الإثنين, أيار 18, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, أيار 18, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

مشيخة العقل والهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز

اقامت مشيخة العقل، والهيئة الروحية لطائفة الموحدين الدروز في لبنان، صلاة الغائب عن روح فضيلة المرحوم الشيخ ابو عدنان ركان الأطرش، الذي نعته الهيئة الروحية ومشيخة العقل، “شيخًا صادقًا موحدًا عطوفًا داعيًا بالحق، بالتزامن مع الموعد المحدد للصلاة على جثمانه في سوريا، وذلك في مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي (ق) في عبيه.

وشارك في الصلاة سماحة شيخ عقل طائفة الموّحدين الدروز الشيخ نعيم حسن، والمرجع الروحي الشيخ ابو صالح محمد العنداري، والشيخ اكرم الصايغ ممثلا المرجع الروحي الشيخ ابو يوسف أمين الصايغ، وحشد من رجال الدين والأعيان تقدمهم الشيخ ابو محمود سعيد فرج، والشيخ ابو يوسف أمين العريضي، ووفدٌ من مشايخ مدينة عاليه تقدمه الشيخ ابو مسعود هاني جابر، والشيخ ابو طاهر ريدان شهيب، ووفدٌ من مشايخ العبادية تقدمه الشيخ ابو طاهر منير بركة، ووفدٌ من مشايخ منطقة الشوف تقدمه الشيخ ابو سليمان سعيد سري الدين، والشيخ ابو زين الدين حسن غنّام، والشيخ ابو عفيف رفيق ابو غنام على رأس وفد، ومشايخ منطقة الغرب، وقاضي محكمة المتن الدرزية الشيخ غاندي مكارم، ووفدٌ من مشايخ مؤسسة العرفان التوحيدية برئاسة الشيخ نزيه رافع، ومن مدرسة الأشراق برئاسة الشيخ الدكتور وجدي الجردي، اضافة الى رئيس اللجنة الدينية في المجلس المذهبي الشيخ هادي العريضي، وعدد من أعضاء الهيئة الاستشارية لمشيخة العقل، ومن المشايخ أعضاء المجلس المذهبي، وسائسي المجالس والخلوات الدينية، وجمع ديني من مناطق مختلفة.

وسبق الصلاة كلمة لسماحة شيخ العقل تحدث فيها عن مزايا ومآثر الشيخ الراحل جاء فيها،”

بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعـــــون

الشيخ الفاضل أبو عدنان ركان الأطرش من الأرومة العربيَّة الإسلاميَّة التوحيديَّة التي تجذَّر نضالُها في التاريخ الوطنيّ المشرِّف لسوريا وللأمَّة العربيَّة حتَّى باتت صِنواً للشهامةِ والشجاعةِ وبذل التضحيات، ورمزاً ساطعاً من رموز الوحدة والكفاح رفعاً لراية الوطن الموحَّد بكلِّ أبنائه.

تميَّز الشيخ المرحوم بين قومِه بالأُلفة والمودَّة وحُسن الخُلق، وتحصَّن روحيّاً بالصِّدق وبالنيَّة الطيِّبة وبالقلب المرتاض بأزهار المعاني التوحيديَّة. كان مُحبّاً عطُوفاً صادقاً داعياً على الدَّوام بالحقِّ، حاثّـــاً على التمسُّكِ بجمع الشَّمل ووحدة الكلمة والصفّ، بفائض المحبَّة الجامعة في رياضِ التَّوحيد.

الشَّيخ ركان الأطرش كان متواضعاً، مستنيراً بروحِ الطاعة، ومستأنِساً بالله تعالى، ومستشعراً لطافة السلوك المستكين إلى الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكَر. وكان بكلِّ هذا ذا حضورٍ إنسانيّ يملأ قلُوب مجالسِيه بجمال المحبَّة وأُنس الشَّوق إلى روضة الرِّضى التي حباهُ الله عزَّ وجلَّ بها فهي تتبدَّى منه بالطبع بعيداً عن أيّ تكلُّف.

هنيئاً لمن خُتِم له بالطَّاعة. نسأل الله تعالى له الرَّحمة الواسعة، معبِّرين بأحرِّ مشاعر المشاركة والمؤاساة إلى عائلتِه الكريمة وإلى كافَّة المشايخ الأفاضل في سوريا وشعبها، وإلى كافَّة الاخوان في لبنان وشعبه، سائلين الله تعالى أن يسدِّد خطانا إلى ما يُرضيه، وأن يجمعنا مع السالكين الطائعين، من الَّذين ﴿يستبشِرُونَ بنِعمَةٍ منَ الله وفضْلٍ وأنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤمِنين﴾.

بعد ذلك أقيمت صلاة الغائب عن روح الشيخ الأطرش وتقبل المشاركون التعازي.

من مراسيم تشييع الشيخ ابو عدنان ركان الأطرش في السويداء، جبل العرب

الانتفاضةُ الشعبيّةُ الأخيرةُ،

لم تُفاجئ الانتفاضةُ الشعبيّةُ اللّبنانيّةُ الأخيرة (انتفاضة 17 تشرين الأوَّل) المُراقبين اللّبنانييِّن أو غير اللبنانييّن. فقد كان هؤلاء يتابعون بهلَعِ المسارَ التّصاعُدي الكارثيّ لظواهرَ عدّة مُقلقة في الوضع اللّبناني في السنوات الأخيرة، وأبرزُها:

  • وصول رقم الدَّيْن العام المُتَرتِّب على الدّولة اللبنانيّة سنة 2019 إلى ٩٠ مليار دولار أمريكي، أي ضعافا إجمالي إجمالي الناتج الوطني في لبنان المُقَدّر بنحو 55 مليار دولار تقريباً، (زاد الدّين العام في السنوات الثلاث الأخيرة فقط 18 مليار دولار، 3 مليارات دولار كل سنة في إنفاق استهلاكي لا استثماري) ما يجعل نسبة الدَّيْن العام إلى الناتج المحلّي في لبنان الثانية أو الثالثة في العالم بأكمله.
  • تراجع الإنتاج المَحَلِّي القابل للتّصدير إلى درجة لم يبلغها حتى في أثناء الحرب الأهلية، فبات الميزان التجاري مُخْتِلًّا حتى درجة الكارثة: نُصدّر بملياري دولار أمريكي ونستورد بعشرين مليار؛ ما يعني بين أشياء كثيرة: أنّه مقابل كل دولارين يدخلان البلاد يخرج منها عشرون، وفي حِسْبَة بسيطة دخل البلاد في عشر سنوات بين 20 و 30 مليار دولار بدل الصادرات، فيما خرج منها أضعاف أضعاف أضعاف ذلك ثمن الواردات ممّا يحتاجه ولا يحتاجُه اللبنانيّون.
  • انهيار القطاعين الصّناعي والزّراعي على نحو لم يسبِق له مثيل. ففيما كان القطاعان يشكّلان قبل 20 سنة بين 30 و35 % من الناتج القومي، ويعيلان 50% من اللبنانييّن، أدّت سياسة الأسواق المفتوحة بالكامل وممرَّات التّهريب الكثيف إلى إغراق السوق المَحَلِّي بمنتوجات صناعيّة وزراعيّة أرخص بكثير من تلك التي تُنْتَج محلّيّاً، وأدّت من ثمّة إلى إقفال تدريجي للمصانع أو لنقلها إلى خارج لبنان، وإلى بوار الإنتاج الزراعي الذي بات عبئاً على المزارعين لكلفة خدمته العالية وانعدام الربحيّة فيه. ومع انهيار القطاعين انضمّ عشرات ألوف اللبنانييّن إلى طوابير العاطلين عن العمل، أو الباحثين عن فُرَص عمل في سوق مُتراجع ومُنْحَسر سنويّاً.
  • انهيار مُتَسارع لما تبقَّى من شرائح الطبقة الوسطى نحو أحزمة الفَقر بنسبه المختلفة (والتي باتت تضمّ نحو 50 % من اللبنانييّن) مقابل التّمركز المُتزايد للثّروات في أيدي القلَّة القليلة وعلى نحو خطير ومُؤْذِن بالاضطراب الاجتماعي، فقد بات 1% من اللبنانييّن يملكون 50% من الثروة الوطنية. رافق هذا الانهيار، وأسهم فيه، تراجع المداخيل، وارتفاع أكلاف الحياة والمعيشة، ووصول أرقام البطالة وبخاصّة بين الشباب إلى أكثر من الثّلث، وانسداد فُرص العمل في الداخل أو الهجرة إلى الخارج، واتساع هجرة الأعمال المُنتجة إلى قطاعات طفيليّة مؤقَّتة، والتوظيف الطُّفيلي للأموال في المصارف لا في الإنتاج، واتساع الهجرة من الأرياف إلى مدن الشريط الساحلي ما خلق أزمة سكن حادّة، بالإضافة إلى الوجود الكثيف للأشقّاء اللاجئين بفعل الحرب من سورية ما شكّل ضغطاً على موارد البلاد القليلة في الأصل. 

قادت هذه الأسباب وغيرها إلى ازدياد في حِدّة الأزمة الاقتصاديّة والماليّة والمعيشيّة، الكبرى واليومية، وإلى درجة انتحار عدد من أولياء أمر العائلات الأكثر فَقراً، فتشكّل من ثمَّة مُستودَع اليأس والغضب الذي أَطلق انتفاضة اللبنانييِّن الأخيرة.

ومع ذلك، ولنعترف، فالأزمة ليست مَحَليَّة فقط. فإذا أمعنّا النظر في لوحة العالم الراهن بأسره، لوجدنا أنَّ القاسم المُشترك بين أطراف هذا الكوكب قاطبة، وداخل كلِّ مجتمع، كلمة واحدة: الأزْمة، ثمّ الأزمة، ثمّ الأزمة.

لقد أدّى الطّور الأخير المُتوحّش من الرأسماليّة المُهيمنة (والتي سُمِّيت رمزيّاً: العولمة)، وكذلك التقانة العالية التي بلغت حدّاً أعمى غير مسبوق، وسحب أنظمة الرّعاية الاجتماعية والصحيّة، والكُلفة العالية للحروب الإقليمية أو الأهليّة المُفتَعَلة، إلى إنهاك العالم وسكّانه إلى أقصى الدّرجات. وإذا كان ذلك صحيحاً في البلدان والمجتمعات ذات الاقتصادات القويّة، فما بالك بالبلدان والمجتمعات الهشّة في عالم الجنوب، وبخاصة في مجتمعات المَشرق العربي (مصر، فلسطين، الأردنّ، العراق، سورية، ولبنان). لقد ابتُليَت هذه البلدان والمجتمعات بالعدوان الإسرائيلي المُستمر والشّديد الكُلفة، أوّلاً، وبالسياسات الاقتصاديّة الفاشلة، ثانياً، ثم بأعباء التطوُّرات السياسية السلبيّة بل المُدَمِّرة التي عصفت بالمنطقة منذ سنة 2010.

وفاقم التراجع الاقتصادي والمالي في بلدان الخليج منذ بضع سنوات من حِدّة وقع التّطورات العاصفة أعلاه على المجتمع اللبناني الضعيف والهشّ. وعليه، كان لتراكم الأسباب السلبية تلك أن يبلغ ودونما إبطاء مستوى الأزْمة الحادَّة، ثم الانفجار. وهو ما حدث حقًّا.
ومع ذلك، وبالرَّغم من الأسباب الماديّة والتقنيَّة للأزمة الخانقة تلك، فإنَّ للأزمة الاجتماعيّة والاقتصادية والمالية الضاربة في مجتمعاتنا تحديداً أسباباً أُخرى، أكثر عمقاً، كما أعتقد، وهي باختصار، خروجنا، جماعاتٍ وأفراداً:

  • عن الطّبيعي نحو المُصْطَنَع،
  • عن العقل نحو الغرائز،
  • عن الـ ‘نحنُ’ الجامعة نحو الـ ‘أنا’ الفرديّة، المُقَسِّمة، والقاتلة،
  • عن التّضامُن والتّعاضُد والغيريّة نحو الانشطار الطّبقي والتّنافس الحادّ،
  • عن المبادئ والقِيَم الأخلاقيَّة والإنسانيَّة نحو ما هو مادّي ونفعي بالمعنى الضيّق،
  • وخروجنا، فوق ذلك كلّه، بل تمرُّدِنا على الله، وعلى كلّ شريعة سماويّة أو روحيّة، أو أخلاقيّة، كانت دائماً هي الضّامنة لحياتنا، وبخاصّة في مجتمعنا؛ حياة قائمة على الإيمان والفضيلة والرّضا والقناعة والتعاضد بين أفراد الأُسرة الواحدة والمجتمع الواحد.

تلك هي الثّروة الحقيقيّة لمجتمعنا وعائلاتنا والتي خسرناها يوم خسرنا إيمانَنا وفضائلَنا وإنسانيتنا ومَحبّتنا وتعاضُدنا، بعضنا مع بعضنا الآخر، والمُقتَدر فينا مع الأقل حُظْوةً وقدرة.

ونسأل على المستوى الميكروي الأصغر، بكثير من الصّراحة، هل مَنْ يوازن اليوم بين ما يُدْخِلُه، وما يُنْفِقُه؟ وهل الشبكة الاستهلاكيّة العنكبوتية الشيطانية التي انخرط فيها مُعظم مُجتمعنا، عائلاتٍ وأفراداً، هي حقّاً في باب الضّروري الذي لا يُستغنى عنه؟

وإلى أنْ نَجِدَ الجواب الصّحيح عن السّؤالين أعلاه، وإلى أنْ نستعيدَ ما فقدناه (في زمن العولمة الماديّة الاستهلاكيّة المُتَوحِّشَة) من إيمانٍ، ومحبّةٍ، وتعاضُدٍ، فلن نستعيدَ راحة البال، وطمأنينة الروح، التي كانت لنا، ولا الأمل بمُسْتقبل زاهرٍ نمنحُه لأبنائنا وجيراننا ولمجتمعنا بأسره…

الأزْمة الحقيقيّةُ، إذاً، هي أزْمة أخلاقيّة قبل أن تكون أزْمةً مادّيَّة: أزْمة الخَيارات السيّئة التي أخذتها مجتمعاتُنا في العقود الأخيرة، أو أُجبرت على أخذها، بعيداً عن العقل وعن الله والإيمان والمحبّة…

ما هو مطلوبٌ الآن:

لطالما عَصفت رياحُ الأزمات الصّعبة في أرجاء الكيان الوطني لِعِللٍ تُصيبُ النّظامَ السياسيّ فيه، وليس أوَّلها اضطراب العلاقات وتناقض الأدوار في مراحل مختلفة بين مكوِّناته، كما ليس آخرها الفجوة المُتفاقمة على الدوام في قلب الإدارة نتيجة إهمال الأخذ الصارم بمبادئ الفصل بين السلطات والتَّفعيل الحيويّ الدائم لأجهزة الرقابة والتفتيش والمساءلة.

اليوم، تتبدَّى الأزمة عن تصدّعات مَشهودة تُصيبُ الأسُس التي يجبُ أن تكون راسخةً للاستقرار الاجتماعي حيث إنَّ مؤشّرات الزلزال الاقتصادي لامَسَت الخطوط الحمراء وأكَّدت الحقيقة القاسية بإمكان تجاوزها إلى انهيار لا يَعْرِفُ أحدٌ بالغ مداه. وأقسى من ذلك ما تُرْهِصُ به التداعيات وأكثرُها تأثيراً مخيفاً هو الانهيار الفعلي للثّـقة عند فئاتٍ واسعة من الشعب بالأداء السياسيّ والإداري والمالي وما إلى ذلك من مؤسَّساتٍ.

لا مجالَ في أوقات الضِّيق المصيريَّة إلَّا في الحَثّ على روح المسؤوليَّة في كلّ المستويات. والمسؤوليَّة لا يرقى بجوهرها المعنويّ والإدراكيّ بل والأخلاقيّ إلَّا الالتزام الحكيم الرَّشيد والواعي السَّديد بمقتضيات الواجب الوطنيّ والإنسانيّ بل والضَّميريّ عبر المبادرة فوراً، كلٌّ في نطاقِه، إلى المساعدة في تحقيق التكافل الاجتماعيّ إلى أقصى حدود إمكاناته. ثمَّةَ أوضاع طارئة لا يُمكن أن تُعالَج بانتظار أن يُلْهَمَ من لهم شأن في الوضع الحكومي إلى الصَّواب، بل المُعَوَّل عليه في هذا الوقت، في أوساط مجتمعنا، هو التفاعُل الإيجابي الخلَّاق لكلِّ فعاليَّة اجتماعيَّة شخصيَّة وبلديَّة ووطنيَّة عامَّة قادرة على العطاء أو المبادرة إليه عبر خطط ميدانيَّة فوريَّة واقعيَّة ومدروسة وفعَّالة، مع البيئات المحليَّة والأوساط الواقعة تحت وطأة الصُّعوبات الاقتصاديَّة، للقيام بما يتوجَّب علينا جميعاً القيام به، وهو الخدمة النزيهة، والمساعدة وفق الإمكان، ودعم كلّ الآليَّات الناتجة في هذا المجال لرفع الأعباء، وتخفيف وطأة الأزمة وما يُمكن أن يتولَّد عنها عن مجتمعنا.
ونرى، ولله الحمد، خُطواتٍ لها شأنها في هذا القصد، من قيادات ومؤسَّسات وحتى أفراد، والمطلوب الدَّفع نحو دورة متكاملة في كلِّ البنى الاجتماعيَّة التي لها دورها من دون أدنى شكّ، من الجمعيَّات في كافَّة المناطق، إلى المجالس، إلى الأندية والرَّوابط العائليَّة وما شاكلها. إنَّ الأمرَ الطارئ يعلو فوق كلِّ غرضيَّة، فالخيْر لا نسبة له إلَّا الخيْر عينه. والواجب أن يرتبط كلّ نشاط لكلِّ مبادرةٍ خَيِّرة بالنزاهة والمصداقيَّة العمليَّة والقصْدُ المُخْلِص هو خشبة خلاصٍ مهما قَست الظروف واشتدَّت العواصف.

إنَّ السَّعي في هذا السَّبيل هو أمرٌ مُبارَك، مرتبطٌ بكلِّ قِيَم الخير والمعروف والشهامة والمروءة التي طالما كانت ذخيرة الموحِّدين في كلِّ الأزمنة. إنَّ مجتمعنا، خصوصاً في الأوساط المتعثِّرة اليوم، بحاجةٍ إلى نور هذا الأمل عبر النتائج العمليَّة لـ «نَخْوَة الخير». وكم تعظُم بَرَكةُ هذه الحركة أمام ما يُضادُّها من التباسات وشائعات. إنَّ النقـدَ السليم هو نقد يتوخَّى الخيْر الأفضل، لكنَّه إذا بُنِيَ على افتراءات وأغاليط وظنون وأحقاد فإنَّه لا يعدو كونه معاول هدمٍ في زمن كالح. ولا يجب في كلِّ حال أن يكون هذا الخِيار عند البعض عائقاً أمام أيّ عملٍ إيجابيّ بنَّاء خَيِّر. ولا أمرَ أفضل أمام الله تعالى يوم الحق من العمل الصالح في سبُل الخيْر.

الضُّحى بين العُنوان والمُحتوى

بسم الله الرحمن الرحيم

تيمُّنًا بالذِّكر المبارَك ما جاء في الكتاب المُحكَم: (والضُّحى والليلِ إذا سجى, ما ودَّعك ربُّك وما قَلى, وللآخِرَةُ خَيرٌ لك من الأُولى, ولَسَوف يُعطيك ربُّك فترضى…)  صدق الله العظيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين على عظَمته نتوكّلُ، وبجلالته نستعينُ, ونصلّي ونسلِّم على أشرف خلقه أجمعين.

من نِعَم مولانا العَلِيّ القدير أنْ حملت الضُّحى المجلَّة الفصليّة مُحْتَوًى يُقْرَأُ من عُنوانه. فمُنذ عشرات العقود وهي ولّادة, يتنفّس من خلالها التاريخ, ومَنْ يمتلكُها في حَوْزَته مُنْذُ صدور عددها الأوّل يدرك حقيقة وجدانيّة أهميّة الدّور الذي أدّته في بيئة الموحدين الدّروز مُنذُ تأسيسها بشكل خاص, وعلى الصّعيد الوطني بشكلٍ عام، وقد انعكس مردودُها الفكري على جميع شؤون حياة النّاس في شتّى المجالات الدينيّة والوطنيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة والعلميّة والفكريّة, حيث تتبلوَرُ على صفحاتها ثقافات الشعوب وعلومهم وحضاراتهم, وهي بحد ذاتها مشروعٌ حيويٌّ مُشَكِّلٌ لأنماطٍ واعيةٍ تُعبِّر عن مسيرة المُجتمعات من خلال مكوِّناتها التي تبلورت فيها صفاتُها وخصائصُها المتشكِّلةُ عبرَ الزَّمن، والتي بدورها تُسْهمُ في بروز شخصيتها الاعتبارية, وتُحَدّد هُوِّيَّتَها وتستعرضُ حياتَها اليوميّة وحاجاتِها وتصبغها بطابَعها حسب عوامل تكوينها, وأصول مقوّماتها المستقبليّة التي تُعرَفُ بها كوجود يساهم في بناء حضارة مدنيّة قائمة على الأفضليّة في التَّميُّز البشريّ, حيث تقوم الحضارة على المعادلة الأخلاقيّة في تكوين المجتمعات واستقرارها وضمان استمرارها لتأخذَ مكانَها بين الأُمم والشُّعوب. وهنا يتوقَّف تحديد الشخصيَّة وبروزها حسب المُعطَيات التي تملكُها وتقدّمها للحياة.

ونحن اليوم كطائفة مُوَحِّدة تحكُمنا الانتماءات للمكوّنات التي فرضتها الأحداث الدَّولية على الأمّة وطالتنا أسبابُها ودوافعُها ونتائجُها, فغَدَوْنا تحت هُوِّيَّات لا تسمحُ لنا الخوض في مجالاتها حسب الخصائص المُلزمة بأدبيّات النُّظُم والاستقلال والقوانين التي تدعونا إلى احترامها والتقيُّد بها وبأنماطها المحكومة بالظروف لكلِّ مُكَوَّنٍ نحن فيه, والذي بدوره لم يقدِّم الوسيلة التي تحترم تلك الخصائص حيث ننظر إلى خصائصها نِظْرَةً واقعيّة وموضوعية لأنها حالة بنائية ضرورية تلتقي فيها تلك الخصائص كلوحة فُسَيفسائية تُحقّق جمال المجتمع بألوانه المنسجمة بترابط وطني يقوم على العدل، والاحترام المُتَبادَل وبها تتكامل الشخصيّة الوطنية ضمن كلِّ مكوَّنٍ حيث يتمُّ التعاون البنائي لكلّ فئات الشعب وشرائحه وتعدّدِيّاته. من هنا جاءت الضُّحى منطلقةً من الفكرة التوحيديّة على وجه الخصوص والعموم بالتَّنسيق بين المحتوى الذي يقوم على الرابط الوثيق في تأدية المطلوب بوضع المسألة الوطنية والإنسانية في محتواها، وجعلها قضية أساسية، وهذا ما حصل.

وبكلّ تأكيد وحسب متابعتنا لمحتويات الضُّحى المتنوّعة وإخراجها المُمَيَّز ومستواها الرفيع وليس على الصعيد اللّبناني فحسب، بل انطلقت لِتَعْبُرَ الحدود عربيًّا وإسلاميًّا ومسيحيًّا وإنسانيًّا، والدليل على ذلك تلك العناوين المتنوّعة والثَّرِيَّة في طرح خصائص أهلِها وتعميم دورهم الحضاري والفكري والدُّخول إلى التاريخ من أوسع أبوابه.

وبِدَوْرِنا وبشكلٍ خاص ومن خلال موقعنا في مشيخة عقل الطائفة الدرزيّة في الجمهوريّة العربية السورية نَرى أنّ كلَّ إنجازٍ حضاريّ يخدم مؤسّساتنا في أيّ بلد شقيق هو انجازٌ لنا جميعًا.

إنّنا وبكلِّ تقدير، نَغْبط أهلنا وإخوتنا في لبنان ونخصّ القائمين والمشرفين على مجلَّة الضّحى ونقدِّر جهودهم قائلين لهم إنّ الاهتمامَ المعرفي والإعلامي يستحقُّ كامل الاحترام لأنَّنا أحوج ما نكون إليه في مواجهة صعوبة زماننا وإخراجنا من ضيق الأزمات الفكريّة والمضلَّلة، وتلاقُح التقليد الأعمى, والاستهداف الذي يتناولنا أينما ثُقِفْنا على امتداد تواجدنا.

فالواجب علينا أن نُقَدِّر العواقب بالوقوف على الحقائق المصيريّة المبنيّة على تغليب العقل والحكمة في مواجهة الأعداء التي تعترضنا لأنّنا أدرى بشعابنا, وأعرف بأوضاعنا, وما يدور على الساحة يدعونا إلى ضبط النفس والعمل الدؤوب على وحدة الكلمة والمحبّة واتّقاء الفورة وقمع الفتنة, واتِّخاذ الحيطة والحذر.
ونُهيب بكلّ وسَط إعلامي أن يتواصل مع الأكفاء من قادتنا وشيوخنا وأهل الفضل والعِلم ليقوم كلٌّ من جانبه بمواجهة ما يعترضنا من تطوُّرات ومفاجآت.
ولنعلم جميعًا أنَّ من خصائصنا إملاءات حدّدها المولى تعالى مُنْذُ النُّشوء والتكوين, وقدّمها لنا على كفّة الوعي بمعادلة الحقائق المبنيّة على الصّدق والمعرفة في مطابقةٍ بين آداب الحياة والمسالك الروحانيّة وبها تستقيم لنا الحياةُ الصّالحة.

هذا ما نـأملُه من مجلَّة الضُّحى ومن كلِّ وسط إعلاميٍّ أن تبقى كما عوَّدتنا دائماً، فهي إصدارٌ قيّمٌ، وكتابٌ دَوْرِيٌّ مفتوحٌ أثرى المكتبة التوحيديّة، وتُحْفَةٌ تاريخيَّةٌ ذاتُ هدفٍ نبيلٍ، وهي اسمٌ على مُسَمًّى؛ ذهبيةُ المُحتَوى غنيَّةُ المضمون.

شكرًا للقائمين عليها واللهُ وليُّ التَّوفيق.

2020