من المسؤولية عنها، فوجود سياسة إعلامية تقوم على إثارة المشاعر عبر نشر أخبار مضللة وتشويه للحقائق، وعبر تجاهل قضية احتلال بدأت قبل 75 عاماً، ستؤدي حتماً إلى مزيد من جرائم الكراهية والمعاداة، وهذا ما كشفته حرب إسرائيل على غزة، هذه الحرب الجهنمية، والتي عرّت ما تدّعيه مؤسسات الإعلام الغربي من مهنية عالية، وشفافية لا تقارن. وبرهن هذا الإعلام، بما لا يدع مجالاً للشك، أنّه إعلام متحيّز ومروج للرواية الإسرائيلية، وشكّل إلى حد كبير جبهة حرب إعلامية موازية للحرب العسكرية.

إعلام الحرب والسلام؛ المسؤولية الاحترافية
التزوير والإنحياز والتقصير

أكثر ما يضغط على الإعلام في زمن الأزمات والنزاعات والحروب الميدانية، في فنون النقل والتغطية والتحليل والتصوير وأكثر الأمور دقة وتطلباً للإحترافية المهنية وتضلعاً من فنون الرصد والمتابعة والمقارنة والتدقيق، هو الإلتزام بالناموس وبأخلاقيات الإعلام وإتباع سلوكات الرصانة، ومراعاة مقومات الإتزان الخبري والتوازن التصويري، الأمر الذي يفرض على الإعلامي والوسيلة إتباع إستراتيجية عمل ظرفية متحركة تتناسب مع تطور وموقف كل حالة.

إن خاصية التكيّف اللحظوي مع متطلبات ومستلزمات البث المباشر والنقل الميداني في مسؤولية تحريك الكاميرا وكيفية تركيزها على زوايا دون أخرى من المشهد، تتطلب تخصصًا ودراية وحسًا إستباقيًا يتناسب مع الواقع، ويقاس مع مدى إنشغال المصور الإعلامي بأخلاقيات الكاميرا في زمن حرِجٍ دقيق، وكيفية الحفاظ على قيمة الصورة الخبرية ووجوب إتصافها بالحس المجتمعي من دون المس بكرامة الإنسان، فرداً أو جماعة، مع الحرص على حق المستعلم بالحصول على كامل زوايا المشهد من دون أي حذف أو تعديل أو تركيب أجزاء، بقصد التضليل والتشويه والكذب والإختلاق والتجاهل والتعمية والتضبيب (الضباب). من مثل ما يقترفه بعض الإعلام المسيس وغير المنتمي، من ممارسات قصدية أو عفوية تسيء إلى الإعلامي والمعلومة والمستعلم. وهذا ما يدخل في التصنيفات اللَّونية للإعلام، من الأسود والأبيض والأصفر والأحمر، وصولاً الى إعلام اللَّالَوْن الحائر تصنيفًا بين عدة معايير إعلامية متداخلة كالإنحياز والحياد والإلتزام واحترام الواقع.

إنّ القضية المهنية الأكثر إلحاحاً وحضورًا في زمن الأزمات، هي ناموس إدارة المعلومة وتقنية السيطرة على أجزائها وفنية تقديمها بصدقية وواقعية، مع تركيز على قيمتها الخبرية والدلالية، وتجاهل للخبر الضاغط والملتبس، والبقاء على حذر من نقل أو التعامل مع الشائعة الإختبارية التي تكون بمثابة فخ للإيقاع بالإعلامي والنيل من صدقية الوسيلة، والتي غالبًا ما تشيع في ظروف القلق والإضطرابات.

إن ضواغط الحالة الحربية تفرض على الصحافي التقيد بأخلاقيات المهنة وناموس العمل الإعلامي الميداني وغالبًا ما تؤثر على مهنية الإعلامي المبتدئ وغير ذي الخبرة، وبالتالي تتحول النقيصة المهنية إلى ضرر يلحق بالجمهور وينال من رصيد الوسيلة، ويصبح الخطأ خطيئة.

كما أن حق الإعلامي بالملكية الفكرية والفنية للصورة، يضعه بمواجهة الحقيقة وحمايتها وكيفية تحصينها وتقديم الإقناعات المرافقة لعناصرها، مع ما تتطلبه الفنية التحريرية من إتقان لصناعة العنوان الموضوعي والإختزالي، والعنوان الرقمي والعددي وأصول إستخدام النِسَبِ في الإخبار.

ويترافق مع ذلك، وجوب حرص الإعلامي الميداني على التأكُّد من مرجعية الخبر المنقول والتفريق بين المعلومات الأولية والمعلومات النهائية، مع مراعاة تأثيرات الوضع الأمني على مشاعر وأعصاب الإعلامي الميداني في أثناء النقل المباشر والذي يكون أمام الموازنة بين مردود الخبر على المؤسسة ومعنويات الناس، التي لا تقاس بحسب مردود الصورة الخبرية ولا بنتائج الفرصة التي أتاحتها له ظروف الميدان ارتكازاً على ثلاثية واقعية الميدان وأزمة الضمير العالمي ومأزومية القانون الدولي، تتكاثف التحديات التي تعترض مهام الإعلام الميداني في ساحات القتال وجبهات المواجهة، لتشكل مجموعة من الطروحات والأفكار التقويمية المساعدة على تظهير مشهديات الحرب بدقة تفاصيلها وكل أبعادها، ما يوفر للناقد المستعلم تكوين قدرة معرفية تمكنه من رسم أطر التقويم وتقديم الأفكار التي تسهم بإعداد مراسلين متخصصين بمواكبة الأحداث الحربية وتغطية مراحلها وتقديم قراءة هادئة لها بحرفية موصوفة ومسؤولية عالية.

إن مقاربة عقيدة الإعلام اللبناني في أزمنة الحروب هو موضوع شديد الإلتزام وعميق الإنتماء ويستجيب لمتطلبات المرحلة الميدانية المواكبة للتضحيات المُحْرَقَة، حيث البسالةُ تحكي، والدم يُؤرِّخُ الإستشهاد، والبطولةُ تفرضُ وضعيتها بعناد، لنقولَ: إنَّ إعلام ما قبل حرب لن يكون كما بعدها، على صعيد التعامل الإعلامي مع القضايا الوطنية في زمن النزاعات، حيث لا مكان للحياد في منطق الالتزام. وهذا ما يفرض تناول إعلام الحرب بكل فنونه، المباشرة والمدونة والمحللة والمصورة والموثقة، من مناظير مختلفة المستويات، ووِفقَ تحديداتٍ على مقاساتِ عقيدة الفكر الجهادي والنضال الإيماني والمقاومة الوطنية، وكرامة المقدسات وإلإفتداءات البطوليةِ المنسوجةِ راياتها بدفء الإيمان، والمتقويِّة رماحها بالقيم الروحية وسلوكات المواطنة الحقة.

في تقويم عملية النقل الميداني المباشر لإعلام الحرب تبرز إشكالات عدة على المستوى الإعلامي والأكاديمي والمهني، وأبرز توصيفات مُحْدَثة لمفاصل الحروب الإعلامية وفنونها، من نقليات الصورة الفيلمية المباشرة، إلى رصانة نشر الخبر وأصول التغطية المُحكمة الضبط على إيقاعات الميدان وبراعة التعليق، وصولاً إلى فن التحليل، الذي هو أبغض الحلال في إعصاراتِ القتل والذبح والقصف وتدمير البيوت على الرؤوس. إذاك يكون الكلام للصورة، ولها وحدها حقُ إصدارِ الحكمِ بإسم الإنسانية من على قوس محكمة القيم، مهما ضعفتِ العدالة وخفَّ منسوبُ العدلِ وإختفتْ نسبيةُ الإعتدال.


غالبًا ما تتحدد رزم ضحايا المجازر والإبادات، بأن الضحية الأولى، هو القانون الدولي ومعيارية تطبيقه، إذ يكون في بعض الأحيان أخرس من الصخر؛
والضحية الثانية، هي الضمير العالمي الرسمي، لا الشعبي، الميتُ من زمان، والساكتُ عن الحق ولمّا يزَلْ واقفاً على رأسه غرابٌ أدمسُ من قهر الظلم الأكبر وأعتمُ من ليلِ الجُرْم الأفجَر؛
وثالث الضحايا، هو الصمتُ الدولي الرسمي عن إجراماتِ القتل والقصف والسحل والتدمير والإبادة المجزرية بحق الإنسانية، وكأن المدن متروكةٌ للغُزاةِ، أو كأنها ساحاتٌ لإختبارات الأسلحة الإبادية.

مشهدياتُ دمٍ، وفصولُ حروبٍ تتوالى ولَيسَ من رادعٍ عن الشرّ، ولا من قائل بهدنة، ولا من نيَّةٍ لإسدال الستارة، للإعلان عن انتهاء فيلم الرعب الطويل، حيث الميدانُ واقعي، والضحايا حقيقيون، والركاماتُ تنطقُ، والاستشهاداتُ تُسجَّلُ في ديوان الذكرى للذكرى.

وأثبتت لغةُ الصورة وسلاحُ المشهد المباشر، إنهما الأبلغُ والأجرأُ والأفعلُ، في تكوين حالة التضامن الشعبي وصناعة الالتفاف المجتمعي العالمي حول إدانة بشاعات الحرب وتأكيد حق الشعوب بالحياة والسلام.
وسؤال المرحلة الذي يُطرح بإلحاح يتركز حول: أيُّ تفاضلية لإعلامٍ حرب الأقوى على الأضعفِ، سلاحاً ومقومات؟
تنسلُّ من هذا السؤال قضيةٌ محورية، هي في صلب تكوين إعلام القضايا والأزمات والنزاعات، ركيزتُها، هَلْ للإعلام اللبناني الرسمي، على إمكاناته الضئيلة، والإعلام الخاص رغم قدراته الواسعة، هل لهذا الإعلام عقيدة؟ وتجوُّزاً أقول؛ هل كان له عقيدة؟ الوضعُ الحالي يُظهرُ أن للإعلام اللبناني، بكل مؤسساته موقف معتبر نأمل أن يتطور إلى عقيدة إنسانية وقومية ووطنية تلتقي عفواً وبإرادةٍ طيبة على نصرة الحق جهراً وإدانة المعتدي صراحة، بلا تجميلات ولا محسناتٍ لفظية، مستخدمين مصطلحات تناسب المرحلة وتتوافق مع قاموس إعلام الحرب والإلتزام.

فالإعلام اللبناني منذ نشأته صحافياً وتأسسه إذاعيًا وتألقه تلفزيونيًا، أثبت أنه إعلامُ قيم ومواقف، وأنه قبل أي شيء هو إعلام لصيقٌ بالحرية، تظهيرًا لها تبشيراً بها ودفاعاً عنها.

وهذا موقفٌ مُقدَّرٌ وجهدٌ مُعتبَرٌ للمؤسسات الإعلامية وللإعلاميين اللبنانيين الذين يناضلون على خط النار ويستشهدون دفاعاً عن الحقيقة ويؤسسون لنهجٍ واضح من فنون «إعلام اللحظة الساخنة» بأعصاب هادئة وإندفاعية موصوفة مرتكزة على جرأة المشاركة الميدانية، وإحترام أساسيات «الموضوعية الواقعية»، ورصانة النقل الشارح، ودقة الملاحظة والابتعاد عن التنبوء القاتل للمعنى والمسيء لشرف المهنة.

وتقويمًا للاعلام الكلاسيكي المطبوع والإذاعي والتلفزيوني، فإن مَنْ يراقب للحالة ويتابع التطورات لا بد أن يحتكمَ إلى اصول صياغات الإعلام ووضوح خطه، والتعامل معه كمنظومة قيم خبرية ملتزمة ومتزنة، يُحكمُ لها تقديراً، ولا يُحكَمُ عليها جوراً. من دون إسقاط دور المواقع الإعلامية الالكترونية الجادة وذات الشخصية الحرة التي لها طبيعة مؤسساتية نظامية، فضلاً عن منصات التواصل والإعلام الإكتروني الشخصي، حيث كل فردٍ أصبح مُعلِماُ ومُعلّقاً وناشرَ رأي. وكلها قدرات إعلامية، تكاملت مهنيا ومادياً والتزامًا وطنيًا لتصوغَ إعلامًا لبنانيًا ذا «عقيدة إنسانية» ووطنية قاعدتها السيادة والحرية والكرامة. ما يثبت أن كرامة الإعلام من كرامة القضية التي يدافع عنها، وقيمته من قيمة العقيدة التي ينطق باسمها ويرفع بيرقها.

وإعلام الحرب اللبناني، وتحديدًا إعلام الجبهات ودور المراسلين، هي مهمة مهنية تنطبق عليها شروط ومواصفات المهمة العسكرية، من حيث دقة فنيّة التراسل وإتقان فنِّ التقاط اللحظة وتوظيف الكاميرا وإستصراح الشهود العيان الذين غالبًا ما يتحولون إلى شهداء عيان ينطقون ويلفظون ويوقعون محضر استشهادهم مباشرة على المحطات التلفزيونية والفضائيات، كأبلغ دليل على السَكْت الدولي وأدمَغِ إثبات لوقوع الجرم المُنّظَّم.

الإعلاميات والإعلاميون الشباب على الجبهات، كلهم مشروع شهداء، والخوف الدائم عليهم ينطلق مما عرفته في خلال عملي الصحفي كمراسل تجريبي لمرة يتيمة، من وجوب توفير التأهيل المهني والخبرات اللازمة والثقافة القتالية التي تمكن المراسل، على الجبهات وخطوط النار من معرفة أنواع الأسلحة المستخدمة ومفاعيلها وقدراتها تقريبياً، وبما يمكنه من تقديم معارف شارحة تساعد الجمهور على تبيُّنِ حقائق الأمور ومعرفة ما يجري من أحداث. إنها مواصفات المراسل الحربي، المتخصص والخبير والمتابع والمطلع، والذي تجتمع فيه قدراتُ فريق عملٍ كامل يوازن في المعرفة بين الثقافة التخصصية والخبرة المعرفية التي يكون اكتسبها في خلال خدمته ووظيفته.
فهل إعلاميونا المراسلون محميون أمنياً ومحصنون مهنياً ومزودون معرفياً بالمعاهدات والقوانين الدولية وبنود اتفاقات الهدنة وقراءة الخرائط الميدانية؟ وهل يعرفون حقوق المراسل الحربي وواجباته ومضامين المواثيق الناظمة لرسالتهم والمحددة لدورهم، بما يمكنهم من نجاح مهمتهم الميدانية والوقاية من الخطر، أم أنهم مغامرون اختباريون ومبادرون ومشاريع ضحايا؟

في التقويم التخصصي والمقارنة المهنية، فإن بعض المؤسسات الإعلامية الدولية تعتمد مراسلين حربيين من ذوي الخبرة والخدمة العسكرية، لأنهم الاقدر على توصيف حركة الميدان وتقديم معلومات حول مجريات المعارك وأنواع الأسلحة وتصنيفاتها، ما يضفي على العمل خبرة تخصصية وثقة موضوعية، هي اكثر ما يحتاجها المستعلم المتابع. وهذا واضح بين طواقم المحطات الدولية والمحلية. فالمحطات والفضائيات ووكالات الأنباء العالمية، يعتمدون الاحتراف الميداني العسكري لتشكيل فريق عمل التغطية مع لحظ كبير للقدرات المادية اللازمة، في حين أن إعلاميينا يعملون جاهدين، مكلِّفين انفسهم بإندفاعية مقدّرة للقيام بالمهمة بعزيمة وتضامن وطني صحيح، مسجلين خطوات مشكورة في صناعة السبق الإعلامي وتحقيق إنجازات في إعلام الجبهات.

إنّ الاحتكام إلى منطق الامور يحرضنا على تقدير الإعلاميين اللبنانيين على الجبهات، وشكر المؤسسات الاعلامية والصحافية، التي اثبتت بصراحة مشهودة أنه في زمن الشدة والأزمات، يكون صوتها واحدًا، وصورتها واحدة وشاشاتها واحدة وحبرها واحدًا.

إنه لبنان. إنه تراثنا الصحافي وناموسنا الوطني ومسارُ إعلامنا مع الحرية والموقف الجريء، ومسيرة الدفاع عن الحق، بإندفاعية رسولية مُثبتة، بالعلم والخبر والصورة، وبإتباع المعايير الخلقية لإستخدامات الصورة، مع تركيز على إنسانية الصورة ومحتوياتها، وإحترام كرامة الموت، وعدم انتهاك حرمات جثث الضحايا لتوظيفات لخدمات اللحظة الساخنة التي تفرض تقنيات استثمارها بعيداً عن الإساءة إلى ضحايا الحروب ومشهديات الميدان .!

إن إعلام الحرب يجب أن يتوافق بتقنيّاته وأهدافه مع التحضيرات الموازية لإعلام السلام. مع التأكيد أن إعلام السلام الذي يصنع (على البارد) يستوجب وضع مخططات استراتيجية، هي أصعب وأكثر دقة من إعدادات إعلام الحرب الذي يصنع (على الساخن) ويكون وليد اللحظة وأسير ضواغط الميدان ومحكومًا بظروف المعارك.

لعلَّ أصعب أنواع الإعلام دقةً وتطلباً للإحترافية وثقافة الحوار والبعد القيمي والإنساني، هو (إعلام السلام) الذي لم يتم وضع خارطة هندسية لبنائه وفق معايير محددة تتوافق وظروف النزاعات وحدة الأزمات وإشكالياتها المعلنة وتلك المسكوت عنها، بقصد تضليلي أو عن جهل مقصود، وعن قلة معرفة، أو لأن (إعلام السلام) زيائنه قليلون، ورعاته نادرون !

العدوان الإسرائيلي الوحشي على قطاع غزّة، في أبعاده الميدانية، والقانونية، والإعلامية
التزوير والإنحياز والتقصير

حين أخرج الطفل، إبن الأعوام الستة أو السبعة، من تحت أنقاض منزل أسرته – وكم كان محظوظاً على عكس آلاف الأطفال الذين قضوا تحت ركام المنازل والمستشفيات والمدارس – تطلّع حوله ذاهلاً، قال: هذه عن جدّ أو لعبة!

نعم (يا حبيبي)، هذه «عن جد» للآلة العسكرية الإسرائيلية، لكنّها كما يبدو «لعبة» لدول الكوكب قاطبة: كلّ الحكومات، معظم وسائل الإعلام المعولم، وبخاصة الشبكات الكبرى (وفي طليعتها الـ CNN والـ BBC) التي تنقل عنها غالب الشبكات الإخبارية في العالم، فيما الرأي العام مغلوبٌ على أمره، وليس في يده أكثر من التظاهر ورفع الشعارات المندّدة بالتوحّش والتغوّل والحقد والرغبة الجارفة بالإنتقام من المدنيين في غزة التي أظهرها ردّ الفعل الاسرائيلي على عملية 7 أكتوبر 2023 العسكرية.

لكنّ ملاحظة بسيطة لطبيعة الرّد الإسرائيلي الوحشي على عملية 7 أكتوبر تظهر أن التغوّل الإسرائيلي هذه المرة تجاوز مستويات اعتداءاتها السابقة على القطاع والضفة الغربية وجنوب لبنان.

لقد بدا بوضوح أنّ الهجوم الحالي المستمر منذ أكثر من شهرين ونصف على القطاع لم يستهدف المقاتلين، إلّا بالنزر اليسير؛ فاستهدف ودمّر دون هوادة كلّ ما هو حيّ أو يخدم الأحياء في القطاع: إمدادات مياه الشرب، شبكات الصرف الصحي، البنى التحتية، المنازل (أكثر من خمسين ألف منزل حتى الآن)، عشرات المستشفيات، مئات المدارس، الأسواق التجارية، وسائر مظاهر الحياة في القطاع.

لكنّه أكثر من ذلك استهدف مباشرة هذه المرة وعلى نحو ممنهجٍ لم يتوقف، أطفال غزة !
بدا الأمر وكأنّه طقسٌ وحشي – خرافي ينفذّه مجانين مسكونين بأحقاد وأساطير بائدة ضد الشعب الفلسطيني، بهدف الإبادة المباشرة، الهدف القريب؛ «وقطع نسل» هذا الشعب في المستقبل، ما أمكن، فأطفال اليوم هم رجال الغد. ولطالما حذّر المتعصبّون في اليمين الإسرائيلي من الفارق الديمغرافي الذي يتعاظم بين أعداد المستوطنين اليهود من جهة والفلسطينيين من الجهة المقابلة.

بدا الأمر وكأنّ الطغمة الفاشية الحاكمة في إسرائيل الآن ، والمسكونة بعقل أسطوري خرافي، تستعيد حرفياً الإبادات التي جرت غير مرّة لليهود منذ ثلاثة آلاف سنة، وصولاً إلى المحرقة النّازية في أواخر الحرب العالمية الثانية، والتي لا يد للفلسطينيين فيها، بل هم كانوا مثل اليهود ضحايا الإحتلالات والإبادات بهدف التهجير، بل أكثر منهم.
تنفذ الطغمة الفاشية الحاكمة في إسرائيل الآن على أطفال قطاع غزّة نموذج أفران الغاز التي نفّذها النازيون بحق اليهود في ألمانيا – والتي أحسن العقل الصهيوني الإستثمار فيها لإجبار الحكومات الغربية، والألمان خصوصاً، على التصرف دائماً من موقع عقدة الذنب حيال إسرائيل، فكانت التعويضات المالية الخيالية وإمدادات السلاح الأحدث في العالم، وتأييد إسرائيل في كل مناسبة كما حدث، بعد عملية 7 أكتوبر.

تناسى هؤلاء أنّ الفلسطينيين ضحايا، بل ضحية الضحية، وفق تعبير المفكر الفلسطيني إدوار سعيد؛ فإذا الضحية الأولى (اليهود) تنفّذ في ضحيتها الآن (الفلسطينيين) من صنوف العنف ما لم تستطعه مع الجلاّد! المحرقة التي حدثت لليهود في أوروبا الغربية،على بعد 5000 كيلومتر من فلسطين، لا تُمحى بالمحرقة الجارية الآن بحق الفلسطينيين!

وفيما لا نستطيع تبرير أي اعتداء على المدنيين، وبخاصة الأطفال والنساء، تناسى العقل الغربي أنّ التوغّل الفلسطيني في غلاف غزة كان صرخة في وجه التجاهل الطويل لمطالب مليوني مواطن سجنوا في قطاع من الأرض لا تزيد مساحته عن 360 كيلومتراً مربعاً مطالبين بالعيش الكريم وفي رفع الحصار الظالم والأوضاع المعيشية المستحيلة التي لا تتحمله جماعة أخرى على وجه الأرض!

تجاهل العالم الغربي، وليس إسرائيل فقط، معاناة شعب بأكمله، فغدا كما قال مواطن من غزّة، بكل أسى، «عالم أعمى، أصم، أخرس»!

تلك هي معاني «محرقة غزة».
لا يملك الفلسطينيون، بالتأكيد، التفوق العسكري الإسرائيلي الساحق؛ لكنّهم يملكون شرعية التمسك بأرضهم، وشرعية المقاومة، التي كفلتها القوانين الدولية، الوضعية والأخلاقية.
المحرقة الجارية لم تمنح إسرائيل أي حق إضافي، بل عرّتها أخلاقياً وسياسياً!

هذه محرقة ظالمة، بكل المعايير، ولا يجب أن يقبل بها أي ضمير أو صانع قرار.
وهي فوق ذلك استهتارٌ بالقوانين الدولية (ومتى احترمت إسرائيل، وهي دولة مارقة، القوانين تلك؟). مع ذلك يبقى واجبنا التذكير بها.

هذا هو الإطار العام لملف العدد المتمحور حول العدوان الوحشي الجاري بحق مواطني قطاع غزة في فلسطين.

أحداث غزّة فضحت الدول الديمقراطية… ليس هذا هو الغرب الذي نعرفه
الإنتهاك الصريح للقوانين الدولية

شكَّلت الأحداث المأساوية الأليمة التي حصلت في قطاع غزة وفي جنوب لبنان وفي الضفة الغربية في الربع الأخير من العام 2023؛ امتحاناً في غاية القسوة للديمقراطيات الغربية، وللدول الكبرى الأخرى. غالبية هذه الدول سقطت في الإمتحان، وبدت على واقعة نقيض مع ما تُعلنهُ، وهي تُمارس سياسة الكيل بمكيالين، حيث تقف الى جانب المُعتدي وتضطهد صاحب الحق استناداً إلى زبائنية مصلحية أو عقائدية غير مبررة. والمؤسف أن هذه الدول تنادي بإحترام حقوق الإنسان، وتطالب بالإلتزام بالقانون الدولي وبمعايير المساواة والرأفة والعدالة، وبحق الناس على اختلاف انتماءاتهم الدينية او العرقية او القومية او القارية؛ بالحياة وبالحفاظ على تراثها الثقافي والتاريخي، وبالعيش الكريم محفوظي السلامة الجسدية مع مُوجب أن يتأمن لهم سُبل الإستمرار.

غالبية حكومات الدول الغربية الكبرى – لاسيما في الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وبريطانيا – أشهرت انحيازاً غريباً الى جانب العدوان الوحشي غير المسبوق الذي شنَّته قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في غزة، ولاقى موقف هذه الدول استهجاناً لدى مئات الملايين من الناس الذين شاهدوا القتل العَمد للأطفال وللنساء وللعجزة، ورأوا الدمار والخراب الذي طال المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة ومنازل المدنيين، من دون أن يكون هناك أي مبرر لإستهداف هؤلاء العُزَّل الذين لا ناقة لهم بما جرى ولا جمل، بشهادة الهيئات المحايدة التابعة للأمم المتحدة والجمعيات الإنسانية الأخرى، الذين أعلنوا جهاراً: أن الذي حصل في قطاع غزة لم يشهد له التاريخ مثيلاً من قبل، حيث قُتل المرضى على أسرتهم عمداً، وتمَّ ترك الأطفال والنساء من دون طعامٍ ولا شراب ولا مأوى لأيام، كما بقيت جثث الشهداء على الأرض وتحت الأنقاض لمدة طويلة، ولم يتمكن المعنيون من دفنها وفق الأصول والتقاليد المرعية بسبب القصف العشوائي واطلاق النار على فرق الإسعاف الصحية وعلى مجموعات المتطوعين للقيام بالأعمال الإنسانية.

الدعاية الصهيونية سارعت الى تعميم مشاهد مُزورة وغير صحيحة عن عمليات ذبح للأطفال، قام بها المقاومون الفلسطينيون ضد مدنيين يقطنون في مناطق محتلة في محيط قطاع غزة، او فيما يسمى «بغلاف غزة»، وقد يكون هؤلاء المقاومين تجاوزوا حدود قواعد المقاومة في عملياتهم المشروعة التي حصلت ضد مقرَّات عسكرية كان فيها مدنيين، او أن ذُعر قوات الاحتلال الإسرائيلي مما جرى ليلة 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023؛ أدى الى سقوط عدد من الإسرائيليين غير العسكريين في المواجهة. لكن الدعاية الغربية التي تعاطفت مباشرةً مع رواية المحتلين؛ تجاهلت كل المعطيات المحيطة بالحدث، وتعامت عن كون ما حصل مقاومة مشروعة تقرُّها القوانين الدولية لفلسطينيين طُردوا من أرضهم، وهم يعيشون في سجنٍ مُطبق داخل جدران مُحكمة بناها الاحتلال الإسرائيلي، وحرم أصحاب الأرض من العيش بكرامة في وطنهم الأم فلسطين الذي ورثوه عن أجدادهم منذ مئات السنيين كما كل شعوب الأرض.

ردة فعل العدوان الإسرائيلي على عملية 7 أكتوبر؛ لم تكُن متناسبة مع حجم العملية البطولية للفلسطينيين، بل كانت حرب إبادة فعلية طالت الحجر والبشر بهدف دفع أبناء غزة الى خارج القطاع، وتهجير مَن تبقى منهم على قيد الحياة مرة ثانية من أرضهم الى مصر او الى الأردن او غيرهما. وهذا الفعل الإسرائيلي المتوحِّش؛ لم يكُن ليحصل لولا الدعم الذي لاقاه قادة «إسرائيل» من الدول الغربية الكبرى، وخصوصاً من الولايات المتحدة الأميركية التي أرسلت أساطيلها البحرية لمساندة العدوان، وكذلك المانيا التي تمادت في تأييد عمليات القتل التي قام بها الإسرائيليون، ومثلهما فعلت بريطانيا وبعض المسؤولين الفرنسيين. وقادة هذه الدول تراكضوا لزيارة إسرائيل وتقديم الدعم لها وتشجيع عدوانها، بينما كانت مشاهد القتل والتدمير التي ترتكبها إسرائيل تملأ الشاشات وتستثيرُ المشاعر.

– لماذا اتخذت الدول الغربية هذا الموقف؟

مراقبة تصريحات المسؤولين في هذه الدول، وتحليلات قادة الرأي الذين يدورون في فلك الحكومات المعنية؛ توضِّح بعض الدوافع التي تقف وراء موقفهم الصَلف. فجزء من الأسباب وراءها طموحات انتخابية، ويرى هؤلاء المعنيون: أن الحركة الصهيونية، وحراك «المسيحيون الجُدد» لديهم قدرة على تجيير أصوات تفيدهم في استحقاقاتهم القادمة، لا سيما في الولايات المتحدة الأميركية التي تتحضَّر للإنتخابات الرئاسية التي يتنافس فيها الرئيس الحالي جو بايدن مع الرئيس السابق دونالد ترامب أو غيره من مرشحي الحزب الجمهوري. وواشنطن أجرت اتصالات مع حلفائها الغربيين، لاسيما مع الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ومع المستشار الألماني أولاف شولتز ومع رئيس وزراء بريطانيا – الهندوسي الأصل – ريشي سوناك وطلبت منهم مساندة إسرائيل، بحجة أنها مهددة، وقد تتعرِّض للزوال إذا لم يقف الغرب معها، على حد ما تمَّ تسريبه من المحادثات السرية التي جرت بين القادة الغربيين بُعيد وقوع العملية في غلاف غزة.

وبعض المعلومات التي ذكرتها تحليلات صحفية نشرت في دول غربية؛ تقول أن غالبية قادة هذه الدول مقتنعون: أن الشعوب العربية والإسلامية تكره الغربيين، وإذا ما تعرَّضت إسرائيل لأي هزيمة، سوف يؤدي ذلك الى إيصاد أبواب الشرق الأوسط والبلاد العربية وغالبية الدول الإسلامية في وجه النفوذ الغربي، كما تصبح الممرات المائية الدولية التي تربط العالم ببعضه مع البعض الآخر عن طريق بحور الشرق الأوسط؛ بخطر (ودائماً برأي هؤلاء). ووجود إسرائيل وبقاؤها قوية يشكل ضمانة لسياسة الدول الغربية ولإستثماراتهم وفق ما يقولون. لكن هذه التحليلات ليست صحيحة، وهي مبنية على دعاية تحريضية «صهيونية» سبق أن فعلت فعلها في تشويه صورة العرب والمسلمين لدى الغرب من خلال الصاق تهمة الإرهاب والتخلف بهم عن غير وجه حق، وحمّلوهم مسؤولية عمليات شنيعة وارهابية غالبيتها مدبرة من جماعات رعاها الغرب؛ لتأليب الرأي العام ضدهم. ولا تعني عدم صحة هذه الرؤى أن مشاعر الودّ بين شعوب هذه الدول والغرب على أحسن حال، ذلك أن الترسبات الأليمة الناتجة عن مرحلة الإستعمار؛ ما زالت تفعل فعلها في ذاكرة الشعوب العربية والإسلامية، لكن هؤلاء تجاوزوا غالبية المحطات السوداء في تاريخ العلاقة مع الغرب، ولولا امتعاض هذه الشعوب من دعم غالبية الغرب لإسرائيل على حساب حقوق الشعب الفلسطيني؛ لكانت العلاقة بين العرب والغربيين على أفضل حال، نظراً لواقع الجيرة الجغرافي بينهم، واستناداً الى خاصية التقارب في لون البشرة وفي بعض العادات، ولما للثقافة الغربية (الفرنكوفونية والإنكلوفونية) من تأثير عند الكثيرين من شعوب الدول العربية والإسلامية.

وبدل أن يساهم وجود دولة إسرائيل التي أنشأتها بريطانيا منتصف القرن الماضي – في أهم منطقة من العالم – في تعزيز مكانة الدول الغربية في هذه المنطقة؛ أدى ذلك الى اثارة مشكلات متعددة لم تكُن موجودة في السابق بين هؤلاء وبين العرب والمسلمين الذين يتعاطفون مع اشقائهم الفلسطينيين الذين اُغتصِبت أرضهم، كما أن غالبية من المسيحيين الشرقيين وبعض الكنائس الغربية ترى أن إسرائيل تحتل المقدسات المسيحية في فلسطين كما تحتل المقدسات الإسلامية، وتحديداً في مدينة القدس ومحيطها. ولا ترى الأكثرية من شعوب المنطقة على تنوعها العرقي والديني والثقافي؛ أي مبرر للمواقف الغربية الداعمة لإسرائيل، سوى بهدف تعزيز مكانة قادة غربيين يحتاجون لمساعدة الحركة الصهيونية التي تتمتع بنفوذ واسع في الولايات المتحدة الأميركية وفي الدول الغربية، وظهور حراك «المسيحيين الجُدد» المتعاطفين مع اسرائيل في الغرب، هو وليد دعاية صهيونية تستند الى ميثولوجيا غير صحيحة، حيث يرى هؤلاء أن وجود إسرائيل ضروري كمؤشر على حصول استحقاقات تاريخية، لكن هذا التفسير ليس له أي أساس واقعي او منطقي لدى المراجع الإسلامية او المسيحية الرسمية.

موقف الدول الغربية من العدوان على غزة؛ أدى الى تداعيات واسعة. ودعم هؤلاء العسكري والمالي والإعلامي لإسرائيل أحدث خدوشاً سياسية وإنسانية لا يمكن تجاهلها، وهذه لن تكون في مصلحة الدول الغربية في المستقبل.

– كيف تراجعت سمعة دول الغرب من جراء مواقفهم من العدوان الإسرائيلي الأخير؟

يمكن الإشارة اولاً الى أن بعض الدول الغربية، وجزء واسع من المواطنين في هذه الدول؛ لم يقفوا الى جانب إسرائيل في عدوانها الأخير، وفي هذا السياق جاء الموقف المتوازن لحكومات اسبانية وبلجيكيا وإيرلندا والنروج على سبيل المثال لا الحصر، وشريحة واسعة من الرأي العام في غالبية الدول الغربية الكبرى تفاعل ايجاباً مع حقوق الشعب الفلسطيني كما لم يحصل من قبل، وشارك عدد كبير منهم بمظاهرات حاشدة تستنكر العدوان الإسرائيلي وتدعوا لوقف المجازر التي ترتكب بحق المدنيين في غزة. وقيل أن المسيرة التي حصلت في لندن لهذا الهدف التضامني؛ غير مسبوقة في تاريخ المدينة، وشارك فيها ما يقارب مليوني شخص، ومثلها حصل في مدينة برلين الألمانية وفي لوس انجلس الأميركية وفي باريس وغيرهم من المدن الأوروبية والأميركية. وفي هذه التحركات مؤشرات إيجابية على حرص قوى ومجموعات غربية – حتى داخل الأحزاب الحاكمة – على الديمقراطية بمفهومها العصري، وعلى حقوق الإنسان، وهي تمرُّدت على الفرضيات التي تروِّج لها الدعاية الصهيونية والتي تعتبر كل مَن يعارض سياسة إسرائيل «معادٍ للسامية» والواقع أن تصرفات الإحتلال الصهيوني بحق الفلسطينيين، والتمييز العنصري والعرقي الذي تفرضه سلطات الإحتلال؛ هي عداء فاضح للسامية بحد ذاته، وأبناء سام ليسوا اليهود كما تروِّج الصهيونية، بل هم العرب بالدرجة الأولى والكنعانيون والعبرانيون. وقد ساهمت وسائل التواصل الحديثة هذه المرة في الإضاءة على واقع الأحداث، وبيَّنت منافسة جدية لوسائل الأعلام الغربية الموجهة بغالبيتها، والتي تخدم سياسة الحكومات الغربية المنحازة، وفضحت هذه الوسائل تقصير الغرب – لاسيما الولايات المتحدة الأميركية – في السعي الجاد لحل سلمي للقضية الفلسطينية وفق القرارات الدولية. وقد قدمت القمة العربية في بيروت عام 2002 مبادرة إيجابية وفيها تنازلات مقبولة، وتقضي بحل الدولتين، والأرض مقابل السلام.

اما على ضفة الحكومات الغربية التي دعمت العدوان الإسرائيلي وشجعته على التنكيل بالفلسطينيين في غزة وفي الضفة الغربية وفي جنوب لبنان؛ فقد تأكد أن موقفها يتناقض مع غالبية الشعارات التي ترفعها، لاسيما فيما يتعلق بحرصها على حقوق الإنسان وعلى القوانين الدولية ذات الصلة. وتشوَّهت صورة هؤلاء لدى غالبية من الرأي العام العالمي، كما انكشفت ادعاءاتهم عند الشعوب العربية والإسلامية على وجه التحديد، كونهم يمارسون ازدواجية معايير تعتمد على تصنيف عنصري للناس، بحيث أنهم ينظرون الى حياة الإسرائيليين او الغربيين كأنها تسمو على حياة المواطنين الآخرين – لاسيما الفلسطينيين – وبينت مواقف قادة الدول الغربية الكبرى؛ أنهم حريصون على منع أي إساءة ضد المدنيين في إسرائيل، بينما يتجاهلون عمداً الإعتداءات الوحشية التي تُمارس ضد الفلسطينيين، وهذا ينطبق على المعتقلين او السجناء ايضاً.
وانكشفت ادعاءات هؤلاء القادة الغربيين الذين ينشدون الدفاع عن القوانين والأعراف الدولية، خصوصاً على القانون الدولي الإنساني الذي يجب أن يُراعىَ إبان الحروب العسكرية، بينما في الواقع تجاهلوا انتهاك إسرائيل لهذه القوانين، ولم يقدموا على إدانة تعرضها للطواقم الطبية ولسيارات الإسعاف، ولدخول قواتها الى حرم المستشفيات بعد أن دمرت العديد منها على رؤوس المرضى والمُحتمين فيها، بمن فيهم طواقم الهيئات الدولية التي تقوم بإعمال الإغاثة الإنسانية، ولم يسمع الرأي العام استنكار من قبل هذه الحكومات للأفعال الإجرامية التي ارتكبتها إسرائيل، بل تلهّى بعض قادة الغرب بالحديث عن التقديمات الإغاثية المحدودة التي خُصصت من دولهم للمنكوبين، وهي لا تقارن بالمبالغ الطائلة التي يقدمها هؤلاء كمساعدات عسكرية لإسرائيل، بحيث أقرت الولايات المتحدة الأميركية وحدها تقديمات لها للعام القادم بما يزيد عن 10 مليار دولار، ولولا منح هؤلاء الأسلحة الفتاكة لإسرائيل، لما استطاعت هذه الأخيرة ارتكاب الفظائع بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم.

تضررت صورة الغرب على شاكلة واسعة من جراء ما حصل في فلسطين مؤخراً، وتأكد بوضوح أن هذا الغرب الذي عمل جاهداً لإرساء قواعد القانون الدولي، وأسس للإنتظام على المستوى العالمي وفقاً لمعايير موحدة؛ يتجاهل تطبيق هذه المعايير، او أنه يريد تطبيقها في مكان ويتجاهل انتهاكها في أماكن أخرى. ويمكن ذكر مثال على هذه الوقائع؛ ما حصل في المدة الأخيرة، بحيث تحركت محكمة الجنايات الدولية الدائمة فوراً ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأصدر مدعي عام المحكمة مذكرة توقيف دولية بحقه – وهو رئيس دولة كبرى – بتهمة انتهاك حقوق أطفال اوكرانيين نقلتهم سلطات موسكو الى روسيا وابعدتهم عن ذويهم، بينما لم تحرِّك المحكمة ذاتها ساكناً ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم حرب موصوفة ضد الفلسطينيين، بما في ذلك قتل ما يزي عن 8000 طفل، وليس سراً، بأن المحكمة الجنائية الدولية الدائمة تتأثر بنفوذ الدول الغربية الكبرى، ويخاف قُضاتها وموظفيها من عقوبات قد تفرض عليهم من قبل سلطات الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الغربية الأخرى، وبدت المحكمة كأنها تكيل العدالة بمكيالين مختلفين.

لا يُحسد الغرب الذي ساهم في إغناء الحياة البشرية – بإبتكاراتٍ علمية وحضارية وقانونية فائقة الأهمية – على موقفه من التداعيات التي عكستها الأعمال الإجرامية التي حصلت بغطاء من هذا الغرب ضد الفلسطينيين. والمستقبل يؤشر الى تطورات تدفع العرب والدول الإسلامية والشرقية عامةً على تجاهل هذا الغرب، والشعوب التي تطلّعت اليه كسند وعضد للبشرية ضد البدائية التي هشَّمت بالناس، وقدَّمت الكثير منهم ضحايا اضطهادات عنصرية وطائفية وجهوية؛ خاب ضنها من مواقفهم الأخيرة. وعودة الغرب إلى التصرُّف بتهوُّر وبإنحياز؛ يشبهان العودة الى ما حصل إبان مرحلة الإستعمار ويخفيان حنيناً له، وسيشكل ذلك خسارة موصوفة لهذا الغرب، ويساهم في تراجع مكانته بين أمم الأرض، وهذه الأمم التي تفاعلت بمعظمها مع التطور الذي حصل في العالم، لاسيما مع ثورة التواصل والتكنولوجيا الحديثة؛ لن يستسلم لمقاربات استعمارية جديدة، ولن يخضع لنيّر الإستغلال والإستعباد من جديد.

ملف العدد