الخميس, تشرين الثاني 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, تشرين الثاني 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

حفاظاً على الهوية الروحية والتـــــاريخية

تحتاج المجتمعات والجماعات مهما بلغت من التقدم إلى قيادة تتمتع بوضوح الرؤية وحسن التدبير، وتبرز أهمية هذه القيادة في المراحل الدقيقة والمنعطفات التاريخية، وإذا كانت الزعامة الروحيّة الأصيلة، بحسب كمال جنبلاط، هي «اشتقاقٌ معنوي وامتدادٌ تاريخي تقليدي لفكرة الإمامة، أي الرشادة والحكمة وسلطة التوجيه والتقويم لمن تكون له، من ذاته ومن تحقّقه وعرفانه، مكنةُ التوجيه وحقّه واستحقاقه. وهي نوعان: ولايةُ تنظيمٍ ورعايةٍ للمصالح الشرعية والروحية الظاهرة للجماعة؛ ولاية القسط فيما بينهم بالعدل، وولايةُ استرشادٍ بالمثل الأفضل واهتداءٍ بالولاء الأرفع، واستئناسٍ بالعرفان الأعلى وبالتوجّه الأصفى والأفضل والأصحّ والأنسب طبعاً، والأقرب إلى تمثيل فكرة الإمامة هو قيامُ الولايتين ووجودهما وتوحّدهما في الشخص ذاته” .

إذا كان ذلك هو التعريف الأرقى «للزعامة الروحية”، فإنّ تعريف الزعامة السياسية والاجتماعية هو «قيادة المجتمع ورعاية مصالحه في إطار الدولة والحياة الوطنية العامة، والاعتناء بمؤسساته ودفعها نحو الأفضل”، وهذا ما مثّلته وما تمثّله دارُ المختارة منذ مئات السنين، وما يتبلور واضحاً في شخص الزعيم القائد وليد جنبلاط منذ أن استوت على كتفيه عباءةُ الزعامة في العام 1977، فحمل مسؤولية الطائفة في مراحل شديدة التعقيد، وكان الأكثر حرصاً على حماية وجودها والمحافظة على رموزها الدينية والسياسية وتراثها الوطني والعربي.

 

 

في رسالتنا الافتتاحية هذه، ليس الهدف استعادة التاريخ وعرض مشاهد تلك الزعامة المتميّزة بشخصيتها وبيئتها وظروفها عبر خمسين سنة من الحضور الفاعل، بل نكتفي بالإشارة إلى ما هي عليه منذ أن نشأت فكرة إحياء المجلس المذهبي، من قبل صدور قانون تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز وما بعده، والتي تميّزت بمواكبة وليد بك لمسيرة إحياء المجلس، وصولاً إلى إعداد الصيغة النهائية للقانون ومتابعتها لدى المجلس النيابي، حرصاً منه على تنظيم شؤون الطائفة وعلى نجاح المهمة، إلى أن انطلقت مسيرة العمل المؤسساتي، وما زالت مستمرة بمواكبةٍ مسؤولة منه، على مختلف الصُّعد الوطنية والاجتماعية والإدارية، وعلى الأخصّ في مواجهة التحديات المتتالية، وفي تكريس دور المجلس المذهبي وتحصين حضور الطائفة.

وضمن هذه الرحلة المباركة أُعيد إصدار مجلة الضحى من قبل المجلس المذهبي، كمنبرٍ ثقافي اجتماعي، أردناه استمراراً لما سبق، ومساحةً ثقافية فكرية تسلّط الضوءَ على ثوابت الموحدين الدروز وهويّتهم التاريخية وتراثهم الروحي والاجتماعي ودورهم الوطني وحضورهم الثقافي وشراكتهم الفاعلة، وتؤكّد على تعلُّقهم بأمجاد آبائهم وأجدادهم، وعلى تميُّزهم بالاعتدال والانفتاح والعيش المشترك، وتمسُّكهم بالدولة الجامعة والمقدِّرة لطاقات أبنائها وقدرات مواطنيها، والضامنة لحقوق عائلاتهم الروحية وحريّاتهم المشروعة، والمحافظة على كرامتهم، والمدافعة عن وجودهم، وهذا ما أراده وليد بك وما شجَّع عليه، وكان حريصاً على إبرازه دائماً.
في هذا العدد الخامس والأربعين للمجلة، خصّصت رئاسة التحرير العدد الأكبر من صفحاتها للملفّ الأساسي حول الأمير السيِّد جمال الدين عبدالله التنوخي(ق)، ولموضوع القمّة الروحية التي عُقدت مؤخَّراً في دار الطائفة، والموضوعان على جانبٍ رفيعٍ من الأهمية، وفي كليهما كان وليد بك حاضراً وموجِّهاً؛ ففي ما يتعلق بالقمة الروحية تابع معنا باهتمامٍ خطوات التحضير، حرصاً منه على مشاركة جميع العائلات الروحية دون استثناء، أملاً في تجسيد الوحدة الوطنية وفي بعث رسالة طمأنة للبنانيين وللعالم بأن الثوابت الوطنية لا يمكن تجاوزها، وأن القادة الروحيين جديرون بالتأكيد عليها وصيانتها، وهذا ما نحن متمسكون به، وما أكّدناه خلال انعقاد القمة وفي بيانها الختامي الذي كان وليد بك أول المتّصلين بنا للإعراب عن ارتياحه وامتنانه وعن تقديره لما توصّلنا إليه.

أمّا في ما يتعلّق بملف «الأمير السيّد(ق)”، فقد كان لافتاً للنظر اهتمام وليد جنبلاط بشخصية الأمير السيد وسيرته وحفاظه على دور الطائفة وحضورها الإسلامي، سابقاً غيره في التأكيد على أهمية هذه الشخصية التوحيدية التاريخية العريقة. وهو مَن كان متفهّماً ومقدِّراً دور الأمير السيّد في تأكيد حضور الموحدين الدروز الإسلامي، وجازماً بدعوته إلى عدم الانسياق وراء المخططات الخبيثة الرامية إلى تشويه هوية الموحدين الدروز خلافاً لما أرساه الأمير السيّد(ق)، ومن هنا كان اندفاعه لاستعادة منزله في عبيه، ولو بأغلى ثمن، احتراماً لرمزيّته وحرصاً على صون التراث التنوخيّ التوحيديّ الإسلاميّ العريق، وهو ما تماهى مع سعي مشيخة العقل وتأكيدها المتكرِّر على مرجعية الأمير السيد(ق) الدينية وعلى أهمية دوره، وتشديدها الدائم مع المرجعيات الدينية على ضرورة الالتزام بتعليماته وتوجيهاته واتّباع نهجه.

لقد رأيت أنه من واجبنا، ومن باب الوفاء والإنصاف، لا على سبيل المدح والإطراء، الإشارة في رسالة هذا العدد إلى الدور القياديّ التاريخي للأستاذ وليد جنبلاط، من خلال اهتمامه ورعايته لعمل مشيخة العقل والمجلس المذهبي وما يتعلّق بهما من توجُّهاتٍ وأعمال، مدركين معه أنّ نجاحنا يكمن في تكاملِنا معاً، كقياداتٍ روحية وسياسية، وفي تعاوننا الدائم لرعاية شؤون الطائفة ومعالجة شجونها ونهضة مؤسساتها، وفي تثبيت دورها الوطنيّ الجامع.

كم نحن بحاجة في هذه الظروف المتشابكة والتعقيدات المتراكمة إلى مثل هذا الدور اللاحم للطائفة، وإلى مثل تلك الحكمة وبعد النظر والتبصُّر بعواقب الأمور، كما هي الحال مع زعامة وليد جنبلاط، وما أحوجنا كموحّدين معروفيين إلى التماسك والثبات، وإلى التمسُّك بالثوابت وعدم الانزلاق إلى مهاوي الابتعاد عن هويتنا التاريخية وعن حاضنتنا الإسلامية العربية التي هي مصدر اعتزازنا وقوّتنا، آملين أن يكون المجتمع الديني قدوةً للجميع في لُحمته واجتماعه، بموازاة ما تؤكّده الزعامة السياسية وما تعمل عليه، حفاظاً على الهوية الروحية والتاريخية للطائفة.

والله وليُّ التوفيق. ■

الحصول على نسخة من الأعداد

احصل على أحدث الأخبار

تم الاشتراك بنجاح! حدث خطأ ما!

الحصول على نسخة من الأعداد

Instagram