الموحِّدون «الدروز، من موقعهم التاريخي ومع اتّساع سلطتهم ودورهم، لم ينكفئوا يوماً عن الانخراط في المهمّات الوطنية والقومية، فمع ظهور حركات التحرّر والوعي القومي العربي والدعوات لمواجهة دول الاستعمار، كان على الموحّدين «الدروز» أن يواكبوا هذه التطورات الجديدة دون أن يتنكّروا لتراثهم الغنيّ عبر قرون طويلة، والحافل بالجهاد والمنجزات السياسية التي جاءت نتيجة لصلابة إيمانهم بالعقيدة التي وحّدت فيما بينهم، وقد عبّروا عن ذلك، دائماً، من خلال التعاضد السياسي والعسكري إبّان المحن والأزمات، لحفظ حقهم والعيش بحرية وكرامة وفعالية في أوطانهم.
ينطبق ذلك مع عقلية «الدروز» الليبرالية، بحسب كمال جنبلاط، الذي يقول عنهم: «إنهم ليبراليو العقلية، فخورون في الوقت ذاته، بطائفتهم وبميراثهم الديني والثقافي والسياسي من دون أن يورثهم ذلك الشوفينية أو التعصُّب»، وقد عبّروا عن وعيهم العميق لأهمية قراءة الأحداث ومؤثراتها؛ إذ إن «قراءة الحدث بمعزل عن مؤثراته، هي بلا شك قراءة خاطئة، كما أن قراءة المؤثرات يجب أن تلتزم بشرط منهجي صارم، وهو تحرُّر الباحث من بيئته وثقافته وتراثه. بمعنى آخر، عقلنة القراءة، ووضعها في المستوى المنهجي السليم»؛ وهذا ما انتهجه الموحدون «الدروز» في المراحل المفصلية من تاريخهم.
لقد تمرَّس الموحدون الدروز بالدور القومي والوطني على أكمل وجه، فتصدَّروا المواجهات، أكان في معركة الاستقلال، أو ضدّ الأحلاف الأجنبية في ما بعد، أو خلال الأحداث التي حصلت بعد ذلك، وقد قاد كمال جنبلاط، ومن بعده وليد جنبلاط، تلك المواجهة عبر ترؤسّه الحركة الوطنية، تحت راية الجبل اللبنانيّ العربيّ المخضرم.
في خضمِّ تلك المواجهات، تعرّض الموحّدون «الدروز»، خلال تاريخهم للعديد من الإساءات والافتراءات والتكهنّات حول هويتهم الدينية، برزت في فتراتٍ محدّدة من التاريخ، خصوصاً عبر كتبٍ ومقالات صدرت خلال فتنتَي 1840 و1860، وخلال الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان الأطرش ضد الفرنسيين عام 1925، وأثناء قيام دولة إسرائيل عام 1948 ومحاولتها فصل «الدروز» عن هويتهم العربية والإسلامية، إضافةً إلى ما صدر من كتب مسيئة بحق «الدروز» خلال الحوادث اللبنانية بين عامي 1975 و1990، وما كتبه المستشرقون عنهم، بدءاً من سيلفستر دي ساسي (1758 – 1838)، مما استدعى أحياناً الردّ والتوضيح، من باب إظهار الحقيقة، وانسجاماً مع متطلبات الحوار والتفاهم وأصول العيش المشترَك. لكن ذلك لم يُعِق الموحدين «الدروز» عن متابعة دورهم الجديد في كلّ مرحلة، وعن انخراطهم في قضايا أمتهم بانفتاحٍ وتعالٍ على الجراح.
من جهةٍ أُخرى، فإنّ تجربة كمال جنبلاط الرائدة بتأسيس الحزب التقدُّمي الاشتراكي عام 1949، كانت محاولةً منه للدفع باتّجاه دفع طائفته نحو العالم الجديد والتجربة الديمقراطية المتجددة، من خلال دعوته إلى علمنة الدولة والخروج بالبلاد من منطق المحاصصة والغلبة الطائفية، معتبراً أنّ مستقبل الوطن ينتظر من اللبنانيين إقامة البُنى المتينة للدولة، و»أن علمانية الدولة سوف تكون جوهر وقاعدة هذه البُنى. إلا أن هذه العلمانية ستكون علمانية أخلاقية، جوهرها ديني- وليس شكلها- فتحترم حرية المعتقد، وتنطوي طبعاً على مفهوم إلغاء الطائفية السياسية..» ، وكأنّه كان يرى في طرحه حلّاً للبلاد عموماً، لما قرأه ورآه من تاريخ لبنان والطوائف المؤسف، وحلّاً لطائفة الموحدين «الدروز» وغيرها من الطوائف المصنّفة أقليّة، بضمانة حقوقها ضمن صيغة وطنية تتسع للجميع ويتفاعل في إطارها كلُّ أبناء الوطن.
أدركت الزعامة «الدرزية» المتمثّلة بكمال جنبلاط، ومن بعده بوليد جنبلاط، وغيرهما من قادة «الدروز» المخلصين والنخبة المتابعة من أبناء الطائفة، أنّ على الموحدين «الدروز»، كما على سواهم، أن يحملوا رسالةً لأوطانهم وللعالم، وأن عليهم أن يتفادوا أيَّ نزاعٍ أو صدامٍ مع أيٍّ من المكوّنات اللبنانية والطوائف، مؤكّدين الارتباطَ الوثيق بالتراث والهويّة الثقافيّة، وبأنهم جزءٌ لا يتجزّأ من المحيط العربي الإسلامي، وبأنهم، بالرغم من التحديات والمتغيّرات، الأحرصُ على التمسّك بالخصوصيّة والاعتزاز بالانتماء الروحي والثقافي، ولكن مع الرغبة في السعي الدائم للاندماج والتواصل؛ وبهذا يكمن التحدّي المزدوج أمام الموحدين الدروز؛ الأول في ضرورة وأهمية الانفتاح وعدم التقوقع والانغلاق والتعصّب، والثاني في مسؤولية تثقيف الشباب الموحّد «الدرزي» وتربيته تربيةً دينية واجتماعية ووطنية سليمة، كي لا يفقد هويّته وتراثه وقِيَمَ مجتمعه الغنيّة، جهلاً أو استخفافاً أو ضعفاً أمامَ الكثير من المغريات والتيّارات، وكي يبقى محافظاً على دوره الوسطيّ وموقعه الوطنيّ والعربيّ الأصيل، ووجهه الإسلاميّ العقلاني، وإيمانه التوحيديّ المتوارَث من جيلٍ إلى جيل، والذي لم يتبدّل رغم كلّ المتغيّرات والتحديات، بل بقي علامةً مميّزة للأجيال، تماماً كالجوهر المكنون الذي يزداد قيمةً مع الزمن.
تُظهر معظمُ المظاهر الثقافية عند الموحدين «الدروز» خصوصيتَهم في نواحٍ عديدة ومتنوّعة، «ولكنها تُشير، في مضمونها وفي حركة تطوّرها، إلى الاندماج والخروج عن الخصوصية في نواحٍ أُخرى، ممّا يدلّ على أنّ في مجتمع الموحدين الدروز، كما في كل مجتمع، ثوابت دينية واجتماعية وفكرية، لا يُمكن التخلّي عنها أو استبدالها مهما تقلّبت الظروف ومهما تنوّعت المجتمعات، كما أنّ هناك ما هو قابلٌ للتأقلم والتغيّر والتطوّر، لكنّ المتغيّرَ في مجتمع الموحّدين «الدروز» لا يمسّ الجوهرَ بقدر ما يطالُ العَرَض والثوب الذي يُغطي جسدَ الحقيقة، ويُغلّف كنهَ هذا المذهب الروحي والمسلك التوحيدي الذي يعتزُّ أبناؤه بالمحافظة عليه.
لهذا قلنا مراراً إن الموحدين «الدروز» يُقاسون بالدور وبالرسالة، لا بالعدد والحجم المادي، بل بالحجم المعنوي، فهم ما كانوا يوماً إلّا مدافعين عن الأرض والعرض والكرامة، وعن الوطن، وما كانوا في تاريخهم إلا دعاة وحدة وتضامن وطني وإلفة ومحبة وأخوة، وتلك ركائز الحياة والعيش المشترك والوطنية، وهذه هي قواعد البناء، عندما تكون القواعد سليمة يكون البناء سليماً وتكون المحبة صادقة والرحمة وافية والأخوة قائمة.
هذه هي رسالتنا، وهذا هو دورُنا الجديد والمتجدِّد، المستمَدّ من التاريخ والتراث والتضحيات، والمرتكز على الحضور المعنوي للطائفة، ولكن علينا ألّا نستخفَّ بالحضور العددي النوعي، فالطائفة، كما هي مصانةٌ بالتمسّك بالثوابت الوجودية وبالتماسك العائلي والاجتماعي، لكنها في بلدٍ كلبنان تحتاج إلى مراعاة التوازنات الطائفية، مّدعوّةٌ إلى تحصين الدور والحضور بالكفاءات والأعداد.
في الشهر الأخير من العام المنصرم زرعنا مع قداسة البابا شجرة السلام في وسط العاصمة، وفي هذا العدد الجديد من «»، نؤكِّد على دورنا الوطني الثابت الجامع، وعلى رسالة السلام التي نحملها في قلبنا وقالبنا، بما يتضمّنه من ملفٍّ خاص حول ثوابت الموحدين «الدروز» في محاولةٍ من إدارة التحرير الجديدة للتأكيد على التمسُّك بثوابت الدور والرسالة، وعلى التعامل مع الواقع بواقعية، والله وليُّ التوفيق.









