الإثنين, آذار 9, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, آذار 9, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

طبائع الخير

  الموحِّدُ مسؤول، بمعنى أنَّهُ يُسأل عن أعمالِه وعن مكنونات صدره أمام الله تعالى. والعبْد دون إحساسٍ قلبيّ صادق بالمسؤوليَّةِ التي في عنُقه يُصبحُ ويُمسي وهو عُرضة لأهواء النّفس تأخذُ به كما تشاء مُبتعدةً عن نورِ العقل الذي لم يعدم غذاءَه بالمعرفةِ التوحيديَّة. وهذا أمر بالغ الخطورة يحذِّرُ منه الأميرُ السيِّد قدَّس الله سرَّه باعتباره «استدراج إلى غير الرِّضى»، أي إلى غضب الله عزَّ وجلَّ.

  يقول السيِّد الأمير(ق) ان العبد مطالب بثلاث… نَفَسٌ(1) يمضيه بغير محل الرضى، ولحظٌ(2) يلحظه في غير اعتبار في تصاريف القضا، ونطقٌ(3) ينطق به في غير سبيل الرضى.

  والـمسؤوليَّةُ التَّوحيديَّةُ دقيقة وجليلة يحملُها المرءُ في ذاتِه كلّ وفق المستطاع مع الحذر الشديد من الغفلة والإهمال واستسهال الأمر. وشيوخُنا من السَّلف الصَّالح جعلوا من ميزان الخوف والرَّجاء قاعدةً جوهريَّةً من قواعد المسلك. وقيل في الصوفيَّةِ القديمة: «إنْ غلبَ الرَّجاءُ على الخوْفِ فسد الزَّمان»، وقيل في المأثور التوحيدي: «مثَلُ الخوْف والرَّجاء مَثَل جناحين إن ضعفَ أحدُهُما سقَطَ المريدُ كما يقع الطَّيْرُ أرضاً عاجزاً عن التَّحليق».

الثَّمر الحقيقي هو نعمة شعور النّفس بالرِّضى حين تُدركُ بكينونتها الجوانيَّة معنى السَّعادة والاغتباط الرُّوحي.

  ويعتبر الأمير ناصر الدين التنوخي: «ان المعترف بذنبه ازكى لديه من المدّل بعلمه عليه». ويحث السيد الأمير(ق) على الخوف والرجاء والاستحياء فيقول: «لا يَخَافَنَّ أَحَدُكُمْ إِلا ذَنْبَهُ، وَلا يَرْجُوَنَّ إِلا رَبَّهُ، ولا يستحي إذا لم يعلم الشيء ان يتعلمه، ولا يستحي إذا سُئل عما لا يعلم ان يقول لا اعلم».

  العودةُ إلى مواجهة النّفس بالحقائق هي السَّبيل إلى استدراكِ الأمر. عودةٌ تكونُ فيها المعرفةُ المرسومةُ من صاحب الحقِّ «مرآةً وعلماً»، أي نواجهُ النّفسَ بميزان الحقّ وأوَّله قواعد الأمر والنَّهي. وهي قواعد من شأنها حماية الجوارح وصوْنها من كل أشكال التلوُّث المحيطة بنا. صفاءُ النيَّة في القلب، ويتبين من مواعظ الشيخ الفاضل(ر) أنّ القلب يشمل العقل، والبصيرة، والنيّة الطيبة، وجاء من مختصر اقواله بهذا المعنى:

  «فعليك بحفظ القلب وإصلاحه وتطهيره وبذل المجهود في ذلك، وأذكر أربعة أشياء، الأولُ قوله تعالى: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور»، وقوله تعالى: «يعلم ما في قلوبهم». والثاني قول النبيِّ(ص)، إن الله لا ينظر الى صوركم وابشاركم وإنما ينظر الى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب إذاً موضع نظر رب العالمين. الثالث ان القلب هو الأصل والمركز، والجوارح كلها تبع له، وإذا صَلُحَ المتبوع صَلُحَ التابعُ. والرابع إنَّ القلب خزانة كل جوهر نفيس للعبد، أولها العقلُ واجلها معرفة الله تَعَالَى التي هي سببُ السعادة في الدارين، ثُمَّ البصيرة الشفافة التي تُدرِكُ الأشياء وبها التقدم والوجاهة عندَ الله تَعَالَى، ثم النية الخالصة في الطاعات التي بها يكون ثواب الأبد».

  نقاءُ العيْن بحجبها عن كلِّ ما يُـبطِلُ الحياء، والتزام اللسان أوَّل الخصال وأعظمها وهو الصّدق، واجتنابُ الإنصات إلى كلِّ لغْوٍ أو غيبة أو نميمة أو لجْلجة، وصدق اللسان التزامه بترك الكلام فيما لا يعني(٤)، قال بعضهم، الكلام أربعة أقسام: قسم ضرر محض، وقسم نفع محض، وقسم فيه منفعة وضرر، وقسم ليس فيه ضرر ولا منفعة، أما الذي فيه ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة، أما الذي لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول، فلا يبقى الا القسم الرابع وهذا الربع لا يخلو من خطر عدم الدقّة.

  وتطهير الجوف من كلِّ حرام، وقيل: «إن باب الجنة له مفتاح والمفتاح كلمة التوحيد. وله أسنان أربع لا ينفتح الباب الا بالمفتاح بأسنانه، فالسن الأولى تطهير القلب من الخبث والخيانة. والسن الثانية تطهير اللسان من الكذب والنميمة. والسن الثالثة تطهير البطن من الحرام والشبهة. والسن الرابعة تطهير العمل من الرياء والبدعة. فإذا صح للعبد هذا المفتاح بأسنانه انفتح الباب ودخل الجنة وشاهد العظمات. ما لا اذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر».

  وإخضاع آلة الرُّوح أي الجسم إلى كلّ ما يُرضي الله، وما يُرضيه هو استخدام الشيء لِما خُلقَ له دون انحلال الإرادة وطغيان الرغبة في استخدامها في المعاصي. وللمعاصي شبكة واسعة لا ينجو منها إلَّا كلّ عاقل لبيب أو كلّ مستجيب مُحبّ للفضيلة ولمعلّمي الفضيلة ولأهل الفضيلة.

  إنَّ طبائع الخيْر التي هي بيتُ الدّين ومسكنُه لا يُمكنُ أن تستقرَّ من دون تغذيتِها عِلماً وعملًا لا انفصال لأحدِهما عن الآخَر. وهذا هو جوهرُ المسؤوليَّةِ الرُّوحيَّة التي يحملها أمانةً كلُّ من التزمَ السلوكَ نهجاً توحيديّاً مثمراً. كان الشيخُ(ر) الفاضل يسألُ الله تعالى في دعائه الجليل «صحَّة الدّيانة» وهو الّذي أمضى عمره سائحاً في معارج الطاعات. هذا درسٌ عظيم علينا امتـثاله على الدوام. هذا أمرٌ جوهريٌّ لنا في كلِّ وقت. على الموحِّد أن يكون في عصرنا هذا، أي في يومنا هذا وفي كل يوم، شاهداً للفضيلةِ والاتّزان والخيْر والأخلاق الرَّفيعة والأدب الرّزين. عليْه أن يكتسبَ سمةَ الجُودة بقلبه وبروحِه وبصفاء داخله الأمين لتعاليم الكتاب الكريم. وليست مسألة جانبيَّة أن يشيرَ الأميرُ السيِّد قدّس الله روحه إلى أنَّ العائق يأتي «من قِـبَل العبْد» الذي لا يجب أن يرمي «سَوْطَ التأديب من يده» أراد تأديب نفسِه وتطهيرها من كلّ خيانة.

  قيل من أعظم الآفات ثلاثة: رؤية الخلق، ورؤية العمل ورؤية النفس، والواجب على العبد أن يغيب عن الثلاثة برؤيته خالقه تَعَالَى «ان تعبد الله كأنك تراه» هي المحبة لله وقال بعضهم من عبد على المحبة لا يحب ان يرى عمله سوى محبوبه وقال بعضهم: «من أحب أن يعرف بشيء من الخير او يذكر به فقد أشرك في عبادته».

  إنَّ الاجتماع على كلمة التوحيد هو أمرٌ جلل لا يليقُ به إلَّا زكاء العمل، أيْ المنقَّى من كلِّ دواخل طباع الخبْث عليه. نقولُ «الله يــثمر» والثمر الحقيقيّ الذي تسمو إليه نفوسُ الأجاويد هو رياضة النّفس بما أوتيَ لها من لطائف العقل ومعاني التَّوحيد، واتّحادُها به قلباً وقالباً أي علماً وعملًا كما هو سمتُ الشيوخ الثقات على الدوام. والثَّمر الحقيقي هو نعمة شعور النّفس بالرِّضى حين تُدركُ بكينونتها الجوانيَّة معنى السَّعادة والاغتباط الرُّوحي الذي يحقِّق أجمل ما في حقيقة الإنسان من معنى، وهو ائتناسُه بمن هو أحقّ بالوجود من كل موجود.


حواشي

1- (كل شهيق وزفير للإنسان) تمضي في تصرف وعمل بغير رضى الله.
2- نظرة العين للحظات أو ثوانٍ) والاعتبار (النظر في أحوال الدنيا كالموت والحياة والاتعاظ منها).

3- نطق أي كلام مهما كان قليلاً او كثيراً بغير ذكر الله ورضاه.
4- ﴿لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ (النساء 148)

إفطار جامع في دار طائفة الموحدين الدروز

اقامت مشيخة العقل والمجلس المذهبي لطائفة الموّحدين الدروز برئاسة سماحة شيخ عقل الطائفة الشيخ نعيم حسن في دار الطائفة في بيروت، حفل إفطار جامع، لمناسبة حلول شهر الرحمة والغفران، وذلك غروب يوم السبت في ٢٥/٥/٢٠١٩ الموافق
فيه ٢٠ رمضان ١٤٤٠هـ.

  وشارك في الإفطار ممثل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وزير شؤون المهجرين غسان عطالله، ورئيس مجلس النواب نبيه بري النائب أنور الخليل، ورئيس الحكومة سعد الحريري وزير الاعلام جمال الجرّاح. ومفتي الجمهورية اللبنانية المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، ورئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب تيمور جنبلاط، والرئيسان السابقان حسين الحسيني، فؤاد السنيورة، وممثل الرئيس امين الجميل النائب السابق فادي الهبر، وممثل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع النائب جورج عدوان، وممثل وزير الدفاع الياس أبو صعب وقائد الجيش جوزيف عون رئيس الأركان اللواء الركن امين العرم، ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل خليل حمادة. والنواب: نعمة طعمة، فريد البستاني، مروان حمادة، محمد الحجار، وفيصل الصايغ. والنائب السابق غازي العريضي. وممثلون عن قيادة حركة امل، والجماعة الاسلامية، وامين السر العام في الحزب التقدمي الاشتراكي ظافر ناصر ووفد من القيادة. كما حضر سفراء مصر نزيه النجّاري، والمغرب محمد كرين، وعمان بدر بن محمد المنذري، والجزائر احمد بو زيان، والامارات حمد الشامسي، والسعودية وليد البخاري ممثلا بأحمد التيماني، والسفير البابوي المونسنيور جوزيف سبيتاري ممثلا بالمطران ايفان سانتوس.

كذلك شارك ممثلون عن رؤساء الطوائف والمرجعيات الروحية، حيث مثل المرجع الروحي لطائفة الموحدين الدروز فضيلة الشيخ امين الصايغ الشيخ اكرم الصايغ، البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الاب ايلي كيوان، ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان مفتي صور وجبل لبنان الشيخ حسن عبدالله، وبطريرك السريان الكاثوليك اغناطيوس يوسف الثالث يونان، المونسنيور جوزيف شانيه، وبطريرك الروم الارتوذكس يوحنا العاشر يازجي المطران كوستا كيّال، وبطريرك الأرمن الارتوذكس آرام الأول كيشيشيان المطران بارين مارتنيان، ومطران بيروت للروم الارتوذكس الياس عودة، ورئيس الكنيسة القبطية في لبنان الاب رويس الاورشليمي، ورئيس الطائفة الآشورية المتروبوليت مار ميليس زيّا المونسيور مترون كوليانا، ورئيس المجمع الأعلى للطائفة الانجيلية في سوريا ولبنان القس جوزيف قصّاب القس جوزيف مراد، وبطريرك الأرمن الكاثوليك ممثلا بالمطران جورج اسادوريان، امين عام دار الفتوى امين الكردي، وممثل العلاّمة السيد علي فضل الله الشيخ فؤاد خريس، ورئيس محكمة الاستئناف الدرزية العليا القاضي فيصل ناصر الدين وقضاة المذهب، ورؤساء لجان وأعضاء المجلس المذهبي ومدير عام المجلس مازن فياض، ومدير عام مؤسسة العرفان التوحيدية الشيخ نزيه رافع، ورئيس مؤسسة الاشراق الدكتور الشيخ وجدي الجردي. كما حضر الأمير عادل أرسلان، وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية، وحشد من الشخصيات والفاعليات السياسية والحزبية والروحية والاجتماعية والإعلامية، ومدراء عامون.
  استُهِلّ حفل الإفطار بآيات من الذِّكر الحكيم تلاها الشيخ بلال المُلّا، وتعريف من رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي الشيخ الدكتور سامي ابي المنى، و أخيرآً كلمة في المناسبة من سماحة شيخ العقل نعيم حسن جاء فيها،

  «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيه المصطفى محمد سيّد المرسلين، وعلى آله وصحبه الطاهرين الطيّبين. أُرحِّبُ أطْيب التّرحيب بكُم جميعاً، في هذه الفسحة الرمَضانيَّة الزكـيَّـةِ التي تجمعُنا على خبْزها وملحِها المباركَيْن باسم الله تعالى، الرَّحمن الرَّحيم. والصَّومُ، في مكنُون معناه، مَنسَكٌ يتقرَّبُ الإنسانُ بسَلكِه، مُكافحاً شرْطَهُ الجِسمانيّ سعياً إلى آفاق الرُّوح التي لا فِكاكَ لها حتماً عن مُثُـل الخيْر والعدْل والحكمة ومحاسن التدبير الرَّشيد العاقل. لقد ارتبط الصَّومُ في الإسلامِ بشهر رمضان المبارك ﴿الَّذي أُنزِل فيه القرآنُ هدًى للنَّاس﴾، وكان قد ارتبطَ في المسيحيَّة بالفِصْحِ، وكِلاهُما يعنِيانِ سبيلَ توبـةٍ وبذلٍ ورحمـةٍ وارتقاء. وبرَكةُ المعاني السامية تجمعُ اللبنانـيّين تحت سقف وطنِهم أينما التقُوا. نسأله تعالى في هذا الأيام المباركة ان يلهمَنا الى كلّ خير، وان يسدِّدَ خطانا في كلّ محمدة، وان ينير بصائرنا ويطهر قلوبنَا، وينقي نوايانا في طاعته.

  الحضور الكريم، لبنان، حين يكونُ حاضراً على سجيَّــتِه، يُخرجُنا من حدُودِ المكان إلى رحابِ فكرتِه الراقية، ويُعتِقُنا من قيودِ فـئويَّاتِنا لنكونَ معاً أساسَ مقوِّماتِ وطنٍ تجاوز عبر مئات السنين حقولَ الجمرِ والرَّماد نحو ائتلافِ ميثاقٍ اجْتماعيّ هو في الحقيقةِ فكرةٌ ضروريَّـةٌ لعالَمِ اليوم الَّذي تفكِّـكُهُ «الهويَّاتُ» المتنازعة، والانقسامات المتسارعة تحت وطأةِ صخبِ الشعبويَّات. عالَـمٌ تعودُ فيه نزعةُ إقامةِ «الأسْوار» العازلة التي هي، بالمناسبَةِ، النَّقيضُ الخالِص لِما علَّمَنا إيَّاهُ وطنُنا لبنان الَّذي، بالرُّغم من كلِّ شيء، وعلى مدى التَّاريخ، ما كاد يقومُ سورٌ بين أبنائه إلَّا وهدموه وحوَّلوه أنقاضاً بقوَّةِ إرادتِهم في «العيشِ معاً «، وبإيمانهم بالمشتركات الإنسانيَّة التي تشدُّ بعضُها بعضاً في ما يحفظونه من تراثِهم من قيـَم وثوابت وأقانيم ليس أقلّها الحرِّيـَّـة والعدْل والمشتركات الإنسانيَّة الـمُستَلهَمَة من الرِّسالات السماويَّة التي بها يؤمنُون، ومن إحساسهِم الحضاريّ المتطلِّع إلى دولةِ المواطنة والحقوق الأساسية والمساواة والخِيار الديموقراطي الحاضِن لكلِّ أبنائها. إنّنا اليوم في هذه المناسبة المباركة، نكرِّر تمسُّكَنا بثوابتنا التي هي في الوقت عينه ثوابت سلامة لبنان وتعزيز صمودِه ونهوضِه. إنَّ المبادئَ الدستوريَّةَ المتجدِّدة في الطائف، وروحَها الميثاقيَّةَ التي لم يكن دونها كيانٌ لبلدنا، هي قاعدة صلبة للحفاظِ على ميزتنا السياسيّة بل والحضاريّة في هذا المكان من العالَم، و لا نرى في الأفق المنظور بديلا عنها، بل نراها ضمانةً لجميع المخلصِين المتطلّعين إلى مستقبلٍ واثق لوطننا لبنان. إنَّنا، في هذه الدَّار داركم، لا نستشعرُ وطنيّاً إلا الأصداء التي تُردِّدها المواقف التي أُطلقت منها عبر السنين الماضية، ومع ما نادى به القادةُ الروحيون على الدوام. الموحدون الدروز ما كانوا يوماً إلَّا دعاة إلى وحدة لبنان عامةً ووحدة الجبل خاصةً، وإلى دعم الدولة القويَّة العادلة وجيشها الوطنيّ، وإلى تأكيد ثوابت العيش المشترك والمصير الواحد. مطلبُنا بناءُ الدَّولةِ بِـبُنيتِها القادرة على مواجهةِ تحدِّي العبور إلى كيانٍ سياسيّ مستقرٍّ بآليَّاته الدستوريَّة، وإلى قضاءٍ عادل، وصحافةٍ حرَّة مخلصةٍ لرسالة الحقيقة، الدولةُ التي تحرِّرنا من بوتقات الطائفيَّة السياسيَّة ومناوراتها الشعبويَّة التي لها أسوأ الأثر في بلدٍ كبلدِنا. والمحافظة على ثروة شبابنا، والمضيّ قدُماً بعزيمةٍ لا تهدأ من أجل تنظيم مسار الماليَّةِ العامة وانتظام إدارتها وخنق مكامن الفساد دون المسّ بحقوق المواطنين وجيوب الفقراء والموظفين، وأيضاً وقف الهدر ومكافحة الفساد ومنع السمسرات والصفقات والعمولات على حساب خزينة الدولة، وبضرائب متوازنة، وبطرق الأبواب الموصدة بوجه كل إصلاح حقيقي. وإنّ الاستفادة من الثروة النفطية يُشكِّل أملاً وإسهاماً أساسياً في الدفع نحو تقليص الفوارق في كثير من المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ولا بُـدَّ من أخذِ مسألة الإنماء المتوازن بكلِّ جدِّيَّـة. إننا نطالب بتحويل وزارة المهجرين الى صندوق انماء الجبل. والمضيّ بمقاربةٍ عمليَّة مدروسةٍ بتطبيق اللامركزيَّة الإداريَّة. ويقينُنا أنَّ ديناميَّة العمل الحكومي والبرلماني برعاية الرئاسة الحكيمة تدفعُ إلى آفاقٍ إصلاحيَّة أساسيَّة، فالحرَكة الناشطة هي أساس الحياة، والمراوحة في مستنقع الأزمات لا تخدم مصلحة أحد. إننا ندعو الجميع إلى التعاضد لمجابهة كافَّة الأخطار، فمناعة الدولة تُحصَّن بمتانة نسيجِها الوطني، ولدينا الثقة بأنَّ الكلَّ قادر في لحظةٍ حاسمة على اجتراح قاعدة الحلول لاستعادة الثقة المحليَّة والدوليَّة باللبنانيين وبقدرتهم المشهودة على استقرار بلدهم.

  الحضور الكريم، يصادف لقاؤنا بكم اليوم ذكرى الانتصار على الاحتلال الإسرائيلي، عيد المقاومة والتحرير، بما يعنيه هذا اليوم من تاريخ وطني يبعث على الفخر بما حققه اللبنانيون في دحر العدو الاسرائيلي الذي شكَّل محطَّة تاريخيَّة مضيئة في تاريخنا الحديث. وفي هذا الشهر الفضيل قلوبنا وعقولنا شاخصة نحو فلسطين. فلسطين التي تصدّت لكل المؤامرات ولا تزال. أقول إنّ الشعب الفلسطيني الصامد سيبقى بعونه تعالى حائلاً دون تجريد قضيته من بعدها السياسي والعربي والإسلامي. والقلق الأكبر هذه الأيام من التوتر الحاصل في المنطقة العربية، دعاؤنا أن يقف الجميع في فسحة النور، وأن تجمعهم إرادة فعل الاخوة والمحبة والتسامح التي من ثمارها الطيبة اللقاء والوقوف على ما يمليه الحق والخير والسلام. ونسأله تعالى أن يمنَّ علينا بلطائف رحمته، وجميل كرمه، وأن يحفظَ أمَّتنا ووطننا من كلِّ ضيْم، إنه هو الحليم الكريم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.»

روحُ عالَمٍ بِلا روح

  لم يخطئ البعض حين قال قبل مئة وخمسين عاماً، أنّ الدين هو «روحُ عالمٍ بلا روح»، أو «قلبُ عالمٍ بلا قلب». كانت ومضة صحيحة، على نحو موضوعيّ وشاعري في آن، أظهرت أن للدين المكان الواسع الرّاسخ في هذا العالم، من دون افتعال أو اصطناع. كان الأمرُ تاريخياً دائماً كذلك، واستمر كذلك حتى زمننا نحن، حين ازدادت المعارف، وتنوعت الثقافات، وتشعبّت العلوم والصناعات في كل اتجاه، ولم يستطع واحد منها مع ذلك أن ينتزع من الدين مكانته العميقة الراسخة في قلوب البشر وعقولهم وضمائرهم.

  كان الله – جلّ جلاله – الخالق والمُدبّر لهذا الكون، في كلّ المراحل، هو المضمون الحقيقي لكلّ اختبار ديني، في كل الجماعات والحضارات، ولكن بمقدار استعدادها لقبول كلمة الله. ولا يخفى أنّ في الأمر حكمة عظيمة، إذ لا يخاطب الحق الناس إلّا بمقدار ما يعقلون ويفهمون ويدركون. هو لا يخاطبهم، ولا يُظهر صورته لهم، إلّا في المُستوى الذي هم فيه، أو بلغوه. ولأن معرفة الله، والإيمان به، هي: «من الأمور الغريزية التي في طبيعة الخليقة أجمع»، وفق تعبير إخوان الصفا، لذلك، عرفت الجماعات البشرية الله دائماً في مستوى معارفها ومداركها، وصولاً إلى المعرفة الأخيرة المتصفة بالتوحيد والتنزيه الكاملين، أي الحق في صورةٍ هي الأقرب للحق، وهو المضمون الأخير لأديان التّوحيد، وللاختبار التّوحيدي العِرفاني في ذروته الحكميّة والإشراقية.

  مُجملُ القول، أنّ ذلك، وبالمعنى المَعرفي العميق، هو ما تفعله مجلة الضّحى منذ عقود، وفي زمن صعب جداً. هي تحاول أن تبقي شُعلة الإيمان مُضاءة في زمن غير مُناسب، وفي عالم بات عقلُه في جَيبه، وخارطة طريقه في غرائزه. هي محاولة في إبقاء بوصلة البشر، وفي مجتمعنا على الأقل، مُتّجهةً الوِجْهة الصحيحة. محاولةٌ، رغم طوفان الشرّ والفساد الطاغي، في التّمسك بما تبقّى من خشبة خلاص: في الاختبار الدّيني عموماً، والاختبار العرفاني على وجه الخصوص؛ وترجمة ذلك في مسلك توحيدي أخلاقي إنساني يستمدّ مضمونه من شرع الله في كلّ دين، وفي كل زمان ومكان. وكما أن لا قيمة لعلم لا يتحوّل عملاً يفيد صاحبه، كما خَلْق الله جميعاً، كذلك لا معنى في إيمان لا يتحوّل علامة مُضيئة على الطريق تهدي صاحبها قبل كلّ شيء، إلاّ أنّها تتحوّل دليلاً أيضاً لكلِّ سالك وعابر في هذه الدنيا الفانية. أمّا مقدار نجاح ما نفعله، فمسألة ثانية، فيما الأولى النِّيّةُ الحسَنة المُتّجهة نحو الخير، ولا شيءَ غير الخير. ونستذكرُ هنا كلمة الإمام علي بن أبي طالب الثّاقبة: «لا تستوحشنّ طريق الحقّ ولو قلّ سالكوه».

  إنَّ قارئ هذا العدد، 28، من الضّحى سيجدُ كما نعتقد الكثير من الفِقرات والتّحقيقات التي تَصبّ مباشرة في مجرى فِكرةِ الضّحى الأصليّة وجوهرِ رسالتها التي ما انفكّت تحملُها وترفعُها رغم صعوبات الزّمان والمكان.

غيابُ القراءة… واغتيالُ العقل النّقدي الحُرّ!

  هذه ليست فكرة سقطت من عابر سبيل، أو مجرّد قول طيّب يتردّد دون سند علميّ موثوق. هي، على العكس تماماً، خلاصة ما انتهت إليه مئات البحوث العلميّة الأكاديميّة، في عشرات الجامعات ومراكز البحث العلمي المرموقة حول العالم. هناك الآن ما يقارب الإجماع على أنّ التطوّرات السريعة التي حدثت في قطاع «السوشيال ميديا» في العشرين سنة الماضية، على مستوى العالم، كما على المستوى المحلِّي الذي نعرفه جيداً، قد انتهت حتى الآن إلى نتيجتين خطيرتين مترابطتين: الأولى، تسارع التحوّل الكارثي الجاري منذ عقدين عن الكِتاب، والصّحافة الورقيّة، نحو الكتاب الإلكتروني والصحافة الإلكترونية، أي الموت الفعلي للكتُب والمجلّات الرّصينة، الثاني، التدهور السريع في الحاجة إلى العقل، والعقل النّقدي الحُر خصوصاً، والقبول دونما اعتراض بالإملاءات والتّنميط وفرض القِيَم والمعايير المُستوردة، والغريبة غالباً عن ثقافتنا وسُلّم قيمنا الاجتماعية والأخلاقية.

  في المسألة الأولى، يقول البحّاثة إنّ التحوّل عن الكتاب الورقي والصحافة الورقيّة إلى البديل الإلكتروني هو تحوّل عن الأصل إلى التقليد، وعن الماء العذب إلى الماء المقطّر والمُصَنّع والمُكَرّر الذي لا يشبه الأصل إلّا في اللون. لقد دمّرَ التحوّل ذاك فعل القراءة – وما فيه من متعة وشَغف وسعادة ومشاركة للنّصّ وللمؤلف – كما دمّر صناعة الكتاب والمكتبات العامَّة، فقضى في عشرين أو ثلاثين سنة على ما أنجزته البشرية في خمسة آلاف سنة على الأقل.

  يريد المُروّجون لهذا التحوّل، بل لتلك الجريمة التاريخية، أن يزرعوا فينا الوهم أنّ النّص هو المعلومات فقط ويمكن بالتالي نيلها بسرعة، بلمحة بصر، وبغير فعل القراءة الهادئة المُتَبصِّرة التي تعوّدناها منذ آلاف السنين. ويريد هؤلاء أن يحجبوا الأبعاد الأُخرى لفعل القراءة وبكل المعاني التي صَنعت عبر التاريخ المُتعلّم والمُثقف والمواطن الصالح والطّبقات الوسطى، فَصَنع الحضارة والثقافة وجعل الارتفاع عن مستوى الحواس وغرائزها أمراً مُتاحاً، مُمكناً، وجميلاً. لقد فات هؤلاء ما بات يؤكّده العلماء، بل الأطبّاء، في عشرات البحوث ومؤدّاه أنّه حين نتوقَّف عن القراءة تصاب فاعليات الدّماغ ونشاط التفكير في العقل بالكسل والانحطاط التدريجي ليصل أخيراً إلى ما يشبه الموت العقلي (رمزيّاً)، تماماً كما يحدث الموت الفعلي للجسد وأعضائه ووظائفه حين تتوقّف عضلات هذا الجسد عن كلّ حركة.

  صحيحٌ أنّ القراءة، حسب تعريف الموسوعات المتخصّصة، هي: «استقبال معلومات من الكاتب أو المُرسِل للرسالة، واستشعار المعنى المطلوب….»، لكنّها أيضاً وسيلة للتواصل مع الثقافات والحضارات الأُخرى. كما أنّ للقراءة، وبعد خمسة آلاف سنة من المُمارسة، عوائد أُخرى تُضاف إلى مجرّد فهم النص المكتوب واستشعار معناه. تلك هي وظيفة أوّلية «رسميّة» للقراءة، بينما هي تمتلك، إلى ذلك، فوائد أُخرى جَمّة وتُنتج عوائد في كلّ اتجاه لا تُقدَّر بثمن، على المستوى الفردي والنفسي والشخصي، كما على المستوى الاجتماعي والحضاري والإنساني. انتهت البحوث العلمية المتخصصة إلى أنّ للقراءة، على المُستوى الفردي والشخصي الفوائد الستّ التالية على الأقل، إضافة إلى الوظيفة الأوّلية للقراءة أي فَهم المكتوب. الفوائد الستّ هي كما يلي:

1- تقوية الوصلات العصبيّة وبخاصة لدى اليافعين فـ «القراءة من أكثر الأنشطة التي تُحَفّز الدماغ للقيام بمهامه وتطوّر القدرات الدماغية التواصلية والتحليليّة».
2- تعزيز التّركيز، ولا يخفى أنْ لا عملية تعلّم منتجة دون حدٍّ مقبول من التركيز، وهو ما يعمل عليه المدرّسون والمربّون دون هوادة. القراءة هنا تعزّز هذه المَلَكة، وتجعلها تلقائيّة في الذهن، يلجأ إليها العقل على نحو اعتيادي ودونما صعوبات أو مشقات تُذكر.
3- تنشيط الذاكرة. القراءة تقلّل حتماً وبعد مئات الاختبارات من وتيرة تباطؤ فاعليّة الذاكرة، وتحد من خطر الإصابة بمرض الزهايمر، فقد ثبت أنَّ «القرّاء المُصابين بمرض الزهايمر ظهرت عليهم الإصابة بالمرض في وقت متأخّر مقارنة بغيرهم من غير القرّاء».
4- مقاومة الاكتئاب والتوتُّر. تبيّن بعد تجارب ومراقبة أنّ القراءة تمنح صاحبها آفاقاً رحبة جديدة فتخرجه من سجن التوتّر وعادات الاكتئاب، وإلى ذلك «هي مقاومة للأمراض العصبيّة البسيطة مثل الصداع والأرق».
5- تحفيز الذّهن؛ من فوائد القراءة والمطالعة تحفيز عمليات الذّهن ووظائفه، إذ «يحتاج العقل إلى تحفيز دائم، وقد تختلف هذه المحفِّزات من شخص إلى آخر، ومن عقل إلى آخر، ولكن يبقى أنَّ القراءة هي من دون شك على رأس هذه المُحفِّزات».
6- فرصة إضافية للإبداع. تقدّم القراءة كفعل تقَنيّ، وكإطلالة على حقول شاسعة متنوّعة، باباً إضافياً للإبداع. هي تقترح موضوعات جديدة، مسارات جديدة، ودوافع لن تكون متاحة، أو حتى معروفة، دون فعل القراءة، واكتناه عادتها.

  وبسبب هذه الفوائد المُباشرة الشخصيّة، ركّز التربويّون، والحكومات في أنحاء العالم المُتقدِّم على تنمية فعل القراءة لدى الشباب والكبار، من خلال تخصيص أيام وبرامج وجوائز للقراءة. وركّزوا أكثر على ضرورة زرع عادات القراءة في شخصيّة الأطفال الآخذة بالنّمو واكتساب العادات المعرفية، لما في ذلك من نتائج خَيّرة على المستويات الأخلاقيّة والتربويّة والسيكولوجيّة. وعليه، يجب أن يدرك الآباء والأمّهات، أنّ تعوّدهم القراءة أمام أطفالهم، وإحاطة هؤلاء بالكتب والمجلات، وشرح أهميّتها، سيتركان آثاراً إيجابيّة مستقبليّة على توجّهات أطفالهم، وميولهم، وعاداتهم، وعلى نوع الأهداف التي يضعونها نُصب أعينهم. وليس غريباً بالتالي أن يتضمّن مقياس تَحَضُّر أية جماعة معدّلاً وسطيّاً بعدد الساعات التي يصرفها الفرد يوميّاً أو أسبوعيّاً في القراءة. ولا لزوم للقول، وقد بات معروفاً في الإحصاءات الدوليّة، أنّ معدلات القراءة في العالم العربي بعامة هو متدنٍّ جدّاً ولا يتناسب مع الدور البارز الذي لعبه العرب قديماً في الثقافة العالمية، ولا مع امتلاكهم حافزاً دينيّاً كي يقرأوا، ليس له مثيل، إذ إنَّ أول ما خاطب به جبريل محمَّد(ص) قال له: إقرأ.

  أمّا إذا أردنا التماس أسباب تدنّي معدّلات القراءة عموماً في العالم العربي، لوجدنا في طليعتها مستوى الأُميّة العالي الذي لا يزال مُهيمناً على النّساء في العالم العربي (أُميّة قراءة تبلغ الثّلثين)، كما على شرائح اجتماعيّة كثيرة في الأرياف والأطراف وبين الجماعات المُهَمّشة.

  يُضاف إلى السبب البنيوي أعلاه انتشار الاضطرابات وفقدان الأمان وحالات التّهجير والتسرّب المُبكر من المدرسة وعمالة الأطفال في معظم أجزاء العالم العربي، ما يجعل القراءة بما تعني الإقبال على الكتاب مطلباً ثانويّاً وفرعيّاً قياساً بما هو أكثر خطراً، ماديّاً ووجوديّاً.

  يُضاف إلى السّببين الكبيرين، أعلاه، المانعين لاكتساب عادة القراءة عند الفرد العربي، سبب ثالث بات ملموساً في مُعظم المجتمعات العربية، لدى الأطفال واليافعين على وجه الخصوص، كما لدى الكبار عموماً وهو التحوّل عن الكتاب الورقي والمطبوعة الورقية إلى شاشات مُضيئة مُسطّحة (أو مُقعّرة) تحت مسمّيات عدّة: من التلفزيون إلى الإنترنت وساعات البث طوال النهار والليل، وما يسمّى وسائط التواصل الاجتماعي (وهي غير اجتماعية كُليَّاً لأنَّها تُحيل الطفل واليافع إلى فرد شديد العزلة وأحياناً إلى فرد عدواني). الصورة هي التي تهيمن على هذه الشاشات الخادعة. والصورة المسطحة التي تُقدَّم للمشاهِد لا تحتاج في الغالب معرفةً أو علماً أو مهارة قراءة، بل سلسلة طويلة متداخلة من الصُّور والتطبيقات الخادعة، الوهميّة، والآسرة للطفل أو لليافع.

  السبب الأخير يضعنا مباشرة في المسألة الثانية وهي اجتياح ما يُسمَّى بـ «السوشيال ميديا» للعقل البشري، وتجريده فعليّاً من أهمّ ما حققه عبر التاريخ: حُرّيته وقدرته على الاختيار.

  هذا الدّفق غير العقلاني، وغير المعقول من الإقبال على الشاشات المُضيئة الرَّخيصة (عمداً وعن سابق تصوّر وتصميم) يكاد يُدَمّر أجيالنا الشابّة، بتدميره لملكة العقل الحُرّ والنقدي فينا. لقد بات البشر أشياء، لا ذواتاً، موضوعات تتلقّى، لا كائنات تفكّر، «روبوتات» تجري برمجتها بمئة طريقة، مباشرة وغير مباشرة، فتصبح ببَّغاوات بائسة تنطق بما لقّنها إياه مُصَمِّمو البرامج – تُجّار العولمة ومهندسو الشرّ في العالم؛ كائنات تتكلّم، ترتدي، تشتهي، تميل، تستسلم، وفق إرادة مُبرمجيها في الغُرَف المُغلقة. هوَ ذا ما يحدث حين يُحْرَم اليافع من القراءة المُمتعة والتفكير بحرّية لصالح دفق المَشاهِد والصُّور: ويظنّ وسط ذلك أنّه أمام خيارات في التطبيقات لا حدّ لها، بينما هي في الحقيقة تكثيرٌ أو تكرارٌ لخيار واحد إلزامي أمام اليافع، وحدّث بعد ذلك بما شئت عن الأضرار النفسيّة والاجتماعية وحتى الجسدية اللاحقة. وخير سند عمليّ لما نقوله لجوءُ أكثر من عالِم وتقَنيّ في مجال برامج اليوتيوب وتطبيقاته إلى منع أطفاله من استخدامها.

  هذا هو الواقع الأسود الذي لم تتمكن كلّ الدعايات الملوّنة من التَّغطية على لائحة الانحرافات الكارثيّة التي قاد إليها (وصولاً إلى حد طلب الانتحار من المُشاهِد وفق بعض التّطبيقات)؛ كما لم تتمكّن بالتأكيد من تغطية طبيعته الفاسدة والمؤذية، فرديّاً واجتماعيّاً، أخلاقياً ومدنياً، ولنا في مجتمعاتنا أكثر من شاهد على ما نقول (وقد دَلّت إحصائيّات حديثة إلى أنّ 46% من مُستخدمي الإنترنت في العالم العربي إنّما يفعلون ذلك لأجل التّرفيه لا أكثر!).
وحتى لا نُرمى بالغُلوّ والأحكامِ المُطلقة، نستدرك فنقول: إنّه ربّما نجد في تقنيّات التواصل والإعلام السائدة قدراً من الفائدة، الفرديّة والجمعية ولكن شرط أن يُحسنَ الآباءُ والأمّهات والمُربّون على وجه الخصوص، ضبط استخداماتها وحصرها بما هو نافعٌ وخَيّر.

  وبعد، فَلْنُداوِ الجهلَ بالمعرفة، والتأخُّرَ بالعلم، والتّهوّرَ بالحكمة، والمفاسدَ الكثيرة بطلب الخير والنّصح والرُّشد، من حكيم وراشد إذا توفّرا، ومن قراءة الكتاب أوّلاً وأخيراً: فهو خيرُ جليسٍ في جَمْعتنا، وأمتعُ أنيسٍ في وحدتنا. أمّا إذا سُئِلتَ عن فعلٍ فيه الخيرُ التّام والنأيُ عن كلّ شرّ فقلْ: القراءة.

وحدة الجبل، وحدة الوطن

  عاصر التـنوخيّون، أسلاف الموحِّدين الدّروز الأوائل، العبَّاسيّين والسَّلاجقة والفاطميّين والأيوبيّين والمماليك والعثمانيّين، وكانوا ولاة إمارة جبل لبنان. استطاعوا بحِكمتهم وحسِّهم السياسيّ الرَّفيع أن يكونوا عبر أكثر من سبعمائة عام على الأقلّ، حماة ثغور وموضع ثقة سلاطين وحكَّام كتبوا «المناشير» و»الكتُب» في تثبيت مواقعهم وإمْرتهم حتَّى باتت الإمارة تُعرف بـ «جبل الدروز» إلى زمن الشهابيّين كما هو معروف. حافظ التنوخيُّون الموحِّدون على «هويَّة» الأرض، وتمكَّنُوا بحنكةٍ بالغة، أن يجتازوا «محنة» تولية أمراء ترك وشركس على أجزاء كبيرة من جبل لبنان باعتبار أنَّ الأراضي التي يقيمون فيها ليست كلّها «مشاع السلطان»، وأنَّها بعهدتهم كوصايا من أجدادهِم وأسلافهِم الذين ما تخلَّفوا يوماً عن الِّدفاع عنها دفاعَ «المرابِطين» في وجهِ الغزاة وأعداء الأمَّة.

  وحافظَ المعنيُّون من بعدهم على «الأمانة»، بل ذهب الأميرُ فخر الدِّين مذهبَ القادة الكبار في تحصين الأرض، وتعزيز معنى الانتماء إلى المكان، وتوحيد الجيش في غير تمييز بين الطوائف. لُقِّب بالكبير، ليس على قاعدة التمرُّد على العثمانيين كما يحاول البعض من «المؤرّخين» المأخوذين بنزعة «العثمنة» تصويره بعيداً عن الصُّورة الشاملة، بل لأنَّه نافس ولاة طغاة، ولأنَّه استشعر بعمق معنى الحرِّيَّة الكامن في نفوس أهل الجبل كلّهم، بشكل يتجاوز قوقعات العصبيات الفئويَّة، والممارسات السلطويَّة لولاةٍ يشترون المناصب بالحيلة والمال المنهوب. وبات الأمير الكبير رمزاً وطنيّاً من حيث أنه زرع النواة الأولى لفكرة الوحدة الوطنيَّة التي حقَّقها بصورة شبه ملحميَّة في «الجبل».

  نحنُ في تلك الفسحةِ أدركنا هويّـتَـنا الحقيقـيَّـةَ كأبناء بلدٍ جمعتنا فيه أقدارُنا، وبرغم كلّ الصُّعوبات حقَّـقنا صيغةَ العَيش فيه، وظلَّلتنا إمارةُ الجبل عبر مئات السّنين فيما يُشبه استقلالاً ذاتيّاً، بنينا عبرهُ وطنًا جميلاً، وإمكانًا حضاريًّا، بل حُلمًا عشناهُ كان لبنان فيه درَّةَ الشَّرق، وأملَ النّهضةِ الموعودة التي أضاءَ أنوارَها كلُّ بَنيه، واستمرت فيما بعد في السياسة الوطنية الجامعة لمعالي الأستاذ وليد بك جنبلاط.

  قدرُنا أن ندخلَ أحياناً مصهرَ النَّار، لكنَّ قدرَنا أيضًا أن نجدِّد دائماً العهدَ، وأن نستلهمَ العبرةَ العظيمةَ التي يقدِّمُها لنا تاريخُنا، وجوهرها أنَّه بوحدتِنا، وإرادتِنا الجامعة، وميثاقِنا الوطنيّ، نصونُ لبنان، وندرأ عنهُ رياحَ الفتن والويلات. نعم، أن نعودَ إلى الله سبحانه وتعالى، وكلُّنا يقدِّسُه بإرثٍ هو من عين الحضارة الإنسانيَّةِ وينابيعِ خيرها. فكم من ردِّ فعلٍ على رزيئةٍ أصابتنا سمعنا صوتَ المؤذِّن وقرعَ الأجراس متلاحمَين. وكم من مناسبةٍ تجمعُ شملَ اللبنانيِّين في الأفراح والأتراح كلٌّ يحترمُ الآخرَ ويقدِّر الأصُول. البعض يقول خير لك أن تُحتَرم من أن تُحبّ، ونحن نقول في الجوهر والحقيقة هما مقاربتان لا تتناقضان. ذلك أنّ الاحترام الصحيح هو وليد المحبة العميقة. وإذا فُقدت المحبة فيجب ان يبقى الاحترام عنوان العلاقات الاجتماعية. ولمّا كانت محبة المؤمن بالله مصدرها في الحقيقة الرجاء وليس الخشية فقط لذلك فإننا نتوجه برجاءٍ إلى اللبنانيين جميعاً أقيموا على المحبة والتعاطف علاقاتكم وتحرروا من أحقادكم، فالخير لا يتأتى من رحمة ٍينعم بها انسان دون آخر، أو عبثٍ بنظام عام يجرّ إلى فوضى مدمّرة لا خير فيها ولا فائدة منها.

  رسالتنا لكم احفظوا وطننا يا أهل السياسة، لبنان القوي المعافى هو لبنان الموحد وهذه الوحدة لا تكون الا بشراكة وتعايش جميع مكوناته. لبنان لا يُحكم إلاّ بالتوافق ولا تبنى دولة ولا يعزز اقتصاد إلاّ بالإصلاح الحقيقي الجاد. ابعدوا التحالفات السياسية عن علاقاتنا الاجتماعية في الجبل. واحذروا الوقوع في مخططات تهدّد وطننا وسلامته واياكم والانجرار الى الفتن. تواضعوا بالكلمة الطيبة.

  أما على صعيد البيت الداخلي فلا بد من التلاقي، مجتمعنا أسرة واحدة، أخوة أو أبناء عم، مصاهرة، جيرة ورثناها عن آبائنا، بلدة واحدة، ما يضرّني يضرّك، وما يصيبني يصيبك، تربطنا رابطة الدّم الذي يقول المثل: «إنه لا يصير ماء». نمدّ يدنا للجميع دون استثناء، وداركم دار طائفة الموحّدين الدروز هي دار جامعة.

  نسألُ الله العليّ القدير أن يُلهمَنا إلى كلّ ما فيه الخيْر والفلاح، وأن يُنعم بظلال نعمتِه ورحمته وكرمه علينا جميعاً، إنه هو الكريم الحليم، السميع المجيب. 

أنشطة سماحة شيخ العقل، رئيس المجلس المذهبي

في باب أنشطة ومناسبات لعدد مجلة الضّحى (28)، تغطية لمجموعة من الأنشطة والاستقبالات والمناسبات والندوات المهمة والمتميزة المنعقدة طوال الشهور الثلاث السابقة.

يتضمن باب «أنشطة ومناسبات» لهذا العدد استقبالات سماحة شيخ العقل لعدد كبير من المبعوثين الأجانب والسفراء والقناصل، ولعدد من السادة الوزراء والنوّاب والمحافظين، والقضاة، والعلماء، ورؤساء ولممثلي هيئات دينية وخيرية وثقافية واجتماعية وتربوية ومهنية وسواها.

[Best_Wordpress_Gallery id=”19″ gal_title=”استقبالات سماحة الشيخ عدد 28″]

استقبالات سماحة شيخ العقل: هيئات دينية/قضاة
  1. كاهن رعية «سيدة الدر» في المختارة الاب عيد بو راشد تاريخ 21-5-2019.
استقبالات سماحة شيخ العقل: هيئات سياسة ومدنية
  1. عضو تكتل «لبنان القوي» النائب ماريو عون تاريخ 25-4-2019.
  2. وفد من جمعية «الجبل ماراثون» تاريخ 25-4-2019.
  3. عضو تكتل «لبنان القوي» النائب الدكتور فريد البستاني تاريخ 30-4-2019
  4. رئيس عمدة مؤسسات دار الايتام الإسلامية فاروق جبر، والمدير العام للمؤسسات الوزير السابق الدكتور خالد قبّاني، وأعضاء في مجلس العمدة تاريخ 30-4-2019.
  5. وكيل داخلية الشويفات – خلدة في الحزب التقدمي الاشتراكي مروان أبو فرج تاريخ 30-4-2019.
  6. عضو اللقاء الديموقراطي النائب هادي أبو الحسن تاريخ 14-5-2019.
  7. وفد من اسرة جريدة اللواء برئاسة رئيس التحرير الأستاذ صلاح سلام تاريخ 14-5-2019.
  8. وفد من «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» تاريخ 21-5-2019
  9. رئيس الأركان في الجيش اللبناني اللواء الركن امين العرم تاريخ 21-5-2019.
  10. وزير الصحة العامة الدكتور جميل جبق (٢٠-٦-٢٠١٩).

القصرُ الأبيض

على أطراف الصحراء وفي منطقة الحَرّة شرقي جبل حوران، بُني صَرح معماري فريد في نوعه احتار علماء الآثار والمؤرّخون في تحديد زمن بنائه، إنّه القصر الأبيض أو خربة البيضا.

الرحلة من السويداء إلى القصر(1) ليست عادية، فالمسافة تزيد عن المئة كيلو مت، لكن متعة النظر إلى ما يحاذي الطريق ينسيك تعب الرحلة الطويلة. بعد قرية الرّشيدة باتجاه الشرق تبدأ الأرض تأخذ طابعا مختلفاً، فعلى مدِّ النظر ترى الأرض السهليّة ذات التربة الحمراء مفروشة بالحجارة السوداء، وكأن يد الإنسان وضعتها حجراً حجراً بعضها قرب بعض، حتى أنّك إذا لم تقترب منها بدت لك وكأنها قطعة واحدة. وقد يخدعك السراب الذي يسببه انعكاس نور الشمس على الحجارة الملساء وتخال أنك تشاهد بحراً من المياه أمام ناظريك. يرافق الناظر إلى اليسار في هذه الرحلة وادي الشام العميق الذي تحاذيه ضفّتان صخريتان تحاكيان طبيعة المنطقة البركانية.

في الطريق إلى مقصدنا توقفنا عند بئر الرّصيعي على بعد 36 كم من الرشيدة. البئر واحد من عدة آبار حفرتها وزارة الزراعة لخدمة السكان والمارّين من المنطقة وتقديم المياه النادرة فيها على بعد 8 كيلو مترات أخرى يوجد بئر العَيْثة.

قبل وصولنا إلى سدّ الزّلف، وهو المكان الذي كان مقرراً للاستراحة، وصلنا إلى منطقة النّمارة، الجديرة بزيارة خاصة. يوجد هناك مجموعة من الكتابات والرسومات الصفائية ونبع ماء وبقايا معسكر من العصر الروماني. مررنا قرب سد الزلف فوجدنا أنه ليس أكثر من بركة ماء صغيرة، وقد كاد يجف لقلة الأمطار في السنتين المُنصرمتين، لذلك آثرنا أن نكمل رحلتنا علناً نجد مكانا آخر للاستراحة .

وصلنا بئر الزّلف، على بعد 10 كيلو مترات من السد، وهناك كانت استراحة الغداء. إنّ وجود مثل هذه الآبار في تلك المنطقة الصحراوية القاحلة هو بمثابة عودة الروح لمسافر في تلك الأرض.

تمتاز هذه الآبار بوجود حدائق محيطة بها زُرعت بالأشجار والنباتات وبنيت فيها عدة غرف إحداها فوق البئر لحمايته لقد أخبرنا أحد الزملاء أن البناء الموجود فوق البئر بُني في عهد الوحدة، أي قبل 45 سنة.

لم يبقَ من الطريق الطويلة إلى خربة البيضا – مقصدنا – سوى خمسة كيلو مترات كانت الأصعب في هذه الرحلة حيث كانت الطريق الترابية سيئة للغاية، رغم ذلك تابعنا الرحلة بشغف، وقبل الوصول إلى المكان لاحظنا على يسار الطريق بقايا مشروع ريّ لإرواء الأرض المجاورة بعد استصلاحها وزراعتها بالشعير، لكن يبدو أن المشروع توقّف لعدم جدواه الاقتصادية.

وصلنا أخيرا إلى مزار معروف بالمنطقة بمزار (الشيخ سراقة)، وكان علينا أن نسير على الأقدام لمسافة ألف متر باتجاه الشمال الغربي من المزار حيث بدا لنا القصر الأبيض واضحاً من هناك. تحيط بالمزار أراض سهلية خالية من الحجارة، لكن الجفاف واضح عليها، فهي متشققة تصل الشقوق فيها إلى عمق أكثر من 50 سم، وبالكاد استطعنا المشي عليها. فجأة ونحن نسير باتجاه القصر وصلنا إلى أرض ذات طبيعة مختلفة تماماً؛ إنّها صبة بركانية واحدة مترامية الأطراف، وصلنا أولها ولم ندرِ أين مُنتهاها. هناك على هذه الصبة البركانية بُني القصر الأبيض.

لم يبقَ من هذا البناء الجميل سوى مِدماكين أو ثلاثة من جدرانه الخارجيّة (السور) وجدار لإحدى الغرف من الجهة الغربية (يبدو واضحا أنها بُنيت في زمن لاحق للبناء الأصلي حيث استُخدمت في بنائها زخارف ليست في مكانها) وبقايا سبعة أبراج دائرية الشكل ازدان بها سور القصر من زواياه الأربعة ومن منتصف سورِه في الجهات الجنوبيّة والغربية والشمالية. أمّا الجانب الشرقي فقد كان يحتوي على البوابة الرئيسية للقصر.

الجدار الغربي للبناء المحدث (يلاحظ الحجارة المزخرفة المستخدمة في غير مكانها الأصلي) عام 2007.

الفضول قادني لقياس أبعاد البناء الرئيسي للقصر، فوجدته مربّع الشكل يبلغ طول الضلع فيه 65 خطوة. في الشرق دهشنا بوجود ثلاثة حجارة عليها نقوش جميلة وسرعان ما أدركنا أنّها كانت قطعة واحدة لِحِنْت (عتبة) الباب الرئيسي الذي يبلغ عرضه أربعة أمتار ولم يبقَ منه سوى أرضيّة البوابة التي تظهر فيها الثقوب لتثبيت مصراعي الباب. كما هو الحال في ثقوب متشابهة في الحجارة المتكسّرة الثلاثة والموجودة قرب المدخل، ومؤكّد أنها حِنْت (عتبة) الباب. وإذا جُمِعت قطعه الثلاثة المتكسّرة تكون أبعاده نحو أربعة أمتار عرضاً بارتفاع حوالي 75 سم وعمق 50 سم. ولا شكّ أنه من القطع المعمارية النادرة بهذا الحجم. واجهة الحِنْت مليئة بالزخارف، ولا بدّ أنه كان يرتكز على حجرين متشابهين في الزخرفة على جانبي الباب لا وجود لهما في المكان، وهذا ما لم يمكننا من معرفة ما كان عليه الباب من ارتفاع. ويصف رينيه دوسو تلك الزخارف قبل مئة عام في كتابه «العرب في سوريا قبل الإسلام» فيقول: «باب الدخول مُحاط بنوع من الزينة كثير الانتشار في الشام وخاصة في حوران: أغصان كرم تطل من أوانٍ والجزء الأعلى من أسكفة الباب مزيّن بإفريزين من أوراق نبات شوك العاقول، والجزء الأسفل منها قد زُيِّن بمجموعة من الدوائر المتداخلة بعضها في بعض، وقد ظهر فيها عدد كبير من الحيوانات: طيور مختلفة، خيل، أبقار وحشية، وسبع، وثور ذو سنام، وربّما وُجد بينها الفيل والأسماك أيضا. وبين إفريز أشواك العاقول والدوائر المتداخلة يمتدّ غصن كرم، ويتكرّر النقش نفسه فوق الحوائط العمودية، وقد استُخدم هذا النقش بعد ذلك داخل القلعة»(2).

إذا دخلنا من الباب إلى باحة القصر فإننا سندهش لهذه الباحة التي لم تكن بحاجة إلى تبليط في أكثر أجزائها لأنها قطعة واحدة من صبّة بركانية على مساحة تزيد عن ثلاثة أرباع الباحة. أمّا سور القصر الذي لم تزل الأيدي العابثة تقتلع أحجاره، فيتألّف من طبقتين بعرض أكثر من 100 سم متصلتين بمادة الملاط البيضاء، وقد ظهر ذلك واضحاً في الجزء الشرقي للسور الجنوبي حيث يُظهر البياض الناصع لهذا الجزء من السور أنّ حجارته قد سُرقت حديثاّ، وهنا دعوة للمعنيّين بالأمر أن يحموا هذا الصرح الأثري بما بقي منه، ويمكن أيضاً أن يُرمّم بسهولة كون الكثير من حجارته لا زال مرميًّا على الأرض، ويمكن استخدام الحجارة التي بني فيها بناء حديث إلى الشمال من القصر، حيث استُخدمت في بنائه حجارة  من القصر.

مسح أثري وتاريخ البناء

رغم بُعد هذا القصر عن المعمورة بنحو 70 كيلو متراً فقد كان محطّ أنظار معظم علماء الآثار والكثير من الرّحالة. وقد زاره سيريل غراهام عام 1857 وكان أوّل من كتب تقريراً عنه، كما زاره فيتزشتاين والماركيز دي فوغويه، ثم العالم الفرنسي رينيه دوسو، والألماني ماكس فون أوبنهايم. أمّا من الرحالة فقد زاره المصور الألماني هيرمان بورشارت والإنكليزية غيرترود بل وقد التقطت له عدة صور عام 1905. وبقيت خربة البيضا منذ ذلك الحين دون دراسة تُذكر حتى جاء الآثاري الألماني هاينز غاوبة وأعدّ دراسة عن القصر في سبعينيات القرن العشرين.

لا شك أنّ دراسة هاينز غاوبه أكثر أهمية من سابقاتها لاعتماده على ملاحظات من سبقه، ومنهم الفرنسي رينيه دوسو، مكتشف قبر الملك امرئ القيس بن عمرو وقد ذكر أنّه «في العهد الروماني، نشأ في الرّحبة مركز حصين كان على جانب من الأهمية ويطلق العرب على أطلاله قصر الأبيض، أو قلعة البيضاء، لأن جدرانه تميل إلى اللون الرمادي، على أرض من الحجارة البركانية (السوداء) تحيط بالقصر»(3). أمّا غيرترود بل فقد زارت القصر في العام 1905وقد ذكرت أنه بناء روماني مع تأثيرات فارسية وتقول في وصفه: «كانت الخربة على بعد مئة أو مئتي متر داخل البحر البركاني مطلّة على سهل الرّحبة، ويُفترض أنها كانت آخر قاعدة عسكريّة للرومان، أو ربما قبل الرومان. وبدا السّور الخارجي جميلاً جدّاً ومتقن البناء مع أبراج دائريّة على زواياه، وفي منتصف الجدران الجنوبية والغربية والشمالية. ولاحظت بين طبقتي الجدار ما يبدو كأنّه نوع من الملاط. أمّا البوابة الرئيسية في الجانب الشرقي فكانت جوانبها منحوتة ومزينة بطريقة رائعة؛ كرمة وحيوانات ورسومات أخرى وقد صوّرت جميع الأجزاء المكسورة الموجودة في المكان.

والقلعة نفسها أعيد بناء جزء منها في فترات لاحقة من مواد سبق استعمالها في البناء ولكنها بُنيت بصورة سيئة إذ يمكننا رؤية بعض الأفاريز التي بنيت في الجدران في غير مكانها»(4). وإذا كان رأي بِلْ في تاريخ بناء القصر غير دقيق فإنّ ما قام به الألماني غاوبه يُعتبر أكثر دقّة حيث اهتدى إلى الشكل الأساسي للبناء من خلال أساسات الجدران داخل سور القصر أو بالأحرى الجدار الخارجي للبناء، وقد رسم مخطّطاً تفصيليا وإعادة تصوّر لِما كان عليه القصر. بداية، إذ يصف القصر بشكل عام ويحدد «طول كلٍّ من أضلاعه بحوالي ستين متراً، وعرض البوابة بثلاثة أمتار وخمس وثمانين سنتيمتراً تصل ما بين منتصف طرفه الشرقي وساحته الداخلية»(5). أمّا قاعات القصر فتقوم «داخل السور وعلى طول أضلاعه، يبلغ عمقها حوالي 7.6 م ما عدا الضلع الشرقي حيث ينقص عمقها قليلا عن السبعة أمتار. أمّا الشكل الأصلي للبناء فهو واضح لدرجة تمكننا من استخراج تخطيط واضح وأكيد لنظام القاعات. بالإضافة إلى ذلك فإنّ البناء المُستحدث واضح أيضاً، ممَّا يجعل من الممكن تمييز البناء الأصلي من البناء المُستحدث بالنظر إلى التقنية الهندسية المستخدمة في كل منها.

نميّز في البناء المُستحدث مرحلتين معماريتين ترجع أولاها للقرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلادي، وثانيهما للقرن الخامس والسادس عشر. تضمُّ الأولى برجاً في الطرف الجنوبي من البناء والقاعات الواقعة إلى الغرب منه، وتضم المرحلة الأخيرة الأسوار الواقعة في الزاوية الجنوبية الشرقية والضلع الغربي من البناء، كما هو واضح في الرسم باللون الأبيض (البناء الأصلي مُظلّل بالخطوط السوداء)(6).

عن الغرض من بناء القصر «يدلنا نظام البناء على أنّ خربة البيضا استُعملت للسكن لأغراض عسكرية، خلافاً للعديد من الأبنية التي تعود إلى العهد السابق للإسلام المشابهة لها شكلاً وموقعاً، على الحدود الرومانية-البيزنطية. وقد استمرت في تأدية أغراضها السكنيّة حتى بعد إقامة «القصور الصحراوية» العائدة للعصر الأموي.

إلّا أن شكل البناء الفريد غير الموجود في أي بناء آخر يجعل من خربة البيضا مختلفة عن القصور الأموية من أوجه عدة:

  1. كون البناء مكوّن من طبقة واحدة.
  2. العمق القليل نسبيّا لقاعاته.
  3. عدم وجود أروقة محيطة بالباحة، وعدم وجود السقوف المعقودة بالأقباء.

هذه الخواص البارزة توجب استبعاد كون خربة البيضا قد بُنيت في عهد الوليد بن عبد الملك وما بعده «ويضيف «يمكننا الجزم بأنّ أصل البناء لم يكن أمويًّا، ولكن من غير الممكن أيضا أن يكون بانيه غير عربي لأنّ قلة حصانته يجعله خارج نطاق العمارة السورية الرومانية البيزنطية. وعلى ذلك من المرجّح أن يكون بناؤه من الغساسنة، ذلك أن ما نعرفه من أعمالهم العمرانية (الرّصافة، الدير التابع لقصر الحير الغربي، البرج الكائن قرب ضمير والهيّات في حوران) تشير إلى تشابه بينها وبين خربة البيضا… نتبيّن من كل ذلك أنّ خربة البيضا كانت نموذجاً لعمارة سورية سابقة للعهد الإسلامي اقتُدي بها عند بناء القصور الأموية(7).

إنَّ متعة الزيارة لهذا الصرح التاريخي الفريد تجعل المرء يتوق للعودة إليه مرات عديدة، لكن كما ذكرت فإنّ هذا البناء مهدّد بخطر اندثار ما بقي من أطلاله، فكلّما زرناه وجدنا أحجارا مفقودة منه، خصوصاً في سوره الجنوبي… أحد الأصدقاء علّق مازحاً أنّه بحماية مزار (الشيخ سراقة) فأجبته: «إنّ بناء (الشيخ سراقة) أصلاً قد جُلبت حجارته من القصر، فهل هذا هو ثمن الحماية؟!».


المراجع
  1. رحلة لجنة الآثار في جمعية العاديّات – فرع السويداء في 6/4/2007.
  2. دوسو،رينيه،العرب في سوريا قبل الإسلام، دار الحداثة ط أ، ص31.
  3. دوسو، المرجع السابق نفسه ص 28.
  4. الشوفاني، كمال،مذكرات غيرترودبل في جبل الدروز،.دار العوّام، ط أ، دمشق 2008.
  5. غاوبه، هاينز، قلعة البيضا أو القصر الأبيض، دراسة موجزة، الحوليات الأثرية العربية السورية، المجلد الرابع والعشرون 1974، ص 31.
  6. غاوبه، المرجع نفسه ص 102.
  7. غاوبه، المرجع نفسه.ص 105.

فاجعة ظهر البيدر

حطّت بنا الطائرة القادمة من الرّياض في مطار دمشق، لأنّ مطار بيروت كان قد توقّف عن العمل بعد اجتياح العدوّ الصّهيوني في 5 حزيران عام1982. ركبت في تاكسي Volvo، باتجاه بيتي في رأس المتن – لبنان. وبقيت الأمور عاديّة حتى اقتربنا من الحدود، بعدها صرنا نسير على بساط ثلجي عادي حتى وصلنا شتورة.

كان الشاب السوري السائق لطيفاً معي، فتوقّف في استراحة حيث أكلنا وشربنا. ونحن نصعد سيارة الـ Volvo، توقّف بجانبنا سائق تاكسي لبناني يقود سيارة مرسيدس 180 وقال: «بدأت الطريق في ظهر البيدر مستحيلة على السيارات غير المجهزة بالسلاسل المعدنية… بصعوبة وصلنا.أنا ذاهب إلى الشام… فلنكسب الوقت ونتبادل الركاب». رد الشابّ: «الأخ رفيق مكارم مسؤوليّتي… كما يقرّر هو، يذهب معك، ينام في فندق هنا، أو يعود معي لدمشق». وكان عبد الحليم، صاحب التاكسي اللبناني مُقنعاً بكلامه وصراخه، فأقنعني وسلكنا إلى ظهر البيدر، على أمل الوصول إلى رأس المتن. لكن هدوء السائق السوري عوّضه عبد الحليم بصراخه وأخباره ومسجلته العتيقة الأغاني… كان يبتسم ويقطع الكلام عندما افتح النافذة وأجلب الثلج عن الزجاج، حتى وصلنا ظهر البيدر بصعوبة. آخر «طلوعات ظهر البيدر» كان هناك حاجز للجيش السوري (مكان حاجز الدرك اليوم)، لا وجود للعسكر اللبنانيين يومذاك إلاّ في بيروت الغربية حيث قوات المارينز الأميركيين وقوات متعددة الجنسيات.

ما أن وصلنا الحاجز حتى تباطأ سير السيارات وزادت سماكة الثلج، ورأيت جدراناً بيضاء خلّفتها الجرافة خلفها. وعندما فتح عبد الحليم نافذته عرفنا مدى اشتداد العاصفة. وبطريقته البيروتية، سأل عبد الحليم العسكري على الحاجز: ماذا يحصل؟ أفاده الجندي، أنتم تسيرون خلف الجرافة وهي بطيئة، والعاصفة اشتدت وتتراكم الثلوج بسرعة، عودوا إلى شتورة أفضل. لكنّنا أكملنا حتى توقفت الجرافة. لا نعرف لماذا، وتوقف السير. انتظرنا دون جدوى، ثمّ خرجنا من السيارات لنكتشف أنّنا في الجحيم.

كنّا بصعوبة نتنفّس، ابْيَضَّ شارباي من تراكم الثلج، وتجمّد، رذاذ الثلج كالملح في العيون، والرؤية لا تتعدى المتر الواحد. تمسكت بشاحنة متوقِّفة، كانت العاصفة تسحبني بقوّة فلم أستطع.

بصعوبة أدرنا السيارة باتجاه شتورة لنعود، وكلّمنا الشباب على الأرض ليتبعونا… صعُب عليهم برم السيارات بالاتّجاه المعاكس لسيارتنا المجنزرة

أكملنا… وأمامنا سيارتان فقط… وقبل أن تنعدم الرؤية شاهدت السيارات باتجاه حمّانا إلى مسافة بعيدة خلف الجرافة… كنّا على وشك الخلاص لولا أنّ سيارة جيب تجاوزتنا بسرعة، فجأة توقفنا، وإذا بالجيب المدني ينقلب في عرض الطريق (وصاحبه نجيب من ظهور الشوير). حاولنا مع الشباب إعادته، لكن العاصفة كادت تحملنا ولا قوّة لدينا من شدة البرد، فعدنا إلى السيّارات، وإلى الشوفاج ليخفّف عنّا حدّة البرد. سلّمنا أمرنا لله، لأنّ الثلج، وبسرعة البرق، وخلال دقائق، كان يعلو ويعلو دون توقّف. حاولت فتح الباب عند المساء فلم يفتح، ونصحني عبد الحليم ألَّا أحاول الخروج إلى المجهول لأنّنا لا نعرف أين نحن، وقد ضاعت المعالم بانعدام الرّؤية وسرعة العاصفة وصفيرها، وهذا الملح إنَّه الموت والجحيم في الخارج.

كان الدعاء السبيل الوحيد لي ولعبد الحليم… بعد ما غطى الثلج باب السيارة حتى الزجاج. وبكى العجوز عبد الحليم لمّا أخبرته أنّي قادم لأرى أبي وهو على شفير الموت، وأني طُرِدت من عملي لأجل هذا، وقد توسّطت حتى وجدت مقعداً لي في الطائرة. قال: من اتّكل على الله حق الاتكال فهو حسبه.

كان الثلج يلتصق كالقطن بالزجاج، وكلما أطفأ السائق محرّك السيارة ليوفّر البنزين لأجل الشوفاج كنت أفتحه قليلاً فأسمع الصّفير ولا أحسّ بشيء من الدفء.
فجأة ضرب شيءٌ ما بقوة على الزّجاج. فتحته قليلاً، فإذا الطارق «أخمص كلاشنكوف بيد جندي سوري!». قال وهو يهتزّ من برد وعنف العاصفة: اخرجوا كي لا تموتوا في السيارة. قلت أنا: «إلى أين؟» قال إلى المركز قريب من هنا… هيّا… لا وقت لدينا… ستُطمَرُ السيارات بالثلج قريباً… يلْلَا… وأمرني: افتح الشباك لنسحبك… سحبوني، وبقي عبد الحليم ينتظر الفرج. اقولها للأمانة وللتاريخ، إنّ ركّاباً كُثُر في أكثر من مئة سيارة رفضوا الخروج مع الجيش العربي السوري إلى برِّ الأمان، وخصوصاً ممّن كانوا يصطحبون معهم النساء!

وصلت المركز، وتعرّفت على أشرف إنسان، الضابط رياض من حلب. شكي لي سوء العاصفة وسوء هذا الشّعب اللبناني العنيد. بعد أكثر من ساعة كان الشبح الأبيض يغزو الأرض بسرعة… إلى جانب (الصوبيا) جلس الضابط رياض خلف طاولة يخابر قادته، ومعه جنديّان، لم يلبث أن أمرهما بالخروج إلى السيّارات ليعملا على سحب العالقين من جديد، ولمّا عادا، قالا: «تكاد تتغطى السيارات الصّغيرة… وتختنق الناس». وقف الضابط مستنفَراً، وقال: «خذوا الشباب وجيبوهم بالقوّة…». ولما خرجوا وهو بحالة جنون، وبدا أنّ عنده خبرة بهذا المجال، قال لي: «الحريم الغائبات عن الوعي أنت دلّكهنّ ليوعوا.. ما بسلّمهن للعسكر…». وبدأوا يسحبون العالقين في السيارات، وُضِعت النّساء في الطابق الأرضي والرجال إلى الطابق السفلي، ما عدا السفير الياباني وكان قد فارق الحياة، فقال شوفوه ولكنّه كان قد مات رافضاً المجيء، وجاء سائقه الأرمني مع العسكر…

بعضهم لم يحضروا، سيدة واحدة كانت بوعيها، وأخريات كُنَّ على حافّة الموت بحيث يغفو الشخص المتجلّد ويموت بهدوء… وأحضروا بين من أحضروا رجلاً ميتاً عرفت لاحقاً أنّه من آل شيّا. أمّا النّساءُ فقد كانت الصدمة تعتريهنّ عندما يفِقْنَ… الطفل يصحو بسرعة، ثم المرأة أمّا الشاب الذي أتعبني فكان نجيب صاحب الجَيْب، كذلك أتعبني طفل حتى صَحَت جدّته عرفناه من آل الأعور من بلدة قبَّيْع، والصبايا لم أتعرّف عليهنّ إلّا نايفة الاشتراكيّة من صور… وساعدنا أيضاً والد الطفل، حيث كلّمه الضابط رياض… وفي ليل اليوم التالي أرسلوا الزَّحافة الليبيّة فحملت النّساء، وأنا بعد أن مشيت باتجاه المرَيجات مع اثنين من عناصر الجيش اللبناني… ولحسن الحظ لأني كنت سأنازع الموت على الطريق… لم أتُهْ رغم أنّ المنظر كان واحداً بحيث لا ترى إلّا أمامك ….القِصّة طويلة وأنا اختصر.

لم أعرف مصير الرجال الذين نَجَوْا في المركز، ولمّا قال أحدهم للرّجال: انزلوا، سألته أين نحن قال في المرَيجات. هدأت العاصفة بعد خمسة أيام أمضيتها عند آل المصري. عدت ماشيا مع الناس إلى حمّانا ونقلني إلى رأس المتن جيب لشخص من آل بلّوط فوصلت البيت حاملاً جواز السفر فقط. ولمّا أخبرت الناس أنّني مشيت على سطح الكميونات وأعمدة الهاتف، لا سيما في «المناسف»، لم يصدقوني! وبسرعة انتشرت الأخبار حول ما فعلته العاصفة، وكان ضحاياها نحو المئة… وبعد 23 يوماً عدت لأشكر الجماعة في المرَيجات وكذلك الضابط رياض في ظهر البيدر. كانت الجرافة قد جرفت السيارات على خط واحد إلى الوادي مع الثلوج… وكان فوق سطح البوسطة الكبيرة على الخط الثاني حوالي المتر من الثلوج، ومشينا في خندق بين الثلوج تعلو أكثر من ثلاثة أمتار من كل جانب.

الحمد لله نجونا… وألف شكر للضابط رياض من حلب… إذا وصله شكري وأفراد الجيش من رفاقه… وأهلنا آل المصري في المريجات.

مقابلة مع د. غسّان العيّاش

هل زادت أعباء مصرف لبنان اليوم وتحدّياته عما كانت عليه يوم كنتم نائباً للحاكم؟

من حيث الشكل، إنّ المهام التي يواجهها مصرف لبنان اليوم تشبه إلى حدّ بعيد المهام والتحدّيات التي كانت قائمة في مرحلتنا، أي فترة 1990 – 1993. فلا زال المطلوب من مصرف لبنان حماية الاستقرار النقدي وسط العجز المتمادي في المالية العامّة في ظل دولة لا تملك الإرادة أو الخطّة لإصلاح أوضاعها المالية وتضييق الهوّة بين إيراداتها ونفقاتها. وليس استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية وحده هو غاية السياسة النقدية في الماضي والحاضر، بل أيضا المحافظة على معدّلات فائدة معتدلة لضمان نشاط اقتصادي معقول وحماية المجتمع من التضخّم.

لكنّ اليوم، بعد مرور خمس وعشرين سنةً على استمرار المشكلة، أصبحت المهمّة أكثر صعوبة وتعقيداً، بما لا يقاس. فقد تدهورت الأرقام والمؤشّرات تدهوراً خطيراً وباتت التحدّيات في وجه مصرف لبنان شاقّة وبالغة الصعوبة. فخلال ربع القرن الأخير ارتفع الدَّين العام 28 مرّة مقابل ازدياد النموّ الاقتصادي 9 مرّات فقط، فارتفعت نسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلي القائم من 50 بالمئة سنة 1993 إلى نحو 150 بالمئة في الوقت الحاضر. دَيْن الدولة الذي كان في مستوى ملياري دولار وقتها بات الآن في حدود 85 ملياراً.

هذه التطوّرات المقلقة انعكست على ميزانية المصرف المركزي نفسه، إذ وصلت التزامات المصرف تجاه القطاع المالي إلى مستوى تاريخي لا سابق له وتجاوزت مبلغ 125 مليار دولار، فيما كانت هذه الالتزامات في مرحلتنا محدودة وتقتصر على الاحتياطي الإلزامي على ودائع المصارف بالليرة اللبنانية فقط. وتواجه ربحيّة مصرف لبنان وضعاً صعباً بسبب اضطراره باستمرار لمساعدة الدولة على تمويل عجزها وفي الوقت نفسه حماية سعر صرف اللّيرة اللبنانية، وتعزيز احتياطاته النقدية بالاستدانة بكلفة عالية.

الوضع الاقتصادي العام في لبنان يشهد منذ ٢٠١٢ تراجعاً خطيراً في مؤشّراته كافة، هل هي انعكاس لأزمات المنطقة والنزوح إلى لبنان، أو لأسباب اقتصادية وسياسية محلّية؟

الظروف الصّعبة التي يعيشها لبنان اليوم هي نتيجة تزامن وتزاوج الأوضاع الإقليمية المتفجّرة مع السياسات الداخلية السيّئة. الأوضاع المضطربة من سورية إلى الخليج (حرب اليمن) أدّت إلى تقلّص السياحة التي يعوّل عليها الاقتصاد اللبناني كثيراً، وأصيبت الاستثمارات الخارجية المباشرة بتراجع من 10 بالمئة من الناتج المحلّي سنة 2010 إلى 3 بالمئة تقريباً في الوقت الحاضر. وخسر لبنان في فترة قصيرة نصف صادراته الصناعية والزراعية، بسبب تعطّل الطرق البرّية وكذلك بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية في الخليج العربي.

لا ننسى بالطبع العبء الكبير الذي وقع على كاهل لبنان جرّاء نزوح أكثر من 1.2 مليون سوري إلى لبنان هربا من أتون الحرب السورية. انعكس هذا العبء على ماليّة الدولة وعلى الخدمات إضافة إلى ارتفاع مُعدّل البطالة بسبب منافسة اليد العاملة السورية لليد العاملة اللبنانيّة.

لكن هذه الظروف الإقليميّة غير الملائمة ترافقت مع ظروف داخليّة غير ملائمة أيضاً. فالأزمة الإقليمية لم تشكّل حافزاً للدولة لتصحيح أوضاعها بل استمرّت في تمويل عجزها بالدَّين، كما أخفقت في تخفيض منسوب الفساد والهدر في الإنفاق وفشلت فشلاً ذريعاً في إدارة الخدمات العامّة كالكهرباء والنفايات. لا نُغفل توالي الأزمات السياسية في زمن المحنة الاقتصادية. وقد أدّت هذه الأزمات إلى تعطيل المؤسّسات الدستورية تباعاً، فتأجّلت الانتخابات النيابية وعُرْقل تشكيل الحكومة مرّتين وشهدت انتخابات رئاسة الجمهورية فراغاً لمدّة تزيد على السنتين.

د. غسّان العيّاش | نائب حاكم مصرف لبنان سابقاً.

يتصدر الوضع المالي واجهة المشهد في لبنان، ما تقويمك للوضع المالي في لبنان بعامّة، وبخاصّة في موضوع الهوّة الواسعة بين المداخيل المحدودة ومتطلّبات الإنفاق الكثيف؟

الإنفاق المستمر سنة بعد سنة دون إيرادات كافية هو الطريق إلى الانتحار المالي والاقتصادي. أودّ أن أوضح هذه المسألة بصورة أدقّ. يجب أن يكون الدَّين العام متناسباً مع حجم الاقتصاد، أي أن يبقى في الحدود التي يستطيع الاقتصاد تحمّلها. في اتفاق الوحدة الأوروبية مثلاً لا يجوز للدين العام في أية دولة أوروبية أن يتجاوز 60 بالمئة من الناتج المحلّي، وقد اعتُبر هذا المقياس معياراً دوليًّا لأنّه مبني على دراسات معمّقة. في لبنان باتت نسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلي أكثر من 150 بالمئة من الناتج. لذلك، فتعليقي السريع على الوضع المالي للدولة اللبنانية أنّ دينها بات يتجاوز قدرة الاقتصاد اللبناني على احتماله. ولهذا الأمر نتائج سلبية مالية واقتصادية واجتماعية، لا يتّسع المجال الآن لتعدادها.

كما أنّ المسار المالي للدولة يحمل ظلماً فادحاً بحقِّ الأجيال اللبنانية القادمة. فقد استقرّت القواعد المالية في الدول المتقدّمة على أنّ النفقات الجارية يجب أن تموّل بالضرائب والإيرادات الأخرى للدولة، ولا يجوز أن تستدين الحكومة إلّا لتمويل نفقات الاستثمار. فالنفقات الجارية تقع على عاتق الجيل الذي ينفقها لأنّ الأجيال القادمة لا تستفيد منها. أمّا نفقات الاستثمار فيجوز تأجيل سدادها لأنّها تزيد الثروة الوطنية فيستفيد منها الجيل الحاضر والجيل القادم.

واقع الحال في لبنان، ومنذ سنوات، أن النفقات الجارية لا يموّلها الجيل الحاضر كلّها، بل يُترَك قسمٌ منها لأبنائنا وأحفادنا دون وجه حقّ. خلال ربع القرن المنصرم لم تكن إيرادات الدولة كافية لرواتب الموظفين وخدمة الدين العام وحدها. إنّ كل إيرادات الدولة تساوي 70 بالمئة من النفقات الجارية ويترك القسم الباقي مع نفقات الاستثمار للأجيال المقبلة. حُكْم أبنائنا وأحفادنا سيكون قاسياً علينا بدون شك لأنّنا حمّلناهم بعض ما أنفقناه لمصلحتنا، إضافة إلى كلفة الهدر والفساد.

ما حقيقة ومدى خطورة الوضع المالي الآن؟

باختصار، الوضع المالي في لبنان، كما أسلفنا هو وضع خطير ومضرّ بالاقتصاد والمجتمع. ولكنّي لا أشارك الذين يقولون بأنّ لبنان على حافة الانهيار أو أن الانهيار المالي قدرٌ محتوم. فلا زال هناك وقت للإصلاح وتخفيف المخاطر، وإن كان هذا الوقت ليس طويلا. لِنرَى ما ستفعله الحكومة الجديدة التي قدّمت من خلال بيانها الوزاري وعوداً كبيرة للإصلاح المالي، وهو ليس بالأمر السهل.

كيف تُقيّم الهندسات المالية لمصرف لبنان في السنتين السابقتين، هل كانت لمصلحة مصارف وأشخاص أم كان لا بد منها؟

كان الهدف من الهندسات المالية التي ابتكرها مصرف لبنان منذ أواسط سنة 2016 تعزيز احتياطاته النقدية، وسط تراجع رصيد ميزان المدفوعات والنّزف الذي يتعرّض له المصرف المركزي. هذا مفهوم. إلّا أنّ النقد الذي وُجّه إلى هذه الهندسات أنَّ كلفتها عالية، وهي لا تشكّل حلّا دائما بل تسعى إلى شراء وقت محدود فقط. لم يكن الهدف من الهندسات المالية إفادة مصارف أو أشخاص معيّنين، لكن البعض استفاد من هذه الفرصة المستمرّة بمبالغ ضخمة أحياناً، وهم بعض المصارف، ومودعون كبار محظوظون. صندوق النقد الدولي والمؤسّسات المالية الدولية تفهّمت القيام بهذه العمليات استثنائياً في ظل الفراغ في رئاسة الجمهورية، لكنّها طالبت مصرف لبنان بوقف هذه العمليات الاستثنائية ومعالجة المشاكل بالطرق الطبيعية والعادية المتّبعة في عمل المصارف المركزية.

ما حسنات وخطورة الدّور المتزايد الذي بات للمصارف اللبنانية في الملاءة المالية للدولة في لبنان؟ هل هو وضع يد على الدولة؟

يجب التدقيق في ما إذا كانت المصارف تضع يدها على الدولة أم أنّ الدولة تضع يدها على المصارف، من خلال امتصاص نسبة كبيرة من موجوداتها بغرض تمويل العجز.

الحسنة الوحيدة التي أراها هنا أن المصارف كانت حاضرة دائما لتمويل عجز الموازنة في ظل قصور الإيرادات العامّة عن تلبية احتياجات الدولة ومتطلباتها. ما عدا ذلك لا أرى إلّا السلبيات. فإنّ امتصاص ودائع المصارف بمعظمها من قبل الدولة أضرّ إضراراً كبيراً بالاقتصاد والنموّ الاقتصادي وبخلق فرص العمل. فالقاعدة أنّ المصارف هي وسيط يجعل الادّخارات في خدمة القطاع الخاص، لتمكينه من القيام بنشاطه وتوليد النموّ والوظائف. إنّ استئثار القطاع العام بالقسم الأكبر من موجودات المصارف اللبنانية كان عبر السنين عاملاً مُضرّاً بالنموّ الاقتصادي وسبباً في تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدّل البطالة في البلاد.

ما اقتراحاتكم لمعالجة التأزّم الحاصل في لبنان، في الحقلين الاقتصادي والمالي؟

على الصعيد المالي تتمثّل المشكلة كما أسلفنا بالعجز المتمادي والمتواصل في موازنة الدولة، دون أية خطوات إصلاحية لتضييق الهوّة بين النفقات والإيرادات. بالتالي فإنّ العلاج البديهي هو زيادة الإيرادات وخفض النفقات، أوّلا عن طريق منع الهدر ومكافحة الفساد ثم إلغاء النفقات التي يمكن الاستغناء عنها. إنّ مكافحة التهرّب الضريبي مفيدةٌ جدّا خصوصاً أن عدداً من المراجع المطّلعة يقدّر هذا التهرّب بمبلغ أربع مليارات دولار سنويًّا، ما يوازي ثلاثة أرباع عجز الموازنة. ويتركّز التهرّب الضريبي في الجمارك والضريبة على القيمة المضافة وضريبة الدخل.

ومن المتّفق عليه، نظريًّا، أنّ الرصيد الأوّلي للموازنة، أي النفقات من دون خدمة الدين العام، يجب أن يحقّق فائضاً سنويًّا كافياً لِلَجم نسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلي القائم، وهذا أمرٌ غير متوفّر حاليا.

شخصيّاً لن أتقدّم باقتراحات إضافية وسط «سوق عُكاظ الاقتصادي» الذي تعيشه البلاد وكثافة الاقتراحات والاجتهادات والأرقام التي تنهال من كلّ حدب وصوب. بل أكتفي بتأييد التعهّد الذي قدّمته الحكومة اللبنانية إلى «مؤتمر سيدر» بخفض عجز الموازنة بدءاً من السنة الجارية بنسبة واحد بالمئة سنويًّا، وهو التعهّد الذي كرّرته الحكومة في بيانها الوزاري أمام المجلس النيابي. إذا تمكّنت الحكومة من تنفيذ هذا التعهّد فإن عجز الموازنة سيصبح في مستوى معقول بعد خمس سنوات.

هل أنت متفائل بقدرة الحكومة على تنفيذ تعهّدها؟

المُقلق أنّ الحكومة تقدّم هذا التعهّد أمام البرلمان وفي المُنتديات الدولية الداعمة للبنان دون أن تبيّن كيف ستصل إلى هذه النتيجة، خصوصاً ألّا وقت لديها ويجب أن تبدأ العمل دون إبطاء. فاعتباراً من موازنة سنة 2019، التي يُفترض إقرارها في القريب العاجل، يفترض أن تُعْلِن الحكومة عن الإيرادات التي تنوي زيادتها والنفقات التي تفكّر في إلغائها، مع العلم أنّ هذه الخطّة إذا كانت حقيقية ستفجّر بدون شك نوعاً من الصّراع الاجتماعي خارج الحكومة، وربّما داخلها.

فإنّ ممثلي الطبقات غير الميسورة بدأوا أساساً بالاعتراض على أيّة ضرائب تصيب الفئات الشعبيّة أو المساس برواتب موظفي الدولة أو صرف الموظفين.
لا يمكن الاطمئنان قبل أن تُفصح الحكومة عن خطّة حقيقية معزّزة بالأرقام بشأن نواياها حيال الإيرادات والنفقات، وهذا ما يجب إعلانه في الأيام والأسابيع المقبلة. بالنسبة للوضع الاقتصادي الصّعب، لا يمكن التكهّن بتحسينه ورفع درجة النشاط الاقتصادي والخروج من حالة الركود الراهنة قبل لجم مشكلة المالية العامّة، فيما التطوّرات المالية لا تبشّر بالخير في ضوء الارتفاع المتواصل في معدّلات الفائدة. حيث هناك فوائد مرتفعة لا مكان للأمل بانتعاش الاقتصاد ورفع مستوى النموّ الاقتصادي.

جامع الحاكم بأمر اللّه الفاطمي

نبذة تاريخية عن “الجامع الأنور” المعروف لاحقاً بـ“جامع الحاكم”

شُرع في بنـاء «جامع الخطبة» خارج باب الفتوح أحد أبواب القاهرة، في ولاية الخليفة الإمام العزيز بالله (344-386 هـ./ 955-996 م.)، «فكان أوَّل من أسَّسهُ وخطب فيه وصلَّى بالنَّاس الجمعة» كما ذكر المقريزي. ويشير المسبحي إلى أنَّ أساس الجامع الجديد خُطَّ بالقاهرة في شهر رمضان سنة 380 ه. وحين سار الخليفة إلى الصَّلاة فيه بعد نحو عام، «كان بين يديه أكثر من ثلاثة آلاف مُصَلٍّ.

ثمَّ يردُ في أحداث العام 393 ه. /1002 م. أنَّ الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله (386-411 ه./ 996-1020 م.) أمر «أن يتمَّ الجامع… وقدَّر له نفقة…». وفي سنة 401 هـ. «زيد في منارته وعُمل لها أركان طول كلّ ركن مائة ذراع. وفي سنة 403 ه. أمر الحاكم بعمل تقدير ما يحتاج إليه من الحصر والقناديل والسلاسل فكان تكسير ما ذرع للحصر ستة وثلاثين ألف ذراع…». وفي كتاب كريزويل «العمارة الإسلاميَّة في مصر، المجلد الأول» تفاصيل وافية عن الجامع والزيادات فيه، يخلص فيه إلى القول بأنَّ إتمامه كان في النصف الأول من العام 1013 م./ 403 ه. حيث تمَّ افتتاحه رسميّاً بإقامة صلاة الجمعة به (P. Walker). ويقول المقريزي في ذلك: «وأذِنَ في ليلة الجمعة سادس شهر رمضان سنة ثلاث وأربعمائة لمن باتَ في الجامع الأزهر أن يمضوا إليه فمضوا وصار النَّاس طول ليلتهم يمشون من كلِّ واحد من الجامعَيْن إلى الآخَر بغير مانع لهُم ولا اعتراض… إلى الصبح، وصلَّى فيه الحاكم بأمر الله صلاة الجمعة…».

سُمِّي لاحقاً «الجامع الأنور»، وأُقِـرَّ به التَّدريس حيث «تحلَّق في الجامع الفقهاء الَّذين كانوا يتحلَّقون في جامع القاهرة يعني الجامع الأزهر» (عثمان: موسوعة العمارة الفاطمية). ولم يحمل اسم «جامع الحاكم» إلَّا بعد نهاية العهد الفاطمي. ويعتبرُه بول والكر (الباحث الشهير في التاريخ الفاطمي) جزءاً من منظومة «مؤسَّسات التعليم والعبادة» التي كانت موزَّعة في ردهات خاصَّة في «القصر الشرقي الكبير» (مجالس التأويل)، والمساجد، وأهمّها الأزهر والمقس والأقمر والجامع الجديد أي جامع الحاكم (الفقه والتفسير وعلوم القرآن وإقامة الصلاة)، ثمَّ دار العِلم التي سمِّيت دار الحكمة وغيرها (الفلسفة والعلُوم). وأشار إلى اهتمام لافت بالمساجد حيث كان يتمّ تزويدها بنسخ القرآن الكريم من كلِّ حجم «بعضها كُتِب كاملًا بالذَّهب».

وفي العام 703 ه. تعرَّض الجامع لأضرار كثيرة إثر زلزلةٍ ضربت أرضَ مصر والقاهرة وأعمالهما، فأمر الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بإصلاح ما تهدَّم منه. وفي العام 827 ه. شهده المؤرِّخُ المقريزي عياناً فقال: «الجامع الآن متهدِّم». وفي زمن الحملة الفرنسية على مصر (1798 – 1801 م.) استخدمهُ الغزاة حصناً. وظلَّ مُهمَلًا تُستغلُّ المساحات فيه لأغراضٍ شتَّى إلى ما بعد استقلال مصر. وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بذلَ زعيم طائفة «البهرة» جهوداً ومساعٍ لترميم المساجد التي تعود إلى العصر الفاطمي. و»البُهْرة» تفرَّعت من الاسماعيليَّة الذين لهم وجود عريق في بلاد الهند وما جاورها إذ ارتحل منهُم إليها الكثيرون بعد القضاء على الدولة الفاطميَّة من قبَل الأيوبيّين.

وقد أفلح «البُهرة» في زمن الرئيس السادات بالحصول على قرار رسميّ بالإشراف على مسجد الحاكم، وقاموا بترميمه بالشكل الذي نراه به اليوم (صحيفة «العرب»، 22 كانون الأول 2014: البُهرة في مصر.) وورد في التحقيق أنَّ طائفة البُهرة تعتبر صلاة المغرب يوم الخميس هي الصلاة المقدَّسة، وعند دخولها يُحاطُ مسجد الحاكم في القاهرة بستائر خضراء من جميع الاتجاهات، وتتوافدُ جموعُ المصلِّين على المسجد قبيْل الآذان.[Best_Wordpress_Gallery id=”17″ gal_title=”جامع الحاكم”]

خطرُ الفكرِ الإرهابي…

 

أجرى اللقاء في القاهرة رئيس التحرير، بمعيّة الأستاذ فرحان صالح (أمين عام حلقة الحوار الثقافي).

ما هي مخاطر الإقصاء! يقول أخوان الصّفا: لا تُعادوا عِلْما من العلوم ولا تهجروا كتاباً من الكتب ولا تتعصّبوا لأيّ مذهب من المذاهب. بعد ألف عام ماذا
حدث! لِمَ هذا التعصّب والتَّشرذم والإقصاء! إلى أين نحن ذاهبون كعرب وكأمّة إسلامية فرّقتها المذاهب والمِلَل؟كيف انهار الإسلام كمشروع توحيدي. كيف نقاوم ما حدث؟

ما تتكلّم عنه أستاذنا الكريم حقيقة مُرّة، أمّا كيف حدث ذلك، فإنّ تراكمات من الأحداث خلال القرون أنتجت ما نشهده اليوم. ولنبدأ من سنة 1516، يوم دخول العثمانيّون إلى المنطقة العربية… احتلّوا الشام ودخلوا مصر… وبالتدريج حوّلوا الإسلام إلى سلطة واستبداد على مدى قرون. ثم جاء الاستعمار الأوروبي الجديد مع الثورة العلميّة والفكريّة في أوروبا، ودخول عدّة حضارات على الحضارة الإسلامية إنْ بالقوّة أو بالعلم أو بالاستعمار، أو بالثلاثة معاً. كلّها عوامل تُضاف إلى بعضها بعضاً، ومنذ منتصف القرن الثامن عشر ورغم تململ العرب من الحكم العثماني الظالم والذي لم يكن يطبّق الشريعة الإسلامية فعليّاً، بل رفعها شعاراً وأقوالاً، كانت هناك أكثر من محاولة للخروج من هذا الظّلم والاستبداد، ولا ننسى المحاولة الأولى لعلي بك الكبير في مصر والشام والتي أُجهضت على يد السلطان العثماني بفتوى تكفيرية.

وبعد أن كُشِفت صفقة علي بك الكبير من الأسلحة من روسيا وعَلِم السلطان بها، عندها أصدر فتوى بتكفير هذا الرجل ومن معه، كفتوى إسلاميّة تبيح قتله ومطاردته. واقتنع بهذه الفتوى محمّد بك أبو الذهب قائد جيوش علي بك الكبير ففشلت المحاولة الاستقلاليّة التنويريّة الأولى.

ثم جاء نابليون بونابرت، وهنا لا بدّ من التركيز والإشارة أنها كانت أوّل محاولة مباشرة لإيجاد فجوة وتوظيف الإسلام سياسيّاً.. إذ خاطب نابليون المسلمين ببيان تاريخي أظهر فيه حبّه للإسلام وللنبي وللمسلمين وبأنّه خرَّب الكرسي البابوي في مالطة (وكلُّه هراء وكذب) وأنّه إنسان عادل محبّ لهذا الوطن… وهنا بدأت تتجلّى الفتنة وزرع الشّرخ بين المسلمين بل وبين شرائح العرب كافّة، إذ إنّه عندما شكّل المجلس أو الديوان آنذاك في مصر اختار اثنين من الأقباط للمشاركة في الحكم، وهذه الحالة تُعتبر الحالة الأولى التي أيقظت في نفوس أفراد المجتمع أنّ هناك أقلِّية وأغلبيّة وأنّ هناك مشاركة في الحكم والمصالح والصّلاحيات، أمّا هدفها فكان الفتنة والشّقاق وصولاً إلى التّقسيم وليس العكس.

وتابع الدكتور النمنم: كان هذا الحدث بالتأكيد نقطة تحوّل. كان السائد أنّه عند حدوث أي خلل اجتماعي يعمل معاً علماء الأزهر ورؤساء الأقباط وشيوخ العشائر والقبائل في الحلّ من دون الأخذ بعين الاعتبار العدد والأقليّة والأغلبيّة، كشعب واحد وتُحَلّ الأمور على قاعدة العدل إلى أن جاء بونابارت وأظهر هذه المعادلة التقسيميّة… فكانت محاولة لتكريس فكرة الأقليّة والأكثريّة، وخاصّة في تشكيل الديوان فجعل اثنين من الأقباط يمثلونهم، وعند كلّ مفترق يسألون لماذا اثنان فيكون الجواب لأنّكم أقليّة!

والحمد لله فشل مشروع بونابرت وفشل في احتلال مصر والشام لأسباب عديدة عام 1801 وأهمّها مقاومة واتّحاد المصرييّن في وجه الغريب. وجاء محمّد علي ليؤسّس الدّولة الوطنية الحديثة وكان يريد لها أن تكون دولة مدنيّة حديثة، والكلّ يعلم التّكالب العثماني البريطاني الفرنسي على مصر وقيام الدّولة فيها، وحشد المؤامرات ضد محمّد علي… ولكن مشروع محمّد علي صمد رغم كلّ الصعوبات ولو على نطاق أضيق ممّا كان يطمح إليه صاحبه؛ ثم أتى إسماعيل باشا وأكمل المسيرة وأحدث تقدّما ونهضة حقيقيّة.

وأيضا يعود الاستعمار الأوروبي والاستعمار العثماني ليُقصي إسماعيل بحجّة الديون زوراً.. ونصبوا ابنه مكانه، فدخل الاستعمار البريطاني من بابه العريض، وفي نيّته التكفير والتفريق. ومع ابنه خليل محمّد توفيق أصرّوا على إجهاض مشروع محمّد علي تماماً، فبدأ كرومر يلعب لعبة المسلمين/الأقباط لكنّه فشل فشلاً ذريعاً. ومرّت السنوات إلى أن ظهرت الحركة الوطنيّة المصرية على يد مصطفى كامل ومن ثم سعد زغلول، فتمّ خلق ما يسمّى بـ «جماعات إسلاميّة متطرّفة» لكي تكون مسماراً في ظهر الحركة الوطنية وإسفيناً بيننا. تمّ تمويلهم من هيئة قناة السويس والكلّ يعرف التفاصيل لا حاجة بالاستفاضة.

وانتهى الأمر بثورة 1952 المجيدة، فكان أن لعبت هذه المنطقة دوراً كبيرا كان عصر جمال عبد الناصر. طَرد الاستعمار، وتمّ تأميم قناة السويس وكسر أيدي الأعداء في الداخل وجاء دوره ومشروعه للوحدة العربية… (ولعلّه استعجل في الطّرح) وكانت خطّة التّنمية التي قادها ثمّ السدّ العالي الذي كان من أفضل المشاريع وأهمّها خلال حكمه بشهادة العالم. وجاءت أزمة مايو وهي مؤامرة لضرب عبد الناصر، ومن ثم استشهاد عبد الناصر، وأتى الرئيس السادات وقد حلّل البعض أنّ الرئيس السادات استعان ودعم الإخوان لضرب الناصرييّن واليسارييّن، وهذا كلام أعتقد أنّه غير دقيق إنّما امتدّت الفتنة إلى داخل الشّعب المصري.

في 4 فبراير أطلق الرَّئيس السادات مبادرته الشّهيرة… وتقوم على انسحاب إسرائيل مقابل انسحاب القوّات العربية 15 كيلو متراً شرق وغرب القناة وتستمرّ الملاحة.

لا بدّ اليوم من معالجة شاملة لموضوع التّعصب والتّشرذم والانقسام الدّاخلي وإنْ يكن الأهم هو منع التكفير والإقصاء داخل الشّعب الواحد، كما ظهر بعد تفشّي ظاهرة الإرهاب. بغضّ النّظر عن الأسباب ما هي الحلول لهذه الظاهرة بنظركم! وبخاصّة بعد الإصدارات والمقالات التي كتبتموها في الفترة الأخيرة، هل من حل موجود أو معالجة ما؟ أو هل يمكن أن تشرح لنا عبر الضّحى طبيعة هذه الحلول أو المحاولات؟

نعم أخي العزيز، هناك إجراءات رسميّة مُمْكنة، بالتّعاون مع الكثير من المؤسّسات الرسميّة وغير الرسمية بهدف إظهار مدنيّة الدولة. ولكن هذا ليس كافياً، فإنّي أرى الحلّ في إصدار قرار قانوني يلزم الجميع ويُعتبر مجرماً من يقوم بتكفير الآخر وتطبيق هذا القانون عبر الدولة على الجميع، ومنع استخدام كلمة تكفير، أو «عنده عقيدة فاسدة». وفي الدستور، والقانون، في مصر هناك نصّ صريح وواضح بحرّية المعتقد. إذاً، يجب أولاً تطبيق هذا القانون، ثانياً المناهج التربويّة يجب أن تراعي هذا الأمر وتكرّس مفهوم حريّة المعتقد والتعدديّة، ويجب أن تتم مراقبة الكتب داخل المنهج أو النصوص التي تكرّس مفهوم التكفير، ولماذا التّعتيم على أمثال شكيب أرسلان من العشيرة الدرزيّة المعروفيّة، والكتّاب العرب غير المسلمين مثل جرجي زيدان المسيحي الأرثوذكسي، وشبلي شميِّل المسيحي الماروني… تماماً مثل رشيد رضا المسلم السنّي، والجيل القديم كان يتعامل مع هؤلاء وغيرهم… ولم يكن هناك مشكلة بالانتماء، حتى مع اليهود أنفسهم.

خطورة التطرّف، ليس خطورة سياسيّة وأمنية فحسب، بل هي تدفع الكثير وبخاصة من الشباب إلى ردود أفعال مناقضة ومتهوّرة، ومن النوع المتطرّف نفسه: حتى أنّ بعضهم بات يذهب إلى الإلحاد! لماذا! هناك بصراحة من يترك الإسلام اليوم، وبخاصّة من الشباب أو المسلمين المقيمين في الخارج، بسبب التطرّف وبسبب من جهل أو تعصّب أو تكفير بعض القادة للبعض الآخر! التعصّب والتطرف وإقصاء الآخر هو أصل المشكلة.

كان على هؤلاء أن يعودوا إلى سيرة النبي محمّد عليه الصلاة والسلام. كان رمز التسامح ورمز الاعتدال، فأين أنتم ذاهبون إذاً؟ الدّولة المدنيّة هي تكريس للقانون والعدالة وغير مخالفة لتعاليم الإسلام وأسسه. لا يوجد دين في العالم يدعو إلى القتل أو الكذب أو السّرقة… القِيم الأخلاقية متفّق عليها في كلّ دول العالم وكلّ الديانات، فعلامَ التكفير وإقصاء الآخر واستحضار العداوات؟

لذا يجب حماية الإسلام من بعض المسلمين أنفسهم، أي عبر تحريره من المتطرّفين ومن بعض أعمالهم السيّئة التي تشوّه الدّين الإسلامي وتسيء إلى المعتقد وإلى المؤمنين… كذلك حماية النّص من التفسيرات غير العقلانية وغير المنطقية، يجب تحرير نصوص المسلمين من تلك الأعراض الخطرة. وما يؤكد على كلامي حادثة فرنسا: التي أجبرت الرئيس ساركوزي ورئيس الوزراء وعديد من شخصيات فرنسا أن يوقّعوا على بيان من أجل حذف خمسٍ وعشرين آية من القرآن الكريم بحجّة أنها تدعو إلى القتل، ولم يستطع أحد الرّد على ذلك، ومن بين الموقعين على هذا البيان 20 إمام مسلم. هناك إذاً خطر كبير وحقيقي على الإسلام كعقيدة ودين، وكنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للأعمال الإرهابية وتيارات التكفير والإقصاء.

في ظلّ هذه المُعطيات التي أرعبتنا بشكل جدّي نكرّر السؤال، ما هو الحل؟ وما المطلوب من الحكومات والمفكّرين، والإعلاميين قبل سواهم؟

لقد سبقتني في التعبير فأنا ما زلت أقول عن المخاطر المحيطة بالإسلام كعقيدة ودين وهي إنّ ثورة الاتصالات لا أحد يرد عليك، وكلّ عملية يقوم بها داعش يستشهد بآية من القرآن الكريم ويقوم الإعلام بتوزيعها ويقنع العالم كذباً بأنّ الدين يأمر بالقتل.

يا سيدي الفاضل ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون، ولا تعبدون ما أعبد﴾ هل من تسامح أكثر من ذلك؟ هتلر ذبح الناس ولم يستشهد بآية من الإنجيل أو نتنياهو المجرم استعان بالتّوراة؟ لماذا فقط نحن علينا أن نستشهد بالآيات القرآنية من أجل تحليل الجرائم والقتل والكراهية… هذا خطأ كبير فادح مبرمج من أجل زعزعة العقيدة الإسلامية ضد المسلمين وباقي الشعوب وتسري بسرعة البرق وبحجج واهية مدعّمة بمشاهد فظيعة تحت راية الإسلام وبأمر من الله.. هل يعقل ذلك؟ ﴿لكم دينكم ولي ديني﴾ صدق الله العظيم يا أخي ألا يقرؤون هذه الآية؟ لم يقل ديني هو الصحّ والباقي هو الخطأ!

باختصار، مسالة اختطاف الإسلام عبر داعش أو عبر أيّة جهة متطرّفة تسيء بشدة لا لهذه الجماعات فحسب، بل للإسلام نفسه وللمسلمين جميعاً. محمّد علي جناح هو شيعي إسماعيلي وأمير الشعراء أحمد شوقي من كبار المسلمين… منهم من رفض الذهاب إلى الحج… هل هذا يعني هم كافرون! هل أحد شككّ
في إسلامهم!

ما الذي فعلته الجماعات المتطرّفة تلك بالأمة الإسلامية والعربية وقضاياها خلال السنوات الأخيرة؟

أحسنت في طرحك وهذا هو الجواب عن كل الأسئلة، لم تَعُد فلسطين قضيّة العرب، ولم تعد مصر أمّ الدنيا ولا سوريا ولا لبنان ولا ليبيا. كلّ دولة مشغولة بهمومها الداخلية حتى أصبحت إسرائيل صديقة بعض الدّول، بل وأصبح العدوان على سوريا يسرح ويمرح ولا أحد يستنكر لو كانت أيام عبد الناصر لاشتعلت بيروت والقاهرة لنصرة دمشق.

هذا الأمر أصبح شيئاً طبيعياً ولم يعد أحد يقلق على أحد!! هذا ما فعلته تيارات الإسلام السياسي المتطرّفة في الأوطان العربية والإسلامية. فقد دمّروا الانتماء الوطني والانتماء إلى الأمّة تحت شعار محاربة التيارات الجديدة أو التيارات المتشدّدة… ضاع الوطن وضاع الدين بين الحريّات والمحافظين المتشددين… حتى نتنياهو أصبح يتباهى بالقول: إنّنا استطعنا أن نخرق العالم الإسلامي… أين العالم الإسلامي؟ أين وحدة المسلمين؟ نعم الإسلام السياسي، أي توظيف الدين الإسلامي الحنيف لأغراض سياسية، دَمّر على مدى قرون الأمّة الإسلامية وشتَّتها.

لو كان عبد الناصر وغيره من الزعامات العربية التاريخية الكبرى، وأنا لا أدافع عن أحد، لما كان الأمر على ما هو عليه. الزعامات الكبيرة تلك كان لها الدّور الأبرز في الحفاظ على الإسلام، وفي تقديم صورة الإسلام الإنساني المناضل الذي يدافع عن حرية الشعوب ضد إسرائيل وضد المحتل ويرفع أعلى القيم الإنسانية في آن معاً. الوضع الآن مع الأسف مختلف.

هل تعتقد معالي الوزير أنّ التحوّلات السريعة وغير العادلة على مستوى العالم وما يتعلّق بالهويّة بشكل خاص هو سبب إضافي لتشويه الهويّات ومن بينها هويّتنا العربية، ولانتشار الغلو ومن ثم الإرهاب؟

العالم حدث فيه تحوّل كبير بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والذي أفرز القوة العظمى الأولى وهي أمريكا واستطاعت خلال سنوات أن تكوّن ما يسمى العولمة والقرية الكونيّة وبث حضارتها في طول العالم… هذا أمر مفهوم. لكن الغريب هو التحالف بين العولمة وتيّار الإسلام السياسي. فبكل وضوح: أميركا تدعم التطرّف لكنّها تحاربه بالإعلام كما حدث مع ابن لادن وما سبق 11 سبتمبر في نيويورك. لم نسمع من أحد كلمة عن علاقة أمريكا بالتطرّف الإسلامي.

العولمة والإسلام السياسي المتطرّف وجهان لعملة واحدة… وأنا أقول أكثر من ذلك: إنّ المتطرّفين يسكنون في لندن، أي إنَّ الإسلام السياسي هو اختراع الغرب وأوروبا لضرب الأمة الإسلامية وإفشالها.. منذ أيّام نابوليون بونبارت وإلى أيامنا هذه.

فلنكن واقعييّن أيضاً ما يحدث في فرنسا والسّترات الصّفراء لا يصدّقها أحد أنّها بسبب الاقتصاد كلّ هذه التحرّكات هي مشبوهة ومدعومة من خارج فرنسا تستغلّ ظرفاً معيّنا.. لا يمكن للشعوب أن تتحدّى بعد الآن. وفرنسا دولة مدنيّة قوية حديثة كيف استطاعوا اختراقها!

تركيّا، لماذا لا تدخل الاتّحاد الأوروبي؟ هل لأنها إسلاميّة، أم لتحمي نفسها ولعلّ السبب أيضاً من قبل الآخرين.. علينا أن ننظر إلى العالم كلّه بموضوعية.

ماذا سيفعل الشباب البعيد عن الدِّين؟ والذي لا يجد عملاً ولا منزلاً ولا مستقبلاً، لماذا يهرب إلى التطرّف وإلى الإرهاب! ما الحل للجيل الجديد؟ ماذا فعلنا نحن خلال القرن الأخير؟

الأنظمة العربيّة مع الأسف، وهنا لا أتحدّث عن نظام بعينه، أفشلت كل محاولات إنشاء أحزاب ديموقراطيّة علمانية تنير عقول الشباب والمجتمع عموماً، ولم يسمحوا حتى لتيّارات أو مفكّرين مستقلّين، ولا لتعبير الشباب عن مطالبهم المحقّة أو قلقهم… ما حدث في جميع الدّول العربية هو أننا لم ننتبه بشكل جيّد للشباب ولم نعطهم الفرصة للتعبير عن أنفسهم، ولم نحقّق لهم أبسط مطالبهم. ولا سمحت لتحوّل ديمقراطي حقيقي، وكان ذلك سبباً أضيف إلى الأسباب التي أنتجت العنف والإرهاب والتطرّف..

عبد الناصر على سبيل المثال، وعلى قلّة المستشارين الحقيقييِّن، قدّم تجربة لم تكتمل… لم يستطع أحد أن يكمّل مسيرته أو مشروعه أو يرث تاريخه وأفكاره… وعلى الجميع أن يقرأ التاريخ وخاصة مذكرات الرئيس بوش الأب وكتاب كلينتون الذي صدر مؤخّرا… على العالم العربي أن يقرأ ويستفيد من التاريخ ويستيقظ من سباته أو من جهله… والنتيجة واحدة.

أخيراً… أين الكتّاب العرب، أين المثقفون، أين النّدوات، واللقاءات، أين البيانات المشتركة، أين اللغة العربية؟ فعلاً نحن أصبحنا في زمن الجاهلية الأولى، والأكثر من هذا الخوف الذي أصبح يسيطر على العقول فلا أحد يجرؤ أن يكتب بحقّ الفاسدين بل يصبح فوراً خائناً وقد يُقتَل أو يُهَجَّر، أو يهرب كلاجئ سياسي.

نشكر مجلّة الضّحى ونشكر د. محمّد شيّا ونشكر أسرة ومشيخة العقل في لبنان وكل الأخوة المثقّفين المناضلين في لبنان وعالمنا العربي والإسلامي، بوجودهم لن نفقد الأمل… فانهيار المجتمع يبدأ من انهيار الثقافة وموت المثقّفين، ليس جسديّا بل فكريّاً… والسّلام.

مخاطرُ المُبيداتِ الزّراعية

بعد تقدّم العلم والأبحاث والتقنيّات الزراعيّة الحديثة في القرن الماضي، ازدادت معها مصادر التلوّث البيئي والبشري بالإضافة إلى التّجارة الهادفة إلى الرّبح السريع والكثير، خاصّة في موضوع المُبيدات الزراعية. فبقدر اهتمامنا بهذا التقدم التقني السريع، يجب أن يكون اهتمامنا بحماية البيئة المحيطة بنا من آثاره تحقيقاً للغاية الأساسية التي ترمي إليها كل أسباب التطوّر العلمي، ألا وهو الإنسان هذا المخلوق الذي كرّمه الله عز وجل.

إنّ استخدام المبيدات بكافة أشكالها وبمختلف مجالات استعمالاتها، شكلٌ من أشكال التطور العلمي والتجاري، فقد حقّق هذا الاستخدام زيادة فاعلة في الإنتاج الزراعي من الخضار والفاكهة من خلال السيطرة على الآفات التي تصيبها، وإبقاء نسبة الإصابة بها دون مستوى عتبة الضرر الاقتصادية، كما أن استخدام المبيدات في القرن الماضي حقق للإنسان درجة عالية من الحماية والوقاية ضد أخطار بعض الحشرات الناقلة للأمراض والآفات الخطيرة.

الآفة: هي كل كائن حيّ، يُلحق ضرراً مباشراً أو غير مباشر بالإنسان، مثل: الفيروسات – البكتيريا – الفطريات – النباتات الطفيلية العشبية – الديدان الثعبانيّة – العناكب – الحشرات – بعض الفقاريات.

المبيد: هو أيّة مادة كيميائية منفردة أو أيّ خليط من مجموعة مواد تكون الغاية منها الوقاية من أيّة آفة أو القضاء عليها أو تخفيض نسبة تواجدها، بما في ذلك ناقلات الأمراض للإنسان، أو للحيوان، أو للنبات، أو تلك التي تؤدي إلى إلحاق الضرر أثناء إنتاج الأغذية والمنتجات الزراعية والأعلاف، أو أثناء تصنيعها ونقلها وخزنها وتسويقها، كما يُقصَد بالمبيد أيّة مادة كيميائية تُستخدم لتنظيم نموّ النبات أو لإسقاط أوراقه أو لتجفيفه أو لتخفيف الحمل الغزير لأشجار الفاكهة،
أو لوقاية الثمار من التساقط قبل إتمام نضجها.

إلّا أنّ هذه المبيدات قضت على نسبة عالية جدًّا من الحشرات والفطريات والبكتيريا النافعة التي تتطفّل على الكثير من الآفات الضارّة والتي تتغذّى وتصيب النباتات والثمار الزراعية، وتُعَد المبيدات الكيميائية من أكثر المسبّبات في تلوث وتدهور البيئة. وفي غياب الرّقابة الدقيقة والتقيّد بالأُسس العلمية الصحيّة المنظِّمة لهذا الاستخدام، يؤدّي ذلك الى تخبّط المزارعين بين سندانين: سندان مكافحة الآفات التي تصيب مزروعاتهم وانتاج ثمار وخضار نظيفة وخالية من الإصابة بالآفات. وسندان القدرة على تصريف منتجاتهم التي تحتوي على نسبة لا يُستهان بها من الترسّبات الكيميائية. ناهيك عن الدواء المُستخدَم ومصدره وكيفيّة استخدامه والكميّة المستخدمة. إنّ عدم المعرفة بطرق وأساليب الاستخدام الأمثل للمبيدات وطرق الوقاية من أضرارها يؤدي إلى: تلوّث البيئة – الأرض – الثمار – النبات بشكل عام – مياه الينابيع والخزانات الجوفية – الحيوانات والطيور النافعة…

المبيدات والإنسان والبيئة

 عندما اكتشف الإنسان المواد الفعّالة للمبيدات الكيميائية واحداً تلوَ الآخر، كانت اكتشافاته وليدة الحاجة، فكما يُقال: الحاجة أمّ الاختراع، فكانت الأبحاث التي أُجريت على المبيدات هي الأمل لحل مشاكل كثيرة عانى منها المزارعون لسنوات عديدة، فهي مشكلة الآفات على اختلافها واختلاف عوائلها. ولم يدرسوا آنذاك أنّ هذا الحلّ المدهش في نتائجه الأولية سيصبح يوماً ما مشكلة قائمة بحد ذاتها ومن الصعب جدّاً أن نتخلص منها أو نجد حلّاً لها. وقد كانت لهذه الآفات طريقتها الخاصة، فظهرت منها سلالات مقاومة للمبيدات. كان ذلك هو ردّها الحيوي على السلاح المدمّر الذي استخدمه الإنسان ضدّها (المبيدات الكيميائية) وهكذا بدأ الإنسان يبحث عن مبيدات جديدة أكثر تخصّصاً، واستخدم عدّة أنواع وأساليب لمواجهة هذا العدو الخطير الذي يهدد سلامته وأمنه الغذائي وبالتالي دمّر الكثير من البيئة المحيطة به.

إنّ اكتشاف المبيدات واستخدامها العشوائي فيما بعد وعلى الزراعات الكثيفة وسرعة وسائل النقل وكثرة التبادلات التجارية وما يرافقها من انتقال لهذه الآفات إلى بيئات جديدة، وكذلك نتيجة للتوسع الهائل في المساحات المزروعة، والإكثار من استخدامها دون قيد أو شرط، وزراعة النباتات ذاتها في الأرض ذاتها، وتعدّد الأضرار التي سببتها الآفات فقلّصت غذاء الإنسان وحاجياته ومواشيه ونظراً لتسبّبها في نقل الأوبئة والأمراض الخطيرة، أدّت كل هذه العوامل إلى فقدان السيطرة على هذه الآفات الضارة بالإضافة إلى القضاء على نسبة لا يُستهان بها من الأعداء الطبيعية المفيدة بالإضافة إلى تلوّث البيئة.

وفي الواقع لم تكن المبيدات الزراعية بحجم الآمال والتطلّعات المنشودة عند بدء استخدامها. فقضاؤها على الآفات لم يكن متخصّصا وجيّداً، كما أثبتت التجارب أنه لن يكون استخدام المبيدات هو الحلّ في المستقبل، فالكائنات الحيّة (الضارة والنافعة) متعايشة في البيئة مع بعضها البعض منذ بداية الكون.

ومن المهمّ أن نعلم جميعاً أنه لا يوجد مُبيد يخلو نهائيّاً من الخطورة على الإنسان والحشرات النافعة مثل النحل والبيئة بشكل عام، بل إن الخطر عامل مشترك بين مختلف أنواع المبيدات مهما تنوعت مجموعاتها الكيميائية، أو اختلفت صفاتها الفيزيائية، أو تباينت أسماؤها التجارية، مثلاً يوجد العديد من المبيدات تحمل عدة أسماء تجارية ولكن المادة الفعّالة واحدة، إلّا أنّ درجة الخطورة تبقى أمراً نسبيّاً، تشتد في بعضها وتخفّ في بعضها الآخر ولكنها لا تنعدم بأيّة حال.

المبيدات وأخطارها

يقول الدكتور جابر الدّهماني، أستاذ أمراض ووقاية النبات في كليّة الأغذية والزراعة في جامعة الإمارات: إنّ المبيدات الزراعية بوجه عام، عبارة عن مادّة أو خليط من مواد تستخدم في الزراعة لغرض وقاية أو معالجة أو تقليل الآثار الناتجة عن الإصابة بإحدى الآفات الزراعية، مثل مسبّبات الأمراض (الفطريّات والبكتيريا والفيروسات والديدان الثعبانية) والحشرات والأعشاب الضارة وغيرها، وتختلف نوعيّة المبيد باختلاف نوع الآفة المراد محاربتها سواء في التربة أو أثناء الزراعة، لكنها جميعها تحتوي على مواد كيميائية سامّة يُحاط استعمالها بمجموعة من القوانين والشروط الخاصة. ينتج عن مخالفة هذه التعليمات وتجاوزها حدوث المضار الصحية والبيئية التي يتم الحديث عنها اليوم، والتي يمثل أخطرها التعرض لسمّ هذه المبيدات قبل استهلاكها، وذلك حين تصيب فئة المزارعين والعاملين. وقد قدّرت منظّمة الصحة العالمية وبرنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، أنّ هناك ثلاثة ملايين عامل زراعي في البلدان النامية، يتعرّضون سنويّاً إلى حالات تسمم شديدة، منهم ثمانية عشر ألفا يلقَوْن حتفهم، إذ إنّ التعرّض للمبيدات الزراعية يؤدي إلى تطور الأمراض المرتبطة بالأورام الخبيثة والسرطانات، بالإضافة إلى تهيّج الجهاز العصبي، واضطرابات أخرى تؤدّي للوفاة، حتى عند المستهلكين الذين قد يتناولون المبيدات الزراعية التي نمت داخل الخضراوات والفواكه.

أضرار المبيدات الزراعيّة

إنّ المبيدات الزراعية تحتوي على مادة سامة مركّزة التي تؤثر سلباً على البيئة بالإضافة إلى الإنسان:

  • ضعف خصوبة التّربة: تبدأ التربة في فقدان خصوبتها بعد الاستعمال المتكرّر للمبيدات الكيميائية بنحو20سنة فتصبح الأرض غير قادرة على الإنتاج الزراعي.
  • قتل البكتيريا والديدان في التّربة: من المعروف أنّ الكائنات الحية الدقيقة (البكتيريا) هي التي تلعب الدّور الأساسي في تحويل الغذاء إلى النباتات، والديدان التي تتعذّى على التربة وتحوّلها إلى مادّة عضوية، فعند رشّ مبيدات الأعشاب على النباتات البريّة ورش التربة من خلال رش الخضار والمحاصيل الحقلية تقتل الكثير من هذه الكائنات ممّا يجعل التربة فقيرة وغير خصبة لتغذية النبات.
  • تسمّم الإنسان: يؤدّي رش المبيدات الكيميائية من غير الحماية الذاتية إلى تسمّم من قام بعملية الرّش أو من يقوم بتذويب محلول الدواء والذي يساعد في الرش.
  • تلوّث المياه: بعد الرّش المتكرّر على التربة وأثناء فصل الشتاء تتسرّب المبيدات مع مياه الأمطار إلى باطن الأرض وصولاً إلى المياه الجوفية والينابيع والأنهار، ومن ثمّ تعود إلى الفواكه والخُضار ومياه الشّفة.
  • قتل الحشرات والحيوانات المُفيدة: البيئة الجيّدة تحضن الكثير من الحشرات والطيور والحيوانات المفيدة التي تقتات على الحشرات الضارة، فالمبيدات السامة تقضي على هذه الكائنات.
  • تلوّث الخضار والفواكه: يوجد الكثير من المبيدات الزّراعية «جهازيّة» أي تدخل على كافة أجزاء النبتة بما فيها الأجزاء التي تؤكل.
المواد الصالحة للتّربة

الإجراءات الوقائيّة:

يمكن التقليل من أضرار هذه الحشرة باتباع ما يلي:

  • جمع الثمار المصابة ودفنها على عمق يزيد عن 50 سم أو تقديمها لبعض الحيوانات للتخلّص من اليرقات الموجودة ضمنها.
  • عدم زراعة بساتين مُختَلطة من أشجار الفاكهة حتى لا تتعاقب أجيال الحشرة على ثمارها.
  • الاهتمام بالتّقليم المُناسب لكل شجرة يحدّ من إصابتها بالآفات.
  • إزالة الحشائش الضارّة والتي تمثل ملجأً جيداً للآفات.
  • تجنّب وضع أسمدة حيوانيّة خضراء ونفايات عضوية رطبة.
  • حراثة الأرض يؤدّي إلى ظهور الشرانق والتهامها من قبل بعض الحشرات والطيور والحيوانات.

المُكافحة باستخدام المصائد الغذائيّة:

  • تعتمد على تعليق 3 مصائد غذائيّة جاذبة للذّبابة (مادة هيدروليزات البروتين تركيز 5% أو أي مادة مُتخمّرة…
  • يتم تبديل محلول المادّة الغذائية عند امتلائها بالذّباب أو جفافها (على أن يُراعى طمر المُخلّفات وعدم سكب محلول المادّة الغذائية على التراب) أو بعد (٢-٣) أسابيـع من تعليقها.

المكافحة الميكانيكيّة:

أهم الأعمال التي تقلّل من انتشار الآفات:

  • رشّ باليوريا 46% بمعدّل 12 كغ لكلّ 100 ليتر ماء للدونم المغروس بالأشجار المثمرة والأوراق المُتساقطة
    في فصل الخريف.
  • حراثة التّربة حراثة عميقة بعد الرّش باليوريا مباشرة من أجل طمر الأوراق وتحلّلها.
  • جمع الثمار المُصابة والعالقة على الأشجار وحرقها أو طمرها عميقاً في التربة أو تقديمها لبعض الحيوانات كعلف.
  • تقليم الأفرع المُصابة والتي تظهر عليها التقرّحات وجمع كافّة المُخلفات وحرقها في البستان.

المكافحة العضويّة بواسطة النّحاس:

  • بعد القطاف وفي مرحلة تساقط الأوراق بمعدّل 120 الى150 غرام جنزارة للتنكة 20 ليتر ماء (حسب كثافة الأوراق).
  • الرّشة الثانية في أوائل الرّبيع عند بداية انتفاخ البراعم بمعدل 200 غرام جنزارة ويضاف إليها 100 غرام كبريت مكروني للتنكة سعة 20 ليتر ماء.
الوعي بداية الحلّ

بينّت الأبحاث العلميّة أنّ وسائل الوقاية من مخاطر المبيدات الزّراعية لا يمكن تحديدها، قبل معرفة الطريقة التي تم رش المزروعات بها، لذا فإنّ إدراك المستهلك ووعيه، مسألة أساسية كبداية للحل. فنحن أمام نمطين: الأوّل هو الأسلوب السليم في استخدام المبيدات الزراعية سواء في طريقة الرش أو نسبة المواد المستخدمة ونوعيتها. وهنا لا نحتاج لأكثر من الطريقة التقليدية المتبعة في التعقيم والتنظيف، إمّا بالماء والصابون أو ببعض المعقّمات الخاصة التي تُباع بالأسواق.

أمّا النّمط الثاني: فيتمثّل في الاستخدام الخاطئ للمبيدات الزراعية حين تُستخدم المبيدات الزراعية بكميّات كبيرة بعد نمو النباتات فتتغلغل المواد الكيميائية إلى داخل القشرة الخارجية للخضراوات والفواكه، وبالتالي يلزم لتعقيمها والوقاية منها: نزع القشرة الخارجية للمنتجات الزراعية. ممّا يعني أنّنا سنفقد قيمة غذائية من الألياف المفيدة التي توجد في هذه القشور كحدٍّ أدنى للخسارة الغذائية. ويبقى هذا الاستخدام الخاطئ حتماً أقلّ ضرراً من النوع الأكثر خطورة في رش المبيدات الزراعية الذي يلامس التربة مباشرة أثناء عملية معالجة التربة وبكميات مخالفة للعيّنات المحدّدة، أي قبل نمو النباتات ممّا يعني أنّ هذه المواد الكيميائية ستنمو داخل الخضار أو الفاكهة وتصبح جزءاً منها، وفي هذه الحالة لن يفيد التعقيم والتنظيف ويصبح الابتعاد عنها أفضل طرق الوقاية منها.

المسؤوليّة المُتكاملة

وأضافت الدكتورة صِدّيقَة وشي: إنّ الكثير من المستهلكين يسألون عن كيفية معرفة الطريقة التي تم استعمالها في رش منتجاتهم بالمبيدات الزراعية، وهو أمر بالتأكيد قد يستحيل بالعين المجرّدة. وهنا يأتي الحديث عن دور الجهات المعنية، وعلى الناس أن يطمئنوا فليس من المعقول أن تُترَك عملية استخدام المبيدات الزراعيّة بهذه الفوضى والخطورة وإلّا كنّا سنشهد كوارث صحية. فالبلديات والدوائر والهيئات الزراعية في الدولة يجب أن تقوم بمسؤولياتها الكبرى في هذا المجال، بحيث تنظّم عمليات الرش وذلك بتحديد نوعية المواد وكميّاتها، ووضع الأشخاص ذوي الخبرة في المكان المناسب، إلى جانب الحظر التام لأيّة مبيدات سامة وخطرة، سواء في معالجة التربة أو المزروعات، بالإضافة للرقابة الدائمة ليس فقط على المزارع المحلّية، ولكن أيضاً على المنتجات الزراعيّة المستوردة، وآليات شحنها وحفظها وصولاً إلى مراقبة منافذ البيع. ويبقى التحذير الأكبر من محلات البقالة الصغيرة التي قد تستورد من مزارع خاصة، لا تمرّ بهذا الحجم من الرقابة الشديدة على الرغم من كونها مشمولة بالقوانين والإجراءات، ويكثر هذا النمط في المناطق النائية التي يصدر فيها بعض المزارعين مباشرة إلى محال صغيرة لا تتوفر فيها كل شروط الأمن والوقاية.

ملاحظة: يجب التشدّد في الرّقابة على الواردات.

الحجر الزراعي والاتفاقيات الدولية من شأنها تنظيم تصدير واستيراد المنتجات الزراعية، موضحة فيه كافة الشروط الخاصة باستيراد المنتجات الزراعية، أهمها:

عدم إدخال أيّة منتجات زراعية إلى الدولة ما لم تكن مصحوبة بشهادة صحية صادرة من الجهات المختصة في بلد المصدر، ومصدّق عليها من سفارة لبنان لديها إن وُجدت، تُثبت خلو هذه المنتجات المستوردة من الآفات الزراعية والترسّبات الكيميائية والشوائب الضارة بالسلامة العامّة، كما أنه لا يُسمح بدخول المنتجات النباتية إذا كان هناك شبهة في تلوثها بآفات أو بأحد الأمراض الوبائية والمُعدية، وتكون وزارتا الزراعة والبيئة هما الجهتان المسؤولتان عن الرقابة على كافة المداخل الحدودية،(بريّة وبحريّة وجويّة) بحيث تضمن دخول وحفظ ونقل المنتجات الزراعية السليمة والمطابقة لمواصفات الدولة وفق القوانين والنظم المعمول بها.

شرائط لفحص الأطعمة من وجود أي بقايا للمبيدات، متوفّرة في الأسواق العالمية

الفحص الكيميائي والبَيولوجي

يتمّ فحص عيّنات من المنتجات الزراعية للتأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة وخاصة ترسّبات وبقايا المبيدات الكيميائية للمحافظة على الصحة العامة، وفي إطار حرصها على التأكّد من صحّة وسلامة الأغذية التي تُتَداول في الأسواق المحلّية.

موضوع أخذ العينات أمر مهم جداً في عملية  تحليل المواد الغذائية، وإنّه من الضروري أن تمثّل العينة الغذائية التي نقوم بتحليلها الوضع الحقيقي للمادة الغذائية في السوق المحلّي قدر إمكانها. فلا بدّ من وضع نظام يحدّد كيفية أخذ العينات بطريقة تضمن الكشف على محتويات المواد بصورة أكثر شمولية.

وفي حالة وجود أيّة بقايا للمبيدات أو أي شيء بالشّحنة يتم رفضها وخاصة باستخدام تقنية حديثة في المختبر يمكنها الكشف عن المُمْرِضات البكتيريّة أو الملوّثات بالأغذية المختلفة حتى لو كانت بأعداد قليلة والتي تعجز التقنيّات التقليدية عن كشفها.

ومن الضروري جداً أن تكون الإدارة المختصة حريصة دائماً على صحة وسلامة المستهلك والبيئة ومصدراً للثّقة وتكون المنتجات الزراعية على مستوى رفيع من المصداقية في الداخل وعلى الصعيد العالمي ممّا يسهم في تحقيق رؤية تتحقق فيها رفاهية ومقومات العيش والازدهار.

ورفض أي شحنة غذائية غير مستوفاة للوثائق المرافقة وقوانين استيراد الأغذية بالدولة، وأن تكون الشركة المستوردة مُرخّصة وقانونية.

تخفيض عدد المبيدات في السنوات الأخيرة، واستعمال المبيدات البَيولوجية الآمنة والصديقة للبيئة، إلى جانب سَنّ القوانين اللازمة لتداول واستخدام المبيدات في التّربة، هو توجُّه سليم وظاهرة صحيّة تحمي المستهلكين من المخلّفات الخطرة والسامة التي قد تصل إلى التربة أو المياه أو الهواء، وتضرّ بالصحة العامة، بالإضافة إلى أنّ القوانين والإجراءات لم تقتصر فقط على المنتجات الزراعية المحليّة، بل تشمل أيضاً الرّقابة على كلّ الشحنات المستوردة والواردة للدولة عن طريق الحجر الزراعي.

الوقاية والحماية من المبيدات الزراعية هي عمليّة متكاملة تبدأ من دَور الجهات المعنية، ثم تحمل المزارعين لمسؤولياتهم، وصولاً إلى وعي المستهلكين الذين نُخَصِّصهم ببعض النصائح والإرشادات الواجب مراعاتها والالتزام بها.

رشّ المبيدات باتّجاه الأعلى وعلى أشجار مزهرة غير آخذين بالاعتبار النّحل وصحة العامل.

رشّ على الخضار دون الأخذ بالاعتبار السلامة الذاتيّة والبيئية.

استخدام مبيدات بوجود طفل دون ارتداء اللّباس الواقي.

استخدام مُبيدات قديمة ولا دور للسّلامة.

رمي عبوات المبيدات في أماكن تضرّ البيئة.

خلط المبيدات عشوائيّاً.

2019