الجمعة, أيار 15, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, أيار 15, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

قراءة في قرار انسحاب الإمارات من أوبك وأوبك+

شكّل إعلان الإمارات العربية المتحدة عن خروجها من منظمة أوبك ومن تحالف أوبك+ خطوة مفاجئة وتحولاً لافتاً في مسار سياسات الطاقة الإقليمية والدولية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل المنظمة ودورها في سوق الطاقة العالمية. ويأتي قرار الإمارات في سياق بالغ الحساسية بالنسبة لأسواق النفط العالمية ومنطقة الخليج على حد سواء، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب على إيران.

ولا سيما أن التحديات الأمنية التي تشهدها منطقة الخليج تتزامن مع تحولات متسارعة في الصناعة النفطية والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، حيث تسعى الدول المنتجة إلى الحد من ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة لاختلال التوازن بين العرض والطلب، ولا سيما عقب إغلاق مضيق هرمز، فضلاً عن تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار وتعزيز العائدات، وسط تحديات متزايدة جراء تباطؤ الطلب العالمي.

أوبك بداية النهاية؟

وتأتي الخطوة الإماراتية بعد نحو 59 عامًا من التعاون مع منظمة أوبك، التي انضمت إليها عام 1967 من خلال إمارة أبوظبي، لتمثل إعادة تموضع محسوبة، تهدف إلى توسيع هامش القرار السيادي فيما يتعلق بتوسيع استثماراتها وتطوير القطاع وسياسات الإنتاج، وتعزيز استراتيجيتها النفطية والاقتصادية المستقلة في أسواق الطاقة العالمية.

وعلى الرغم من تأكيد الإمارات استمرارها في الالتزام بدعم استقرار الأسواق العالمية، إلا أن من المحتم أن ينعكس انسحابها سلبًا على الأسواق على المدى البعيد، وسيؤدي إلى خفض الأسعار نتيجة سياسات إنتاج أكثر مرونة يُمكن أن تنتهجها، مما سيضطر أوبك إلى خفض إنتاجها لكي تحافظ على الأسعار، وهي خطوة ستثير مزيدًا من الخلافات بين أعضائها.

ومن الجدير ذكره أن أبوظبي تعمل منذ سنوات على زيادة طاقتها الإنتاجية، وهو ما اصطدم بسقف الحصص الذي اعتمدته أوبك وتحالف أوبك+ للحيلولة دون انخفاض الأسعار، الأمر الذي جعل الانسحاب خيارًا أكثر انسجامًا مع استراتيجيتها البعيدة المدى الهادفة إلى زيادة إنتاجها إلى 5 ملايين برميل في عام 2027، بينما يقتصر إنتاجها حاليًا على حوالي 3.6 ملايين برميل يوميًا.

ومن المرجح أن ينعكس خروج أبوظبي، كأحد أبرز منتجي النفط في الخليج العربي، من أوبك سلبًا على تماسك المنظمة ويُضعف سيطرتها على الأسواق وقدرتها على إدارتها، مما قد يُؤثر على توازناتها الداخلية ويُشكل بداية نهايتها، ولا سيما في ظل تباين مصالح الدول الأعضاء والخلافات المتكررة حول الحصص ومستويات الإنتاج.

افتراق اماراتي سعودي

وينعكس قرار الإمارات بالخروج من أوبك سلبًا على علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، التي غالبًا ما تقود جهود ضبط السوق عبر خفض أو رفع الإنتاج، وهو ما يُظهر إلى العلن الخلافات التي تصاعدت بين البلدين، ولا سيما ما يتعلق بالملفين اليمني والسوداني.

كما يضع قرار انسحاب الإمارات العربية المتحدة من أوبك المملكةَ في مواجهة شريك إقليمي رئيسي يتحرك وفق إيقاع أكثر استقلالية، الأمر الذي قد يفضي إلى تباين في المواقف خلال فترات تقلب الأسعار، فضلاً عن أنه يُعزز في الوقت ذاته التنافس غير المعلن بين البلدين على تبوؤ المركز المالي والاقتصادي الإقليمي في الخليج العربي.

مصلحة أميركية؟

ويرى محللون أن في قرار الإمارات الخروج من أوبك مصلحة للولايات المتحدة التي قد تستفيد منه بطرق مختلفة، يتمحور معظمها حول تراجع التماسك والتنسيق بين الدول المنتجة، والذي كان يمنح أوبك قدرة أكبر على التحكم في السوق. وهو يُسهّل على الولايات المتحدة التعامل مع الدول المنتجة بشكل ثنائي، ويعزز قدرتها على بناء شراكات منفردة تخدم مصالحها.

كما يُشكل خروج الإمارات من أوبك مكسبًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، كونه قد يؤدي إلى زيادة المعروض النفطي مما يضمن أسعارًا مستقرة، ويقلل من فعالية سياسات خفض الإنتاج. علمًا أن ترامب سبق أن وجه انتقادات حادة لأوبك، معتبرًا أن سياساتها تسهم في رفع أسعار النفط، واتهمها باستغلال بقية العالم من خلال التحكم في أسواقه.

من البترو دولار إلى البترو يوان؟

في المقابل، ثمة من يرى أن خروج الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ يُمثل تهديدًا جوهريًا لنظام البترو دولار، الذي كان لأوبك الدور الأساسي في ترسيخه والمحافظة عليه منذ تأسيسها عام 1960. فلطالما باع منتجو الشرق الأوسط نفطهم بالدولارات الأميركية، التي عادوا لتوظيفها في سندات الخزانة الأميركية، ما منح واشنطن سيطرة شبه تامة على نظام التمويل العالمي.

أما اليوم، فإن حصة الدولار الأميركي من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية قد انخفضت إلى نحو 57%، وهي أدنى مستوى لها منذ 25 عامًا، بعد أن بلغت ذروتها عند 75% في عام 2001. وإذا استمر هذا الانخفاض، فإن البنية التي منحت الولايات المتحدة السيطرة على سوق الطاقة العالمية ومعاملاتها المالية ستنهار أمام أعينها.

وتجدر الإشارة إلى أن القرار الإماراتي جاء بعد أيام قليلة من إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بسنت، أمام مجلس الشيوخ، دعمه إقامة خط مبادلة طارئ للدولار الأميركي مع حكومة أبوظبي. وهو الأمر الذي يعتبره مراقبون أنه ليس من قبيل الصدفة، لكونه يأتي في توقيت يواجه فيه نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تحديات غير مسبوقة، ويُثير التساؤلات حول توافقه مع المصلحة الأميركية.

ويُحذر خبراء اقتصاديون في “Deutsche Bank” من أن خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك يُسرّع من هذا الانهيار، ويزيد من احتمالية تسعير بعض معاملات النفط باليوان الصيني في حال تراجع الدولار. ولا سيما أنه سبق أن أعلنت بورصة شنغهاي للبترول والغاز الطبيعي، في 28 آذار/مارس عام 2023، عن تسعير شحنة من الغاز الطبيعي المسال المستورد من الإمارات باليوان الصيني.

وفي الوقت الذي تبيع فيه إيران حصة متزايدة من نفطها إلى الصين باليوان، يُسرّع الصراع معها، بحسب رأي الخبراء أنفسهم في “Deutsche Bank”، وتيرة تآكل هيمنة نظام البترو دولار في سوق الطاقة العالمية، بما يمهد تدريجيًا لصعود أنماط تسعير بديلة، وفي مقدمتها لصالح البترو يوان.

المحصلة

إن قرار خروج الإمارات العربية المتحدة من أوبك وأوبك+ لا يمثل مجرد إجراء تقني في إدارة الإنتاج، بل هو تحول استراتيجي عميق في بنية إدارة سوق الطاقة العالمي. فهو يعكس انتقال الدول المنتجة، وعلى رأسها الإمارات، نحو سياسات أكثر استقلالية ومرونة في إدارة مواردها، بما يتلاءم مع مصالحها الوطنية وقدراتها الإنتاجية المتنامية. كما يكشف القرار عن إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ولا سيما علاقة الإمارات العربية المتحدة مع المملكة العربية السعودية.

وفي حين يمنح القرار الإماراتي الولايات المتحدة هامشًا أوسع للمناورة نتيجة إضعاف منظمة أوبك والحد من قدرتها على ضبط السوق، وزيادة حدة التنافس بين المنتجين؛ فإن القرار، وعلى المستوى الدولي الأوسع، قد يُسرّع من تراجع هيمنة البترو دولار، ويفتح المجال تدريجيًا أمام بدائل، ولا سيما منها اليوان الصيني، في سياق تحولات أعمق في النظام الاقتصادي العالمي

الاقتصاد اللبناني بين تراكم الأزمات وتداعيات الحروب الإقليمية

يُراكم الاقتصاد اللبناني منذ نهاية عام 2019 خسائر متتالية، في ظل تفاقم اختلالاته البنيوية وتعقد أزماته المالية والاقتصادية، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات جدية لحل مستدام. وفي هذا السياق المتأزم، ها هو لبنان واقتصاده يواجهان اليوم أزمة جديدة ناجمة عن الاعتداءات الإسرائيلية في سياق حرب إسناد إيران، والتي من المرجح أن تتجاوز في آثارها الاقتصادية والإنسانية مجمل الأزمات التي شهدها البلد على مدى السنوات الماضية.

أزمات متتالية

وقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في عام 2020 إلى تكوّن فجوة مالية تُقدر بنحو 80 مليار دولار أميركي، وهي فجوة ترافقت مع تبديد مدخرات اللبنانيين في المصارف اللبنانية، فضلاً عن انهيار حاد في قيمة العملة الوطنية، وما استتبعه ذلك من تآكل للقدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة. كما كان لجائحة كورونا دورها في تعميق أزمة الاقتصاد الوطني وانكماشه في ذلك الحين.

ولم يكد الاقتصاد اللبناني يلتقط أنفاسه حتى جاء تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 ليُعمق من حدة الانهيار، حيث أسفر عن خسائر مادية تقدر بما بين 10 و15 مليار دولار أميركي. وقد بلغت الخسائر البشرية أكثر من 220 شهيداً وإصابة أكثر من 7000 آخرين، بالإضافة إلى دمار واسع في العاصمة بيروت، مما يجعله واحدًا من أكبر الانفجارات غير النووية في التاريخ.

ومع حرب إسناد غزة التي اندلعت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 وتصاعد حدتها في عام 2024، تفاقم الانهيار الاقتصادي المستمر منذ عام 2019، وتسببت بخسائر تُقدَّر بما بين 11 و14 مليار دولار أميركي، إضافة إلى أضرار جسيمة في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، وسقوط أكثر من 4040 شهيداً ونحو 16 ألف جريح. كما قُدّر عدد الوحدات السكنية المتضررة جزئيًا بنحو 317 ألفًا، فيما بلغ عدد الوحدات المدمّرة كليًا نحو 51 ألفًا، موزعة على الضاحية الجنوبية والبقاع والقرى الحدودية.

ويأتي العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان في سياق حرب إسناد إيران منذ مطلع آذار الماضي، ليكبد لبنان خسائر اقتصادية إضافية قدرتها وزارة الاقتصاد بـما يتراوح بين 60 و80 مليون دولار يومياً، مع احتمال ارتفاعها إلى أكثر من 100 مليون دولار في حال تجدد الاعتداءات الإسرائيلية. وقد أسفر هذا العدوان عن دمار واسع وخسائر تفوق 10 مليارات دولار، فضلًا عن كلفة بشرية مرتفعة، حيث بلغ عدد الشهداء نحو 1500 شهيدٍ، وأكثر من 4640 جريحًا وفق تقارير رسمية.

تكلفة اقتصادية متعاظمة

وتتفاقم وطأة هذه الحرب وتكلفتها الاقتصادية بفعل تزامنها مع التصعيد الإقليمي، ولا سيما الحرب على إيران، وما نتج عنها من اضطرابات في الاقتصاد العالمي. فقد أدّى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز إلى إرباك سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، مما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات. كما ساهمت هذه التطورات في تعطّل إمدادات الأسمدة وارتفاع أسعارها، وازدياد كلفة النقل الجوي، الأمر الذي ألقى بظلاله على النشاط السياحي عالميًا.

وفي ظل هذه المتغيرات، يواجه الاقتصاد اللبناني تحديات داخلية مضاعفة ومعقدة، إذ يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب خارجي، خصوصًا ذلك الذي قد يطال الدول التي تستقطب اليد العاملة اللبنانية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية في دول الخليج، يُصبح أي دعم مالي من هذه الدول للبنان مستبعدًا، كما تتأثر تحويلات المغتربين سلبًا، مما يزيد من الضغوط على ميزان المدفوعات والاقتصاد الوطني.

إلى ذلك، تتفاقم ظاهرة التضخم المستورد، نظرًا لاعتماد لبنان الكبير على الخارج، حيث يستورد لبنان النفط ومشتقاته، التي تشكّل نحو 25% من إجمالي الواردات، كما يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 85% من المواد الاستهلاكية. وهذا ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية سببًا مباشرًا في زيادة الأسعار المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية ويُفاقم من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

خاتمة

ويبقى التحدي الأبرز الذي يواجه الاقتصاد الوطني متمثلاً في تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية المتتالية، ولا سيما الاعتداءات المرتبطة بالحرب الأخيرة، التي تُضاف إلى أعباء حرب إسناد غزة وما سبقها من أزمات، في ظل عجز لبنان عن تأمين مصادر تمويل لإعادة الإعمار. كما أن ربط المساعدات الدولية بشروط سياسية وأمنية، ولا سيما ما يتعلق بسلاح حزب الله، يزيد من تعقيد المشهد ويؤخر عملية التعافي.

في المحصلة، استنفدت الاعتداءات الإسرائيلية الاقتصاد اللبناني جراء حروب الإسناد المتتالية، لا سيما أنه يعاني من هشاشة بنيوية عميقة جعلته غير قادر على امتصاص الصدمات المتكررة، سواء الداخلية أو الخارجية.

ومع إبقاء لبنان ساحة للصراعات، في ظل استمرار التوترات الإقليمية وغياب رؤية إصلاحية واضحة، يبقى لبنان عرضة لمزيد من الانحدار الاقتصادي والاجتماعي، ما لم تُبادر الدولة إلى تبنّي مسار إصلاحي شامل مدعوم بإرادة سياسية فعلية ومساندة دولية فاعلة تضع حدًا لمسار الانهيار المستمر.

استقطاب الناخب اللبناني: مقاربة علمية لحملةِ انتخاباتٍ نيابيّة نزيهة

تشكّل الانتخابات النيابية لحظة حاسمة في مسيرة بناء الديمقراطية في لبنان، لا سيما في ظل التحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الراهنة. ومع تزايد الطلب على تمثيلٍ نزيه وفعّال، يبرز الدور الحاسم للطرق العلمية والأخلاقية في الحملات الانتخابية لاستقطاب الناخبين المقيمين والمغتربين على حدٍّ سواء. فاستقطاب الناخب ليس مجردَ عملية ترويجٍ شخصي، بل هو فن وعلم يتطلب فهماً عميقاً للسياق الوطني، وتحليلاً دقيقاً لسلوك الناخب، وتخطيطاً استراتيجياً يرتكز على أفضل الممارسات الدولية في النزاهة والشفافية. في هذا الإطار، تستعرض هذه الدراسة أفضل الممارسات العمَلية التي يمكن اعتمادها في السياق اللبناني، مستفيدةً من تجاربَ ديمقراطياتٍ راسخة.

 

أولاً: تحليل الجمهور وفهم احتياجات الناخبين

يُعدّ تحليلُ الجمهور المستهدف (Voter segmentation) أساساً علمياً لتصميم الحملات الانتخابية الفعّالة. ففي دول مثل ألمانيا وكندا، تَستخدم الحملاتُ الانتخابية قواعدَ بياناتٍ واسعةً لتقسيم الناخبين إلى شرائحَ اجتماعيةٍ واقتصادية وديموغرافية، ما يساعد على توجيه الرسائل بشكل يناسب كل فئة.

في السياق اللبناني يمكن للمرشحين جمع بيانات منسّقة عن الناخبين المقيمين والمغتربين عبر استبيانات ميدانية ومنصات رقمية، كما يمكن استخدام التحليل الإحصائي لتحديد اهتمامات الناخبين وقضاياهم الأساسية، بالإضافة إلى تصميم رسائل مخصصة لكل شريحة، مثل الشباب، المرأة، العمال، والأسر المغتربة. هذه الخطوة لا تسهم في زيادة نسبة الوصول فحسب، بل تعزز مصداقية المرشح لدى الجمهور لأنه يُظهر فهماً حقيقياً لاحتياجاتهم.

 

ثانياً: صياغة رسائل انتخابية واضحة وواقعية

لقد أثبتت تجاربَ الدول الديمقراطية أن الناخب يستجيب أكثر للمرشحين الذين يقدمون رسائل واضحة المعالم وحلولاً قابلة للتطبيق بدلاً من الشعارات العامة، فالتركيز على قضايا ملموسة كالتعليم، الصحة، تأمين فرص عمل، وتحسين الخدمات العامة يعزز قبول الناخبين للبرنامج الانتخابي.

وفي هذا الإطار، يتعيّن على المرشح اللبناني ان يصيغَ برنامجاً انتخابياً يضعُ أهدافاً قابلة للقياس ويربطُ بين القضايا العامة وخيارات الناخبين اليومية، فضلاً عن تجنّب الوعود الانتخابية الغامضة أو التي تبدو غير قابلة للتنفيذ.

وعند مخاطبة الناخب اللبناني المغترب، يتعين أن تشمل الرسائل أيضاً قضايا الهجرة، الحقوق المدنية، الاندماج في المجتمع اللبناني بعد العودة، والمشاركة في الحياة السياسية من الخارج.

 

ثالثاً: الشفافية في المعلومات والتمويل

من أهم مبادئ الديمقراطية احترام الشفافية في كل عناصر الحملة الانتخابية، وخاصة فيما يتعلق بتمويل الحملات ونشر المعلومات الصحيحة، فعدم الالتزام بذلك قد يؤدي إلى فقدان الثقة بين الناخب والمرشح، ما ينعكس سلباً على نسبة المشاركة.

في لبنان، يتعين على المرشحين الإعلان بوضوح عن مصادر التمويل الخاصة بحملاتهم، وتقديم تقارير دورية عن نفقات الحملة، إضافة إلى توضيح مصادر المعلومات والبيانات المستخدمة في الحملات، وتجنّب التضليل أو نشر معلومات غير موثوقة. ان تكامل هذا المبدأ مع وجود آليات مراقبة مستقلة يمكن أن يعزز من مصداقية العملية الانتخابية، ويشجّع الناخبين، خصوصاً المغتربين منهم، على المشاركة بثقة.

 

رابعاً: استخدام التكنولوجيا الرقمية بفعالية

تلعب الوسائل الرقمية دوراً متزايداً في الحملات الانتخابية في معظم الديمقراطيات. ففي الولايات المتحدة وأوروبا يتم الاستفادة من المنصات الرقمية لاستهداف الناخبين بكفاءة عالية. لكن للنجاح في هذا المجال، ينبغي الالتزام بأساليب أخلاقية تتجنّب استغلال البيانات بشكل مسيء.
من أفضل الممارسات التي يمكن اعتمادها في الحملات الانتخابية في لبنان في هذا الاطار، إنشاء محتوى رقمي جذّاب يتناسب مع اهتمامات الناخبين، استخدام التحليلات الرقمية لفهم سلوك المستخدمين وتحسين الرسائل، إلى جانب احترام خصوصية البيانات وعدم شراء أو استخدام بيانات شخصية بدون موافقة صريحة من أصحابها.

وبالنسبة للناخبين المغتربين، تُتيح المنصات الرقمية إمكانيةَ التواصل المستمر والمباشر عبر البريد الإلكتروني، وسائل التواصل الاجتماعي، ومنصات البث الحيّ، ما يعزز الارتباط بين المرشح وجمهوره مهما كانت المسافات.

 

خامساً: التواصل المباشر والمشاركة المجتمعية

تُمثّل جلسات الحوار المباشر مع الناخبين، أو ما يعرف باصطلاح (Town Halls)، أحد أهم الممارسات الشائعة في دولٍ ديمقراطية مثل ألمانيا وكندا. فالاستماع الحقيقي لمشاكل واهتمامات الناس يوفّر فرصة للمرشح لشرح رؤيته بشكل شفّاف، ويخلق مساحةً للتفاعل الحقيقي.

في لبنان، يمكن تنظيم لقاءات ميدانية في المناطق المختلفة لتغطية التنوع الجغرافي والاجتماعي، إضافة إلى إجراء جلسات حوارية مفتوحة مع مجموعات من الشباب، النساء، العمال، والمغتربين عبر المنصات الرقمية. يتم الاستفادة من هذه اللقاءات لجمع ملاحظات ورؤى قد تساهم في تحسين البرنامج الانتخابي.

 

سادساً: التحالفات وبناء الشبكات

في النظم الانتخابية القائمة على التمثيل النسبي والتحالفات، كما في السويد مثلاً، تشكّل التحالفات جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الانتخابية. فالتحالف مع قوى سياسية أو منظمات مجتمع مدني يمكن أن يعزّز من قاعدة الدعم ويوسّع دائرة التأثير.

في السياق اللبناني، يمكن للمرشحين المستقلين أو الأحزاب بناء تحالفات واضحة ومعلنة ترتكز على مبادئ وقيم مشتركة، كما يمكن وضع ميثاق شرف أخلاقي بين شركاء التحالف لتجنّب الانقسامات الداخلية، هذا إلى جانب التواصل الجماعي مع الناخبين عبر جولات مشتركة ورسائل متّسقة. تُظهر هذه الاستراتيجية للناخبين قدرة المرشح على التعاون والتوافق بعيداً عن الانقسامات الحادّة.

من خلال ما تقدم، يتبين جلياً أن تبنّي الطرق العلمية النزيهة في الحملات الانتخابية يُمثّل شرطاً أساسياً لنجاح المرشحين في الانتخابات النيابية اللبنانية، سواء كانوا أفراداً مستقلين أو أحزاباً. وتُظهر التجارب الدولية في دول مثل كندا، السويد، نيوزيلندا، وغيرها أن الديمقراطية تتعزز بنهجٍ يرتكز على تحليل البيانات، الرسائل الواضحة، الشفافية، الأخلاقيات في التواصل، الشمولية في التعامل مع الناخبين المقيمين والمغتربين، والقدرة على التحالف. ويمكن لهذه العناصر مجتمعة أن تُعزّز الثقة بين الناخبين ومرشحيهم، وتضمن مشاركةً أوسع وأكثر نضجاً في العملية الديمقراطية.

حينما يتكلم التراب… يحكي الوطن

كان يسير وحيداً، دخل حديقة عامة في الحي الذي يقطنه، وبعد جولة قصيرة وجد مقعداً فارغاً، جلس وكان يشعر ببعض التعب. فيه شوق لماضٍ ابتعد عنه كثيراً، وقع نظره على الأرض الطيبة، فرفع رأسه وأغمض عينيه، ثم انحنى تملأ رئتيه رائحةُ ترابِ قريته التي غادرها منذ زمن بعيد، عادت إليه ذكرياتُ الطفولة والصبا في حاراتها، سهولها وحقولها، التي انغمست يداه في ترابها، لعباً ولهواً وحبّاً، عندما زرع فيها أشجار الزيتون، مع والده وأمه وإخوانه.

في غربته اكتشف أن الوطن ليس المكان الذي يعيش فيه فقط، إنما الوطنُ يعيش في داخله، فحينما يتكلم التراب، لا يسمعه بأذنيه، بل بالحنين الذي يسكن أعماقه، يحكي أحلام الماضي، التي بناها على أطراف قريته الجميلة، وصوت والده الذي كان يناديه من خلف الأشجار، ممزوجاً مع زقزقة العصافير، ووجه أمه التي كانت توصيه دائماً، بأن ينتبه لنفسه، ودموعها التي كانت تترقرق على خديها عندما ودعته في المطار.
حينما يتكلم التراب، يحكي له الوطن عن قصص الشهداء، الذين ضمّهم في أحضانه، وعطروه برائحة دمائهم الزكية، وبأنه ليس فقط خارطة، مرسومة مخزنة في عقله، الوطن مدرسة، تعلم فيها منذ قدومه إلى الحياة، معاني الصداقة، حب الأهل والجيران، عشق الأرض والإخلاص لها، كفلاح يزرع حقله، كجندي يعشق ترابه ويسيِّج حدوده، كمعلم ينقل المعرفة والعلم لتلاميذه، مثل أبٍ يؤدي رسالته اتجاه أولاده، وأمٍ تَهَبُ حياتَها وحنانها لهم.

الوطن مجد، كبرياء، فخر، شوق، اعتزاز بتاريخ يحتضن قيمَ بطولاتٍ وبناء وإنجازات.
الوطن مئذنة مسجد وأجراس كنيسة، تنادي: حَيَّ على الصلاة.

فما أعظمك يا وطني حينما يتكلم ترابك!.

الشّيخ سميح ناطور
صوت التّراث وحارس الذَّاكرة

في وداع صديقٍ لم ألتقه يوما، لكنّي عرفته كثيرا
لم تجمعني بالشّيخ سميح ناطور مقاعد الدّراسة ولا دروب الحياة، بل جمعتنا الكلمات. كان صديقا في فضاء افتراضيٍّ، لكنّ أثره في نفسي حقيقيّ وعميق. عبر منشوراته ومؤلّفاته، شعرت أنّي أقرأ صوتا يعرف كيف يحفظ الذّاكرة، ويمنح التّراث حياة جديدة. اليوم، ومع رحيله، أدرك أنّ هناك أشخاصا يكفي أن تقرأ لهم لتشعر أنّك التقيتهم مرّاتٍ ومرّاتٍ، وأنّك كنت تملك شرف صداقتهم.

ولد الشّيخ سميح نائف ناطور عام 1946 في دالية الكرمل، على جبل الكرمل شمال فلسطين، في بيئةٍ مشبعةٍ بحكايات التّاريخ وموروث الأجداد. منذ طفولته، بدا استثنائيّا؛ فقد تعلّم القراءة والكتابة في عمر ثلاث سنواتٍ، وفاز وهو في الثّانية عشرة بجائزةٍ وطنيّةٍ في الشّعر، ما كشف مبكّرا عن موهبةٍ أدبيّةٍ وفكريّةٍ لافتةٍ، سرعان ما شكّلت أساس مسيرته الثّقافيّة.

في شبابه، اتّجه ناطور إلى التّعليم العاليّ، وكان من أوّل خرّيجي مجتمعه، ليبدأ رحلة طويلة في العمل الثّقافيّ والتّوثيقيّ. وفي عام 1974، أسّس دار آسيا للنّشر، الّتي أصبحت منصّة لنشر مؤلّفاته وأعماله البحثيّة، إضافة إلى كتبٍ ومراجع تساهم في صون الموروث وتوسيع دائرة المعرفة.

وجاءت الانطلاقة الأوسع عام 1982، حين أسّس مجلّة «العمامة»، وهي مجلّة ثقافيّة وتاريخيّة عملت على توثيق سير الشّخصيّات والأحداث، ونشر دراساتٍ متعمّقةٍ في التّراث والفكر، بعيدا عن الصّراعات السّياسيّة. سريعا ما تحوّلت المجلّة إلى مرجعٍ للباحثين والمهتمّين بتاريخ المنطقة، ولأبناء المجتمع الّذين وجدوا فيها رابطا حيّا بذاكرتهم الثّقافيّة.

من أبرز إنجازاته إصدار «موسوعة التّوحيد الدّرزيّة» عام 2011، وهو عمل موسوعيّ شامل جمع فيه ما تيسّر من المصادر التّاريخيّة والنّصوص المرجعيّة والرّوايات الموثّقة، ليقدّم للقارئ صورة دقيقة ومنهجيّة عن العقيدة التّوحيديّة وفكرها وتراثها. هذه الموسوعة، بما تحويه من آلاف الصّفحات والمراجع، باتت مرجعا أساسيّا للدّارسين وإرثا فكريّا باقٍ في المكتبات والأذهان.

إلى جانب هذه الموسوعة، ألّف وأشرف على إصدار أعمالٍ أخرى منها: موسوعة آفاق المعرفة، الموسوعة التّوحيديّة للصّغار، موسوعة الألفيّات، وموسوعة آداب الصّغار. هذه الإصدارات تنوّعت بين الموجّهة للمتخصّصين والموجّهة للنّشء، في محاولةٍ منه لغرس حبّ المعرفة في الأجيال الجديدة، وتبسيط المفاهيم الثّقافيّة والفكريّة لهم.

كذلك، تجاوز ناطور المجال المحلّيّ، فانضمّ عام 2001 إلى منظّمة السّلام العالميّة، وشارك في مؤتمراتٍ ولقاءاتٍ ثقافيّةٍ في عواصم مثل واشنطن، نيورك، وسيول، وغيرها. في هذه المحافل، كان يقدّم صورة مثاليّة للمثقّف العربيّ المنفتح على الحوار والتّعاون، دون التّفريط في ثوابته أو انتمائه الثّقافيّ.

أمّا في حياته الشّخصيّة، فقد عرف بإنسانيّته وتواضعه ودفء تواصله. في أحاديثه ومنشوراته على منصّات التّواصل، كان يجمع بين عمق المعلومة وبساطة الأسلوب، مقدّما المعرفة بروح المعلّم والصّديق. لم يكن يسعى إلى الأضواء، بل كان يعتبر أنّ القيمة الحقيقيّة للعمل تكمن في فائدته واستمراريّته.

لقد مثّل الشّيخ سميح ناطور جسرا بين الماضي والحاضر، وحوّل كثيرا من التّراث الشّفهيّ المهدّد بالنّسيان إلى نصوصٍ موثّقةٍ ومصادر متاحةٍ. بهذا الجهد، ساعد في الحفاظ على الذّاكرة الثّقافيّة المشتركة، ليس فقط لمجتمعه المباشر، بل لكلّ قارئٍ وباحثٍ مهتمٍّ بتاريخ المنطقة وتراثها.

رحيله عام 2018 شكّل خسارة كبيرة للمشهد الثّقافيّ العربيّ، ولكنّ إرثه الفكريّ باقٍ، يقرأه الجيل الجديد ويستلهم منه أهمّيّة المعرفة وأمانة التّوثيق. وسيظلّ اسمه حاضرا كلّما ذكرت الأعمال الموسوعيّة الرّصينة الّتي تعنى بالتراث وتمنحه حياة جديدة عبر صفحات الكتب.

رحم الله سميح ناطور، وجزاه عن الثّقافة والمعرفة خير الجزاء، وجعل إرثه صدقة جارية تثمر في عقول وقلوب من يقرأه. فقد كان مثالا للمثقّف الملتزم الّذي آمن أنّ القلم أداة بقاء للهويّة، وأنّ المعرفة جسر عبورٍ نحو المستقبل.

أسعار الطاقة تُفاقم مستوى المعيشة في لبنان

يواصل لبنان التعرض للاعتداءات الإسرائيلية، وذلك على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار الذي صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء 7 نيسان/أبريل الفائت، وقبيل ساعة واحدة من انتهاء المهلة التي كان قد حددها لإيران لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، ملوحًا بتنفيذ تهديده بتدمير ما سماه “الحضارة الفارسية” في حال عدم الامتثال.

كما لا يزال لبنان يتحمل التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران على الرغم من توقفها، ولا سيما أن حظر الملاحة في مضيق هرمز شكل تهديدًا مباشرًا لأمن إمدادات الطاقة على مستوى العالم، وأسهم في دفع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة لم تبلغها منذ أربع سنوات، أي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يفاقم الأعباء المعيشية على اللبنانيين.

أزمة اقتصادية عالمية

وقد تسببت هذه الحرب في أزمة هي أشبه بأزمة النفط التي شهدها العالم في سبعينيات القرن الماضي، والتي نجمت عن حظر الدول العربية تصدير نفطها إلى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى عام 1973، على خلفية دعمها لإسرائيل في حربها على مصر وسوريا. إلا أن المؤشرات الراهنة تشير إلى أن الأزمة الحالية قد تتسم بدرجة أشد وطأة وأكثر تعقيدًا.

وقد بادرت العديد من الدول إلى مواجهة اضطراب أسواق الطاقة لديها بإجراءات عاجلة، شملت تحرير جزء من احتياطياتها الاستراتيجية من النفط بهدف تخفيف حدة الصدمة على الأسواق. كما يعمل الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع على تنسيق جهود مشتركة لضمان قدر أكبر من الاستقرار فيها. ولجأت بعض الحكومات إلى خفض الضرائب على الوقود وتقنين الاستهلاك، فضلاً عن تسريع مشاريع الطاقة البديلة لتقليل الاعتماد على إمدادات الشرق الأوسط.

لبنان والطاقة

أما لبنان، الذي يعتمد اعتمادًا شبه كامل على استيراد المحروقات، فهو من بين أكثر الدول تضررًا من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية. ومن شأن ذلك أن يُفاقم الأعباء الاقتصادية المترتبة عليه، في ظل عدم تعافيه حتى الآن من أزمته الاقتصادية العميقة، فضلاً عن تداعيات العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، وحرب الستة والستين يومًا في عام 2024.

وتجدر الإشارة إلى أن المحروقات في لبنان تخضع لرسوم مركبة ومرتفعة، وقد أقرت الحكومة في شباط/فبراير عام 2026، رسمًا إضافيًا على صفيحة البنزين يبلغ نحو 320 ألف ليرة. ومع احتساب ضريبة القيمة المضافة، يرتفع العبء الضريبي الإجمالي إلى ما يقارب 25%–30% من السعر النهائي، وذلك قبل احتساب آثار الارتفاعات العالمية في الأسعار، وهو مستوى مرتفع نسبيًا بالمقارنة مع الاقتصادات المماثلة، وأسهم في تغذية الضغوط التضخمية وتدهور القدرة الشرائية.

تداعيات الأزمة على لبنان

في المقابل، يترافق ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الشحن البحري والتأمين، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على أسعار الفيول أويل وسائر المحروقات في لبنان، ويؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية التي تُفاقم من حدة الأزمة المعيشية، بما يعمق مظاهر الفقر والهشاشة الاجتماعية، ويُضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

وتتجلى هذه التداعيات من خلال جملة من الآثار الاقتصادية السلبية، أبرزها:

  • ارتفاع فاتورة الكهرباء، سواء كان مصدرها مؤسسة كهرباء لبنان أو المولدات الخاصة، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة تكلفة كل من ألـ Gas Oil المستخدم للمولدات، و Fuel Oil المستخدم لمعامل المؤسسة.
  • ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي، نتيجة الاعتماد على الطاقة لتشغيل الجرارات ومضخات المياه في الزراعة، وكذلك لتشغيل المولدات والتجهيزات الصناعية.
  • ارتفاع تكلفة النقل البري للسلع والمنتجات الصناعية والزراعية.
  • ارتفاع تكلفة تنقل الأفراد، سواء في وسائل النقل الخاصة أو العامة.
  • ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة مضاعفة، نتيجة تداخل تكاليف الاستيراد والشحن والنقل المحلي.

 

مؤشرات تفاقم مستوى المعيشة

إن الارتفاع المتسارع في أسعار المحروقات يؤدي إلى تسريع معدلات التضخم، ولا سيما في بندي الغذاء والطاقة، مما ينعكس مباشرةً على مؤشر أسعار المستهلك ويؤدي بدوره إلى تآكل القدرة الشرائية للأجور، في ظل ثبات نسبي في الرواتب وعدم مواكبتها لارتفاع الأسعار. وهذا من شأنه أن يساهم في اتساع رقعة الفقر وارتفاع معدلاته، وارتفاع معدلات البطالة والبطالة المقنعة، وتراجع النشاط الاقتصادي.

ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى تغيير في بنية إنفاق الأسر، حيث ترتفع نسبة الإنفاق على الغذاء والطاقة من إجمالي الدخل، ويُعاد ترتيب أولوياتها الاستهلاكية على حساب التعليم، والصحة، والادخار. وفي ظل ضعف القدرة المالية للدولة وارتفاع مستويات الدين العام، تتراجع إمكانات التدخل لتخفيف الأعباء عن المواطنين.

ولا تقتصر المخاوف من تفاقم مستوى المعيشة في لبنان على ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها المباشرة، بل تتسع لتشمل أبعادًا اقتصادية أوسع، من أبرزها:

  • تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين العاملين في دول الخليج، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وما قد يرافقها من تهديدات لأمن تلك الدول.
  • ازدياد مخاطر دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، ولا سيما أن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة تتأثر بارتفاع الأسعار العالمية وتكاليف الشحن، الأمر الذي يُضعف القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية.
  • فقدان عدد كبير من الأسر مصادر دخلها، سواء بسبب توقف المؤسسات عن العمل في مناطق مهددة من الاحتلال الإسرائيلي، أو بسبب النزوح من أماكن إقامتهم، أو لترك المزارعين أراضيهم وتعطيل أنشطتهم وخسارة مواسمهم الزراعية.
  • ارتفاع تكلفة المعيشة وتراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية، نتيجة زيادة الطلب على السلع والخدمات في المناطق التي تستضيف النازحين، والتي تعاني أصلًا من محدودية القدرة الاستيعابية.

 أسعار ترتفع ومستوى معيشة يتدهور

يتبيّن مما تقدم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يشكّل مجرد أزمة قطاع بعينه، بل يمثل عاملًا ضاغطًا يعيد تشكيل مجمل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، ويدفع بمستوى المعيشة نحو مزيد من التدهور. وفي ظل غياب سياسات فعّالة للحماية الاجتماعية، وتعثر استثمار ثروة لبنان النفطية، تبقى قدرة لبنان على احتواء هذه التداعيات محدودة، ما يجعل الأزمة مرشحة للتفاقم، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا على مستوى الاستقرار الاجتماعي، في حال استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية

لبنان في عين العاصفة … والتداعيات تتفاقم

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، يُواجه لبنان تداعيات هذه الحرب في بعديها المحلي والإقليمي، لا سيما بعد دخول حزب الله هذه الحرب مساندًا الجمهورية الإسلامية في إيران. الأمر الذي يضاعف الأعباء المترتبة على البلد الذي لم يتعافَ بعد، لا من أزمته الاقتصادية ولا من آثار العدوان الإسرائيلي الذي أعقب حرب إسناد غزة في الثامن من تشرين الأول عام 2023 وحرب الـ 66 يومًا في عام 2024.

ذلك أن خطورة العدوان الإسرائيلي على لبنان لا تقتصر على ما يسببه من خسائر مادية مباشرة في المباني السكنية والمؤسسات الصناعية والتجارية، والبنى التحتية في المدن والقرى اللبنانية، بل تشمل أيضًا تداعياته المترابطة والمعقدة التي تبدأ من تهجير أهالي مدن وقرى الجنوب، والضاحية، والبقاع الشرقي، والتدمير الممنهج لها، ولا تنتهي عند الخسائر البشرية والمالية والاقتصادية، فضلاً عن التداعيات التربوية والإنسانية والاجتماعية التي ستترتب على هذا العدوان.

التهجير السكاني

ويأتي التهجير القسري للأهالي من مدنهم وقراهم وبيوتهم، كأحد أخطر تداعيات العدوان الإسرائيلي على لبنان عامة وعلى الجنوب والضاحية خاصة، لما ينطوي عليه من تفكك أسري وتشتيت للعائلات المهجرة، حيث بلغ عدد النازحين ما لا يقل عن 1.3 مليون شخص، وفق تقارير وزارة الشؤون الاجتماعية.

 كما يبرز هذا التهجير الحاجة الملحة والفورية إلى مراكز إيواء لائقة وتلبية حاجات النازحين المستجدة، ويفتح الباب أمام توترات اجتماعية كامنة قد تتفاقم كلما طال أمد الأزمة، فضلاً عن تسببه في تزايد الضغوط على البنى التحتية والخدمات الأساسية، من مياه وكهرباء واستشفاء وتعليم، في المناطق المستقبِلة.

التداعيات الاجتماعية والإنسانية

تتجاوز التداعيات الاجتماعية والإنسانية للعدوان الإسرائيلي على لبنان الخسائر البشرية والمادية المباشرة، لتطال البنية الاجتماعية في أعماقها، في ظل تفاوت الظروف الاقتصادية والمعيشية، ولا سيما ما يرافق النزوح من اكتظاظ في المناطق المستقبلة. الأمر الذي يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الإحساس بالأمان والاستقرار، خصوصًا لدى الفئات الأكثر هشاشة، في مقدمها الأطفال وكبار السن.

ومع استمرار العدوان، يتحوّل النزوح من حالة طارئة إلى أزمة اجتماعية مركبة، تراكم أزمات مزمنة يصعب احتواؤها على المدى القصير، ولا سيما مع ازدياد التنافس على الموارد المحدودة. وهو ما قد يؤدي إلى ظهور توترات بين المجتمعات المضيفة والنازحين، بما يهدد التماسك الاجتماعي ويعمق من هشاشة البنية المجتمعية.

تعاظم الخسائر

يتّخذ العدوان الإسرائيلي على لبنان طابعًا تدميريًا ذا أبعاد إنسانية جسيمة، حيث يستهدف المدنيين الآمنين في منازلهم، في انتهاك واضح للقواعد الأخلاقية والإنسانية. ويشير تقرير وزارة الصحة العامة الأخير إلى ارتفاع عدد الشهداء خلال الفترة الممتدة من 2 آذار إلى 24 آذار إلى 1072 شهيدًا، من بينهم ما لا يقل عن 125 طفلًا و70 امرأة، فيما بلغ عدد الجرحى 2966 جريحًا. وخلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة وحدها، سجل سقوط 33 شهيدًا و90 جريحًا، ما يعكس تصاعدًا مستمرًا في وتيرة العنف.

ويتضح المنحى التدميري للعدوان في الاستهداف المنهجي للبنى التحتية الحيوية، ولا سيما الجسور فوق نهر الليطاني ومحطات تحويل الكهرباء ومحطات ضخ مياه الشفة في الجنوب، فضلًا عن تدمير مئات الوحدات السكنية وتسويتها بالأرض. علمًا أن العدوان الإسرائيلي السابق كان قد خلّف دمارًا واسعًا طال نحو 100 ألف وحدة سكنية، وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

تداعيات على القطاع التربوي

في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان واتساع نطاقه، يصبح من المتعذر متابعة العام الدراسي حضورياً، وتزداد هذه الصعوبة حدة مع نزوح الأهالي من قراهم وبلداتهم، ليستقروا في مراكز إيواء هي في معظمها المدارس والثانويات الرسمية. وفي المقابل، يواجه التعليم عن بُعد تحدّيات جوهرية تتصل بضعف البنية التحتية الرقمية وتفاوت إمكانات الوصول، الأمر الذي لا يهدد انتظام العام الدراسي وحسب، بل ينذر بإضعاف القطاع التربوي برمته، ويقوض مستقبل التعليم في لبنان.

التداعيات الاقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، يتسبب العدوان الإسرائيلي بأضرار عميقة تتوزع على أكثر من مستوى، منها ما هو متعلق بسير العدوان على لبنان ومنها ما هو نتيجة للأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت بها الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران. وهي تتوزع على الشكل التالي:

  • توقف الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج، وهجرة الأراضي الزراعية في المناطق الجنوبية، مما يتسبب بضياع المواسم ويحرم آلاف العائلات من النازحين من مصادر الدخل.
  • ارتفاع كلفة النقل والانتقال وانعكاسه على أسعار السلع والخدمات، بسبب ارتفاع أسعار المحروقات نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وحظر الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي يزيد من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الوطني.
  • ارتفاع إضافي في أسعار السلع والخدمات في الأماكن التي انتقل إليها النازحون نتيجة ازدياد الطلب، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
  • تعطل السياحة وتراجع عدد اللبنانيين القادمين إلى لبنان جراء الأوضاع التي تشهدها دول الخليج العربي، مما يستتبع تراجع في تدفق العملات الصعبة في الاقتصاد الوطني.
  • تزايد احتمال تراجع تحويلات اللبنانيين من دول الخليج العربي مع استمرار الهجمات المتبادلة بين المتقاتلين وما يرافقها من اعتداءات إيرانية على الدول الخليجية.
  • تزايد المخاطر من دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة جديدة من الركود، خاصة وأن الصناعات اللبنانية تستخدم في معظمها مدخلات مستوردة في ظل ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وتكلفة الشحن، الأمر الذي يحد من تنافسية المنتجات اللبنانية.
  • انخفاض الناتج المحلي الإجمالي جراء توقف أو تباطؤ الأنشطة التجارية والصناعية، وتعطيل عجلة الإنتاج كليًا أو جزئيًا.

تراجع الإيرادات العامة وتزايد الالتزامات

يتوقع أن يؤدي العدوان الإسرائيلي إلى ارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، لتضاف على تكلفة الحرب السابقة التي قدرها صندوق النقد الدولي بنحو 9 مليارات دولار، مما سيؤدي إلى زيادةٍ ملحوظة في احتياجات التمويل. وفي المقابل، يُرجَّح أن يشهد إجمالي الإيرادات العامة تراجعًا، نتيجة انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الاستهلاك الخاص، وهو ما قد يمتدّ تأثيره للسنوات القادمة. ومن شأن هذا التراجع في الإيرادات، بالتوازي مع ارتفاع النفقات، أن يُفاقم عجز الموازنة العامة ويُعمّق الاختلالات المالية.

الخاتمة
يتضح مما تقدم أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لا يُمكن اختزاله في كونه مواجهة عسكرية ذات أبعاد ميدانية فحسب، بل يهدف إلى خلق أزمة مركبة متعددة المستويات، تتداخل فيها الجوانب الأمنية مع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، في بلد يعاني أصلًا من هشاشة بنيوية عميقة.

وعليه، فإن التحدي لا يكمن فقط في إدارة تداعيات العدوان واحتواء أضراره المباشرة، بل في القدرة على الحد من تراكم الخسائر التي يسببها، عبر سياسات إنقاذية ومقاربات وطنية شاملة تُعزّز مناعة المجتمع وتؤسس لمرحلة تعافٍ حقيقي. فكل تأخير في المعالجة، وكل غياب لاستدراك المرحلة القادمة، من شأنه أن يحوّل هذه التداعيات من أزمة ظرفية إلى واقع دائم يهدد مستقبل لبنان وأجياله القادمة.

وفي ظل استمرار التصعيد الإقليمي واتساع رقعة المواجهة، وغياب آفاق حل سياسي واضح المعالم، يبقى لبنان أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرته على الحفاظ على تماسكه الاجتماعي واستقراره الاقتصادي ومنع انزلاقه إلى مزيدٍ من الانهيار، تمهيدًا لاستعادة مسار التعافي والاستقرار.

 

الاقتصاد العالمي في مهب الحرب على إيران

الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل، تهدد الاقتصاد العالمي وتدفع الأسواق إلى مواجهة أزمة جديدة مع تنامي المخاوف من توسع المواجهات وطول أمدها، خاصةً أن هذه الهجمات تأتي بعد نحو ثمانية أشهر على المواجهات التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، واختتمتها الولايات المتحدة بضرب منشآت نووية إيرانية في حينه.

وما يعزز هذه المخاوف هو أن تتطور هذه المواجهات إلى حرب مفتوحة لا تنتهي ضمن الإطار الزمني الذي أراده لها من أشعلها، وتضع معها الوضع الاقتصادي العالمي في مواجهة جميع الاحتمالات. ومن شأن ذلك أن يسرع من وتيرة تباطؤ الاقتصاد العالمي، نظرًا لما قد تسببه من انتكاسات في عدة قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الطاقة والسياحة والطيران، فضلاً عن الارتفاع المتوقع في تكاليف التأمين والشحن.

نمو اقتصادي تحت التهديد

وخلال العام الماضي، تمكّن الاقتصاد العالمي من الحفاظ على قدر ملحوظ من النمو على الرغم من الحرب التجارية العالمية التي تسبب فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال الزيادات التي أقرها على التعرفات الجمركية، إضافةً إلى تهديده لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من الممارسات. وعلى الرغم من هذه الصدمات، واصل التضخم تراجعه، وسجلت أسواق الأسهم في أوروبا ومناطق أخرى من العالم مستويات قياسية جديدة، وفقًا لتقارير صحفية متخصصة.

غير أن هذا النمو في الاقتصاد العالمي قد لا يصمد طويلاً في مواجهة التطورات التي تسببها الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والتي سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي مع استهداف إيران لبلدان الخليج العربي ومنشآتها الحيوية. وتوحي المؤشرات الميدانية بأن المواجهات العسكرية لا تزال في مراحلها الأولى، الأمر الذي يجعل من المبكر جدًا تحديد مآلاتها على المدى المتوسط والبعيد.

مضيق هرمز وأسعار النفط والغاز

وتأتي محاولة إيران لإغلاق مضيق هرمز لتتسبب بتداعيات سلبية مباشرة على إمدادات الطاقة، وتعطيل حركة الملاحة البحرية، وإرباك سلاسل التوريد العالمية، مما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي جراء نقص مدخلات الإنتاج. ويترتب على ذلك انخفاض في معدلات إنتاج السلع، يقابله ارتفاع في أسعارها، الأمر الذي يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى.

وسيكون لإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية تداعيات مباشرة على الدول المنتجة للنفط والغاز والمطلة على الخليج العربي، ولا سيما تلك التي لا تملك منافذ بديلة لتصدير إنتاجها سوى عبر هذا الممر البحري الحيوي. وتُعدُّ العراق وقطر والكويت من أكثر الدول المنتجة عرضةً للضرر الاقتصادي، لاعتمادها شبه الكامل على المضيق في تصدير نفطها وغازها، واللذين يُشكلان مصدرًا رئيسيًا لإيراداتها العامة.

والمفارقة أن إيران، التي تعمل على إغلاق المضيق كورقة ضغط جيوسياسية، ستكون بدورها من أبرز المتضررين اقتصاديًا من هذا الإجراء، إلى جانب شركائها التجاريين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين، المستورد الأكبر لنفط المنطقة عامةً والإيراني خاصةً.

وقد بدأت بوادر ارتفاع أسعار النفط والغاز منذ اليوم التالي لبدء المواجهات، حيث سجل برميل النفط نحو 80 دولارًا، وهو أمر متوقع نظرًا لمرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وكان خام برنت قد ارتفع نحو 12 بالمئة ليبلغ نحو 73 دولارًا للبرميل خلال الشهر الماضي، نتيجة تزايد احتمالات اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويُنذر استمرار إغلاق مضيق هرمز بإحداث صدمة كبيرة في أسعار النفط العالمية، وقد يدفع بها إلى ما يفوق الـ 100 دولار للبرميل، وفقًا لما يتوقعه خبراء.

كما أن أسواق الغاز الطبيعي ليست بمنأى عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، والتصعيد العسكري الذي يستهدف المرافق الحيوية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إعلان قطر عن وقف إنتاج الغاز المُسال أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 45%. وهذا من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية، وبخاصة الأوروبية التي تعتمد على واردات الغاز المُسال. كما قد يضعف نشاطها الصناعي ويرفع احتمالات تباطؤ النمو أو حتى الدخول في ركود.

في المقابل، فإن أسعار النفط مرشحة للارتفاع في الأسواق العالمية بمجرد توقف تصدير النفط الإيراني، وإن استمرت الملاحة عبر مضيق هرمز متاحة أمام السفن. خاصةً أن إيران تحتل المركز السابع بين الدول المصدرة للنفط مع 1.66 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025 بعد السعودية، وروسيا، والولايات المتحدة، والعراق، والإمارات، والبرازيل، ما لم تعمد الدول المنتجة الأخرى إلى تعويض التوقف بزيادة إنتاجها.

النمو العالمي ومخاطر التضخم

وتُعدّ الدول الآسيوية الأكثر عرضة للتضرر في حال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي مقدمتها الصين، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، وخاصة النفط الإيراني. ووفقًا لبيانات (EIA) لعام 2024، فإن نحو 84% من صادرات النفط الخام والمُكثفات، وحوالي 83% من شحنات الغاز الطبيعي المُسال التي عبرت المضيق، كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وفي طليعتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتجدر الإشارة إلى أن عدم استقرار أسعار النفط يُشكّل عائقًا مباشرًا أمام النمو الاقتصادي المستدام، فكل ارتفاع مستجد في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل خلال سنة معينة، يمكن أن يُخفض معدلات النمو من 10 إلى 20 نقطة أساس خلال السنة التالية. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط سينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

خاتمة

وعليه، فإن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، لا يُمثّلان أزمة إقليمية فحسب، بل صدمة اقتصادية عالمية. ذلك أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بشكل كبير على تدفقات الطاقة من الخليج، وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي من شأنه أن ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي من ناحية، وعلى الاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.

كما قد يسهم في تصاعد معدلات التضخم على المستوى الدولي، واضطراب أسواق المال، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، ويُفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصاد الدولي. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، قد تكون تكلفة الحرب على الصعيد الاقتصادي أعلى بكثير من تكلفة ميدان القتال نفسه.

دور المباحث العلمية بكشف أكثر الجرائم غموضا ووحشية

يعيش سعيد 80 سنة، بعد أن أمضى أكثر من 40 عاما كموظف فئة أولى في الدولة اللبنانية، مع زوجته سلمى 75 سنة، في شقة فخمة في محلة المصيطبة، بيروت، الطابق الأول على شارع فرعي.

ليل 2/3 أيلول 1996 كان الحر شديدا فأخلد الى النوم وترك بوابة الشرفة مفتوحة لانقطاع الكهرباء ولينعم ببعض الهواء ليعدل الحرارة المرتفعة التي تجعل نومه متقطعا.

حوالي الساعة الثالثة فجرا استيقظ مذعورا وأنفاسه مكتومة وضربات على رأسه وفمه مقفلا بيد أحدهم. لم يتمكن من الصراخ معتقدا أنه بحلم وكابوس وعندما أستعاد وعيه تحقق أنه مقيدا بحبل ومكموم الفم ومطروحا على وجهه أرضا وقربه مسلح غريب يقول:

وين المصاري؟ وين الذهب؟ بدي أقتلك بسرعة قول؟ أوعا تتحرك!

دلّ إلى مكان المال فأخذ المسلح مبلغ ألفي ليرة لبنانية وتركه مقيدا ومربوطا إلى الخزانة وحذّره من الصراخ شاهرا مسدسا حربيا بوجهه. انتقل إلى الغرفة الثانية حيث ترقد الزوجة، أقفل فمها وهي مرتعدة من الخوف ووضع البلستر على فمها وقيد يديها ونزع ملابسها وأغتصبها بوحشية ولم تؤثر فيه مقاومتها ومحاولة الصراخ، هددها بالمسدس ونزع مبرومة ذهب في يدها وأستعان بسكين لقطع شريط معدني لإكمال عملية التقييد لكنه جرح سبابة يده اليسرى. بعد أن أمضى 40 دقيقة في الشقة الغير مضاءة أخذ المال والذهب وقفز من شرفة الشقة إلى الطريق المظلم وترك العجوزين ضحيتين منفردين خائفين من عودة الوحش إليهما.

فور التحقق من ذهاب الجاني، اتصل سعيد برقم الطوارئ 112 في شرطة بيروت، حيث حضرت الدوريات ومنها دورية من التحري في العاصمة مع الأدلة الجنائية والنائب العام الاستئنافي وقائد الشرطة القضائية ضباط التحري وباشروا التحقيق العدلي بعد نقل سعيد وسلمى إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية للمعالجة.

أظهرت الصحافة وحشية الجاني وبشاعة الجريمة وخوف السكان من تكرار ما حصل وطالبو الدولة بسرعة توقيفه ومحاكمته.

تمكنت دورية من مكتب حوادث بيروت العاملة في قسم المباحث الجنائية العلمية في الشرطة القضائية من رفع أجزاء عن البصمة المتروكة على مقبض السكين المغمس بالدم حيث تم تصنيفها جزئيا بصعوبة وبدأت مراحل التفتيش والمقارنة.

تعتمد الشرطة القضائية نظام المخبرين ويتم صرف مبالغ ليست كبيرة لبعضهم وتقديم بعض الخدمات لهم تعويضا عن معلومات جنائية مفيدة تُقدم الى التحري، حيث تحقق أحد ضباط مفرزة بيروت القضائية أن أحد عمال السنكرية، يتم استدعاؤه للقيام بإصلاحات لسكان البناية ويُدعى فؤاد، مجهول باقي الهوية، غالبا ما يحضر إلى شقة سعيد، لإصلاح أعطال في الشقة القديمة العهد.

تمكن أحد الفنّيين في مكتب التحقق من الهوية في الشرطة القضائية من مطابقة الجزء من البصمة المتروكة على السكين في الشقة مع بصمة فؤاد الذي سبق وأوقف بجرم سرقة منذ سنتين في بيروت ويقيم في محلة راس النبع.

على الفور توجّهت دورية من مفرزة بيروت القضائية وبدلالة المخبر إلى راس النبع، حيث ترصدوا عودة فؤاد إلى غرفته، فتشوها وعثروا على مبرومة الذهب ومبلغ 1,500 ليرة لبنانية وضبطوا مسدّساً حربياً نوع توكاريف مع 8 طلقات صالحة للاستعمال. اقتادوه إلى المفرزة وباشروا استماعه بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت وقائد الشرطة القضائية وضباط المفرزة الذين تعاونوا لكشف خفايا الجريمة البشعة التي هزت العاصمة. اعترف فؤاد بأنه خطط لسلب العجوزين اللذين يعيشان منفردين في شقة يمكن الدخول إليها من الطريق العام، إذا كانت بوابة الشرفة مفتوحة بظل انقطاع الكهرباء في الشارع العام. تسلق عبر الاستعانة بقسطل من الحديد ودخل الشقة ونفذ عملية السلب وأغتصب السيدة ولم يرد على استغاثتها بإعطائه ما لديهم مقابل تركها مع زوجها. وقد فرّ عبر الشرفة بعد الانتهاء من تنفيذ جريمته.

تعرّفت السيدة سلمى إلى المبرومة الذهبية ورفضت أن تقابله كونها تخاف أن يعيد جريمته بعد خروجه من التوقيف !

بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت والصحافة أعلن قائد الشرطة القضائية التوصل لكشف خفايا جريمة وحشية غامضة نفذها مجرم بحق عائلة تعيش بأمان في شقة ضمن حي راق في العاصمة وأوقف الجاني وضبط المسروق ولم تنفعه أساليب التمويه والتخفي التي اعتمدها، نوه بجدارة التحري والعاملين في قسم المباحث الجنائية العلمية الذين تمكنوا من رفع جزء من البصمة المغلفة بالدم عن السكين ومقارنتها ومن حسن الحظ أن الجاني سبق أن أوقف وحفظت بصمته لديهم.

ترك توقيف الجاني خلال 48 ساعة من الحادث الارتياح العام لدى الضحايا وعامة الناس والثقة بأجهزة الدولة وأنها وحدها مسؤولة عن أمن وسلامة السكان وسوق المجرمين إلى العدالة لأخذ القصاص المناسب.

نوّه قائد الشرطة القضائية بأعمال من تولى التحقيق والمتابعة بسرعة فائقة وبتقنيات مميزة في مكتب التحقق من الهوية والنجاح بمقارنة أجزاء من البصمة مع محفوظات لديهم طابقت مع بصمة موقوف سابق تم أخذ بصماته وتوقيفه. كما أشاد الأستاذ سعيد والصحافة بجدارة الشرطة القضائية بسرعة كشف الجاني وتوقيفه واستعادة المسروقات والثقة بالتحري لنشر الأمن والسلامة العامة في العاصمة.

في ضوء ما تقدم، ونظراً لأهمية وحساسية الدور الذي يقوم به الأمن اللبناني، إننا نطلب وبعد 39 سنة في خدمة الأمن اللبناني:

  • تطويع عناصر كفؤة وإخضاعها لدورات تدريبية وبرواتب مقبولة.
  • تجهيز هذه القوى بالمعدات الحديثة واللوجستية المتطورة
  • أن لا يكون هناك مناطق خارج سلطة الدولة لتسهيل عمل هؤلاء المختصين بمكافحة الجريمة وكشف أكثر الجرائم غموضا وسوق الجناة إلى القضاء لإصدار الأحكام العدلية المناسبة.

لدينا العناصر البشرية الكفؤة تعمل بجدارة ووطنية بإشراف القضاء، لكن هل يتاح لها الفرصة المناسبة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقها دون عوائق المناطق المحرمة ونفوذ أصحاب الشأن؟

 

إعداد العميد المتقاعد أنور يحيى

قائد سابق للشرطة القضائية

دبلوم في القانون العام.

عباس افندي المصفي

في عالم الصحافة والأدب، هناك أسماء كثيرة لامعة حفرت في ذاكرة الزمن بأقلامها التي سطرت ملامح الفكر والسياسة، ولكن هناك أيضًا شخصيات ساهمت بقدر كبير في تشكيل هذا العالم، وإن لم تحظَ بشهرة واسعة.

من هؤلاء الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الأدب والصحافة، رغم ما شاب مسيرتهم من غربة، عباس أفندي المصفي. وُلد في لبنان عام ١٨٨٢، وشق طريقه إلى مصر ليُصبح جزءًا من الحركة الثقافية والفكرية التي شكلت وجدان الأمة العربية في بداية القرن العشرين. لم يكن صوته عاليًا في الزمان والمكان، لكن مقالاته كانت أشبه بشُعلة ضوء في فجر جديد؛ تستحق الوقوف عندها وتحليلها، لأنها كانت تلامس نبض الأمة وتُحلل الواقع السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وحكمة عميقة.

كان عباس أفندي المصفي أحد المنارات التي أضاءت طريق الفكر في فترة كانت تعج بالأحداث التاريخية العاصفة، فكان قلمُه يُنير دروب الصحافة، ويغذي العقول بنكهة أدبية صادقة ورؤية سياسية نافذة.

الميلاد والنشأة:

وُلد عباس أفندي المصفي في بلدة بعقلين، تلك البلدة التي تأخذ من جبل لبنان حضنًا لها وتغذيها بعبق التاريخ، في عام ١٨٨٢. نشأ في قلب بيئة جبلية خلّابة، حيث تمازجت الرياح الطيبة مع التراب الندي، وامتزجت أصوات العصافير مع زقزقة الفكر. في تلك البيئة، ترعرع قلب عباس على حب العلم.

بدأ دراسته في مدارس بلدته، ليكمل بعد ذلك دراسته الثانوية في مدرسة “الداودية” في عبيه، وهي مدرسة عريقة كانت بمثابة مرشد فكري للأجيال التي خَلَت. لكن طموحاته الفكرية كانت أبعد من أسوار البلدة، فانتقل إلى دمشق، في خطوة نحو تأصيل معرفته القانونية، حيث التحق بمكتب الحقوق بدمشق، الذي أتاح له فرصة التعرف على تيارات فكرية غزيرة كانت تزدهر في تلك الفترة. كانت دمشق، حينها، قبلة العلماء والمفكرين، المكان الذي جَمعَ بين سحر الماضي وزخمه.

الهجرة إلى مصر:

ومع بزوغ شمس عام ١٩٠٤، قرر عباس أفندي المصفي أن يفتح لنفسه آفاقًا جديدة، فهاجر إلى مصر. مصر، التي كانت في تلك الفترة تعيش حالة من التنوع الثقافي والإنفتاح على مختلف التيارات الفكرية. وصل المصفي إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت بمثابة معبر بين الشرق والغرب، حيث الهوى المصري الأصيل يلتقي مع الرياح الأوروبية العاتية. في هذه المدينة، وجد المصفي ضالته، فانتقل إلى الصحافة والأدب، وراح ينقش بأقلامه خواطره وتحليلاته السياسية.

الصحافة والأدب:

انغمس عباس أفندي المصفي في عوالم الصحافة سريعًا، فبدأ العمل في “الإيجيبيشيان جازيت”، تلك الجريدة التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية في الإسكندرية، وجاءت اللغة الإنجليزية التي كان يتقنها جسرًا له ليعبر عبره إلى الصحافة الأوروبية. لكن علاقته مع الصحافة لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت رحلة فكريّة فلسفية. كان يكتب، ليس فقط بما يراه، بل بما يشعر به من تعقيدات اللحظة السياسية والاجتماعية. وبدون توقف، انطلق في نشر مقالاته في جريدة “الأهرام”، التي تأسست عام ١٨٧٥، لتصبح لاحقًا من أهم الصحف في العالم العربي. كانت مقالاته دائمًا تُنير الطريق وتكشف الغموض عن الواقع السياسي.

المقالات والتحليل السياسي:

ولم يكن عباس أفندي المصفي كاتبًا يتبع الحروف والنقاط فحسب، بل كان يُجسد الحياة في كلماته. كانت مقالاته تتسم بجمالية اللغة وعمق التحليل، فكان يجمع بين الأدب والسياسة في مزيج فريد. في مقاله الشهير عن المعاهدة المصرية البريطانية، الذي نشره في ٣ سبتمبر ١٩٣٦ في “الأهرام”، استخدم المصفي أسلوبًا بلاغيًا ساخرًا، حيث قارن بين المعاهدة “الثريد” – أكلة بادية قديمة – التي تجمع “السويق” من هنا و”النار” من هناك، ليصف الحالة السياسية بين مصر وبريطانيا. فقد كان المصفي يرى في المعاهدة نوعًا من الخداع المستمر، حالة من الاتفاق غير المتكافئ، التي تُطعم الجياع بنصف الحقيقة وتغذي الساكنين في القصور بالنصف الآخر.في مقال آخر نشره في ٦ نيسان ١٩٣٧، تناول “الامتيازات الأجنبية” في مصر، مؤكدًا أن القضاء على الاحتلال البريطاني سيكون خطوة أولى نحو التحرر الحقيقي، وأن مصر يجب أن تتخلص من كل أعباء التبعية. كانت كلماته كالرعد، لا يترك أذنًا إلا وقد سمعت صوته.

 الحياة الشخصية والعائلية:

وفي عام ١٩١٠، عاد عباس أفندي إلى لبنان لفترة قصيرة بحثًا عن الحب في قلب الطائفة التي انحدر منها. تزوج من خانم محمد طليع من جديدة الشوف، وهي سيدة ذات مكانة اجتماعية متميزة. ومن ثم رزق المصفي بابنه الوحيد سامي، الذي سيصبح في المستقبل مديرًا للدائرة التجارية في شركة طيران الشرق الأوسط. لكن المصفي عانى مرارة فقدان أولاده الثلاثة، الذين رحلوا في سن مبكرة، ما شكل له حزنًا عميقًا لا يُمكن أن يُمحى. هذا الحزن كان يشبه الندبة التي لا تُشفى في قلبه، لكن في عزاءه، كان يلوح دائمًا بفكره وبقلمه، مستمرًا في إلهام من حوله.

المشاركة في الأحداث التاريخية الكبرى:

كان عباس أفندي المصفي شاهدًا حيًا على الثورة المصرية ١٩١٩، التي كانت محورية في تاريخ مصر. وقد كانت الإسكندرية أحد معاقل هذه الثورة، حيث التحم الشعب المصري في معركة تحرير وطنه. كان المصفي حاضرًا في تلك اللحظات الفارقة، يرصد التغيرات ويحمل على عاتقه مهمة توثيق هذه اللحظات، ليُبقيها حية في الذاكرة. وقد عاش أيضًا فترة الاستقلال المصري، وكان أحد الأسماء التي تابعت بحذر وتفكير عميق التغيرات الكبرى في البلاد، عبر حروفه التي كانت تُحلل الوضع السياسي بكل موضوعية، مستندًا إلى عقله الناقد وقدرته على فهم ما وراء الأحداث.

إرثه الأدبي والفكري:

عباس أفندي المصفي لم يكن مجرد كاتب أو صحفي، بل كان منارة فكرية، يكتب من أجل الوعي، ويلهم العقول. ورغم أن اسمه قد لا يكون مدونًا بحروف ضخمة في سجلات الأدب والصحافة، إلا أن تأثيره كان واضحًا من خلال مقالاته التي كانت تمزج بين الأدب والتحليل السياسي، وتقدم رؤية لمستقبل أكثر نضوجًا ووعيًا. كانت أفكاره تتجاوز حدود الصحافة التقليدية لتكون نبعًا للفكر العربي الذي يسعى لفهم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية في تلك الحقبة.

الخاتمة:

عباس أفندي المصفي كان شاعرًا للصحافة وأديبًا للسياسة، فقد كتب بعين المثقف وبقلب الوطني المخلص. ورغم أنه لم يكن في مصاف الأسماء الأكثر شهرة، إلا أن أثره الأدبي والسياسي لا يمكن إنكاره. كان قلمُه شاهدًا على أحداث الزمن، فكأنما كان يكتب بحروفٍ من دمٍ وأمل. وإن كان صوته قد تلاشى مع مرور الزمن، إلا أن صدى كلماته يبقى يتردد في عقولنا، كصوت أديب فكر بأدب وصحفي سرد الحقيقة بأمانة.


الشعر العربي في العصر الجاهلي: الجذور الفنيّة والإنسانيّة

وُلد الشعر العربي مع نبض الصحراء، حين كانت الكلمة ملجأ العربي وسلاحه، وحين كان البيت الشعري يُنصب في الذاكرة كما تُنصب الخيام في الفلاة. ففي العصر الجاهلي، سبق الشعر التدوين، وحمل عبء التاريخ والوجدان، فغدا ديوان العرب ولسان حالهم، يروي قصص الحبّ والفقد، ويخلّد البطولات، ويؤرّخ للحروب والقيم. ولم يكن الشعر آنذاك ترفًا فنيًا، بل ضرورة وجوديّة، به يفاخر العربي، وبه يُعرف، وبه تُحفظ مكانة القبيلة بين سائر القبائل. من هنا، تأتي دراسة الشعر الجاهلي بوصفه الأساس الأصيل الذي قامت عليه الهويّة الأدبيّة العربيّة.

أولًا: البيئة الجاهليّة وأثرها في الشعر

نشأ الشعر الجاهلي في بيئة صحراويّة قاسية، اتّسمت بالتنقّل وشظف العيش، فكان الشاعر ابن هذه البيئة، ينقل تفاصيلها بصدقٍ وعمق. وقد انعكس هذا الواقع في موضوعات الشعر وصوره، فكثر وصف الصحراء والليل والناقة والرحلة. ويتجلّى هذا التأثير على حدّ قول امرئ القيس: «وَقِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ»،

حيث يبدأ بالوقوف على الأطلال، في صورة تعبّر عن حياة الارتحال وعدم الاستقرار. ويكشف هذا الشاهد عن ارتباط الشعر الجاهلي بالمكان والذاكرة، وعن كون القصيدة مرآة صادقة للبيئة الجاهليّة بكلّ قسوتها وحنينها.

ثانيًا: مكانة الشاعر في المجتمع الجاهلي

احتلّ الشاعر مكانة رفيعة في المجتمع الجاهلي، إذ كان لسان القبيلة والمدافع عن شرفها، والمعبّر عن قيمها في السلم والحرب. وكانت القبيلة تحتفل بولادة شاعر فيها، لما لكلمته من تأثير يعادل وقع السيوف. ويظهر ذلك على حدّ قول عنترة بن شدّاد: «وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي»،

حيث يجمع بين البطولة والفروسية من جهة، والعاطفة والشعر من جهة أخرى. ويُفهم من هذا أنّ الشاعر لم يكن مجرّد قائل شعر، بل رمزًا للقوّة المعنويّة والفكريّة، وصاحب دور اجتماعي مؤثّر.

ثالثًا: الخصائص الفنيّة للشعر الجاهلي

تميّز الشعر الجاهلي بجزالة الألفاظ، وقوّة الأسلوب، وصدق العاطفة، فجاء بعيدًا عن التكلّف والتصنّع. وقد عبّر الشاعر عن تجربته الحياتيّة بوضوح، مستندًا إلى الخبرة والمعاناة. ويؤكّد ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

«وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ»،

إذ يعبّر عن الحرب بواقعيّة صادقة، لا بمبالغة جوفاء. ويكشف هذا الشاهد عن نضج فكري وفنّي، جعل الشعر الجاهلي قريبًا من النفس، صادقًا في التعبير عن الحياة.

رابعًا: بنية القصيدة الجاهليّة

اتبعت القصيدة الجاهليّة بناءً فنّيًا متماسكًا، يبدأ غالبًا بالوقوف على الأطلال، ثم الغزل، فالرحلة، وصولًا إلى الغرض الرئيس. وهذا البناء يعكس تدرّجًا نفسيًا في تجربة الشاعر. ويتجلّى ذلك على حدّ قول طرفة بن العبد: «لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»،

حيث يستهلّ قصيدته بذكر الديار قبل الانتقال إلى سائر الأغراض. ويُظهر هذا الأسلوب وعي الشاعر ببنية النصّ، ويؤكّد أنّ القصيدة الجاهليّة لم تكن عشوائيّة، بل عملًا فنيًا قائمًا على نظام واضح.

خامسًا: أغراض الشعر الجاهلي

تنوعت أغراض الشعر الجاهلي بتنوّع حياة العرب، فبرز الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل والوصف، وكلّها كانت انعكاسًا مباشرًا لقيم المجتمع. ولم يخلُ الشعر من الحكمة والتأمّل في مصير الإنسان، كما يقول لبيد بن ربيعة: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ»،

حيث يعبّر عن رؤية فلسفيّة عميقة للحياة. ويكشف هذا الشاهد عن بُعد فكري وإنساني في الشعر الجاهلي، يتجاوز حدود القبيلة إلى التأمّل الوجودي.

سادسًا: المعلّقات وقيمتها الأدبيّة

تُعدّ المعلّقات قمّة الإبداع الشعري في العصر الجاهلي، لما تميّزت به من جودة فنيّة وثراء معنوي. وقد عُلّقت – رمزيًا – لمكانتها الرفيعة في الوجدان العربي. ويبرز هذا المستوى الرفيع على حدّ قول عمرو بن كلثوم:

«أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا»،

حيث يجمع بين الفخر والقوّة والاعتزاز بالقبيلة. وتدلّ المعلّقات على بلوغ الشعر الجاهلي مرحلة النضج والكمال الفني قبل الإسلام.

الخاتمة

وخلاصة القول، إنّ الشعر الجاهلي لم يكن مجرّد فنّ لغوي، بل كان سجلًّا حضاريًا وإنسانيًا حفظ تاريخ العرب وقيمهم ومشاعرهم. وقد أرسى هذا الشعر الأسس الفنيّة التي قام عليها الأدب العربي في العصور اللاحقة، من صدق التعبير، وجزالة اللغة، ووحدة البناء. وإذا جاء الإسلام ليهذّب الكلمة ويوجّهها، فإنّ الشعر الجاهلي بقي شاهدًا خالدًا على عبقريّة العربي في البيان، ودليلًا على أنّ هذه اللغة بلغت أوج نضجها منذ فجرها الأوّل، فاستحقّ هذا الشعر أن يُخلَّد بوصفه ديوان العرب وأصل تراثهم الأدبي.

الأستاذِ يوسفَ خطّارٍ أبو شقرا

النهضةُ العربية، كما تُعرفُ باسمِ اليقظةِ العربية، أو حركةِ التنويرِ العربية؛ هي الحالةُ الفكريةُ والاجتماعيةُ التي سادتْ أساسًا في مصرَ ولبنان، وامتدّت لتشملَ عواصمَ عربيةً أخرى كدمشقَ وبغدادَ وبيروتَ، خلالَ القرنِ التاسعَ عشر. بدأتْ في مستهلِّ القرنِ التاسعَ عشر، ويضعُ بعضُ المؤرخينَ العربِ تاريخَ بدءِ النهضةِ عامَ ١٧٩٨ بالحملةِ البونابرتيّة. ومن أبرزِ مظاهرها انتشارُ الطباعةِ، وظهورُ الصحافةِ ودورِ النشرِ، والتوسّعُ في إنشاءِ المدارسِ والجامعاتِ، وإحياءُ التراثِ العربيِّ وتحقيقُه، ونهوضُ اللغةِ من كبوتِها التي عرفتْها في عصرِ الانحطاط، وتفاعلُ الأدبِ العربيّ مع الآدابِ الغربيةِ تفاعلاً عميقًا أدى إلى ظهورِ فنونٍ أدبيةٍ جديدةٍ لم يكن لها في العربيةِ وجودٌ من قبل، كالأقصوصةِ والروايةِ والمسرحيةِ.
أفضتِ النهضةُ إلى إعادةِ انتشالِ اللغةِ العربيةِ مما طرأَ عليها من تقهقرٍ، وقدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرةِ الأولى منذ قرون. وعبرَ الجمعياتِ السياسيةِ بعثتِ النهضةُ مشاعرَ الهويةِ العربيةِ مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلادِ العربيةِ المختلفةِ والمطالبةَ بإصلاحِ الدولةِ العثمانيةِ ثم بروزَ فكرةِ الاستقلالِ عنها. رفعَ أغلبُ رجالِ النهضةِ شعاراتِ الثورةِ الفرنسيةِ، بالحريةِ والعدالةِ والمساواة، كما تأثروا تأثرًا بالغًا بفلاسفةِ عصرِ الأنوارِ الأوروبي. ومن أبرزِ النهضويينَ المُوحّدينَ الدروزِ كان الفقيهُ يوسفُ خطّارٍ أبو شقرا.
* مولدُه ونشأتُه
وُلِدَ يوسفُ أبو شقرا في بلدةِ عماطورَ، قضاءَ الشوفِ، محافظةَ جبلِ لبنانَ سنةَ ١٨٧٥. والدهُ السيدُ خطّارٌ أبو شقرا من أعيانِ بلدةِ عماطورَ. تلقّى علومَه في مدرسةِ القريةِ، ثم انتقلَ إلى مدرسةِ سوقِ الغرب، ومن بعدها انتقلَ إلى بيروتَ ليتابعَ دراساتِه العليا في مدرسةِ الحكمةِ سنةَ ١٨٩٢. بعد ذلك درسَ الفقهَ على يدِ الأستاذِ عباسِ حميه، وزاولَ مهنةَ المحاماةِ مدةً من الزمنِ في محكمةِ الشوف.
كان ضليعًا في اللغةِ الفرنسيةِ والإنكليزيةِ، وكان يقرأُ ويكتبُ في اللغةِ التركيةِ. تعلّمه لكلِّ هذه اللغاتِ جعلَ منه فقيهَ الجبل، كما كان أديبًا وشاعرًا وله العديدُ من المقالاتِ التي نُشرت في جريدةِ الصفا، الموجودةِ في أرشيفِ الجامعةِ الأميركيةِ في بيروت. وله قصائدُ وافرةٌ تؤلّفُ ديوانًا إذا جُمعت، ولكنَّ قضاءَ الله وقدرَه قدّرَ أن يتوفّى في ريعانِ شبابهِ سنةَ ١٩٠٤ عن عمرٍ يناهزُ تسعةً وعشرين عامًا، وله كتابٌ في التاريخِ طبعهُ الأستاذُ عارفٌ أبو شقرا بعدَ وفاته.
* مؤلّفاته
١- الحركات في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية
يوسفُ أبو شقرا، الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية، طباعةٌ خاصةٌ، بيروت، ١٩٥٢.
كتابُ “الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية” للأستاذِ يوسفِ خطّارٍ أبو شقرا، هو شهاداتٌ توحيديةٌ لنهضويٍ عاصرَ هذه الحقبة، وهي مخطوطةٌ مهمةٌ تلمُّ بحوادثِ لبنانَ وأحوالهِ. يُدلي بها من رواةِ الموحّدينَ الدروزِ شاهدٌ عيان، ويساهم بها واحدٌ من النهضويينَ الموحّدينَ لأول مرةٍ في تأريخِ لبنان، والمخطوطُ مؤلّفٌ من ٢٤٤ صفحةً.

مساهمات حرة