الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 24, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

مجموعة مآثر وعبر

براءةٌ مُزيَّفَةٌ وصراحةٌ مُنْجِيَةٌ

زارَ أحدُ الحُكّامِ سِجْنَ المدينةِ، فتفقَّدَ السجناءَ وسألَ أحدَهُم: ما ذنبُكَ؟
قالَ: لا ذنبَ لي، إنّما سُجِنْتُ ظلماً بتهمةِ القتلِ.
ثمّ سألَ الآخرَ فأجابَ كالأوّل، وهكذا حتّى وصلَ إلى الأخيرِ فسألَه: أأنتَ بريءٌ أيضاً كرفاقِكَ؟
فقالَ: لا يا مولاي، إنّما أنا قاتلٌ وسارقٌ وقاطعُ طريقٍ.
فهنا أمسكَهُ الحاكمُ بيدِهِ وأخرجهُ من السجنِ وقالَ له:
اذهبْ في سبيلِكَ، لأنّكَ لا تستحقُّ أن تكونَ بينَ هؤلاءِ الصالحينَ، لئلّا تُفسِدَ لهم أخلاقَهُم.

 

أحلامُ الموجِ وصخورُ الواقعِ

قالتْ موجةٌ لأُخرى، وهما معاً تتلاطمانِ في خِضَمِّ بحرٍ زاخرٍ بالأمواجِ العاتيةِ: أختاهُ، ما تظنّينَ سيكونُ وَقْعُنا متى بلغنا اليابسةَ؟
لا شكَّ أنّنا سنُزيلُ الجبالَ العاليةَ، ونقتلعُ الأشجارَ السامقةَ، ونغمرُ التلالَ المرتفعةَ والوديانَ السحيقةَ، ونبدّلُ معالمَ الأرضِ ونغيّرُ وجهَ المعمورةِ.
التفتتْ إليها الأخرى وأجابتها بتشاؤمٍ:
آهٍ يا أختاهُ من شططِ أحلامِنا، إذ لو كانَ ما تقولينَهُ حقيقةً، لكانَ الذينَ سبقونا من قبلُ، وقد كانوا الأجلَّ والأعظمَ والأقوى، قد أدركوا من أحلامِهم ما نسعى نحنُ اليومَ إلى إدراكِهِ.
فالخوفُ كلُّ الخوفِ يا أختاهُ أن نتحطّمَ ساعةَ نبلغُ النهايةَ، وما نحملُ من أحلامٍ وأمانٍ على صخورِ واقعٍ لطالما سمعنا عنها: صلبةً، ملساءَ، قاسيةً…

 

سرعةُ البديهةِ

جيءَ إلى الخليفةِ المأمونِ برجلٍ ادّعى النبوّةَ، فسألهُ: ما الدليلُ على نبوّتِكَ؟
فأجابَ الرجلُ قائلاً: الدليلُ أنّي أعلمُ ما في نفسِكَ.
قالَ: فماذا في نفسي الآنَ؟
قالَ: في نفسِكَ أنّي كذّابٌ!
فضحكَ المأمونُ وأمرَ بحبسِهِ أيّاماً، ثمّ دعاهُ وسألهُ: هل أُوحيَ إليكَ بشيءٍ؟
قالَ: لا، لأنّ الملائكةَ لا تدخلُ السجنَ!
فضحكَ المأمونُ، وقَبِلَ توبتَهُ وأخلى سبيلَهُ.

 

ليسَ كلُّ من في النورِ بصيراً

فبينما الجرذُ ينقُبُ في الترابِ ليتّخذَ لهُ في بطنِهِ حجراً، إذ خرجَ على صوتِ حركتِهِ خُلْدٌ، فقالَ له: يا هذا، أما يَسْلَمُ من أذاكم وإزعاجِكم، معشرَ الجرذانِ، أحدٌ لا فوقَ الأرضِ ولا تحتَها؟
التفتَ إليه الجرذُ وأجابَ: يا عزيزي، أما آنَ لكَ أن تملَّ وتسأمَ الإقامةَ في هذه الأنفاقِ المظلمةِ فتخرجَ إلى النورِ؟
فإنّ المرءَ في النورِ يُصيبُ ما لا يُصيبُهُ في الظلامِ.
تأفّفَ الخلدُ وقالَ: يا صديقي، لم تَعْدُ الحقَّ ولم تتجاوزِ الصوابَ، ولكن ليسَ كلُّ من أصابَ من الزهرةِ أنتجَ عسلاً، ولا كلُّ من عاشَ في النورِ كانَ ذا بصرٍ!

 

العُمقُ الحقيقيُّ والعُمقُ الزائفُ

وقفَ إنسانٌ على شاطئِ أحدِ البحارِ وهتفَ بملءِ صوتِهِ:
يا بحرُ، أنا مثلُكَ، كلانا عميقٌ، وكلانا يزخرُ باللآلئِ والجواهرِ، وعلى سطحِهِ تمخرُ مراكبُ الأحلامِ.
ضحكَ البحرُ وأجابَ بصوتٍ هادرٍ:
مخدوعٌ أنتَ أيّها الإنسانُ، فلستَ مثلي؛
فأنا أرمي بتفاهاتي على شاطئي، وأحتفظُ بنفائسي في أعماقي،
وأنتَ تقذفُ بنفائسِكَ على لسانِكَ، وفي أعماقِكَ تحتفظُ بالتفاهاتِ.
وأنا أحملُ فوقَ كاهلي سفنَ الأحلامِ،
فيما أنتَ لا تعدو أن تكونَ راكباً على متنِ إحدى سفنِ أحلامِكَ.

طليع حمدان

بين جمالية الصوت ورقّته وعمق الكلمة ونضارتها يترك طليع حمدان واحته المحمّلة بالظلّ وباقات حقوله المذهّبة بالشمس.. المليئة بالذكريات، وخربشات على جدران ذاكرة غصّت بها الأرواح، ليبدأ رحلته مع الخلود ويسدل ستارة إبداعه على مسرح الغياب، منهياً مسيرته الأسطورية وملقياً وشاح خياله على ناصية الزمن.
من خُلُقٍ سما به إلى مراتب الكمال الشعري وموج عبرت بين حناياه مراكب الجمال .. من قندول الفكرة ورحيق الزهرة جاء بقوافيه منشداً قصائده وأغانيه على وقع الترانيم المتناغمة مع مقامات الموسيقى السريانية والتسبيح الروحي للإنشاد المسيحي والتجويد القرآني الإسلامي، فكان بحقّ من أصفياء الشعر المختارين وأحد أبرز ملائكته المجنّحين.
غصنه الميّاد وفكره الوقّاد وصوته الشجي ولمعة خياله الراقي وفرحه الوردي السابح في عليّات الطبقات المجاورة للأنجم بكل أشكال بديعها وبيانها المليئة بالزخارف الفائقة الجمال.. صفات طوّبته شاعراً ساحر اللفظ، نادر الوجود.
رحل طليع حمدان محمّلاً رسالة الروح قصائد عاصفة ً باللّهب.. تائهة مختفية في جداول المـقام.. رحل مفجّراً في الشباب أعيناً تسقي المتعطّشين للشعر المرهف بكلّ ألوانه  الآتية من أفلاك الإلهام، ورسالة موقف في الحياة وأوتاراً لصوت انحنت أمامه الشواهق والقمم.. جاعلاً من قصائده مغناة حياته الزاخرة بكل ألوان البديع حتى أضحت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الوطن الجماعية، خلّدها الناس وجعلوا لها في قلوبهم مكانة ومنزلة.
توزّعت دواوينه على موضوعات الشعر الزجلي وأغراضه جميعها، وأتقن أساليب الحوار الشعري وأفانينه المبتكرة مُظهِراً قدرةً إبداعية ندر أن تجد لها نظيراً لدى أقرانه من الشعراء.
قتلني الشعر ع الورد النبيدي
دفنّي بزرّ غطاني بحنّي
أنا ربّي عجن فيي القصيدي
وتا خلّدها رجع فيها عجنّي
هو العابر لحدود الكيانات نحو آفاق العروبة والإنسانية بكل مظاهرها البيانية وسماتها العصرية بلغة متفرّدة غنيّة بالإيحاءات الجمالية..
هام بحبّ لبنان فغناه في السهرات والأمسيات وأقام لأجله الحفلات، وجاب المغتربات  منادياً بقيم الوفاء للوطن الأحبّ، معبّراً عن همومه وقضاياه، معيداً الحنين إلى نسائم البحر وجريان النهر وسقسقة السواقي بضفافها المغطاة بأشجار الحور وأزهار الربيع،  إلى الجبال والرواسي المنتشية بصلابة الأرز الخالد، تاركاً بصمة لا تمحى وذاكرة سوف يتردّد صداها ما بقي للمنبر أركان من خيال.
طليع حمدان، الشاعر الذي بسط في وجدانه  أجنحة تحمل روحه الشاعرية  وعصارة من خفقات قلبه الوطيدة تجاه رفاق الدرب من شعراء جيله
شبابي عندما طلّت فصولو
وربيعي عندما غطّى الحفافي
عليي تا الوحي بلّش نزولو
ما بنسى طلعت ع كتافك مسافة
مجّد بطولات الجيش والقوى الأمنية وأفرد لتضحيات اللبنانيين في مقاومة الاحتلال بحوراً من قصائده وأشعاره، ووقف مع شعب الجنوب ومعاناة وصمود أهله في مواجهة غطرسة العدوان، وحيّا شهداءه وأبطاله.. مستلهماً من عرس قانا فلسفة الإغريق وقيامة السيد المسيح !..
مدري أثينا بأرض مزروعة جمال
فيها مشي من جديد سقراط الحكيم
مدري وعي يللي إنصلب فوق التلال
وعاود مشي الفادي بشوارع أورشليم
غنّى فلسطين، وراح ينثر رائعات قوافيه حبّاً لشعبها وثوّارها وانتفاضتها صلوات رتّلها العنفوان وأناشيدَ ستبقى مناراً للأجيال القادمة في مسيرة النضال ضد الطغيان وجبروت الاحتلال
يا شعبنا تا أرفع جبيني
عطيني حجر من فضلك عطيني
وخذني على الضفة مع الأرياح
وهونيك بفلسطين خليني
ويا بايعين الكون كلّو سلاح
ما بتستريحوا ولا حدا بيرتاح
بأرض القدس.. تا ترفرف الرايات
ع دولة الشعب الفلسطيني
معيداً للذاكرة وقفاته المنبرية مع كبار الشعراء وبإنتمائه الوطني والعروبي والإنساني مفاخراً بنزعته التوحيدية وبالإنتماء لعشيرته المعروفية
جبت المصيبة يا ردى ما أسرعك
حتى إنت يا موت نشّف مدمعك
حمدان قلبك.. بالقصيدة دلّعك
وغير الطفولة بالمهد ما بتنفعك
إنكنّك طفل بتحبّ ترجع للحياة
بتحبّنا أطفال رجّعنا معك
يترجّل طليع حمدان، و يبقى صدى قصائده يتردّد في وديان لبنان وقممه مع كلّ شروق إرثاً لا يطويه النسيان.. ورسالةُ وطنٍ صِيغت بالقوافي، فما زرعه لم يكن مجرد حروفٍ قيلت، بل كانت نبضاً من روح الأرض لا يعرف الغياب إليه سبيلاً.

وطن الفتن والمحن في الرابطة الثقافية

شدّد مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد على أننا، وإن كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليمية والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ولتعزيز مفهوم المواطنة بالتوازي مع التمسك بالمبادئ الأساسية التي قام عليها لبنان، وهي: التنوع، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الإبداع.فقد رعى الدكتور الصمد باسم وزارة الثقافة لقاءً بدعوة من الرابطة الثقافية وكلية الآداب في جامعة الجنان والندوة الشمالية ومركز صلاح الدين للثقافة والإنماء ودار المحجة البيضاء وجمعية الوفاق الثقافية، لعرض ومناقشة موسوعة «وطن الفتن والمحن: لبنان بين ألم التاريخ وأمل الغد» للدكتور حسن قبيسي، الذي أقيم في قاعة مؤتمرات الرابطة الثقافية في طرابلس.ألقت فرح صفوح يكان كلمةً نوّهت فيها بالكتاب والمشاركين، ثم ألقت قصيدةً تناولت فيها المؤلف وقيمه الأدبية، كما أشارت إلى الكتاب قيمةً ومضموناً، وعرضت لمؤلفات الدكتور حسن، مؤكدة رعاية وزارة الثقافة للمناسبة والكتاب، ومشيرةً إلى حرص المدير العام الصمد الدائم المتعدد الجوانب.
وممّا جاء في كلمة مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد: نلتقي لنناقش كتاب موسوعة للدكتور (حسن محمود قبيسي)، يتصدّى لدراسة المقوّمات التاريخية والجغرافية للبنان، بالإضافة إلى خصائصه الديموغرافية، وإلى سائر الموضوعات المتصلة بالفكر السياسي والعلاقات الدولية.
وبما أنه بات معلوماً أن عدداً لا بأس به من الباحثين والمفكّرين قدّموا مساهمات في هذا الكتاب، فإنني – من ناحيتي – سأتوقّف عند سؤال ما انفكّ يشغلني، ويندرج بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن موضوعات الكتاب، ألا وهو: لماذا منذ نشأة لبنان ما زالت تتكرّر حروب ونزاعات وصراعات على امتداد الجغرافية اللبنانية؟

ما هي أسباب تلك الحروب؟ وهل ثمّة سبيل لبناء دولة يُنزَع فيها المسبّبات الداخلية للحروب؟
وهل ممكن تحييد لبنان عمّا يجري في الإقليم عامّةً، وما يحصل على أرض فلسطين من حرب إبادة مستمرّة منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948؟

لن أجيب على كلّ هذه الأسئلة في مداخلتي هذه، لأن الوقت لا يسمح بذلك، ولأنني أفترض أن الكتاب الذي بين أيدينا قد قدّم قراءات لما سبق وطرحته. غير أنني سأتوقّف لأستعيد أبرز القراءات للحرب اللبنانية عام 1975، التي ما زالت – في اعتقادي – ضروريّة للإحاطة بما يجري اليوم من انقسامات، وما نواجهه من تحدّيات.

لقد تمّ تطوير نظريّتين أساسيّتين لقراءة وتحليل أسباب الحرب اللبنانية:
النظريّة الأولى: تركّز بشكل أساسيّ على العوامل الداخلية المرتبطة بطبيعة النظام السياسيّ اللبنانيّ التوافقيّ، الذي ينتج عنه تفاوُت أو عدم مساواة على الصعيد السياسيّ بين المكوّنات الطائفيّة اللبنانية، وفوارق اجتماعيّة واقتصاديّة، ولاسيّما بين المركز والمناطق الطرفيّة.

النظريّة الثانية: ترى أن الحرب اللبنانية هي ترجمة أو امتداد للصراعات الإقليميّة، مسلّطة الضوء بشكل خاصّ على العوامل الخارجيّة والإقليميّة المرتبطة بالجيوبوليتيك على مستوى المنطقة، وعلى تدخّل اللاعبين الإقليميّين أو الدوليّين في الشؤون الداخليّة للدولة اللبنانيّة.

وإلى هاتين القراءتين، ثمّة نظريّة ثالثة دعمها عدد كبير من الباحثين، وأنا شخصيّاً أميل إليها، وتقوم على التفاعل بين العوامل الإقليميّة والداخليّة أو المحلّيّة. وتندرج ضمن منطق تاريخيّ مرتبط بعدم اكتمال عمليّة بناء الدولة اللبنانيّة من جهة، وبتداعيات الصراع العربيّ – الإسرائيليّ من جهة أخرى.

 

 

اليوم، وبعد مرور خمسين عاماً على اندلاع الحرب اللبنانية، ما زالت البلاد تواجه نفس التحدّيات، ولاسيّما على ضوء الحرب الإسرائيليّة الأخيرة المستمرّة على لبنان. فثمّة حاجة حقيقيّة لقراءة موضوعيّة للمرحلة، بهدف تحديد الخيارات واتّخاذ القرارات التي تحفظ السلم الأهليّ في لبنان، وتسهم في تعزيز قوّة الدولة، الأمر الذي من دونه لا يمكن تحقيق أيّ نهوض اقتصاديّ أو ماليّ.

وإذا كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكّان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليميّة والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهليّ والوحدة الوطنيّة، ولتعزيز مفهوم المواطنة، بالتوازي مع التمسّك بالمبادئ الأساسيّة التي قام عليها لبنان، وهي: التنوّع، وحرّيّة التفكير، وحرّيّة التعبير، وحرّيّة الإبداع.
عميد كلّيّة الآداب في جامعة الجنان، الدكتور هاشم الأيّوبي، عرض لالتزامات الكاتب ومعايشته محن الوطن الذي شاء أن يؤرّخ ما عاش، معتبراً أن المحنة تنتهي، أمّا الفتن فلا تنتهي. وأشار إلى أن المؤلّف اتّخذ صفة المؤرّخ، فغاص عميقاً في مهمّة أساسيّة ومعقّدة في مرحلة تاريخيّة من مراحِل الأمّة.

ولفَت إلى أنّه في عصرنا، بعد تقسيم البلاد العربيّة وحياتنا في مرحلة خطرة، تعيش الأمّة صراعات فلسطين في قلبها، مع حرب إبادة، ولُبنان لا بدّ أن يتحمّل، وقد تحمّل أكثر ممّا يتوقّعون، من المِحَن التي ساهم الكاتب في توثيقها بموضوعيّة.
كما استعرض الدكتور الأيّوبي ما يجري في غزّة، ودور المؤرّخ المُلتَزِم في تدوين الواقع لإيصال رسالة التاريخ، كما يدوّن وقائع لبنان. وأكّد أنّه في التحليل اكتسب قيمةً بحُجَج وبَرَاهِين موثوقة، إذ استحضر الوقائع والمستندات والبَرَاهِين حول سعْيِ العدوّ إلى تقسيم الدول العربيّة، وسعْيِهِ إلى تسييج نفسه بكيانات شبيهة له – أيِ العدوّ – في سياق كتابيّ تاريخيّ.

وشدّد الدكتور الأيّوبي على أهمّيّة دور المثقّفين الكبير، والمسؤوليّة المُلْقاة على عاتِقِ المؤرّخين لتعميم ما يقوم به العدو. تناول الشيخ أحمد عاصي في مداخلته واقع لبنان «بلد الفتن والمحن»، مُلَخِّصاً تجربته في المشاركة في كتابة هذه الموسوعة عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة. وتحدّث عن لبنان، هذا الوطن الغريب بتركيبته، وعن النظرة إلى التاريخ وإلى المسألة، وعن وجهة النظر وكتابة التاريخ من خلال كلّ جزء من أجزاء هذا الوطن.

ولفَت إلى أنّ أهمّيّة الموسوعة أنّها نظرت إلى هذه الأجزاء وخرجت منها بصورة الكلّ. وأضاف: «أنّ كتابتي كانت عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة، وتوخّيت فيها رصد الأحداث وتسلسُل الوقائع بموضوعيّة، بعيداً عن وجهة نظري الشخصيّة التي ربّما تأخذني بعيداً عن الموضوعيّة والشفّافيّة». ثمّ ختم قائلاً. وفي الختام، تحدّث المؤلّف الدكتور حسن قبيسي، مشيراً إلى أنّ التاريخ تضمّن تمويها للأحداث في المنطقة وتغييراً لأسباب الحروب التي كانت تقف وراءها أسباب كبيرة، حاول السرد تأويلها وتسخيفها.

وأكّد أنّ الإنسان هو من يصنع التاريخ، وعَلَيْهِ أن يصنع في حاضرِهِ ما يخدم غدَهُ، وأنّه يجب أن نعرف أنفسَنا لنعرف أسباب التحوِّلات.

 

معرض رُؤى محدَّبة

لا زالت أصداءُ معرَض رُؤىً مُحدَّبَة وأسلوبُه الفنّي للفنّانةِ هناء عبد الخالق تتوالى عبرَ مقالاتٍ نقديّةٍ ورُؤى تحليليّةٍ جديدة. وهو معرَض استندَ إلى فكرةِ المرايا المُحدَّبة الّتي تجعلُ المُتلقي يرى الوَهمَ والحقيقةَ معاً، يُدرِكُ الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد، فالصُّورةُ قد تتضخَّم أو تتقلَّص إبداعيّاً حسب زاويةِ المشاهدة.

وقد كتبَ الفنّانُ القدير حسن جوني سابقاً عن المعرَض:
«د. هناء عرَفت كيف يكون معرَضها مرايا لذواتِنا المُنقَّبة عن كلِّ جديد، نُثبِت به قدرتَنا على خَلق ما يدور في سريرتنا، نحن الباحثون معها عن الجمال والكمال».

أمّا النّاقد أحمد بزون فيرى أنّ:
«بينَ المرايا المُحدَّبة والرُّؤى المُحدَّبَة مسافةٌ شعريّةٌ في التَّسمية، ومفارقةٌ تشكيليّةٌ في بناء المشهد الرِّيفي أو المدني، الخاضع للّعبة الِّتي ابتكرتها الفنّانة هناء عبد الخالق. فمجرّدُ التَّفكير في هذا الموضوع يُعتَبَر خوضاً في هدفٍ مهمّ، هو تقريبُ الفنّ من الحياة المعاصرة… ومن خلال هذا الأسلوب تشدُّ الفنّانةُ الانتباهَ إلى تحويلِ المشهد من واقعيّة فسحات الطَّبيعة أو شوارع المدينة ورومانسيّتها، نحو تعبيريّةٍ تسلبُ المشاهدَ وتَجتذبُ اهتمامه. فالشَّكلُ الدَّائري لبعض اللَّوحات بحدّ ذاتِه نبعُ حركة، وكَسرٌ للشَّكل التَّقليدي للّوحة، كما أنّ الانحناءاتِ القوسيّة تجعلُ الأبنيةَ والأبراجَ تنتقِل من شكلِها الجامد إلى مساحةٍ تضُجُّ بالألوان والأفكار والأحلام».

توالت أعمالُ الفنّانة عبد الخالق بهذا الأسلوب، خاصّةً بعد انفجار مرفأ بيروت، لتُصبِحَ الدَّائرةُ مساحةً مُلهِمة تحتضنُ الأشكالَ الهاربةَ من الدَّمار وتحملُ في طيّاتها الكثيرَ من الرَّمزيّة والتَّأمّل. وتُؤكّدُ الفنّانةُ أنّ المهمَّ في أعمالها هو التَّعبيرُ العميقُ والرُّؤيةُ الفلسفيّةُ الجماليّة، لا الرِّسالةُ المباشِرة.

واليوم، يُضيء النَّاقد خالد البغدادي عبرَ مقالٍ عن تجربةِ الفنّانة في جريدة القاهرة.

 

هناء عبد الخالق
رُؤى مُحدَّبَة ..!!
كتب د/ خالد البغدادي
«(المرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الوَهمَ والحقيقةَ معاً.. ترى الخيالَ والواقعَ في آنٍ واحد..!!)»

لعلّ تلك العبارة الَّتي ذكرتْها الفنّانة هناء عبد الخالق في التَّعليقِ على أحد معارضها تكون هي المدخلَ الصَّحيحَ للدُّخول إلى عالمها وفَهم أعمالها الفنيّة، فهي دائماً ما تبحث عن زاويةِ رؤيةٍ مختلفةٍ ومغايرةٍ للوصول إلى حالةٍ من الدَّهشة والجاذبيّة البصريّة.

الحقيقة أنّها عضوٌ فاعلٌ في المشهدِ الثَّقافيّ اللُّبناني، فهي باحثةٌ وفنّانةٌ تشكيليّة، وأستاذةٌ جامعيّة، وعضوٌ في نقابةِ الفنّانين التَّشكيليّين اللُّبنانيّين، وأمينُ سرِّ جمعيّةِ الفنّانين اللُّبنانيّين للرَّسم والنَّحت منذ عام 2019 وحتّى الآن. كما شاركت في العديد من المعارض الفرديّة والجماعيّة في دولٍ عربيّةٍ وأوروبيّة مثل: مصر، الأردن، باريس، وغيرها.

ولها العديدُ من المقالات والدِّراسات المنشورة في الصُّحف اللُّبنانيّة والعربيّة، منها: بحث بعنوان «مفهوم التَّلقّي وإشكاليّة التَّربية الفنيّة.. لبنان نموذجاً – الثَّقافة التَّشكيليّة تخرج من الشَّرنقة إلى عالم التَّواصل»، ومقال عن فنّ التجهيز: إشكاليّة العلاقة بين المبدع والمتلقِّي، وموضوع بحثي بعنوان «الإنسانيّة بديلاً عن النَّسويّة في الفنّ والحياة».

 

مِرآةٌ مُحدَّبَة
عندما يسيطرُ حُبُّ الفنِّ على ذاكرةِ الإنسان، فإنَّه يسرقُه من ذاتِه ومن عالمِه، ويضعُه في سياقٍ إنسانيٍّ مختلفٍ ومُغاير، لأنَّ للفنِّ طاقةً تأثيريّةً روحيّةً وأثيريّةً تُسيطر على وعيِ الفنّان. فعندما تُناديكَ فكرةٌ ما وتسيطرُ عليك حتّى تأخذَك بعيداً عن هذا العالم، وتضعكَ في عالمٍ موازٍ ربّما لا يُدرِكُه الآخرون ويُدرِكُه أنتَ وحدَك، حتّى يستغرقَك ويملأَك، وهنا تتحوَّل (هواية) الفنِّ إلى (غواية) لا تستطيعُ الانفكاكَ منها ..!!
والفنّانُ بطبيعتِه هو أكثرُ المخلوقاتِ حساسيّةً في التَّفاعلِ والتَّعامُل مع مفرداتِ الكونِ المُحيط؛ حيث يُدرِك عقلُه التَّفاصيلَ، ويرصُد بصرُه المتغيِّرات، وتستشرِف بصيرتُه التَّحوّلاتِ الثَّقافيّة / والاجتماعيّة / والأيديولوجيّة حتّى قبلَ حدوثِها أحياناً ..!!

لذا فهي دائمةُ البحثِ والتَّجريبِ في بناءِ تكوينٍ فنّيٍّ جديد. إنَّه نوعٌ من التَّفكيرِ العقلي والتَّفكيرِ البصري. وفي هذا السّياق جاءت تجربتُها الفنّيّة الَّتي حملت عنوان (رُؤى مُحدَّبَة)، فالمرآةُ المُحدَّبة تجعلكَ ترى الأشياءَ بشكلٍ مُغاير، إنّها تجعلكَ ترى الحقيقةَ والوهمَ معاً. فزاويةُ الرُّؤيةِ المختلفةُ والمُغايرةُ وغيرُ التَّقليديّة هي الَّتي يبحثُ عنها كلُّ فنّانٍ طوالَ حياتِه الفنّيّة، والفنّانُ الَّذي يصلُ إلى هذه الرُّؤيةِ الجديدةِ والمُغايرة يكونُ قد حصلَ على شيءٍ ثمين. الفنّانُ الحقيقيُّ هو بالضّرورة فنّانٌ متأمِّل، لكنَّه يتأمَّلُ بعقلِه وروحِه أكثرَ ممّا يتأمّلُ بعينَيه ..!!

في محاولةٍ منها للإعلانِ أنّها لم تعُد تُقيِّدُ نفسَها برسمِ الأشكالِ والرّموز أو المفرداتِ الطَّبيعيّة الَّتي حولنا، بل تحرَّرت من تلك الزّاوية الضَّيّقة الَّتي يَحبِسُ البعضُ أنفسَهم فيها، والخروج من فكرة (المُحاكاة) لظواهرِ الطّبيعة إلى فكرةِ التّعبير والانطلاقِ في رحابةٍ وفضاء الفنّ. كما نُلاحِظ أنّ اللَّونَ يلعبُ الدَّورَ الرّئيسَ في بناءِ أعمالِها الفنّيّة، وفي طريقةِ تفكيرِها بصريّاً وتشكيليّاً، حيث تصلُ إلى حالةٍ من الغنائيّةِ اللَّونيّة ..!!
كما واصلت تجاربَها الفنّيّة والبصريّة في معرَض (أحلامٌ في زمنٍ هارب)، وأيضاً في تجربة (المرأة والمنطاد)، وهي تجربةٌ نوعيّة في محاولةٍ لرؤيةِ الأشياء بشكلٍ مختلف: إمّا من منظورِ عينِ الطَّائر الَّذي ينظرُ من أعلى إلى أسفلَ بزاويةٍ حادّةٍ للرُّؤية، أو من منظورِ الشَّخصِ الواقفِ على الأرض ويتطلّعُ ببصرِه إلى السّماء في زاويةِ رؤيةٍ مُنفَرِجةٍ من أسفلَ إلى أعلى. كما تتعامَل مع شكلِ ومفهومِ المرأة في أعمالِها الفنّيّة من خلالِ بُعدٍ إنسانيّ، لا من خلالِ الحضورِ الجسدي، فهي فكرةٌ ومعنى أكثر من كونِها مادّةً حسّيّةً للإثارة ..!!

ثمّ وصلت في تفكيرِها البصري إلى فكرةِ الدَّائرة الَّتي تمثِّل الكونَ كلَّه، فالكونُ والكواكبُ والمجرّاتُ وكلُّ شيءٍ حولَنا يتحرّكُ في دوائر. فالدَّائرةُ هي الشَّكلُ الهندسيّ المُكتمل، حيث كلُّ نقطةٍ فيها تُمثِّلُ نقطةَ بدايةٍ ونقطةَ نهايةٍ أيضاً. ومن يتأمَّل في أعمالِها سيجد خطّاً فكريّاً / وفنّيّاً متَّصلاً ومُتواصِلاً، وبحثاً بصريّاً / تشكيليّاً متوالِياً، حيث تحوَّلت (المرآة المُحدَّبة) إلى (دائرة).. والدائرةُ تحوَّلت إلى (منطاد) ..!!

 

 

فَنُّ التَّجهيز في الفَراغ
ولأنَّها مُتفاعلةٌ مع هُمومِ وقضايا وطنِها، نجدُها دائماً حاضرةً في كلِّ ما يمرُّ به من منعطفاتٍ ومنحنيات. وما كان لها أن تَصمُت بعدَ تفجيرِ مرفأ بيروت، هذا التَّفجيرُ المُدوّي الذي كاد أن يُوديَ بالمدينةِ كلِّها، المدينةِ الَّتي تمثِّل درّةَ المتوسِّط. فصرخت بألوانِها ولوحاتِها، وعبَّرت بخطوطِها عن هذا الكمِّ الهائلِ من الألمِ والمحنة. فماذا يمتلكُ الفنّانُ في النّهاية غيرَ فرشاته وألوانِه وروحِه المُتّقدة الَّتي تتفاعلُ مع الألم وتحوِّلُه إلى محبّةٍ وهِبةٍ للخلاص؟
ورغم أنّها بالأساس مُصوِّرة، وتمثِّلُ اللّوحةُ الفنّيّةُ العمودَ الفقريَّ في مشروعِها البصري، إلّا أنّ لها العديدَ من التّجارب الفنّيّة المتميّزة في مجالِ التَّجهيز في الفراغ (Installation)، الَّذي كتبت فيه العديدَ من الدّراسات، وأصدرت كتاباً مُتخصِّصاً في هذا النّوع من الفنّ.

ولعلَّ أبرزَ أعمالِها في هذا السّياق جاءَ العملُ المُعَنون (صرخة ضدّ الحرب)، وهو عملٌ نوعيٌّ ضخم، عبارة عن تجهيزٍ في الفراغ على امتداد 21 متراً، مُكوَّن من عدّة أقفاصِ حَبسٍ كبيرة، سُجِنَت فيها بقايا قذائف ومخلّفات حربيّة، وأجزاء وأشلاء من الحرب الأهليّة جُمِعَت من أكثرَ من مكان، لتصرخ ضدَّ العنف والموت والدّمار، وللتَّنديد والتَّحذير من الحرب الَّتي يخسرُ فيها الجميع ولا يربحُ فيها أحد.

وبعدَ انفجارِ مرفأ بيروت جاءَ عملُها النَّوعيّ الجديد بعنوان (متاهة وطن)، وهو تفكيرٌ مُجسَّم ثلاثيّ الأبعاد، حيث قامت بصلبِ خريطةِ لبنان على الصَّليب بدلاً من السيّد المسيح، في دلالةٍ رمزيّةٍ واضحة.. وكأنّها صرخةٌ للأملِ والخلاص والتَّحذير في آنٍ واحد. ومن يتأمّل خريطةَ لبنان جيّداً سيكتشف أنّها تُمثِّل من الجانب (البروفيل) وكأنَّها وجهُ إنسانٍ يصرخُ بكلِّ قوّةٍ في الفراغِ المطلق. إنّ أعمالَها الفنّيّة سلسلةٌ من التّجاربِ الفنّيّة والإنسانيّة في الحُلم والضّوء.

الفَقرُ والمَوتُ يَدوران في دائِرَةٍ مُبهَمة
هذا العملُ الفنّي هو رَدّةُ فعلٍ مُؤلِمة، تتأرجَحُ بين الواقعيّة والعبثيّة.
فالواقعيّةُ تتجسّدُ بالفَقرِ المُثبَّت بالهِجرةِ غيرِ الشّرعيّة،
والعبثيّةُ في تشتّتِ عائلةٍ برؤيةِ مرآةٍ مُحدَّبةٍ مُهشَّمةِ الأجزاء، مُتناثِرةٍ في أرجاءِ اللّوحة ..!!

اللجنة الثقافية تكرّم الإعلامي والأديب راجح نعيم

برعاية وحضور سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، نظّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز حفلاً تكريمياً للشاعر والأديب والصحافي الأستاذ راجح نعيم، عضو اتحاد الكتّاب اللبنانيين، وذلك في دار طائفة الموحدين الدروز في فردان.

حضر الحفل، الذي أُقيم ظهر يوم السبت في 29 تشرين الثاني 2025، جمعٌ من الشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية، تقدّمهم ممثّلون عن الهيئات الرسمية والروحية.

 

كلمات الحفل
استُهلّ الحفل، الذي أداره العميد الدكتور غازي محمود، بكلمة ترحيبية، تلتها كلمة رئيس اللجنة الثقافية فضيلة الشيخ وسام سليقا. وتوالت الكلمات لكلٍّ من الأستاذ الدكتور ميشال كعدي، والعميد الدكتور محمد شيّا، والصحافي الأستاذ صلاح سلام، حيث أشاد الخطباء بمسيرة المحتفى به.

وفي كلمته، أضاء الأستاذ الدكتور ميشال كعدي على الجانب البلاغي والجمالي في أدب المحتفى به، واصفاً إيّاه بـ«صائغ الجواهر المرقومة». وقال كعدي: «عندما أتكلم على الشاعر والأديب راجح نعيم، تغمرني غبطة على وفرة وتوفية، وغدُ التماسك، وكِبَر في أدب من شأنه إفصاح»، مؤكداً أن «البلاغة في كل يوم لها جولة في قلبه، ولا أذن له إلا إصغاء».

من جانبه، قارب العميد الدكتور محمد شيّا سيرة المكرَّم من زاوية إنسانية وفلسفية، مشبّهاً إيّاها بسيرة «توم باري» في رواية «يوميات رجل عادي» (The Diary of an Ordinary Man). وأشار شيّا إلى أن «البطولة الحقيقية هي بطولة القصة القصيرة… بطولة أن يحيا الإنسان حياة عادية ويحقق لذاته إنجازات ذات معنى»، معتبراً أن راجح نعيم يمثل هذا النموذج من «بطولة الصبر والتحدي» الذي يشبه سير «الأجاويد».

أما الصحافي الأستاذ صلاح سلام، رئيس تحرير جريدة اللواء، فقد وضع تكريم نعيم في سياق المواجهة الثقافية مع ما أسماه «نظام التفاهة». وقال سلام: «إذا كانت هذه الحقبة على مستوى العالم، كما وصفها الفيلسوف آلان دونو، هي (نظام التفاهة) حيث يحل الوهمي محل الحقيقي… فإن تكريم الصديق الأستاذ راجح نعيم هو بمثابة السباحة عكس تيار التفاهة»، منوهاً بتمسّك نعيم بالكلمة الصادقة والرصينة في زمن «تحوّل البشر إلى زبائن في أسواق العولمة».

 

كلمة المحتفى به:
وفي الختام، ألقى الأستاذ راجح نعيم كلمة شكر لصاحب الرعاية والمجلس المذهبي، مستعرضاً محطات من مسيرته المهنية التي شملت رئاسة تحرير «المقتطفات» لخمسين عاماً، وإعداد البرامج الإذاعية، وتأليف الكتب. وأكد نعيم أن عمله كان مستقًى «حقاً وصدقاً من عقيدة التوحيد» التي تُلزم معتنقها بالصدق في القول والعمل. وعلى الصعيد الوطني، جدّد نعيم قناعته الراسخة بأن «الدين لله والوطن للجميع»، منتقداً النظام الطائفي الذي «لم ولن يبنِ دولة مؤسسات وقانون»، وداعياً إلى المواطنة الحقة بعيداً عن «أشكال الحكم الطائفي والمذهبي». كما خصّ الحضور بقصيدة حيّا فيها تاريخ الموحدين الدروز ومواقفهم الوطنية.

واختُتم الاحتفال بكلمة جامعة لصاحب الرعاية سماحة شيخ العقل الدكتور سامي أبي المنى، استعاد فيها أبياتاً كان قد خصّ بها المكرَّم سابقاً، قائلاً: «إن قيل من تعني أجبتُ مباركاً: هو راجح العقل المكرَّم راجح». وأكد سماحته أن لهذا التكريم دلالة على «تقديرنا للعطاء والأدب»، ورمزية خاصة لكونه في دار الطائفة التي تحتضن أبناءها «المحافظين على هوية الآباء والأجداد». ونوّه سماحته بمزايا المحتفى به قائلاً: «نُكرِّمه لتمسّكه بالهوية التوحيدية الإسلامية العربية، ولمواقفه الوطنية ونضاله الدائم من أجل القضية الفلسطينية»، داعياً الجيل الصاعد إلى الاقتداء بتجربته والتمسّك بأخلاق المهنة في زمن طغت فيه «هشاشة المسموع والمنظور» في وسائل التواصل على «فخامة المقروء».

كما تلقّى الأستاذ راجح نعيم درعاً تكريمية من رئيس اتحاد الكتّاب اللبنانيين الدكتور أحمد نزال، ومن عائلة الأديب الراحل نجيب البعيني، متوجّهةً إليه بكلمة وجدانية.

إيفون خويص عبد الباقي
مسيرة امرأة من جذور لبنانية إلى أفق القيادة الأممية

مقدمة

في زمنٍ تتعقّد فيه الأزمات الدولية وتتشابك الصراعات السياسية والإنسانية، يبرز البحث عن شخصيات دبلوماسية قادرة على الجمع بين الخبرة، والبعد الإنساني، والرؤية السلمية. وفي هذا السياق، يتقدّم اسم إيفون خويص عبد الباقي، الدبلوماسية الإكوادورية من أصول لبنانية، كأحد الأسماء المطروحة بجدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عند انتهاء ولايته في أيلول 2026. سيرة عبد الباقي تختصر رحلة استثنائية بدأت من الاغتراب اللبناني، مروراً بالفن والثقافة، وصولاً إلى أعلى المستويات الدبلوماسية والسياسية في العالم.

 

المولد والنشأة

وُلدت إيفون خويص في 23 شباط 1950 في جمهورية الإكوادور، لعائلة لبنانية مهاجرة. والدها فؤاد خويص هاجر من قرية بتاتر في قضاء عاليه، وبدأ حياته من الصفر بائعاً للموز في شوارع غوياكيل، قبل أن ينجح لاحقاً في تأسيس أعمال زراعية واسعة. أما والدتها إنعام أبو شقرا، فهي مهاجرة لبنانية من بلدة الهلالية في قضاء بعبدا.

نشأت عبد الباقي في بيئة جمعت بين القيم اللبنانية المتجذّرة والانفتاح الثقافي لأميركا اللاتينية، ما أسهم في صقل شخصيتها بثقافات متعددة منذ طفولتها.

 

المرحلة التعليمية وبدايات التكوين الفكري

أظهرت عبد الباقي ميولاً مبكرة نحو الفنون، فدرست الرسم والفنون ونالت إجازة من معهد السوربون في باريس، كما تابعت دراسات فنية في باريس ولندن وألمانيا.

وفي مرحلة لاحقة، اتجهت إلى تعميق معرفتها في الشأن العام، فنالت عام 1993 درجة الماجستير في الإدارة العامة من Harvard Kennedy School، ما شكّل نقطة تحوّل أساسية في مسيرتها المهنية، وربط بين اهتمامها الثقافي ورؤيتها السياسية. وهي تجيد خمس لغات، وتكتب الشعر بثلاث منها.

 

الحياة الأسرية

تزوجت إيفون خويص من الدكتور سامي عبد الباقي، الناشط في مجال الأعمال والعقارات، ولديهما ثلاثة أبناء: محمد، فيصل، وتاتيانا. وعلى الرغم من انشغالاتها الواسعة، حرصت دائماً على إبقاء الأسرة محوراً أساسياً في حياتها، معتبرة أن الاستقرار العائلي شرط لنجاح أي تجربة عامة.

 

من الفن إلى العمل العام

دخلت عبد الباقي الحياة العامة من بوابة الفن والثقافة، حيث شغلت عام 1990 موقع الفنانة المقيمة في جامعة هارفارد، ودرّست الفن فيها. وأسست لاحقاً مبادرة «الفن من أجل السلام»، التي نظّمت معارض في دول تعاني من نزاعات، إيماناً منها بدور الثقافة كجسر بين الشعوب.

كما أسست في الإكوادور مؤسسة «بلا حدود»، التي ركزت على دعم القطاع الصحي والاجتماعي.

 

المسيرة الدبلوماسية ودور صناعة السلام

برز نجم عبد الباقي دبلوماسياً خلال تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما مع دورها في إنهاء النزاع بين الإكوادور والبيرو عام 1998، بعد صراع دام أكثر من خمسين عاماً، حين كانت مستشارة للرئيس الإكوادوري اللبناني الأصل جميل معوض.
لاحقاً، شغلت منصب سفيرة الإكوادور في واشنطن، حيث بنت شبكة علاقات دولية واسعة، كما مثّلت بلادها سفيرة في قطر، العراق، الأردن، لبنان، سلطنة عُمان، سوريا وفرنسا، واكتسبت خبرة معمّقة في الملفات الإقليمية والدولية. وهي أيضاً عضو في مجلس السلام الدولي.

 

العمل السياسي والمناصب الرسمية

تولّت عبد الباقي بين عامي 2003 و2005 منصب وزيرة التجارة الخارجية والصناعة والتكامل الاقتصادي والصيد البحري والتنافس في الإكوادور. كما ترشّحت لرئاسة الجمهورية، في خطوة عكست حضورها السياسي.

وفي عام 2006، فازت بعضوية برلمان دول الأنديز، وانتُخبت عام 2007 رئيسة للبرلمان بالإجماع، ما شكّل محطة بارزة في مسيرتها السياسية الإقليمية.

 

 

 

الحضور الدولي واليونسكو

عام 2009، كانت عبد الباقي مرشحة لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو في باريس، قبل أن تنسحب في المراحل الأخيرة. ولاحقاً، عيّنتها المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا سفيرة للنوايا الحسنة، تقديراً لدورها في تعزيز الثقافة والسلام.

 

زيارتها الى لبنان

في السادس والعشرين من كانون الأوّل عام ٢٠٢٥، وفي مناسبة حزينة تمثّلت بوفاة المأسوف على شبابه المهندس غازي عصام عبد الباقي، وهو من أقارب السيدة إيفون خويص عبد الباقي، زارت السيدة إيفون بلدتها الأم عينبال. ولم تكن الزيارة مجرّد حضور عابر في لحظة ألم، بل عودةً صادقة إلى الجذور الأولى، وإلى ذاكرة المكان الذي لا يغيب مهما ابتعدت المسافات.

وكان في استقبالها أبناء البلدة بفيضٍ من المحبّة والترحاب، معبّرين عن اعتزازهم بابنتهم، وعارضين عليها إقامة استقبال رسمي يليق بمكانتها ودورها، غير أنّها رفضت ذلك بتواضعٍ كبير، مؤكدة أنّها بين أهلها وفي بلدتها، ولا تحتاج إلى مظاهر رسمية. وقد ترك هذا الموقف أثراً بالغاً في نفوس الحاضرين، لما حمله من بساطة وانتماء وصدق.

وفي أحاديثها العفوية مع الأهالي، شدّدت السيدة إيفون على أنّ عينبال لم تغب يوماً عن قلبها، وأنّها كانت وستبقى نقطة الارتكاز في مسيرتها الإنسانية والوطنية، فبدت البلدة في تلك اللحظات كأنها تستعيد إحدى بناتها بالحضور لا بالجسد فحسب، بل بالوفاء والانتماء. وقد لامس كلامها وجدان أبناء البلدة، فوجدوا فيه وعداً غير معلن بأنّ المرحلة المقبلة ستكون حافلة بالتواصل والعمل المشترك، بعيداً عن الشعارات، وقريباً من هموم الناس وتطلّعاتهم.

كما وعدت بأن تعود إلى عينبال في أقرب فرصة ممكنة، لتُعلن ترشيحها منها، تماماً كما أعلنت ترشيحها من وطنها الثاني الإكوادور، في دلالة واضحة على وحدة الانتماء بين الأرض الأم والمهجر، وعلى أنّ الوطن لا يُختصر بمكان واحد، بل يتّسع لكل من حمله في قلبه أينما كان.

وهكذا تحوّلت الزيارة إلى محطة وجدانية جامعة، اختلط فيها الحزن بالأمل، والوفاء بالعزم، لتؤكّد أنّ الانتماء الحقيقي لا يُقاس بطول الغياب، بل بصدق العودة، وأنّ عينبال كانت وما زالت العنوان الأول لكل من بقي وفيّاً لجذوره مهما ابتعدت به الدروب.

 

الخاتمة

تجسّد إيفون خويص عبد الباقي نموذجاً نادراً لدبلوماسية نشأت من رحم الاغتراب اللبناني، وصقلت تجربتها بين الفن والسياسة والعمل الدولي. ومع تداول اسمها كمرشحة جدّية لخلافة الأمين العام للأمم المتحدة، تبدو سيرتها المهنية والإنسانية مؤهلة لقيادة منظمة تواجه تحديات غير مسبوقة. وفي حال وصولها إلى هذا المنصب، ستكون شاهداً جديداً على قدرة أبناء الاغتراب اللبناني على بلوغ أعلى المواقع الدولية، حاملين معهم رسالة سلام تتجاوز الحدود والهويات.

شرفات

كتاب، صدر حديثاً للدكتور أديب سليمان خطار، هو من الأهمية بمكان، مؤلفه مؤرخ، وأستاذ جامعي. يقع الكتاب في ثلاثمئة وعشر صفحات، من القطع الكبير، بغلاف، هو عبارة عن لوحة فنية جميلة، ترمز إلى قلب وقلم بين الضوء والعتمة.
أما مضمونه فهو سيرة ومسار مؤلفه، من سن اليتم المبكرة، ومضافاتها المؤلمة، في قرية «باتر» الشوف، التي وصفها وصفاً دقيقاً بديموغرافيتها، وتكون عائلاتها وعاداتهم الإنسانية فيها بينهم، جاعلاً منها نموذجاً لأوثق العلاقات، حيث الرابط مكارم الأخلاق، والإيمان الصادق على كر الأيام والسنين.

قرانا ـ يقول ـ مفاتيح وخالق التاريخ، إن لم تتشابه كثيراً في المبنى، سطوح القرميد، والسطوح الترابية، فإنها إلى حد كبير تتشابه في المعنى، وبالقيم، وبالأصول، وبعبق التاريخ.

وقبل أن نغوص بمضمون الكتاب المتعدد المحطات، بما هو مدهش حقاً، أرى لزاماً أن أذكر أنه قدم له سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، بمقدمة على جاري عهده، أديباً متفوقاً، وشاعراً مبدعاً، سماه فيها: «الأديب المسافر، والمؤمن الموحد، الذي أحب السير دائماً باتجاه النور والخير».

وذلك على كثرة أسفاره متنقلا بين عواصم الحضارات، مستقيا منها ذروة ثقافاتها، وأعمق العلوم والآداب، وتمكّنُه من اللغات، ولا سيما اللغة العربية، بصورها البلاغية والإبداعية، شعراً ونثراً.

أديب خطار صاحب «شرفات» حقاً، أو محطات أدبية، وإنسانية وأخلاقية وعلمية، ترقى ـ برأينا ـ إلى مستوى الشمول، إذ قيمة الإنسان ما يحسنه، وقيمة الأعمال مدى الاستفادة منها. وهكذا كتابه القيم هذا، طاف بمادته من قارة إلى قارة، ومن فائدة إلى أخرى.

أولاً: من «باتر» إلى بيت اليتيم، عبيه، من بيروت إلى القاهرة، ومن لبنان إلى الاتحاد السوفياتي، ففنزويلا، ومن ثم إلى التعليم في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، ومن بيروت إلى كل العالم. في كل هذا محطات سماها هو «شرفات» وقد عبّر بشكل واقعي صحيح، عما كتب، فقال: بين طيات الكتاب نصوص ليست نظرية، همّها مداعبة الأفكار، وضروب حنين الإنسان إلى الماضي… بل نصوص تشير إلى رموز تتعانق مع الوعي، والرغبة الصادقة في تجذير هذه المسيرة في واقع جغرافي محدد، هادفاً في الوقت ذاته إلى النفاذ من هذا الواقع الخاص إلى الشمول الإنساني.

كما أشرنا آنفاً، عملاً بقول مارون عبود: «إذا تعمّق الكاتب في درس أشخاص بلاده، فقد درس بالفعل أشخاصاً في كل بلد، لأن الطبيعة الإنسانية هي هي في كل مكان، ولكن يجوز للكاتب أن ينطلق من واقع بلاده الخاص نحو الإنساني العام».

ويستكمل كتابته عن القرية ـ المنبت ـ الأمل بإحساس مرهف وحب غامر، محاولاً الرسم بالكلمات عن حياة عاشها، ومن طفولة لم يعشها إلا بالانخطاف، إلا ـ النور، ما دلّ على مشهدية لا أجمل، ولا أحلى، كشعلة الأولمبياد، سيبقى ما تبقّى من تراث، وموروث قيمي لا تخبو جذوته أبداً.

وسيشهد باريها شهود قوله: «أنعم النظر في الأرض، لتكتشف أن ذلك الشجر الحاني من ثقل الثمر، وحصاد البيادر من بذور السلف. لو عرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً، وإذا تأملت شمس الغروب ليلة صيف، تقسم البيت إلى نصفين: نصف معتم، ونصف مضيء، سأجلس بين العتمة والنور، الماضي يتدفق خلفي كجدول، والمستقبل يزحف أمامي، وأنا بلا زمن».
وراعني في الكتاب عشرات المعاني والدروس بين دفتيه، في سياقات مطردة ومتآلفة، تنعكس مما في وعيه وفي ذاكرته من نباهة وحسّ مرهف بالإنسانية.

لن نستطيع مراجعته في كل ما فيه ـ على كثرته ـ في عجالة، وسنقتصر مراجعتنا على شرفتين من الشرفات فيه، ونترك ما تبقى إلى القارئ، الذي حتما سيجد فيه كل المتعة والإفادة.
في الشرفة الرابعة، شرفة الأخلاق، يقول المؤلف: إن الخلق هو مقياس حقيقي لكل إنسان، إن خلق الإنسان الظاهري هو مقياس داخلي لشخصيته، إذا ملفظ القالم سقط، سقط علمه، وإذا ملفظ الأم مع أبنائها سقط، سقطت أمومتها. وحاصل الكلام في حسن الخلق يدور على قلب واحد، وهو بذل المعروف، وكف الأذى، وإنما يدرك بثلاثة أمور: العلم، والجود، والصبر.

وموضوع كل خلق: أين نضعه، وأين يحسن استعماله. ويستشهد بقول للمعلم كمال جنبلاط: «يفترض أن يكون للفرد نظام للأخلاق، والمناقبية في داخله، وفي علاقاته مع الآخرين، فالنظامان: نظام المجتمع، ونظام الأخلاق متلازمان متصلان، لا يقوم أحدهما من دون الآخر، وإلا سقط الفرد، وفسد المجتمع، واضمحلت الحضارة، وتبعتها في اضمحلالها جميع مكاسبها المادية».

ونأتي إلى القسم الخامس أو الشرفة الخامسة، بها يعرف الموحدون الدروز، بأنهم تجمع بشري، اعتنق عقيدة دينية عقلانية، توخت الأفضل، ألا وهي عدم الركون للقائم الحاضر الذي هو تكرار لما هو قائم، فأرادوا الانعتاق من ربقة الحاضر، وفتح مشارف مستقبلية على تقدم ديني وفكري.
والمهم بالنسبة للدرزية، الاقتناع الداخلي، تحقيق الحقيقة الداخلية، ومعرفة الذات. وديانتهم ديانة زهاد روحانيين، يمارسون الحياة معرفة، والتوحيد لديهم: قول اللسان، والعمل بالأركان، وتصديق الجنان. وعبر المعرفة الواعية نتوصل إلى مدارج الله، ونكتشف الذي نملك. إنها منارة روحية عظيمة، هي هوية الروح، ومثال الفضيلة.

نكتفي بهذا توصيفاً لهذا الكتاب النفيس للدكتور أديب خطار على اختصار فيه، فهو جدير بدراسة مطوّلة، نظراً لفائدته الكبيرة.

حين تصبح المعرفة فعل رُقي ومعنًى

يبرز كتاب «لأن الثقافة حياة» للشيخ وسام سليقا كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه القيم.

يكشف الكتاب عن ضرورة النظر إلى الثقافة بوصفها عنصراً جوهرياً في صياغة الوعي الإنساني والممارسة اليومية، وليس مجرد تراكم معرفي نظري. فهو يقدم رؤية متكاملة للثقافة كنسيج حي يربط الماضي بالحاضر، ويقوي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفكر والعمل، مع التأكيد على أنها ليست رفوفاً مليئة بالكتب فحسب، بل ممارسة يومية تُشكل الشخصية وتحدد طريقة العيش والتفاعل مع الآخرين.

صدر الكتاب عن دار الأنام للطباعة والنشر في ديسمبر 2025، ويعكس التزام المؤلف بمقاربة واقعية للثقافة، تنطلق من فهم دقيق للواقع الاجتماعي بعيداً عن التنظير المجرد.

 

يظهر من خلال صفحاته اهتمام واضح بتقوية العلاقة بين الفكر والسلوك، مؤكداً أن الثقافة الحقيقية هي التي تتجلى في الحياة اليومية، وفي القدرة على الحوار، وتحويل المعرفة إلى فعل أخلاقي واجتماعي ملموس.

ارتبط صدور الكتاب بحفل توقيع لافت في بلدة الفرديس، حضره سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، إلى جانب شخصيات دينية وثقافية وسياسية متنوعة من مختلف الخلفيات. مثل هذا الحضور المتنوع تجسيد عملي لفكرة الكتاب الأساسية، حيث شكّل منصة حوار حيّة توحد رؤى مختلفة، وتعيد بناء مساحات مشتركة للتواصل الفكري تتجاوز الانتماءات الضيقة.

يتسم طرح الكتاب بالشمولية، فيعرض الثقافة من زوايا متعددة. يبدأ من فهمها كنمط حياة يظهر في سلوك الفرد، ويمتد لتحليل تأثير العولمة وثورة المعلومات على الهوية، داعياً إلى تنمية وعي نقدي يفرق بين الجوهري والعابر. كما يولي التعليم أهمية قصوى، مشدداً على أن دوره الحقيقي هو تعليم التفكير وتشجيع السؤال، وليس التلقين، ليصبح الفرد قادراً على المشاركة الواعية في صياغة ثقافة مجتمعه.

ويبرز الكتاب بشكل لافت العلاقة العضوية بين الثقافة والتماسك الاجتماعي، معتبراً أن الثقافة المشتركة هي الغراء الذي يمنع التفكك، وأن الوعي الثقافي يحول التنوع من مصدر محتمل للصراع إلى منبع للإثراء. يؤكد المؤلف هنا أن الثقافة ليست ترفاً نخبوياً، بل حقاً للجميع وشرطاً أساسياً لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، سواء المحلية أو تلك الناتجة عن رياح العولمة العاتية.

يتميز النص بلغته الجذابة وعاطفته المتزنة، التي تربط بين الفكر والمعنى وبين التحليل والنقد دون إقصاء. فالثقافة عند سليقا ليست في صدام مع الدين أو الموروث، بل هي جسر لفهم أعمق للإنسان وتقوية الصلة بين المعرفة المجردة والتجربة الحية.
يسعى الكتاب بهدوء إلى ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الوعي والروح، وبين المعرفة وتطبيقها، مؤكداً أن الثقافة المعاشة تصبح قوة بناء فردية وجماعية ومصدراً للرقي.
لاقت فكرة الكتاب تفاعلاً واسعاً، حيث عبّر الحضور في حفل التوقيع عن تقديرهم لطرح الثقافة بلغة قريبة من العقل والقلب معاً، للتأكيد على أنها مشروع حياة وليست شعاراً.

وكان حضور شيخ العقل إشارة رمزية عميقة على إدراك المرجعيات الدينية لدور الثقافة الحيوي في تعزيز اللحمة المجتمعية، وإمكانية أن يتكامل الانفتاح الفكري مع العمق الروحي في مشروع حضاري واحد.

لا يكتفي الكتاب بالوصف النظري، بل يقدم إطاراً عملياً لفهم الثقافة كخيار وجودي. إنه يدعو القارئ إلى التعامل معها كتجربة يومية، ووسيلة لبناء الشخصية، ورافعة للوعي الاجتماعي، ومصدراً لفهم العلاقات الإنسانية. ويشير بوضوح إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل، وأن المجتمع الذي يتبناها كخيار حياة يكون أكثر صلابة في وجه الأزمات وأكثر قدرة على اقتناص الفرص.

من خلال قراءته، يصل القارئ إلى قناعة راسخة بأن الثقافة ليست حملاً من الماضي، بل هي مستقبل نصنعه بأيدينا. إنها العنصر الأساسي لإحياء الإنسان والمجتمع معاً. فالوعي الثقافي، في صلته العضوية بالقيم والسلوك، هو ما يجعل الحياة ممكنة بكل عمقها، ويحوّل ضجيج المعلومات إلى فهم، والفهم إلى ممارسة أخلاقية واعية.

يقدم كتاب الشيخ وسام سليقا «لأن الثقافة حياة» نموذجاً ملهماً لما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تتحرر من أبراجها النظرية العاجية وتصبح فعلاً حياتياً حقيقياً. فهو يربط الفرد بالمجتمع، والمعرفة بالقيم، والفكر بالعمل، ويعيد للوعي مركزه في زمن يطغى فيه السطحي على العميق، والضجيج على الصوت الهادف، والانشغال على الحياة الواعية.

ويضع الكتاب، من خلال تحليله الواقعي وتصوره الشامل، أرضية مشتركة للنقاش البناء، مؤكداً أن الثقافة حق للجميع ووسيلة لا غنى عنها لبناء مجتمع متماسك، واعٍ، ومتحضر.

 

الإهداء كفلسفة قراءة: محمد شيا في مملكة ميخائيل نعيمه

تأتي هذه المقالة تكريماً لجهود الأستاذ الدكتور محمد شيا العلمية الرائدة في دراسة فلسفة ميخائيل نعيمه، وتتخذ من أطروحته الأكاديمية منطلقاً للفهم والتحليل، ولا سيما تلك التي أنجزها في أواخر سبعينيات القرن العشرين، والتي تعد مرجعاً محورياً في مقاربة فكر نعيمه من زاوية فلسفية تأويلية عميقة. تهدف هذه القراءة إلى إبراز عمق منهجه في فهم أعمال نعيمه، وكشف دلالة الإهداء الذي خصه به الأديب الكبير، بوصفه علامة فريدة على علاقة استثنائية بين القارئ والمؤلف، وبين النص وتأويله.

حرصت على توثيق المعطيات بدقة، وأسعى إلى نشر هذه القراءة في مجلة «» لما تمثله من مكانة ثقافية رفيعة في المشهد الفكري العربي. ليس الإهداء دائماً مجرد تحية لغوية أو مجاملة اجتماعية يضعها المؤلف في صدر كتابه، بل قد يتحول في بعض الحالات النادرة إلى لحظة كاشفة، تكشف عمق الصلة بين الكاتب وقارئه، وتزيح الستار عن علاقة روحية ومعرفية تتجاوز حدود الورق والحبر. وفي هذا الأفق، يكتسب إهداء ميخائيل نعيمه للدكتور محمد شيا دلالته العميقة، حين أهداه كتابه «مرداد» ودوَّن عليه عبارته اللافتة: «كأنك شاركتني في التأليف»، وذلك إثر اطلاعه على أطروحة شيا التي تناولت فلسفته وفكره.

هذه العبارة لا يمكن اختزالها في انفعال عابر أو تقدير شخصي، بل تُعبّر عن اعتراف معرفي نادر، يقرّ فيه الكاتب بأن قارئه لم يكتف بفهم النص، بل أسهم في إعادة بنائه، وكشف طبقاته الداخلية، وإضاءته من داخل أفق تأويلي جديد. وهنا تتأسس علاقة ثلاثية الأطراف: بين الأدب والفلسفة، وبين القارئ والمؤلف، وبين النص ومعناه المفتوح.

أطروحة الدكتور محمد شيا، المعنونة «فلسفة ميخائيل نعيمه»، والتي أُنجزت في جامعة القديس يوسف ببيروت سنة 1977، تُعد من أعمق الدراسات التي تناولت فكر نعيمه، لا من حيث التحليل الأدبي فحسب، بل من حيث تفكيك البنية الفلسفية الكامنة في أعماله. فهي لم تكن قراءة وصفية، ولا مجرد استعراض للأفكار، بل كانت سعياً منهجياً إلى النفاذ إلى الداخل، إلى ذلك النسيج الروحي والفكري الذي شكّل منه مشروع نعيمه الوجودي.
في صميم هذا العمل، أعاد شيا قراءة نعيمه ضمن إطار تأويلي يتجاوز المقاربات التاريخية أو الانطباعية، مستفيداً من منجزات التأويلية الحديثة، ولا سيما فكر هانس-جورج غادامير، حيث تتحول القراءة من فعل تلقٍ إلى فعل إنتاج للمعنى، ويغدو القارئ شريكاً في بناء الدلالة، حاملاً معه تاريخَه، وأفقَ انتظارِه، وتجربته الوجودية.

من خلال هذه الرؤية، لا يظهر نعيمه مجرّد أديب روحاني أو شاعر حالم، بل يتجلّى فيلسوفاً يُنضج أفكاره داخل مختبر التجربة الذاتية والتأمل الصوفي. كتب مثل «مرداد»، و«سبعون»، و«الغربال» لا تُقرأ بوصفها أعمالاً أدبية خالصة، بل باعتبارها محطّات فلسفية في مشروع يسعى إلى خلاص الذات عبر معرفة النفس، واتحادها بالمطلق. وهنا تتبدّى آثار الفلسفات الشرقية، والبوذية، والتصوف المسيحي، جنباً إلى جنب مع سؤال نقدي مركزي يطرحه شيا بهدوء العارف:
هل يكفي خلاص الذات وحده في عالم مأزوم وممزق؟ وهل يملك هذا الخلاص الروحي قدرة حقيقية على الإسهام في تغيير الواقع الإنساني؟

أسئلة شيا تنبع من موقع الشريك في الفهم، ومن رغبة صادقة في مساءلة المشروع لا هدمه. ولهذا جاءت قراءته مغايرة لكثير من الدراسات التي تناولت نعيمه بنبرة احتفائية أو حنين رومانسي. فقد حافظ شيا على مسافة نقدية واعية، دون أن يقطع خيط المحبة الفكرية والإنسانية التي جمعته بالأديب الكبير، والتي تجسدت رمزياً في ذلك الإهداء الذي صار مدخلاً فلسفياً لكل ما تلاه.

كان شيا قارئاً من طراز نادر؛ قارئاً يجعل من القراءة فعل إبداع، ومن التأمل ممارسة تحليلية، ومن النص كائناً حياً قابلاً للحوار. ولذلك لم تكن أطروحته مجرد مساهمة أكاديمية، بل شهادة فكرية وروحية على علاقة استثنائية بين قارئ ونص ومؤلف. وقد نجح، من خلالها، في الكشف عن نسيج فلسفي غني في فكر نعيمه، تتداخل فيه الحكمة مع التصوف، والبحث عن المطلق مع التوتر بين الذات والعالم، وبين الخلاص الفردي والحضور في التاريخ.

وإذا عدنا إلى لحظة الإهداء، تلك اللحظة الإنسانية العابرة في ظاهرها، نجدها مفتاحاً لفهم كل ما تلاها. فقول نعيمه لشيا: «كأنك شاركتني في التأليف»، لا يكرّم قارئاً فحسب، بل يعلن ولادة جديدة للنص، حيث تتناظر الكتابة الأولى مع القراءة الثانية، ويتحوّل التأويل إلى فعل يعيد تشكيل المعنى ويكشف طبقاته الدفينة.

ما يميّز شيا في مقاربته أنّه لم يقع في غواية الانبهار، ولم يُسلّم مسبقاً بعظمة نعيمه، بل طرح أسئلة جوهرية حول حدود هذا المشروع الروحي وقدرته على مواجهة تحديات الحداثة، والتفكك الاجتماعي، والاغتراب الوجودي. ومع ذلك، لم ينتقص من قيمة هذا المشروع، بل دعا إلى تأمله بجدية، وإعادة تفعيله ضمن سياقات فكرية معاصرة.

استمع شيا إلى نعيمه بعمق، وحاوره بدل أن يستهلكه، فكانت أطروحته، بعد عقود على إنجازها، مرجعاً حياً لكل من أراد أن يفهم نعيمه ككاتب وفيلسوف ومتصوف. وهي أطروحة أعادت الاعتبار إلى القراءة البطيئة والمتأنية، التي لا تكتفي بقراءة النص، بل تقيم فيه، وتُنصت إلى صوته من الداخل.

ومن اللافت أنّ شيا لم يُقدّم عمله بوصفه بحثاً جامعياً فحسب، بل كنوع من السيرة الفلسفية المشتركة، بين قارئ وكاتب، بين روحين التقيا عبر نص، وتحاورا، ثم أنجبا قراءة جديدة له. ولهذا احتلت هذه الأطروحة مكانة خاصة في النقد العربي، وأسهمت في تحويل زاوية النظر إلى فكر نعيمه.

قدّم شيا، من خلال هذه القراءة، نموذجاً راقياً للعلاقة بين القارئ والنص، علاقة تقوم على المحبة لا التبجيل، وعلى النقد لا الهدم، وعلى الحوار لا الاستهلاك. وفي هذا المعنى، فإن الإهداء الذي افتتحنا به المقال لم يكن تعبيراً شخصياً فحسب، بل إعلاناً عن شراكة معرفية وروحية نادرة.

ومن موقعي كباحث أحب نعيمه وقرأ عنه طويلاً، أرى أنّ ما يميّز أطروحة شيا أنّها ليست فقط الأكثر اكتمالاً من حيث التحليل الفلسفي، بل هي أيضاً الأكثر شفافية، والأقرب إلى جوهر نعيمه، والأقدر على كشف ملامحه الفكرية العميقة. لقد سبر شيا غور هذه الفلسفة لا بصفته باحثاً فقط، بل شاهداً متورطاً في التجربة.

ومن هنا، فإن هذه المقالة ليست مجرد قراءة في أطروحة فلسفية، بل تحية إلى تلك اللقاءات النادرة بين الأرواح، حيث تتحول الكلمة إلى جسر، والقراءة إلى فعل محبة، والفلسفة إلى حوار حيّ لا ينتهي.

 

العلم والأخلاق.. جناحان لبناء الأوطان

برعاية السيدة نازك رفيق الحريري، استضافت جامعة رفيق الحريري ندوةً حواريةً بعنوان “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”. أدار الندوة الدكتور محمد السماك، وتحدث فيها كل من القاضي الشيخ الدكتور محمد هاني الجوزو، وسماحة المفتي الشيخ محمد عسيران، والأب الدكتور يوسف نصر، والشيخ الدكتور رمزي سري الدين ممثلاً سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى؛ حيث أكد المتحدثون على ضرورة أن يتجاوز التعليم مجرد نقل المعرفة ليشمل بناء الشخصية، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية، وتنمية الوعي بأهمية تعزيز القيم الروحية. واختُتمت الندوة بفقرة أسئلة وأجوبة تفاعلية أتاحت لطلاب الجامعة فرصة التفاعل المباشر مع المتحدثين.

وقد نُقلت الندوة، ببث مباشر، عبر عدد من المنصّات الإلكترونية.

وفيما يلي نص كلمة الشيخ الدكتور رمزي سري الدين:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أصحابَ الفضيلة والسيادة والمعالي والسعادة،

حضرة رئيس الجامعة،

الحضور الكريم،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

يشرّفني أن أشارككم اليوم في هذه الندوة الفكرية والتربوية، في جامعة تحمل اسم رجل آمن بأن التعليم هو المدخل الأسمى لبناء الإنسان، وترجم ذلك بإنشاء مدارس وجامعات وتقديم منح تعليمية لطلاب وطنه، يقيناً منه بأن الاستثمار الحقيقي هو في العقل والقيم معاً؛ إنه الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

إن موضوع ندوتنا اليوم، “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”، ليس ترفاً فكرياً، بل حاجة ملحة في عالم يتقدم تقنياً بسرعة مذهلة، فيما يعاني في كثير من الأحيان من فراغ قيمي وأزمات أخلاقية عميقة. فالتعليم، إن اقتصر على نقل المعرفة والمهارات، دون بناء الإنسان أخلاقياً وروحياً، يبقى تعليماً ناقصاً، عاجزاً عن إنتاج مواطن مسؤول وإنسان متوازن.

لقد أظهر الفكر الفلسفي، منذ أقدم عصوره، إدراكاً عميقاً لهذه الحقيقة؛ فقد رأى الفيلسوف أرسطو أن غاية التربية ليست فقط تنمية العقل، بل تكوين “الإنسان الفاضل”. فالمعرفة عنده لا تنفصل عن الفضيلة، والتعليم الحقيقي هو الذي يعلّم الإنسان ليس فقط كيف يفكر، بل أيضاً كيف يعيش؛ فالفضائل الأخلاقية، كالعدل والاعتدال والحكمة، لا تُكتسب بالحفظ، بل بالممارسة والتربية، وهذا ما يجعل المدرسة والجامعة فضاءً لتشكيل الشخصية، لا مجرد قاعة تلقين.

أما في الأديان السماوية، فنجد هذا الترابط بين العلم والأخلاق أكثر وضوحاً وعمقاً. ففي الإسلام، يُرفع العلم إلى منزلة العبادة، فقد جاء في مسطور القرآن الكريم: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (المجادلة: 11)، وفي آية أخرى قال عز من قائل: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ” (فاطر: 28). فالقرآن الكريم يخاطب العقل، ويدعو إلى التفكر، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن العلم بلا أخلاق قد يكون سبباً في الفساد لا في الإصلاح. ومن هنا جاءت رسالة الإسلام لتبني إنساناً مؤمناً متعلماً مسؤولاً رحيماً، يدرك أن العلم أمانة، وأن القيم هي بوصلته في استخدام هذا العلم.

وفي المسيحية، تحتل المحبة جوهر الرسالة التربوية والروحية. فالتعليم المسيحي لا يهدف فقط إلى معرفة الحق، بل إلى عيشه. وقد جاء في الإنجيل الشريف: “تعرفون الحق والحق يحرركم”، والحرية هنا ليست تحرراً من القيود بالمعنى المادي، بل تحرر أخلاقي يجعل الإنسان قادراً على اختيار الخير. من هذا المنطلق، يصبح التعليم مساراً لبناء الضمير، وتعميق قيم التسامح، والإنسانية، وخدمة الآخر.

فضلاً عن كل ذلك، فإن التحديات المعاصرة، من الذكاء الاصطناعي إلى التغيرات البيئية، ومن ثورة الاتصالات إلى النزاعات العالمية، تقول لنا شيئاً واحداً: إن المعرفة وحدها لا تكفي. فالإنسان يمكن أن يمتلك أعقد التقنيات، لكنه يحتاج إلى قيم راسخة توجه قراراته.

وانطلاقاً من هذا الترابط العميق بين العلم والقيم الروحية والأخلاق، الذي التقت عليه الفلسفة القديمة وتعاليم الأديان السماوية، يمكننا أن نستخلص أن المعرفة الحقيقية هي تلك التي تهذب النفس، وتقود الإنسان إلى الاتزان، وتجعله أكثر انسجاماً مع ذاته ومع مجتمعه. فالعلم، حين يقترن بالأخلاق والقيم، يصبح نوراً، وحين ينفصل عنهما، يتحول إلى أداة هدم. لذلك، لطالما كان التعليم في جوهره مساراً أخلاقياً، يهدف إلى بناء الإنسان الصالح العاقل المتوازن.

إن كل ذلك، وعلى أهميته، لا يمكن أن يثمر خيراً ويزكو ويستمر إلا من خلال تعزيز الإيمان بالله الخالق عز وجل، وترسيخ الوعي بوجوب اتباع سننه في الكون والحياة. فالإيمان يشكل بوصلة داخلية تضبط السلوك وتمنح الوجود معنى وغاية، وتغرس في النفوس الشعور بالمسؤولية والمراقبة الذاتية. وحين يُهمل هذا الجانب، يُفتح المجال أمام العبثية والضياع الفكري، ويضعف الالتزام بمنظومة القيم والأخلاق.

من هنا، فإن التحدي المطروح أمام مؤسساتنا التربوية اليوم، هو كيف نعيد وصل ما انقطع بين المعرفة والقيم الروحية والأخلاقية، بين التقدم العلمي والمعنى الإنساني. ليس المطلوب فرض منظومة دينية بعينها، بل ترسيخ قيم إنسانية مشتركة: الصدق، المسؤولية، احترام الآخر، والالتزام بالخير العام. وهذه القيم تشكل أرضية جامعة، تلتقي عندها الفلسفة والدين، ويلتقي عندها الإيمان والعقل.

ولكي يتحقق ذلك، لا بد أن تتبنى الدول استراتيجيات وطنية واضحة تجعل الأخلاق محوراً مركزياً في سياساتها التعليمية، استراتيجيات تشمل:

  • تطوير المناهج، بحيث تُدمج القيم في المحتوى العلمي.
  • تدريب المعلمين ليكونوا نماذج أخلاقية قبل أن يكونوا ناقلين للمعرفة.
  • بناء شراكات بين المؤسسات التعليمية والمجتمع لتشجيع طلبة المدارس والجامعات على خدمة المجتمع والعمل التطوعي.

فالأمم لا تُقاس فقط بعدد علماء التكنولوجيا والهندسة، بل بقدرتها على تنشئة إنسان مؤمن مسؤول واعٍ بأثر علمه على العالم من حوله.

ختاماً، إن دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم ليس عودة إلى الماضي، بل هو استثمار في مستقبل أكثر إنسانية. فبالعلم نبني العقول، وبالقيم الروحية والفضيلة نبني الإنسان، وبالاثنين معاً نبني الأوطان. وهذا هو الرهان الحقيقي للتربية، ورسالتها الأسمى عبر الأجيال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عروس تُزفّ إلى عريسها من المختارة إلى حاصبيا
فلا تمرُّ إلَّا في أرض زوجها وأبيها

لِلذِّكْرَى، وَلِلتَّذْكِيرِ، وَلِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ. وَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ لَا يَرُوقُ لِلْبَعْضِ سَمَاعُهُ، إِلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْوَاقِعَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَا وَيُدَوَّنَا.

مُنْتَصَفَ الْعَقْدِ الثَّانِي مِنْ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، رَغِبَ زَعِيمُ وَادِي التَّيْمِ الْجَنُوبِيِّ آنَذَاكَ، الْوَجِيهُ سَلِيمُ بَكْ شَمْس، فِي زِفَافِ وَلَدِهِ طَاهِرٍ مِنْ زُهَيَّةَ ابْنَةِ نَجِيبَ بَكْ جُنْبُلَاط، زَعِيمِ الشُّوفِ وَسَيِّدِ الْمُخْتَارَةِ.

أُعِدَّتِ الْعُدَّةُ لِذَلِكَ الْفَرَحِ الْكَبِيرِ، فَالْوَقْتُ صَيْفًا، وَالنَّاسُ جَنَوْا الْمَوَاسِمَ وَمُلِئَتِ الْكَوَايِرُ وَالْجِرَارُ، وَتَلْبِيَةُ دَعْوَةِ الْكِبَارِ وَاجِبٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى مَنْ هُمْ أَسْيَادُ الْأَرْضِ وَحُمَاةُ الدَّارِ وَالْجَارِ.

الدَّعْوَةُ وُجِّهَتْ لِلْجَمِيعِ، كِبَارًا وَصِغَارًا، فُرْسَانًا وَمُشَاةً، وَالْوَفْدُ يَزْدَادُ عَدَدُهُ كُلَّمَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ انْضَمَّ إِلَيْهِ شُيُوخُهَا وَشُبَّانُهَا حَتَّى كَانَ عَدَدُهُ بِالْمِئَاتِ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى قَصْرِ الْمُخْتَارَةِ مَنْزِلِ وَالِدِ الْعَرُوسِ.

بَقِيَتِ الْأَفْرَاحُ عَامِرَةً زَاهِرَةً نَحْوَ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَالْكُلُّ مُمْتَلِئُونَ فَرَحًا وَمَرَحًا وَغِبْطَةً وَتَكْرِيمًا، بِحَيْثُ غَصَّتِ الْبَاحَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ وَالْخَارِجِيَّةُ بِحَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ وَلَعْبِ السَّيْفِ وَالتُّرْسِ، وَنُصِبَتْ مَيَادِينُ الْخَيْلِ، وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ.

حَدَّثَنِي عَنْ هَذَا الْفَرَحِ رَجُلٌ غَيَّبَهُ الْمَوْتُ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، مِنْ بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ، بَعْدَمَا عَاشَ الْعُمْرَ بِكَامِلِهِ قَائِلًا:
«كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دُعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى جَلْبِ الْعَرُوسِ، جَدِّي لِأُمِّي، نِقُولَا عَبْدُ اللهِ الْخُورِيُّ، شَاعِرُ الْفَرْدِيسِ وَالْمِنْطَقَةِ آنَذَاكَ، لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ كَانَتْ لَا تَتِمُّ الْأَفْرَاحُ إِلَّا بِحُضُورِهِ فَهُوَ سَيِّدُهَا وَشَاعِرُهَا، وَلِلْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَلَمُهَا وَقُيْدُومُهَا.

الْمَعْرُوفُ سَابِقًا، أَنَّ حَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ، كَانَتْ لِكُلِّ جِنْسٍ يُقَامُ بِمُفْرَدِهِ. فَالرِّجَالُ تَغُصُّ بِهِمْ بَاحَاتُ الْقَصْرِ الْخَارِجِيَّةُ وَجَنَائِنُهُ، وَالنِّسَاءُ مَلَأْنَ الْقَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ. وَالْكُلُّ يَتَبَارَوْنَ رَقْصًا وَدَبْكَةً وَغِنَاءً وَحُدَاءً، وَسَيِّدُ ذَلِكَ كُلِّهِ، الزَّجَلُ وَالشِّعْرُ وَالتَّبَارِي بِهِمَا.


سَيِّدُ أَسْيَادِ الشُّعَرَاءِ الْمَوْجُودِينَ هُنَالِكَ، كَانَ شَاعِرَ الْفَرْدِيسِ وَمُخْتَارَهَا نِقُولَا الْخُورِيُّ، مِنْ حَيْثُ بَلَاغَةِ شِعْرِهِ وَتَنْظِيمِ فِرْقَتِهِ الْمُرَافِقَةِ لَهُ. وَلِلزَّجَلِ مَعَ الدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ، آنَذَاكَ، لَا يُوَازِيهَا أَوْ يُشَابِهُهَا فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ أَيُّ فِرْقَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ مَهْمَا عَلَا تَنْظِيمُهَا وَتَحْدِيثُهَا. لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ بِهِ إِذَا الْأُذُنُ عَشِقَتْ، فَالْجِسْمُ بِأَكْمَلِهِ أَصْبَحَ رَهِينًا لَهُ جَذَلًا وَنَشْوَةً. هَذَا مَا أَصَابَ الْجَمِيعَ حِيَالَ سَمَاعِ قَوْلِ شَاعِرِ الْفَرْدِيسِ وَفِرْقَتِهِ، مِمَّا حَدَا فِي النِّهَايَةِ بِوَالِدَةِ الْعَرُوسِ وَأَنْجَالِهَا، عَلِيٍّ وَفُؤَادٍ، وَالِدِ الزَّعِيمِ كَمَالِ جُنْبُلَاط، إِلَى اسْتِدْعَائِهِ لِلْغِنَاءِ وَالْقَوْلِ أَمَامَهَا وَبَيْنَ الصَّبَايَا وَهُنَّ يَتَمَايَلْنَ بِخُصُورِهِنَّ رَقْصًا، وَبِأَصْوَاتِهِنَّ شَدْوًا.

فَكَانَتْ لَهُ قَصِيدَةٌ زَجَلِيَّةٌ طَوِيلَةٌ يَفُوقُ عَدَدُ أَبْيَاتِهَا عَنْ مِئَةِ بَيْتٍ، تُوِّجَ مَطْلَعُهَا بِقَوْلِهِ:

يَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ
اَللهْ يُخَلِّي لِكْ هِنَّهْ هَالْجُوزْ مِثْلِ الْقَمَارَةْ
أَنَا شَاعِرْ مِنْ الْفَرْدِيسْ هَزّْلِي الشُّوقْ سْرِيرِي
بِقَدِّسْ هَالدِّيرَةْ تَقْدِيسْ الْلِي مِثْلَهَا مَا خُلِقْ دِيرَةْ
أَسَّسْنَا الْأُلْفَةْ تَأْسِيسْ وَعِنَّا لَوْ سَأَلْتُوا الْجِيرَةْ
عِشْنَا زَنْبَقْ عَمْبِيَمِيسْ سُنَّةْ وَدْرُوزْ وَنَصَارَى
وَيَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ

بَعْدَ فَرَاغِ الشَّاعِرِ مِنْ إِنْشَادِ قَصِيدَتِهِ، قَلَّدَتْهُ وَالِدَةُ الْعَرُوسِ عَبَاءَةً وَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ نَجْلُهَا فُؤَادٌ، بَقِيَتْ بِحَوْزَتِهِ يُفَاخِرُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَهَا فِي خِزَانَةٍ زُجَاجِيَّةٍ زُيِّنَ بِهَا صَدْرُ مَنْزِلِهِ. لَكِنْ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَتَوَجُّهِ أَوْلَادِهِ نَحْوَ الْمَهْجَرِ، انْتَقَلَتْ إِلَى بَيْتِ حَفِيدِهِ فِي بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ لِتَضِيعَ أَوْ تُهْمَلَ فِيمَا بَعْدُ.

عِنْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ مَرَاسِمِ الْأَفْرَاحِ، نَهَضَ الْمَوْكِبُ صَبَاحًا إِلَى سَهْلِ بِسْرِي، فَإِلَى قُرَى وَادِي جَزِّينَ، فَإِلَى عَيْنِ مَجْدَلِي، ثُمَّ كَفْرِحُونَةَ، فَوُصُولًا حَتَّى الْقَطْرَانَةِ. وَجَمِيعُهَا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ آلَ جُنْبُلَاط، وَالِدِ الْعَرُوسِ.

بَعْدَهَا انْتَقَلَ الْوَفْدُ عَبْرَ طَرِيقِ مَزْرَعَةِ حُورْتَا، فَإِلَى بَرْغُزَ، ثُمَّ كَوْكَبَا، فَوُصُولًا إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا فِي حَاصِبَيَا، وَهَذِهِ أَيْضًا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ زَوْجَهَا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ مَزْرَعَةَ حُورْتَا كَانَ قَدَّمَهَا جَدُّهَا لِأَبِيهَا، الشَّيْخُ بَشِيرُ جُنْبُلَاط، إِلَى جَدِّ عَرِيسِهَا، الشَّيْخِ خَلِيلِ شَمْسٍ بَعْدَ اقْتِرَانِهِ بِابْنَتِهِ السِّتِّ أُمِّ عَلِيٍّ نَايِفَةَ جُنْبُلَاط شَمْسٍ.
وَهَكَذَا صَحَّ الْقَوْلُ:
«عَرُوسٌ تُزَفُّ مِنْ الْمُخْتَارَةِ إِلَى حَاصِبَيَا، فَلَا تَمُرُّ إِلَّا فِي أَرْضِ زَوْجِهَا وَأَبِيهَا»

من اتَّكل على الله أغناه وأوْلاه

تقول الأساطير القديمة أنّ رجلاً في غابر الزمان من بني إسرائيل كان مُمَيَّزاً عن سواه أنّه بارٌّ بوالديه إطاعة وخشية. وقبيل وفاة والده دخل عليه وقال: «أوصني يا والدي بعد تجاربك في الحياة.»

قال الوالد: يا بني لا تحلف باسم الله لا بارّاً ولا حانثاً.

بعد وفاة والده علِمَ فُسّاق بني إسرائيل بوصيته لولده لذا دخلوا عليه مطالبين بأنْ لهم بذمة والده مبلغاً من المال كذا وكذا.. ثم أكملوا قولهم: إذا لم تدفع لنا فعليك بقسم اليمين.

التزاماً بوصية والده أعطاهم جميع ما يملك ولم يُقسم اليمين وهو مقتنع في ذاته أنهم كاذبون منافقون.

تشاور في الأمر مع زوجته قائلاً: علينا بالسفر كونه لم يبق بحوزتنا أي مبلغ من المال، وعندنا ولدان وهما صغار السن. إذاً لنركب البحر وننتقل إلى بلاد جديدة ربما يكون رزقنا في تلك الديار. أثناء ركوبهم السفينة إذ برياح عاتية تضرب تلك السفينة حيث تتكسّر ليذهب كل منهم على خشبة وفي اتجاهات متعاكسة.

الوالد رحل إلى جزيرة فوجد بها عين ماء وشجرة مُثقلة بالأثمار فأكل وشرب ونام من التعب. بعد أن نهض من نومه تجوّل في تلك الجزيرة فإذا به في أحد الكهوف أمام كنز كبير من ذهبٍ وجواهر وزمرد وعقيق. تبسم وقال: قد عوّضنا الله عما فقدنا فعمل آنذاك على بناء تلك الجزيرة بعد أن استقطب إليها العمال والبنائين حيث أقام مدينة أصبحت عاصمة مملكته.

أمّا ولداه وزوجته فكان نصيب الأول من الأبناء أن رست به الخشبة التي ركب فوقها عند الشاطىء الآخر لتلك الجزيرة فتلقاه أحد التجار وجعله من مديري أعماله الخاصة. بينما الولد الثاني تلقاه رجل ذهب به إلى بيته ثم أخذ يعلّمه القراءة والكتابة كي يتسفيد منه في عمله.

غير أن الزوجة كانت قد وقفت أمام منزل تاجر فأخذها وعاهدها أن تكون أختاً له بعدما تفاءل بالخير من حضورها في منزله.
ذاع صيت ربّ العائلة أن مدينة تُبنى في إحدى جهات الجزيرة وهي تطلب العمال والصناعيين والبنائين. الولد الكبير قال للشخص الذي تبنّاه: أتسمح لي أن أذهب إلى تلك المدينة للعمل بها؟ فكان له ما أراد. كذلك الولد الثاني سمح له معلّمه فاتجه أيضاً نحو تلك المدينة.

وأيضاً التاجر الكبير الذي آخى الزوجة قال لها أنه غداً سيبحر إلى الشاطىء الآخر من الجزيرة حيث تُبنى تلك المدينة فلعلّه يبيع بضاعته ويجعل منها سوقاً له. عند وصوله إلى المدينة دخل على مليكها طالباً منه السماح ببيع بضاعته في أسواقها. قال الملك: أهلاً وسهلاً وستبقى في ضيافتي. أجابه التاجر: لا أقدر كونه توجد داخل السفينة شقيقة لي مع بعض العمال. قال الملك: إذاً اِبْقَ أنت هنا وسأبعث حرّاساً لحمايتها.

كان الحارسان ولَدَيّ المرأة وأثناء تناوب الحراسة تحدّث كلٌّ منهما عن تاريخ حياته وكيف تكسّرت السفينة بهما مع والديهما وكلّ ذهب باتجاه معاكس للآخر، وكون تلك الحادثة قد مرّ عليها عقد من الزمن أو أكثر لهذا لم يتعرّفا على بعضهما.

الأم كانت تسترق السمع منذ البداية بين الحارسين، وبعد ان انتهيا من كلامهما تأكد لها أنهما ولداها الغاليان على قلبها، فاسودت الدنيا في وجهها وأخذها البكاء خلسة عن مراقبَيْها.

عند الصباح عاد التاجر إلى السفينة فوجد المرأة في حالة يُرثى لها فاستشاط غضباُ ثم ذهب إلى الملك وأخبره بأن الحارسين اللذين أرسلهما إلى السفينة قد أساءا إلى المرأة وجعلاها في موقف مذل حيث الدموع كانت تترقرق من مآقيها.

أحضر الملك الشابين للمثول أمامه ثم طلب إلى المرأة أن تُفصح عمّن أساء إليها فقالت: بالله عليك قلْ لهما أن يعيدا الكلام الذي تحادثا به أثناء حراستهما في الليلة الماضية.

بعد إعادة الحديث من قبل الشابين والمرأة تتأوّه وتمسح دموعها إذ بالملك ينهض عن كرسيه ثم يتوجه إلى الشابين والمرأة معاً قائلاً وصارخاً: بالله العظيم أنتم عائلتي وأنتم أحبائي، وأنتِ زوجتي والله تعالى قد جمع شملنا من جديد.

ثقافة و آداب

Untitled-112

براءةٌ مُزيَّفَةٌ وصراحةٌ مُنْجِيَةٌ زارَ أحدُ الحُكّامِ سِجْنَ المدينةِ، فتفقَّدَ السجناءَ وسألَ أحدَهُم: ما ذنبُكَ؟ قالَ: لا ذنبَ لي، إنّما سُجِنْتُ ظلماً …

Untitled-112

بين جمالية الصوت ورقّته وعمق الكلمة ونضارتها يترك طليع حمدان واحته المحمّلة بالظلّ وباقات حقوله المذهّبة بالشمس.. المليئة بالذكريات، وخربشات على جدران …

Untitled-112

شدّد مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد على أننا، وإن كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان، غير …

Untitled-112

لا زالت أصداءُ معرَض رُؤىً مُحدَّبَة وأسلوبُه الفنّي للفنّانةِ هناء عبد الخالق تتوالى عبرَ مقالاتٍ نقديّةٍ ورُؤى تحليليّةٍ جديدة. وهو معرَض استندَ …

Untitled-112

برعاية وحضور سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، نظّمت اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز …

Untitled-112

مقدمة في زمنٍ تتعقّد فيه الأزمات الدولية وتتشابك الصراعات السياسية والإنسانية، يبرز البحث عن شخصيات دبلوماسية قادرة على الجمع بين الخبرة، والبعد …

Untitled-112

كتاب، صدر حديثاً للدكتور أديب سليمان خطار، هو من الأهمية بمكان، مؤلفه مؤرخ، وأستاذ جامعي. يقع الكتاب في ثلاثمئة وعشر صفحات، من …

Untitled-113

يبرز كتاب «لأن الثقافة حياة» للشيخ وسام سليقا كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات …

Untitled-112

تأتي هذه المقالة تكريماً لجهود الأستاذ الدكتور محمد شيا العلمية الرائدة في دراسة فلسفة ميخائيل نعيمه، وتتخذ من أطروحته الأكاديمية منطلقاً للفهم …

Untitled-1

برعاية السيدة نازك رفيق الحريري، استضافت جامعة رفيق الحريري ندوةً حواريةً بعنوان “دمج القيم الروحية والأخلاق في التعليم”. أدار الندوة الدكتور محمد …

3

لِلذِّكْرَى، وَلِلتَّذْكِيرِ، وَلِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ. وَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ لَا يَرُوقُ لِلْبَعْضِ سَمَاعُهُ، إِلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْوَاقِعَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَا وَيُدَوَّنَا. مُنْتَصَفَ …

ما-حكم-الحلف-بالله-ثم-التراجع.

تقول الأساطير القديمة أنّ رجلاً في غابر الزمان من بني إسرائيل كان مُمَيَّزاً عن سواه أنّه بارٌّ بوالديه إطاعة وخشية. وقبيل وفاة …