الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 30, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

إدارة التغيير في المدرسة

المقدمة

التغيير هو التحوّل من حالة إلى حالة، وتعتبر خاصة من خصائص الوجود التي تمسّ التربية من بدايتها إلى نهايتها. هذه العملية تهمّ التربية في الوقت الحاضر أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً وأن التغيرات في هذا العصر سريعة وشاملة. فإن حدث تغيّر في شأن من شؤون الحياة، فإن ذلك يشمل الشؤون الأخرى، لهذا فإن درجة تقبّل التغيير تختلف من فئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر. وفي الغالب ينتج عن التغيير صراع بين الفئة المحافظة التي تريد إبقاء الحال على ما هو عليه والفئة المجدّدة إلى أن تستقر الحالة الجديدة.

وهناك إجماع بين الباحثين على أن التغيير النابع من المؤسسة (المدرسة) والقائم على الحاجات الأساسية للأفراد هو الأكثر فاعلية والأعمق والأكثر استمراراً من التغيير الذي يؤخذ من خارج المدرسة.

فما هي العوامل المؤدية إلى التغيير؟ وما هي الأسباب المؤدية إلى حدوث مقاومة لهذا التغيير؟ وما أثر ممارسة التجديد من قبل المدراء والمسؤولين التربويين على عمل الفريق التعليمي؟ وما هي القواعد التي تضبط ذلك التجديد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها سيتم التطرق إليها في هذا البحث، علّنا نوفق في تسليط الأضواء على هذه المواضيع، ونشير بشكل أولي إلى أهمية هذه العملية، وما يرافقها من خطوات.

 

لماذا الحاجة إلى التغيير المدرسي؟

١. انفجار المعرفة والتقدم العلمي والتقني والنمو الفكري: ما يفرض على المدرسة مواكبة المستجدات، وتحديث طرق التعليم، واستخدام التقنيات الحديثة، بما يلبّي حاجات المتعلمين، ويؤهلهم للتعامل مع متطلبات العصر وسوق العمل.
٢. تعدّد وتنوّع وسائل الاتصال والتواصل والانتقال: سيما وأن المعرفة لم تعد محصورة في الصف أو الكتاب المدرسي، بل أصبحت متاحة عبر وسائل متعددة، الامر الذي يفرض أخذه بعين الاعتبار.
٣. تعدد وتنوع مصادر التعلم: ما يوجب على المدرسة تجاوز مفهوم المصدر الواحد للمعرفة، فلم يعد الكتاب المدرسي هو المرجع الوحيد، بل ظهرت مصادر متعددة مثل الإنترنت، والوسائط الرقمية، والمكتبات، ووسائل الإعلام المختلفة.
٤. ظهور القادة والمفكرين والمصلحين: الأمر الذي أسهم في تطوير النظم التربوية وتجديد أساليب التعليم، من خلال طرح أفكار ورؤى حديثة تسعى إلى تحسين العملية التعليمية ومواجهة التحديات المعاصرة.
٥. تغيير مركز المعلم والمدير الاجتماعي: فلم يعد المعلم مجرد ناقل للمعرفة، ولا المدير صاحب سلطة إدارية فقط، بل أصبحا موجّهين وقادة تربويين يشاركان في بناء شخصية الطالب وتنمية قدراته.
٦. التغيير والتطوير في الرعاية الأسرية: هذا الواقع يفرض على المؤسسة التربوية التكيف مع هذه المتغيرات، وتطوير دورها التربوي والتعليمي، والتعاون مع الأسرة لمواكبة احتياجات المتعلمين، بما يحقق التوازن بين دور الأسرة ودور المدرسة في تنشئة الطالب.
٧. التغيير في حاجات الفرد التعليمية: فلم تعد حاجاتهم مقتصرة على اكتساب المعرفة النظرية فقط، بل أصبحت تشمل تنمية المهارات، والتفكير النقدي، والقدرة على الإبداع والتكيّف مع متغيرات العصر.
٨. زيادة الاهتمام بالشخصية والسلوك والتعامل عند الطلاب: ويشمل هذا الاهتمام الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والنفسية، بهدف تطوير شخصية الطالب، وتعزيز مهاراته الاجتماعية، وضبط سلوكه، وتحسين تفاعله مع الآخرين.
٩. ظهور أساليب تدريس فعالة جديدة ومركزة على دور الطالب (التعلم بالأنشطة – التعلم باللعب – التعلم بالعمل – الاكتشاف): أساليب تركز على مشاركة الطالب النشطة في العملية التعليمية، وتنمية مهاراته الفكرية والإبداعية، وتعزز قدرته على التعلم الذاتي وحل المشكلات.
١٠. الفشل الذي آلت إليه الأنظمة التعليمية السابقة من حيث تركيزها على المعارف وعدم مشاركة الطلاب والخوف من المعلم والطريقة الروتينية وعدم موائمة المخرجات للخريجين مع متطلبات أسواق العمل. مما يجعل التغيير المدرسي ضرورياً لمواكبة العصر وتحقيق التعليم الفعّال الذي يدمج المعرفة مع المهارات والمشاركة النشطة للطلاب.

 

مقاييس لتنفيذ التغيير

قبل الشروع في عملية التغيير لابد من توفر أربعة مقاييس:
١. وجوب تحديد الوجهة أو النتيجة: لمعرفة الهدف النهائي للتغيير، ما يقلل من العشوائية، ويسهّل قياس التقدّم، كما يُحفّز المعنيين على الالتزام بالتغيير لمعرفتهم المسبقة بالنتائج المرجوّة وكيفية الوصول إليها.
٢. على الأفراد أن يعرفوا أن البقاء في الوضع الراهن أكثر إيلاماً من الوصول إلى تحقيق النتائج: لأن هذا الوعي يحفّزهم على قبول التغيير والمشاركة فيه بفاعلية لتحقيق الأهداف الجديدة وتحسين الأداء التعليمي.
٣. ينبغي إيجاد نظام أو استراتيجية للتنفيذ والقياس لتقليص الفجوة بين الحاضر والمستقبل المرجو: وذلك من خلال وضع خطوات محددة للتغيير، وتحديد المسؤوليات، واستخدام أدوات لقياس التقدّم والنتائج.
٤. المهارات والموارد التي يحتاج إليها تقليص الفجوة ينبغي أن تكون واقعية ويمكن الوصول إليها: أي أنه يجب أن تتوافر لدى الأفراد المهارات الكافية، وأن تكون الموارد المالية والبشرية والمادية متاحة بطريقة عملية وقابلة للتحقيق.

 

الجهات التي تساعد المدير في إدارة التغيير في المدرسة

١. المشرفون التربويون: يساعدون المدير على إدارة التغيير في المدرسة، من خلال توجيه المعلمين ودعم وتطوير مهاراتهم، ومتابعة تنفيذ الخطط والأنشطة.
٢. رؤساء الأقسام ومساعديهم: يقومون بتنفيذ توجيهات الإدارة، وتنسيق الأعمال، ومتابعة تنفيذ الخطط الدراسية والتربوية، وتقديم الدعم والإرشاد للمعلمين، وضمان تطبيق استراتيجيات التغيير بشكل فعّال.
٣. رؤساء الشعب: يقومون بتنسيق النشاطات التعليمية داخل الشعب الدراسية، متابعة أداء المعلمين والطلاب، وضمان تحقق الأهداف التعليمية والتربوية بفاعلية ووفق الخطة الموضوعة.
٤. العاملون الآخرون من إداريين وغيرهم: تقع على عاتقهم مسؤولية تنفيذ المهام الإدارية واللوجستية، توفير البيئة المناسبة للعملية التعليمية، والمساهمة في تسهيل الأنشطة الصفية واللاصفية.
٥. مجالس الطلبة: الذين عليهم تشجيع زملائهم على التفاعل مع المبادرات الجديدة، وتحفيزهم على الالتزام بالتغيير وتحقيق أهداف العملية التعليمية والتربوية.
٦. المجتمع المحلي: وجوب اشراك المجتمع المحلي والمشاركة في الأنشطة التربوية والثقافية، وحثه على توفير الموارد والدعم المعنوي والمادي.
٧. جامعات ومعاهد تأهيل وتدريب المعلمين: التعاون مع هذه المؤسسات لتطوير معارف المعلمين وتزويدهم بالمهارات التربوية الحديثة اللازمة، وتمكينها من تطبيق استراتيجيات التعليم الحديثة وأساليب التدريس الفعّالة.

 

الخصائص المطلوبة لإدارة التغيير

أهم الخصائص التي تتطلبها القدرة على إدارة التغيير ما يلي:
١. إرادة جادة على التحول إلى إدارة قادرة تسعى لإحداث التغيير: الامر الذي يتطلب أن تكون هناك رغبة حقيقية لدى الإدارة في قيادة التغيير، والالتزام بتحقيق أهداف التطوير والتجديد بشكل فعّال ومستمر.
٢. امتلاك القدرة على المبادأة والابتكار والإبداع لإحداث التغيير والتطوير: ما يتطلب قدرة القيمين تقديم أفكار جديدة، وابتكار حلول فعّالة، والمبادرة الى تنفيذ الاستراتيجيات المرجوّة.
٣. القدرة على توفير المناخ الملائم للتغيير، ووضع استراتيجيات فاعلة للتغيير: وذلك من خلال خلق بيئة داعمة للتغيير، وتحديد أساليب واضحة لتنفيذه، بما يسهل تحقيق أهداف التطوير ويرسّخ استمرارية التغيير بشكل فعّال.
٤. الارتقاء بقدرات المنظمة وأدائها، لتكون قادرة على مواجهة المستجدات والتعامل معها بإيجابية.

 

العناصر الأساسية في إدارة التغيير في المدرسة.

١. إقامة اتصال مفتوح بين المدير والمعلمين: يضمن التواصل الفعّال، ونقل المعلومات والأفكار بوضوح، ويساعد على بناء الثقة بين الإدارة والهيئة التعليمية.
٢. المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار: تتيح للمعلمين والهيئة التعليمية الإسهام في تحديد السياسات والخطط، وتعزز الشعور بالمسؤولية والانتماء، وتساعد على تقليل مقاومة التغيير، وضمان تنفيذ القرارات بطريقة أكثر فاعلية ونجاحاً.
٣. توفير المصادر الكافية لدعم تطور المعلمين: يضمن تزويد المعلمين بالأدوات والمواد والخبرات اللازمة لتطوير مهاراتهم وكفاءاتهم، ويعزز قدرتهم على تنفيذ أساليب التدريس الحديثة والمشاركة الفاعلة في عملية التغيير.
٤. تشجيع المعلمين على تطور أفكارهم من أجل التغيير: يساهم في تحفيز الابتكار والإبداع داخل الهيئة التعليمية، ويزيد من التفاعل والمشاركة في تطبيق أساليب تطويرية جديدة.
٥. الإشراف على النشاطات في المدرسة: لتقديم الدعم والتوجيه للمعلمين والطلاب، وتقييم الأداء وتحسين جودة العملية التعليمية.
٦. توفير الجو والظروف الجيدة للتغيير: يخلق بيئة ملائمة تحفّز المعلمين والطلاب على المشاركة الفاعلة، وتسهّل تطبيق استراتيجيات التغيير.
٧. تفويض المسؤولية للمعلمين: يتيح للمعلمين المشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات وتنفيذ الأنشطة، ويعزز شعورهم بالمسؤولية والانتماء.
٨. إدارة الوقت بفاعلية: تضمن تنظيم الأنشطة التعليمية والتربوية بشكل مناسب، وتساعد على استغلال الوقت المتاح بكفاءة.
٩. خلق جو يشجع المعلمين ويدفعهم إلى تبني التغيير: يعمل على تحفيز المعلمين للمشاركة الفاعلة، وتعزيز الالتزام بالتطوير، وتهيئة بيئة داعمة تسهّل تنفيذ استراتيجيات التغيير وتحقيق أهدافه.
١٠. معالجة مقاومة التغيير: وذلك من خلال تقليل العقبات التي قد تواجه تطبيق التغييرات، وتضمن تعاون المعلمين والهيئة التعليمية، وتسهم في تنفيذ استراتيجيات التطوير بشكل فعّال وتحقيق الأهداف المرجوّة.
١١. تشجيع الإبداع: يساهم في تحفيز المعلمين على ابتكار أفكار جديدة واستنباط أساليب تعليمية حديثة، ويعزز المشاركة الفاعلة في التطوير.

 

استراتيجيات إدارة التغيير

يمكن استخدام ثلاث استراتيجيات مختلفة لإدارة عملية التغيير، فرادى أو مجتمعة:
١. قيادة التغيير بواسطة القوة في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- الإشراف على الجوائز والترقيات والترفيعات، تُستخدم هذه الحوافز من قِبل المدير كأداة للضغط والتوجيه السريع نحو تحقيق أهداف التغيير.
ب- اتخاذ جميع القرارات ذات المشاركة الضئيلة من جانب المستخدمين، لضمان السرعة وتقليل الجدل.
ج- الإدارة بنزعة استبدادية، حيث تُفرض التعليمات بوضوح وحزم دون إتاحة المجال للنقاش.
هذا الأسلوب في القيادة يمكن أن يكون فعالاً في حالات الأزمات الطارئة التي تتطلب قرارات سريعة وحاسمة لتفادي تفاقم المشكلات.
٢. قيادة التغيير عقلانياً، في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- نشر معلومات قبل القيام بالتغيير، الامر الذي يساهم في تقليل الغموض وزيادة تقبّل التغيير.
ب- معاملة المستخدمين كراشدين، والشرح «لماذا» التغيير، مما يعزز شعور العاملين بالاحترام والمسؤولية.
ج- الاعتراف بدوافع المستخدمين والمنظمة وحاجاتهم وتقاليدهم ومعاييرهم، يساعد في تخفيف مقاومة التغيير وتسهيل عملية السير به.
هذه الإستراتيجية في القيادة تستخدم عندما يكون التغيير حتمياً، والوقت متاحاً لبناء القناعة والتفاهم.

٣. قيادة التغيير بإعادة التربية، في هذا الأسلوب يقوم المدير بـ:
أ- التحقيق من أن لا القوة ولا العقل وحدهما يمكن أن يحدثا تغييراً ناجحاً، حيث يتطلب التغيير العميق تعديل الاتجاهات والسلوكيات لا القرارات فقط.
ب- تقويم التدريب والتطوير، يهدف إلى التأكد من ملائمة برامج التدريب وخططه مع متطلبات التغيير المنشود.
ج- تشجيع المستخدمين والسماح لهم بتطوير مهارات جديدة لمواجهة تحديات جديدة، مما يسهم في تعزيز الثقة بالذات والقدرة على مواجهة التحديات.
د- تحفيز المستخدمين على القيام بأكثر مما هو متوقع، والدفع بهم إلى ما فوق مستواهم من الثقة، هذه الإستراتيجية فعالة في قيادة التغيير أثناء النمو، والتغيير السريع والمنافسة القوية.

 

نشاطات أساسية لتسهيل عملية التغيير

١. تغيير المنهجية من الأسلوب الفردي إلى الديمقراطي: يلعب هذا الامر دوراً أساسياً في تسهيل عملية التغيير في المدرسة، ويكون من خلال:
أ. مناقشة المعلمين بأهمية التغيير وضرورته، يسهم الحوار حول التغيير المطروح في بناء قناعة جماعية بأهميته في تطوير المدرسة وضرورته لاستمرارها.
ب. تحديد الأدوار والمسؤوليات بصورة واضحة حتى يتمكن المنسقون من المباشرة في تخطيط المنهاج ومساعدة الهيئة التعليمية، ما يساعد في تحسين الأداء وتجنب التضارب.
ج. إشراك المعلمين الذين يتصفون بالحرص على المدرسة في اتخاذ القرار، وإفساح المجال أمامهم في تحمل المسؤولية، الامر الذي يعزّز الإحساس بالانتماء الى المدرسة والمسؤولية تجاهها.
د. تمحيص آراء وأفكار وسلوكيات من يعملون على مقاومة التغيير، مما يتيح فهم أسباب المقاومة ومعالجتها بطرق بنّاءة ومبتكرة.

٢. التواصل بين المدير والمعلمين، يمثل التواصل الفعّال خطوة أساسية في تسهيل عملية التغيير، ويكون ذلك من خلال:
أ. إيجاد تنظيم إداري يساعد على تطوير الفهم المشترك في المدرسة، الامر الذي يسهم في توحيد الرؤية والأهداف.
ب. الانفتاح والتواصل، يُزيل الحواجز بين المدير والمعلمين، ويجعل العلاقة مباشرة بينهم مما يقلّل من سوء الفهم فيما بينهم.
ج. كسب الثقة بين المعلمين والطلاب، تُعد الثقة الأساس الذي لا بد منه لأي بيئة ناجحة ولا سيما البيئة التعليمية التي تقوم على الثقة بين المعلمين والطلاب.
د. وضع توقعات واضحة والتقيد بها، ما يُساعد على الانضباط في العمل، ويُسهم في تحقيق التوقعات ضمن جوّ من الاستقرار والمثابرة.
هـ. الحرص في التعامل مع مقاومي التغيير، الأمر الذي يتطلب دراية بأسباب مقاومة التغيير وحكمة في حلّها، وتدرجاً في مواجهتها لتفادي الصدام.

٣. إقامة علاقة طيبة مع الهيئة التعليمية، يكون ذلك من خلال:
أ. احترام مشاعر وأفكار بعضهم البعض، يعزّز الاحترام المتبادل مناخ العمل الإيجابي، ويعمق الثقة المتبادلة.
ب. تطوير طرق اتصال فعال، يسهم الاتصال الفعّال والجيد في تسهيل وتسريع التواصل ويُساعد في تقليل المشكلات التنظيمية.
ج. العمل معاً كفريق، يقوي التعاون الشعور بالمسؤولية الجماعية، ما يزيد من القدرة على الإحاطة، ويرفع من الإنتاجية.
د. التركيز على النشاطات والتطورات الإيجابية والبناءة، يرفع المعنويات ويدعم ثقافة النجاح.

٤. مراقبة النشاطات في المدرسة، يكون ذلك من خلال:
أ. وضع خطة لمراقبة جميع جوانب الأنشطة المدرسية، تضمن المتابعة المنتظمة دقة الأداء وجودة النتائج.
ب. زيارة الصفوف ومراكز المعلومات الأخرى في المدرسة، تتيح الاطلاع المباشر على الواقع التعليمي وتلبية الحاجات المستجدة.
ج. التغذية الراجعة، تساعد الملاحظات البنّاءة في تحسين الأداء.
د. المنافسات مع مجموعات المعلمين واتخاذ القرارات، تعزز المنافسة الإيجابية روح الابتكار وتساهم في تعزيز كفاءتهم ورفع مستوى الأداء.
هـ. اشتراك جميع الطلبة في النشاطات وفق رغباتهم، يسهم ذلك في تنمية شخصية الطلاب وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وتحفيز روح المنافسة فيما بينهم.

٥- على المدير أن يوّفر مناخاً وظروفاً ملائمة للتغيير، وذلك بهدف إشعار المعلمين بأهميتهم وتشجيعهم لتقديم الأفضل، وذلك يمكن من خلال:
أ‌. دعوة أولياء الأمور لاطلاعهم كيف يعمل المعلمون والطلاب معاً.
ب‌. إبراز أعمال الطلاب والثناء عليهم وعلى إنجازاتهم.
ت‌. تقديم مكافآت للمعلمين الذين يشجعون طلابهم ويحققون التقدير لمدرستهم من خلال نجاحهم في المعارض والمسابقات.
ث‌. مراقبة العناصر التي تعمل بصورة تقليدية وتقتل الوقت والعمل على توجيهها.

٦- أن يقوم المدير بتفويض المسؤوليات للهيئة التعليمية من أجل:
أ‌. تطوير المهارات القيادية عند المعلمين.
ب‌. تشجيع المعلمين على المشاركة في اتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات.
ت‌. دعم أسلوب الإدارة المفتوح.
ث‌. إبراز الاحترام لاجتهادات المعلمين.
ج‌. تشجيع أسلوب عمل الفريق والتخطيط المشترك.

 

سلبيات التغيير

أ‌. الانحراف في الأمور المادية:
قد يؤدي التركيز المفرط على الجوانب المادية للتغيير إلى إهمال الرسالة التربوية، وتحويل العملية التعليمية إلى أهداف ربحية أو شكلية على حساب القيم التعليمية.
ب‌. إهمال النواحي الروحية والعقائدية:
قد يُسهم التغيير غير المتوازن في تراجع الاهتمام بالقيم الروحية والأخلاقية، مما يضعف بناء شخصية الطالب المتكاملة ويؤثر في سلوكه وانتمائه.
ت‌. انتشار اللامبالاة والعبث والتمرد اللاواعي:
عندما يُفرض التغيير دون تهيئة أو مشاركة، قد يظهر لدى المعلمين والطلاب شعور باللامبالاة أو سلوكيات عبثية وتمرد غير واعٍ على النظام المدرسي.
ث‌. الميل إلى الأنانية والفردية:
قد يعزز التغيير غير المدروس النزعة الفردية، فيضعف روح التعاون والعمل الجماعي، ويغلب المصالح الشخصية على مصلحة المدرسة ككل.
ج‌. الابتعاد عن الحياة العامة وخدمة الجماعة والمجتمع:
قد يؤدي الانشغال بمتطلبات التغيير الداخلية إلى تراجع دور المدرسة في خدمة المجتمع، وضعف ارتباطها بالقضايا العامة والمسؤولية الاجتماعية.

 

الخاتمة

التغيير والتجديد في كل أمر من أمور الحياة، سنة طبيعية توافق قانون التطور الذي ينشد تعزيز موقع الإنسان في هذا الكون. إلا أن هذا التجديد والتطور يصطدم بما يسمى رغبة الإنسان بالمحافظة على قدسية القديم، والتعلق به دونما إجراء تقييم موضوعي لهذا القديم أو اتخاذ إيجابياته قاعدة الانطلاق إلى انفتاح يخدم التراث المعرفي الإنساني والأجيال الجديدة القادمة.

في المقابل، يتبيّن أن إدارة التغيير في المدرسة لم تعد خياراً تنظيمياً ظرفياً، بل أصبحت ضرورة تربوية حتمية تفرضها التحولات المعرفية والتقنية والاجتماعية المتسارعة. فالتغيير المدرسي الفعّال هو ذلك الذي ينطلق من داخل المؤسسة التربوية، ويستند إلى حاجات العاملين فيها والمتعلمين، ويُدار وفق رؤية واضحة، واستراتيجيات مدروسة، ومشاركة واعية من جميع الأطراف المعنية.

وقد أظهر هذا البحث أن نجاح التغيير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقدرة الإدارة المدرسية على خلق مناخ إيجابي داعم، يقوم على التواصل المنفتح، والعمل الجماعي، وبناء الثقة، وتوفير الموارد، ومعالجة مقاومة التغيير بأساليب تربوية حكيمة بعيدة عن الإكراه. كما أن للتغيير، إذا أسيء التخطيط له أو فُرض بصورة قسرية، سلبيات قد تمس القيم التربوية، وتضعف روح الانتماء والعمل الجماعي، وتؤدي إلى الاغتراب عن الدور الاجتماعي للمدرسة، مما يستدعي التوازن الدقيق بين التطوير والمحافظة على الهوية التربوية والقيم الأخلاقية.

 

الخلاصة

وعليه، فإن إدارة التغيير الناجحة في المدرسة تتطلّب قيادة تربوية واعية، تمتلك الإرادة والمرونة والقدرة على الابتكار، وتُحسّن توظيف الاستراتيجيات المختلفة بحسب طبيعة الموقف، مع التأكيد على أن التغيير الحقيقي هو تغيير في الفكر والسلوك قبل أن يكون تغييراً في الهياكل والإجراءات. ومن هنا، تبقى المدرسة مطالبة بأن تكون مؤسسة متجدّدة، قادرة على التكيّف مع متغيرات العصر، وفي الوقت نفسه محافظة على رسالتها التربوية والإنسانية في بناء أجيال فاعلة ومسؤولة وقادرة على الإسهام في خدمة المجتمع وتنميته.

ألوانٌ تنطق وريشةٌ تدمج
سحر الفن في عالم ذوي الهمم

مقدمة

الفنّ مرتبطٌ بالإنسان منذ فجر التّاريخ، ويمثّل جزءاً أصيلاً من وجود المجتمعات البشرية بغضّ النّظر عن الانتماءات الدّينية أو السّياسية. فهو قيمةٌ فطريّة يُقدّرها الأفراد في مختلف تجلّياتها كالموسيقى والرّسم والرّقص والشّعر والنّحت، ويلعب دوراً محورياً في تطوّر المجتمعات وتشكيل شخصيّة الفرد.

وتتنوّع الفنون بتنوّع أساليبها، فلكلّ نوعٍ عالمه الخاصّ الجاذب، كما يُشكّل الفنّ وسيلةً حيويّة للتّعبير عن الذّات وتجسيد المشاعر والرؤى. ويُعدّ الفنّ التّشكيلي أحد هذه التجليات، وهو فنّ بصري يعتمد على تشكيل الموادّ باستخدام العناصر البصريّة كاللون والشّكل والملمس، لخلق أعمالٍ تعبّر عن الأفكار والمشاعر، ويشمل مجالاتٍ كالرّسم والنّحت والخزف والطّباعة.

ويأخذ الرّسم مكانةً خاصّة كجسرٍ للدّخول إلى عالم الطّفل، ووسيلة فعّالة لنقل المعلومات والسّلوكيات، خاصة للأطفال من ذوي الإعاقة. كما تساهم الأنشطة الفنّية بتنمية التفكير الإبداعي وقدرة حلّ المشكلات وزرع الثقة بالنفس لدى الطفل من خلال تفاعله مع الموادّ الفنية والبيئية المتنوّعة.

بل إنّ الفنّ التشكيلي قد تجاوز كونه مجرّد لوحةٍ تجمع بين الواقع والخيال، ليصبح عالماً قائماً بذاته وأسلوباً علاجياً تأهيلياً. فهو شكل من أشكال العلاج المُساعد على الاسترخاء النّفسي، حيث يعبّر الفرد من خلال الرسم أو التشكيل عن انفعالاته الداخلية، مما يساعده على التحرّر من تأثيراتها السلبية. ويُستخدم هذا النهج العلاجي مع فئات متنوعة، كذوي الاحتياجات الخاصة ومن يعانون من اضطرابات نفسية.

حيث ترتبط استجابتنا النّفسيّة للألوان – بتناغمها أو تنافرها – بالحالات والظروف التي نمرّ بها، فالألوان الباردة أو الدافئة قد تحاكي واقعنا الداخليّ وتعبّر عنه.

الدراسة الميدانية:
لدراسة تأثير الفنون التّشكيليّة على الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة ومتلازمة داون، تمت الاستعانة بمادة التّربية الفنية كخارطة طريق في العمل الميداني، لما للّتربية الفنية من أهميّة في التّعليم والتّدريب، فاستقينا منها لتعليم هؤلاء الأطفال. لهذه الغاية تمّ إعداد خطة تربوية وتحضير بطاقة شرح درس، لتسهل سيرورة الحصة، من خلال المحتوى الذّي تضمّن الألوان الأساسية والأشكال الهندسية والأحجام، وخامات من البيئة، مثل العجين المختلف والصّلصال والخيطان والأرز والملح والطحين.

واعتمدت الدّراسة الميدانية على تطبيق بطاقة شرح الدّرس، التي وزعت على حصص. وكل حصة لها محتوى مختلف وتحتوي على أنشطة فنية تتضمن أعمالاً فردية وجماعية. والهدف من هذه الأنشطة كان: تنمية النّاحية العاطفية لدى الأطفال، التّدريب على أسلوب الاندماج في العمل والتّعامل، تأكيد الذّات والشّعور بالثّقة بالنّفس، إشباع حاجة الطفل إلى التّعبير الحر غير المقيد بالفنون التّشكيليّة، تقوية ومساعدة جهاز الطفل الحسي والحركي (البصر، اللّمس، السّمع) وتقوية عضلات اليدين للمساعدة على استخدام الأدوات، تنشيط الذّاكرة والحواس من خلال لمس الأشياء ومسكها للتعرف على أوجه التّشابه والاختلاف في الشّكل والملمس واللّون والمادة والحجم.

ولهذه الغاية، ابتكرنا أشكالاً هندسية بحجمين كبير وصغير، لُوّن قعرها بالألوان الأساسية، لتعريف الأطفال على الشكل والحجم واللون. كما ابتكرنا نرداً من الكرتون، بغية تحفيز الأطفال وتفعيل المشاركة والالتزام بالدور، ومساعدتهم على نقل ما يرونه من أشكال على النرد برسمها على الورق. هذا النرد يحتوي على الأشكال الهندسية والخطوط المتنوعة.

وتمّت الدّراسة على عيّنة مؤلفة من 34 طفل من ذوي الاحتياجات الخاصة و7 أطفال من متلازمة داون في مدرسة دامجة، وفي مركزٍ للتّأهيل والتّنمية وفي محترف ضياء الفنّ، في منطقة الشّوف، وذلك لفترة سنة.

 

الأهداف

يعيش الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ومصابو متلازمة داون في لبنان وذووهم صعوباتٍ كبيرة، بسبب نظرة المجتمع لهم، وضعف المؤسّسات الصّحيّة والاجتماعية المتخصّصة برعايتهم وتأهيلهم، ويضاف إلى ذلك صعوبة تقبل بعض أهالي ذوي الاحتياجات الخاصة لإعاقة أولادهم.
هدف البحث بشكلٍ أساسيّ إلى:
– مساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون على تطوير النّمو الاجتماعي والعاطفي لديهم. فباستخدامنا الرّسم، وكذلك حين يلعب الأطّفال بالطّين، على سبيل المثال تتبدّل طاقتهم السّلبيّة، ما من شأنه مساعدتهم على نموّ الأدراك الحسي والبصري والعاطفي.
– تعزيز المهارات الإدراكية والحركية لدى الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون.
– تحسين قدرات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون في التّعبير عن أنفسهم من خلال النّشاطات الفنية والرّسم الحرّ والألوان.
– مساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بــمتلازمة داون على الاندماج بالمجتمع وتأهيلهم، قدر الإمكان، على القيام بواجباتهم المعيشية والحياتية والاجتماعية بدون الحاجة للاعتماد الكلي على الغير.
– تحفيز الأطفال على الابتكار، وعلى نمو الخيال والإبداع، الذي يُفعّل استخدام العقل والحواس والجسد.

نتائج الدراسة

توزّعت نتائج الدراسة تبعاً للمدرسة أو المركز التي تمت فيه الدراسة الميدانية. وقد بينت الدّراسة بشكلٍ عام أهمية الفنون التّشكيليّة في تنمية الحواس ومشاعر الثّقة بالنّفس والاتزان الانفعاليّ لدى الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمصابين بمتلازمة داون. كما بينت الدّراسة أهمية الفنون التّشكيليّة في المساعدة على دمج وتأهيل وإعادة تكيّف هؤلاء الأطفال مع محيطهم؛ ولكن بدرجات متفاوتة، حسب اختلاف حالات الإعاقة وتقدمها عند كل طفل.

النّتيجة الأولى: تبيّن لنا بأن الفنون التّشكيليّة أتاحت الفرصة لأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة ولأطفال متلازمة داون، في التّعبير عن أنفسهم وانطباعاتهم وساعدتهم على التّوازن النّفسي والاندماج مع زملائهم، وأصبحوا أكثر انسجاماً، واكتسبوا الثّقة بالنّفس وأصبح زملاؤهم يتقبلونهم.

النّتيجة الثّانية: تبيّن لنا أن إدخال أدوات غير تقليديّة من موادّ وخامات مختلفة الملمس (الخيطان بأنواعها وألوانها)، ساهم بشكلٍ ملحوظ بخلق جوّ من الحماس والتّفاعل، وأصبح أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون يعبّرون بصدق وشفافية عن مشاعرهم. وبنتيجة تعرف الأطفال على الألوان صار باستطاعتهم التّمييز ببين الألوان الأساسية والمكملة والألوان المحايدة والثّانوية. إن الاعتماد بالشّرح على مادة التّربية الفنية وتطويعها وتقديم حصص الرّسم بحلة جديدة، أدخل الرّسم إلى قلوبهم فكان كل شيء جديد بالنسبة إلى الأطفال من شرح المطلوب والمحتوى. فكان من اللافت ترقّب وحماس القسم الأكبر من الأطفال واستيعابهم ما هو مطلوب منهم في الأنشطة القائمة على عنصر التّحفيز (القرعة وسحر الألوان)، وانتظار دورهم وانتظار الحصص القادمة بشغفٍ وحبٍ. وقد ساعدهم ذلك على تعزيز التعاون والتّواصل فيما بينهم. فالتّعاون بين بعضهم بعضاً كان جيداً، وإن كان لا تجمعهم حالة الإعاقة الواحدة، لكن هناك ما هو أقوى؛ وهو لغة الفن التي كانت مدهشة.

النّتيجة الثّالثة: تتمثّل في التحسن الكبير في التّفاعل والتّواصل البصري والاجتماعي والسّلوكي. حيث أصبح الأطفال ينتظرون حصة الرّسم، تلك التي كانت بالنّسبة للبعض منهم تمثل عبئاً، مثلها مثل الحصص التّعليميّة الأخرى. كونها تتبع نفس الطرق التّقليدية في التّدريس وفي وضع العلامات التّقييمية. حصص الرّسم سمحت للأطفال بالتصرف والرّسم التّلقائي والعفوي النّابع من مشاعرهم الشفافة. فقد انقلب الأطفال من حالة الانطواء على الذّات إلى أطفالٍ يمكن مناقشتهم ومحاورتهم. كما لمسنا تّغيًراً في التّعامل بين بعضهم بعضاً، كحب المساعدة من خلال النّشاطات المشتركة، التي كان لها وقع جيد على نفسيتهم، والتي ساهمت بغرز الاتزان الانفعاليّ وتقدير الذّات والثّقة بالنّفس، تلك الصفات التي كانت مفقودة.

فعلى سبيل المثال في أحد مراكز التأهيل كانت النّتائج جداً مرضية، فقد انتقل الأطفال من كونهم أطفال خمولين معدومي الطاقة والحماس، إلى أطفالٍ متفاعلين متحمسين. وأصبح لديهم طاقة إيجابية ساعدتهم على الانضباط لفترة أطول من المعتاد، والتي وصلت إلى 45 دقيقة. وهذا يعتبر إنجازاً بالنسبة لأطفالٍ من ذوي إعاقات مختلفة ومتلازمة دوان. فتحول الأطفال من حالة الشرود الذهني، وفقدان التّواصل البصري والاجتماعي، والادراك الحسي، إلى أطفالٍ متفاعلين، حاضرين جسدياً وذهنياً لما نقوم به من نشاطات. التّواصل البصري والاجتماعي ظهر واضحاً من خلال تفاعل الأطفال مع بعضهم بعضاً، والامتثال للإرشادات، والتّحكم بانفعالاتهم وردات فعل بعضهم العنيفة، والمطالبة بحقهم بالدّور، أو الرّفض والقبول لأي لون من الألوان المستعملة أو القبول أو عدم القبول لإعارة الأشياء الشّخصية.

النّتيجة الرّابعة: التّعامل بالصّلصال، حَسّن قدرة التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم وأصبح باستطاعتهم نقل الواقع وتجسيده بنماذج من الطين، وأزال حالة الحياء لديهم. كما أنّ العمل بالصّلصال ساهم بسحب الطاقة السّلبية لديهم وساعدهم على الانضباط والهدوء والشّعور بالرّاحة والطمأنينة، وأصبحنا نشعر في حصص الصّلصال بالاتزان الانفعالي. حتى أن وقت الحصة كان يمر دون أن يشعر الأطفال بمرور الوقت لدرجة انغماسهم بالعمل، كما أن محبتهم لهذا النّشاط نَمّى لديهم التّفكير الاستباقي ونَمّى فكرهم وذاكرتهم، وأصبحوا يُجهزون عدة العمل. كما أن الصّلصال ساعد البعض منهم على تحسن عضلات يديهم.

النّتيجة الخامسة: إن استخدام مواد مختلفة الحجم والملمس (الرّز، البرغل، الطحين، الملح الخشن)، ساعد أيضاً على تطوير الإدراك الحسي والبصري لدى الأطفال، وعلى تنظيم حواسهم، لتصل المعلومة وتُحلل دماغياً بطريقة صحيحة. فقد أصبح باستطاعة الأطفال نقل الرّسمة الموجودة على النّرد، لرسمها على المواد الموجودة داخل الأشكال الهندسية (الرز، البرغل، الطحين، الملح الخشن) ومن ثم رسمها على الورق. فهذا ما يؤكد بأن قدرة التّحليل الذّهني والدّماغ تطورّت لديهم. وكما في حصص الصّلصال، أصبح الأطفال يسألون عن النّشاط اللاحق الذي سيقام، والذي كنا قد مهدنا له في حصة سابقة.

كان التّقدم ملموساً وواضحاً من أطفال يعانون من نقصٍ أو شبه انعدام للتّواصل البصري والاجتماعي والعاطفي، والإدراك الحسي والاتزان الانفعالي، إلى أطفالٍ يتكلمون بصرياً، وان كان لديهم صعوبة في النّطق، ويعملون ضمن فرق وأنشطة جماعية، ويتحدثون مع زملائهم لطلب المساعدة أو لتبديل الألوان خلال الرّسم أو للقيام بأحاديث شخصية، بالسّؤال أين ذهب؟ ماذا اشترى؟ ماذا يحب؟ وانتقلوا من الرّفض لاستخدام بعض المواد في التّلوين إلى استخدامها، وتبيان قدرتهم في التّعبير عن مشاعرهم بالرّسم، وصولاً إلى مشاركة البعض بمباراة عن القضية الفلسطينية والفوز بها. انتقل الأطفال من خلال هذه النّشاطات من أطفالٍ يعبّرون بالصّراخ والضّرب وشد الشّعر أو البكاء الشّديد وطلب الأم، إلى قدرتهم على ضبط انفعالاتهم ومشاعرهم والتّعبير عنها بطرقٍ أفضل. كما أن أصداء نّتائج التّواصل الاجتماعي والعاطفي، والاتزان الانفعالي كانت جداً مرضية من البيئة المحيطة التي استطعنا الوصول إليها.

وهذه النّتائج التي توصلنا إليها، أكدت صحة فرضيات الدّراسة، وأكدت من جهةٍ أخرى، على ما توصلت إليها الدّراسات السّابقة في هذا المجال، عن دور وأهمية الفنون التّشكيليّة في المساعدة على تأهيل الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون.

 

 

التّوصيات

تتعلّق التوصيات بالبيئة المحيطة، والتي تشمل الأهل، مدارس ومراكز الرّعاية، والمجتمع والدولة. والعمل على تطبيق هذه التّوصيات قد يكون مكلفاً وصعب التحقيق، ولذا فهو يتطلب تضافر جميع المعنيين بالأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة وأطفال متلازمة داون.

التّوصيات المرتبطة بالأهل:
إن الأهل هم المعنيون الأساسيون بأطفالهم وعليهم يقع العبء الأكبر، فكلما تم الكشف المبكر عن الإعاقة والاعتراف بوجودها كلما ساعد ذلك الطفل. فقد لمسنا عن بعض الأهل عدم تقبل الإعاقة والتمويه عنها بتسميتها صعوبات تعليمية. وبالطبع فإن هذا لن يساعد الطفل ويعمل على تأخير تأهيله، وبالتالي اندماجه.

كما يجب أن يخضع الأهل لدورات تدريبية لتأهيلهم ومساعدتهم على تأهيل أولادهم. بحيث أن ما يتعلمه الطفل في المدرسة أو مراكز التأهيل يجب أن يستكمل في البيت. وأنه من الضّروري على الأهل إبداء اهتمامهم بما ينجزه أطفالهم. ومن المهم أيضا الانتباه لرسوماتهم، لما تحمله هذه الرّسومات من معاني من أجل فهم تفكير الطفل. كل ذلك يعزز الثّقة بالنّفس وتقدير الذّات. وبحسب ما لمسناه، فإن قسماً من الأطفال يسعون إلى لفت الانتباه من خلال رسوماتهم، لذلك من المهم تشجيعهم ومدح أعمالهم. والرّسم يعزز الرّوابط العائلية، إذ أن رفقة الوالدين أو الأشقاء تعد طريقة جيدة لخلق المودة والتّواصل. وينبغي على الأهل الاستفادة من كل فرصة ممكنة للرّسم برفقة أطفالهم الذين سيكونون في غاية السّرور بهذه المشاركة.

التّوصيات المرتبطة بمدارس ومراكز التأهيل:
إن مدرسي مادة الفنون التّشكيليّة في المدارس والمراكز التي تستقطب أطفالاً من ذوي الاحتياجات الخاصة ومتلازمة داون، يجب وبالإضافة إلى جدارتهم بتعليم المادة وتقنياتها، أن يخضعوا لدورات تدريبية، حول كيفية التّعامل مع هؤلاء الأطفال، لناحية ضبط النّفس والاتزان، والتّحكم بالانفعالات.
كما يجب على المدرسة والمراكز والقيمين على تقييم الأطفال لتحديد نوع الإعاقة، أخذ الوقت الكافي لتحديد الصفة. وعلى الأهل تزويد هذه المدارس والمراكز بتوصيف لحالة أولادهم الصحية والعقلية والاجتماعية (تاريخ العائلة، قدرات الأطفال الجسدية والعقلية، تواصلهم الاجتماعي،…). كما يجب مراجعة عملية التّقييم بشكلٍ دوري، لإعادة النظر بتطور حالة الأطفال، مخافة أن يلحقهم إجحاف. لأنه، بدا لنا في بعض الحالات، أن هناك بعض التّسميات والتّوصيفات التي تنقصها الدقة، وهي تصبح أحياناً كثيرة كقالب نمطي، تتم معاملة الأطفال من خلاله، وهذا يلحق بهم ضرراً ويعيق اندماجهم. إن دقة التوصيف لكل حالة من شأنها أن تساعد المهتمين على رسم أو تعديل الخطة التّربوية بطريقة تتناسب مع احتياجات كل حالة.
كما يجب العمل أيضاً على تجهيز المدارس والمراكز المستقطبة لهذه الحالات بما يلزم، من الصفوف وقاعات الرّسم والملاعب. كما يجب تخصيص أكثر من معلم أو معلمة لكل صف ضمن الحصة الواحدة، لتخفيف العبء الجسدي والنفسي الذي يعانون منه.

يجب على المدارس الدامجة ومراكز التأهيل القيام بأنشطة مشتركة بين الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ومتلازمة داون مع ذويهم. كما يجب عرض رسوماتهم، بالتساوي مع زملائهم «الأصحاء»، وإن لم تكن بالمستوى المطلوب، لأن ذلك يزيد من اتزانهم وثقتهم بنفسهم.

يجب إعادة الاعتبار لحصة الفنون التّشكيليّة، وعدم اعتبارها؛ وكأنها حصة ثانوية. حيث أنني، وأحياناً، عندما كنت أدخل الصف أحياناً، لا أجد إلا معلمة الفنون، وعند السّؤال عن سبب تغيّب الصّف؟ كان الجواب أن معلمة المادة (×) عندها امتحانات، أو أنها تريد أن تنهي شرح الدّرس أو تعويض غيابها.

التّوصيات المرتبطة بالمجتمع والدّولة:
إن مجتمعاتنا الشرقية ما زالت مقصّرة في نظرتها لأصحاب الإعاقة، فما زال قسماً كبيراً من المجتمع ينظر إليهم نظرة دونية. ولهذه الغاية يجب إقامة ندوات وبرامج للتعريف بالإعاقات والمعوقين من خلال التلفزيون ووسائط التواصل الاجتماعي، في محاولة للابتعاد عن الأحكام المسبقة ونمطية التّفكير، وإبراز قدراتهم.

وعلى الدّولة بذل المزيد لتأهيل المدارس والمراكز الدّامجة، كما يجب عليها العمل على تأهيل العدد الكافي من المدرسين والمدربين، وتخصيص أعداد أكبر لمتابعة حالات الإعاقة.

دور الأنشطة اللّاصفية في إثراء العملية التربوية “تجربة مدارس العرفان”

يعتبر النّشاط المدرسي عنصرًا أساسيًا في العملية التربوية التي تساهم في تربية النشء تربية شاملة متكاملة، وامتدادًا للمناهج الدراسية وميدانًا تطبيقيًا يمارس فيه المتعلمون ما تلقونه من معلومات. وتنقسم الأنشطة التربوية المدرسية إلى قسمين:

الأنشطة الصفية (Classroom Activities) وتتمّ داخل الغرفة الصفية، والأنشطة اللاصفية (Extracurricular Activities) وتتمّ خارج الغرفة الصفية.

تسهم الأنشطة اللاصفية بكل أشكالها في تنمية شخصيات المتعلمين وتربيتهم إجتماعيًا ونفسيًا وجسديًا وفكريًا، ما يساهم في إعدادهم لحياة مستقبلية ذات أثر كبير في تعلمهم بقدر يفوق أحيانًا التعليم داخل غرفة الصف.

مفهوم الأنشطة اللاّصفية

هي أنشطة تعليمية مخططة ومقصودة تنمّي لدى المتعلمين إتجاهات ومهارات تساعدهم على التكيّف مع المجتمع الذي يعيشون فيه، والمشاركة في حلّ المشكلات والقضايا الإجتماعية. وعادة ما تكون هذه الأنشطة مكملة للمنهاج التربوي الكلي، بحيث تخطّط لها الأجهزة التربوية وتوفّر لها الإمكانات اللّازمة لتحقيق الريادة في العملية التربوية.

تؤدّي الأنشطة اللاّصفية دورًا هامًا في إكساب المتعلمين المهارات اليومية وفي الكشف عن مواهبهم وقدراتهم واستثمار طاقاتهم، وتحسين التحصيل العلمي والمعرفي لديهم، وتنمية مهارات البحث، وإثراء ميولهم وإثارة دافعيتهم، وعلاج بعض الحالات النّفسية التي يعانيها بعض المتعلمين مثل الخجل والإنطوائية والخوف.

أشكال وصور الأنشطة اللّاصفية التقليدية:

1- الإذاعة المدرسية: تعتبر من أهم أشكال تفعيل الأنشطة اللّاصفية التي تجعل المتعلم فاعلًا وايجابياً، ولها دور هام في تنمية الثقة بالنّفس لديه وتعويده على النطق السليم والقراءة الصحيحة، فضلًا عن دورها في تثقيف المتعلمين إجتماعيًا، سلوكيًا، وطنيًا، وعلميًا. وكلما كانت فقرات الإذاعة متنوعة (رياضية، فنية، مسرحية، دينية..) تضاعفت الفائدة منها وزاد تأثيرها على المتعلمين.

2- النّوادي المدرسية: يساهم وجود هذه النوادي في القدرة على العمل ضمن فريق، واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية، فضلًا عن تنمية المهارات والقدرات وتعزيز الشعور بالإنتماء والولاء. مثل: النادي الكشفي، نادي الفنون الشعبية، نادي الموسيقى والمسرح، نادي البيئة.

3- العمل التّطوعي: يعتبر انخراط المتعلمين في الأعمال التّطوعية داخل أو خارج حدود المدرسة أحد أبرز أشكال المشاركة الفاعلة في الأنشطة اللاّصفية، حيث ينمّي لديهم شعور المساعدة والعون في المجتمع، ويحفزهم على الإنتاج وتحمل المسؤولية، ويمنحهم القدرة على حلّ المشكلات.

4- الرّحلات العلمية والتّرفيهية: تعتبر من الأنشطة التي تربط المتعلم بمجتمعه وتكوّن له مجموعة مهارات اجتماعية. ومن أمثلة الرحلات العلمية الزيارات الميدانية للشركات والمؤسسات، زيارة المتاحف والمجمعات العلمية، زيارة المواقع الأثرية التاريخية..

5- الدّورات التدريبية وورش العمل: وهدفها العمل على تزويد المتعلمين بمهارات تكنولوجية وفنية، والقيام بدورات خاصة باللّغات والذكاء العقلي والإنفعالي وغيرها.

برامج الإثراء المدرسي الحديثة (Extracurricular Activities ECA)

هي أنشطة لاصفية تتمّ بشكل أسبوعي أثناء اليوم الدراسي أو بعده، وتوفر فرصًا للمتعلمين لاكتشاف مواهبهم وقدراتهم وتسمح لهم بالإبداع والإبتكار، فضلًا عن تنمية روح المنافسة الصحيحة وروح الفريق. وتتضمّن برامج الإثراء:
– اللغات والثقافة
– تعزيز التعليم (دورات مكثفة، مجموعات للدراسة والعمل..)
– العلوم والتكنولوجيا الرقمية (الروبوتات، نادي العلوم، انتاج الأفلام، مهارات علوم الحاسوب..) ويساهم الروبوت تحديدًا في تقديم المثال العلمي الأفضل لمفهوم التكامل بين العلوم، إذ يعتمد المتعلم على ما يمتلكه من معلومات ومعرفة سابقة من خلال المواد والمناهج الدراسية (الرياضيات، العلوم، الهندسة، التكنولوجيا..) لاستخدام الأدوات والقطع وتصميم جسم الروبوت.
– الفنون الإستعراضية والإبداعية (الدراما، الحرف اليدوية والفنون..)
– مهارات الخطابة ومهارات القيادة
– الرياضة والمغامرة
– الطهي
– خدمة المجتمع والمسؤولية الإجتماعية
– قسم السعادة (أو نادي السعادة): يتيح للمتعلمين اكتشاف شخصياتهم الفردية وتطوير ابداعاتهم وتعزيز الاستفادة من هواياتهم بالإشتراك مع المعلمين والمعلمات.

تجربة مدارس العرفان

اعتمدت مدارس العرفان منذ تأسيسها الأنشطة اللاصفية وعملت مع الوقت على تطويرها مواكبةً لكل عمليات التطور المعرفي والتكنولوجي والبحثي. وبالتّالي هي تعتمد اليوم أنجح برامج الإثراء المدرسي، أهمها:

– الأنشطة الرياضية المختلفة
– الرّحلات التّرفيهية الهادفة
– الدراما والموسيقى: حيث أدخلت برامج التربية المسرحية والموسيقية بشكل منهجي ولا منهجي بإشراف مختصّين، ما ساهم في تكوين شخصيات المتعلمين بعيدًا عن الخوف والخجل والتردّد فضلًا عن تنمية الحس الفني لديهم.
– الحساب الذّهني الفوري: والذي تميّزت به مدارس العرفان على مستوى العالم، حيث احتلت المركز الأول عالميًا بين 25 دولة في العام 2019 في دبي، فضلًا عن التفوق الذي أحرزه طلابها خلال مشاركاتهم الدولية في تركيا، جنوب أفريقيا، تايلاند وغيرها..
– الروبوت و Rubik’s cube: حيث عمدت إدارة مدارس العرفان إلى إدخال مفهوم الروبوت بدءًا من مرحلة الروضة (3 سنوات) حتى المرحلة الثانوية بحيث يصبح المتعلم قادرًا على تشكيل الروبوت وبرمجته.
– برامج القيادة: من خلال تدريب المتعلمين على الخطابة والإلقاء والحضور والتفاعل مع الجمهور.
– المختبرات الإفتراضية: وهي عملية منهجية ولامنهجية واكبتها مدارس العرفان لاكتشاف مواهب وقدرات المتعلمين وتنمية الإبتكار والإبداع لديهم.
– النّوادي المتنوعة: النادي البيئي، نادي التصوير، نادي الفنون الشعبية، نادي اللغات..
– قسم السعادة: وهو محور كل ما ذكر سابقًا، حيث يشرف هذا القسم على برامج الإثراء والأنشطة اللاصفية من خلال فريق عمل متكامل، هدفه تعزيز روح المرح والسعادة في نفوس المتعلمين وتكريس مفهوم الأنشطة والألعاب، والبرامج التربوية المسلية الّتي تساعد في تطوير شخصيات المتعلمين.

التّعليم عن بعد، تحت المُجْهِر

ما نكتبه اليوم له وقعٌ خاص ومُمَيَّز مع تبوُّءِ أمين عام مؤسسة العرفان التوحيدية الدكتور الشيخ سامي أبي المُنى منصب شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، وهو الذي رافق مسيرة العرفان لأكثر من أربعة عقود من الزمن تميزت بالعطاء والتضحية والوفاء والإخلاص ستظلُّ في ذاكرتنا جميعاً، فتهانينا القلبية لسماحته والدّعاء له بالتوفيق الدائم لما فيه مصلحة الطائفة والوطن.

وإنها لَمناسبة أيضاً لنضيء على مسيرة سماحة الشيخ نعيم حسن المليئة بالحكمة والتعقّل، والغنية بالإنجازات، وهو شيخ التواضع والتسامح والإنسانية، ويا لها من مفارقة أن يكون صاحبا السماحة من بيئة تربوية تعليمية تذكرها الأجيال المتعاقبة وتعتز بها.

أمّا مقالتنا اليوم فتأتي تتويجاً لأهداف العرفان ورؤيتها تجاه أبناء مجتمعها أينما كانوا.

فانسجاماً مع رؤيتها ورسالتها، واستكمالًا لدورها التربوي، الاجتماعي والديني في خدمة المجتمع التوحيدي داخل لبنان وخارجه في بلاد الاغتراب كافة، وإيمانًا منها بأن مدَّ جسور التواصل الهادف والفعَّال بين أبناء الطائفة المعروفية أينما كانوا، واجبٌ ديني وضرورة إنسانية؛ تفخر إدارة مؤسّسة العرفان التوحيدية بأنْ تُطلق برنامجها الجديد: «التربية التوحيدية لشـباب الطائفة المعروفية في بلاد الاغتراب» والذي يتضمّن:

أ‌- دروسًا رقَمية تفاعلية، صُمِّمَت وحُضِّرت بعناية لتحقيق الأهداف المرجوَّة.
ب‌- لقاءات وندوات دورية تتناول قصصًا ومواضيع ثقافية ودينية من التراث المعروفي.
ج‌- أنشطة تربوية وترفيهية هادفة تُسهم في توطيد العلاقات، بين أبناء الطائفة المغتربين وإخوانهم الذين يعيشون في قرى لبنان ومدنه.

أهدافه:

1) نشر الوعي وتعزيز الثقافة الأخلاقيّة والتوحيديّة بين أبناء المجتمع المعروفي كافة.
2) تثبيت القيم والأعراف والعادات التوحيدية في نفوس الناشئة.
3) تعزيز التواصل وبناء العلاقات بين أبناء الطائفة المعروفية الموزعين في بلاد الاغتراب كافة، والمساهمة في تعميق جذورهم بقراهم وبيئتهم الأصل وضمان انصهارهم في مجتمعاتهم التوحيدية رغم بعد المسافات.

الفئات المستهدَفة:

الفتيان والفتيات في الطائفة المعروفية من عمر 6 سنوات حتى 18 سنة، وفق مناهج وبرامج تلائم كل فئة عمرية.

آلية تقديم المحتوى التعليمي الرقمي عن بُعد:
1) التعليم – التعلّم غير التزامني، حيث يستطيع المتعلّم الاطِّلاع على الدروس التفاعلية والفيديوهات الإيضاحية عبْر منصة العرفان الإلكترونية، وتحميلها على جهازه ساعة يشاء.
2) التعليم-التعلم التزامني، عبْر تطبيق زوم أو غيره من التطبيقات التي تسمح بالتواصل والشرح المباشر، وذلك وفق مواعيد تَضمن تمكُّن جميع المتعلمين من المشاركة.

إن إدارة مؤسسة العرفان التوحيدية تؤكّد على الوقوف دائمًا إلى جانب أبناء الطائفة المغتربين، وتُقدِّم لأطفالهم ما يساهم في بناء شخصيتهم وتكاملها من النواحي الفكرية، والجسدية، والنفسية والاجتماعية كافة، إضافة إلى احتضانهم أثناء وجودهم في وطنهم خلال فترة الصيف، وإشراكهم في برنامج خاص يحتوي على العديد من الأنشطة التربوية والرياضية والترفيهية الهادفة، التي تقوِّي معارفهم وتعزِّز مهاراتهم، وتحفزهم على بناء صداقات جديدة وتوطيدها في مجتمعهم الأصلي.

المناهجُ التربوية نظرَة تقويمية

التربية هي عملية شاملة لكل مُندرَجات المجتمع ومعظم قطاعاته الاقتصادية، والاجتماعية، وكما التربية يكون المجتمع. فالمناهج تهدف في الجوهر والأساس، تهيئة الشخصية الإنسانية لمواجهة الحياة.

على أن تكون قابلة للتطبيق وأن تهيئ الجهاز التعليمي القادر على إيصالها وتطبيقها، وأن تخضع باستمرار للتقويم والتعديل.

كانت لي ملاحظات أساسية على المناهج التربوية أثناء وبعد وضعها حيّز التطبيق، بصفتي عضواً في لجنة المناهج، فهي تختلف عن مناهج العالم في تعاملها مع اللغة العربية، انطلاقا من أنها لغة الأم والتاريخ والثقافة وصانع وحدة الشعب وكيانهم بل استمرارهم، فهي تحلّ ضيفاً غير مرغوب فيه على المناهج بحيث تحتل نسبة ضئيلة فيها، بينما تحتل اللغة الأجنبية الحيّز الأكبر والأرفع والأجمل. والأجنبية لغة أساسية وبها تُدَرَّس مُعظم المواد الأخرى في بعض المدارس كلها، حيث تسود حرية التعليم، وهكذا تنشأ أمَّة متناقضة لا متعددة، كما أضيفت لغة ثانية على المناهج، اعتماداً على نظرية بأن معرفة الأجنبي يجب أن تتمَّ بلغته. ولكن نرى أنه ليس بالضرورة أن يفرض على الجميع معرفتها، إنما يدرسها من يحتاج إليها في معهد خاص.

١- يشكّل هذا الكم الكبير من مواد المناهج عبئاً على الطلاب، ويبقَون عاجزين عن إنهاء البرنامج، ممّا يُضطر المسؤولون إلى إهمال مواد وحذف أُخرى لا صفية هي الأجمل، تنمّي ذوق الطلاب ورغباتهم لاختيار اختصاصات نخبويّة .

عندما نتناول تثقيل المناهج بالأجنبي فإننا لا نقلل من أهمية اللغة الأجنبية، التي يجب أن تُدرّس كلغة أجنبية وحسب، بينما الواقع أنّ اللغة العربية الأم أضحت لغة بدون أم.

يَدرُس الطالب في لبنان لغة أجنبية وتوابعها ما يزيد على ١٢ سنة، لكنه عامة، بالكاد يحصل على علامة نجاح في امتحان الدخول، لا في العربيّة ولا في اللغة الأجنبية، عدا نخبة ضئيلة تُوفَّر لها ظروف استثنائية للنجاح.

من حيث توقيت المناهج أي ساعات التدريس فهي لا تنسجم مع المناهج ولا أوقات العمل، مما ينعكس سلباً على وتيرة الحياة وصعوبة التطبيق. وساعات العمل في القطاع العام هي ٨ _ ١٥ بينما في القطاع الخاص حتى الرابعة أو السادسة، بينما الدوام في المدارس ينتهي عند الثانية والنصف عامة، ماذا يفعل الأهل العاملون. لقد اقترحنا آنذاك أن يبقى الطلاب في المدارس إلى ما بعد الدوام وأن ينهوا الواجبات المدرسية بإشراف الأساتذة، ممّا يُريح الأهل من شر مساعدة أبنائهم بعد ساعات عمل طويلة، تكون مُضنية للطرفين، بخاصة وأنّ الأهل غير مُعَدِّين بيداغوجياً للتدريس،( طرق التدريس) من معايير فشل المناهج، إنّ المادة لا تصل إلى التلميذ دون مساعدة طرف ثالث، دروس خصوصية، الأهل تقوم على الدروس الخصوصية، عمارات شاهقة من المعاهد الخاصة، الليليّة أو النهارية، بالإضافة إلى مدرّسين يأتون إلى المنازل أو يذهب الطلاب إليهم يعتاشون على طحالب المناهج. وكثير من المدارس الفاشلة تُلزم الأهل الاستعانة بمساعدة خارجية لعجزها عن إيضاح المواد وتفهيمها لطلابها. حيث يواجه الطلّاب معضلة جديدة. مُعظم الأهل ومعاهد الدروس الخصوصية والمدرسين الخصوصيين غير معدين منهجيّاً للتدريس. والمدرّس يجب أن يكون خرِّيجاً من كليّات التربية أو معاهد إعداد المعلمين كشرط أساسي للتدريس، وهذا ما تشترطه المناهج أيضاً. إنّ مناهج مناسبة وهيئة تعليمية مُعَدّة للتدريس كفيلة في إيصال المناهج للطلاب بدون أيّة مساعدة خارجية. كما أن المناهج في وضعها الراهن تتسبب في تسرب إعداد كبيرة من الطلاب المحرومين من إمكانات المساعدة الخصوصية. وهكذا تتمظهر المناهج وكأنها مُعَدّة لفئة محددة تتمكن من إنهاء تعليمها والانتقال إلى التحصيل العالي، وهذا هو الواقع، فالمناهج الشاملة لمنهج عربي وأجنبي ومواد أخرى لاصفية تحتاج إلى إمكانات وأجواء خاصة لترجمتها يمكن أن توفرها فئة معينة فقط،.ومن هنا نكتشف الأيديولوجية التي تقف وراء المناهج، وتضخيمها بالأجنبية وتقليل العربية، لغة الناس. لنأخذ مادة ما يسمى بيولوجيا، وفي العربية دروس أشياء والرياضيات وكان اسمها مادة الحساب، وكانت موجودة في المناهج القديمة، تم إلغاؤها والآن تُدرَّس بالأجنبية، الفرنسية أو إنكليزية. يُدرَس جسم الإنسان فقط بلغة أجنبية، فالرأس هو بالإنكليزية:Head والعين Eye لنفترض أنَّ مدرِّس المادة هو إنكليزي، كيف ستُعرِّف الطالب على جسمه بالعربية، وفي الرياضيات، المعروف أنّ معظم الطلّاب لا يعرفون الأرقام العربية، على الدكنجي أن يتعلم الإنكليزية أو الفرنسية كي يبيع ويشتري. وعلى هذا المنوال ينسى المواطن ،مع الزمن لغته، وثقافته، ينسى ماضيه وحضارته، ربّما من أجل شرق أوسط جديد.

المدرسة الداوديّة / اعبَيْه

هي إحدى أقدم المدارس «الحديثة» في لبنان، سُمّيت بـ «الداودية» نسبة إلى المُتصرِّف العثماني الأوّل على جبل لبنان، وكان تأسيسها استجابة لطلب الوجهاء من الدروز، وفي مُقدّمهم الشيخ سعيد تلحوق (الذي كان وكيلاً للدروز لدى المتصرفية) عرضوا فيه افتقار بني معروف إلى صرح تربوي، فجَرت الاستجابة للطلب بعدما قدّم الشيخ أحمد أمين الدين الأرض للمشروع ذلك. صدر الترخيص بتاريخ 17 رجب 1387ه، الموافق 14 كانون ثان 1862، تحت رقم 134، وتضمّن محضر خاص قوله: «مما يضاعف رغبتي في نصوبها وتقدّمها هو أنها سميّت باسمي». ومع الحصول على الترخيص رقم 134 فتحت المدرسة أبوابها في 14 نيسان 1862، وجرى احتفال تكريمي تضمن إظهار مراحل التأسيس ونظامها الأساسي. وفي 16 نيسان 1863 حضر المتصرف داوود باشا برفقة حاكم المقاطعة الذي أصبح فيما بعد القائمقام الأمير ملحم أرسلان ومشايخ العقل وأعضاء المجلس، وألقى كلمة قال فيها: «إنني أهنّئ النفس باجتماعي وأرى الوقت الذي أصرفه كان مفيداً جداً من أجل زرع راية المشعل التربوي. كنت أسمع وكثيراً ما طرق مسامعي أن الدروز لا يقبلون التعلّم والتعليم فكتبت ضد هذا الكلام جملة وتفصيلاً ولسان هذا الحفل يبرهن صدق كلامي، ولي أمل أنّ هذا الصرح سيكون وسيلة كبرى برفعه اسم الموحدين الدروز». وأردف قائلاً: كما أن الماء ضروري للحياة، أرى أنّ الداودية بالنسبة لطائفة الموحدين كالماء للحياة. إنّ جميع أوقاف المدرسة تحت نظارة مأمورية مخصوصة مؤلفة من مدير الدروز أو قائمقام – وكيل الدروز – شيخ العقل. وبناء عليه أوجب تشكيل النظارة الأولى لمدرسة الداودية وكانت على النحو الآتي:

ملحم حيدر أرسلان – مدير طائفة الموحدين أو القائمقام – رئيساً، سعيد بيك تلحوق – وكيل الدروز – الشيخ حسين طليع، الشيخ حسن عبد الصمد شيخا عقل طائفة الموحدين.

واختير حسن أفندي سليم ناظراً للمدرسة. وبقي من العام 1863 إلى العام 1873. وفي العام 1880 في عهد رستم باشا جرى تعديل القانون لتغيير اسم الداودية إلى المدرسة الدرزية، أو الكليّة الدرزية اللبنانية. وفي تلك الحقبة 1873-1883 تم تشكيل النظارة على النحو الآتي:

الأمير مصطفى أرسلان مدير الدروز قائمقام رئيساً، الشيخ محمّد حمادة، الشيخ محمّد طليع شيخا عقل طائفة الموحدين الدروز، وعيّن بدلاً من الشيخ حسن أفندي سليم الشيخ أمين الدين سنة 1890 ناظراً للمدرسة؛ ولقد أُجريت بعض التعديلات على نظام المدرسة وأصبحت عمدة المدرسة 12 عضواً، وتألّفت على النحو التالي:
الأمير مصطفى أرسلان قائمقام الشوف رئيساً – نجيب بيك جنبلاط – قاسم بيك العماد – سليم بيك نكد – الشيخ حسين محمّد تلحوق – ناصر الدين عبد الملك – الشيخ فارس العيد – الشيخ سعيد تقي الدين – حسن بيك حمادة – حسن بيك شقير – نعمان فندي بوغنّام.

أما الذين توالَوْا على نظارة المدرسة الداودية فهم:
حسن أفندي سليم، الشيخ مجيد تلحوق، الشيخ حسين عبد الصمد، الشيخ مصطفى دويك، الشيخ أحمد أمين الدين، الشيخ ملحم تقي الدين، الشيخ حمد المصفي، أمين بيك خضر.

أما في عهد المتصرف نعوم باشا 1892-1902، كان الأمير مصطفى أرسلان قد كُلّف ثانية قائمقاماً للشوف، فلم يَعِر المتصرفون بين 1902 و1910 اهتمامهم للصرح التربوي، فأقفلت الداودية أبوابها وكانت الحرب العالمية الأولى، فتحوّلت المدرسة إلى ثُكنة عسكرية أيام العثمانيين ثم أيام الفرنسيين.

بعد نهاية الحرب، بدأت سنة 1921 المساعي لإحياء الصرح العلمي، وضبط أوقاف الدروز، وقد بدأ الأمير فؤاد أرسلان وعلي بيك جنبلاط مساعيهما لإعادة العمل بهذا الصرح، لكن دون جدوى. ثم قام المناضل سامي سليم، المفكر والمجاهد، وأحد روّاد الفكر القومي العربي، وصاحب الرؤى في أهمية الإصلاح الاجتماعي ودور التربية للخروج من الجهل والانحطاط إلى التقدم والرقي، فكان صوته مدوياً لإحياء الداودية وقام بمحاولات بين 1922 و1925 لم يُكتب لها النجاح. وفي العام 1928 دعا أحد مؤسسي جمعية المعارف الدرزية سليمان بيك بو عزالدين لإعادة إحياء الصرح، لكنّ مساعيه فشلت فاضطُرّ للتخلّي عن مهمته مختاراً في 19 آيار 1928، وفي هذا اليوم صدر مرسوم يحمل الرقم 3307 عن رئيس الجمهورية شارل دباس، ورئيس مجلس الوزراء بشارة خليل الخوري، عُدِّلت فيه المادة الأولى بموجب القرار رقم 3323 تاريخ 4 تشرين أول 1925 وتألَّفت لجنة إدارية برئاسة وزير التربية والفنون الجميلة.

في العام 1929 تسلّم المناضل العروبي الأستاذ عارف بيك النكدي الداودية فرمّمها وبدأ التدريس بها سنة 1930 وأضاف غُرفاً جديدة إلى الصرح.
وفي العام 1932 كُلِّف عارف النكدي بإدارة الأوقاف العامة وأعاد فتح الداودية بصورة منتظمة، وأعتُبرت هذه الفترة الذهبية للداودية بين 1932 و 1992. تميّزت الحقبة هذه بانجازات إدارية وعمرانية تعليمية عربية، وذلك بالتعاون مع جمهورية مصر العربية التي أوفدت لجنة علمية للمساعدة في رفع مستوى التعليم والمساعدة في سدّ النفقات المترتبة على الإدارة… كذلك لم يقصّر المغتربون الدروز في دعم الداودية وتطويرها، فأمكنها تحقيقق نجاحات بارزة وارتفع عدد طلابها من اللبنانيين والعرب.

في الحقبة تلك تم إنشاء 30 مدرسة ابتدائية ومتوسطة فروعاً للمدرسة الأم في مختلف القرى اللبنانية، وكان للمغفور له الأستاذ شكيب النكدي اليد الطولى في متابعة إنشاء هذا المركز، وهو المشرف والمربي المتفاني في عمله، وقد تسلّمها بعده الأستاذ فندي الشعّار المفتش التربوي للداودية وفروعها.

في العام 1992 انتقلت جميع الصلاحيات والإشراف للأوقاف بموجب القانون الذي أقرّه المجلس النيابي، وتعاقب على إدارتها العديد من المديرين والمدرسين والتربويين.

في العام 1996، عَيّن المجلس المذهبي مديراً عاماً للأوقاف المقدم المتقاعد محمود أبو خزام الذي استقال بعد 3 سنوات، وكُلّف مديراً عاماً جديداً المقدّم الأستاذ محمود صعب ثم استقال، فتسلّمها المجلس المذهبي وتم تعيين خالد بك جنبلاط مديراً عاماً للأوقاف وفي عهده تشكل مجلس أمناء للمؤسسات الدرزية لإعادة الصرح إلى سابق عهده، صرحاً لبنانياً عربياً وليس لطائفة الموحدين الدروز فحسب. فالداودية كانت إلى جانب رسالتها التربوية مقرّاً وطنياً عروبياً خرّجت فيه المناضلين والأبطال الذين انضموا إلى معارك البطولة والتحرير على امتداد الوطن العربي بدءاً من الثورة العربية الكبرى، إلى الثورة السوريّة الكبرى سنة 1925، إلى معارك التحرير في فلسطين، وكان للجبل فيها صولات وجولات في تقديم الأبطال والاستشهاد في سبيل عروبة فلسطين.

وبعد توقف لسنوات بسبب من أحداث لبنان والجبل والشحّار الغربي على وجه الخصوص، نشأت الجمعية التي أخذت على عاتقها إحياء الداودية وتطويرها تحت علم وخبر رقم 390/ أ د /20/9/1999، مركزها اعْبَيْه، وتشكّلت هيئتها الإدارية في 21 كانون أول 2003 على النحو الآتي، عادل الشعار رئيساً، رياض اللحام نائباً للرئيس، ذوقان مطر أميناً للصندوق، نديم حمزة أميناً للسر محاسب، حافظ الصايغ ممثلاً لدى الحكومة، د. عصام الجوهري وأحمد غيث مستشاران، فانطلقت مسيرة الداوودية من جديد في زمن بالغ الصعوبة.

ثم جرى انتخاب هيئة إدارية جديدة، بناء لنصوص النظام الداخلي، بتاريخ 11/3/2007، وتشكّلت على النحو الآتي:
غازي صعب رئيساً، د. عصام الجوهري نائباً للرئيس، سمير شمس الدين أميناً للسر عاطف حمزة أميناً للصندوق، رجا جابر ونزيه خداج مستشاران، فاستمرّ العمل وكانت الأنشطة والندوات واللقاءات. تابعت الهيئة الجديدة عملها وتقدمت من المجلس المذهبي بمجموعة من التصورات. في إثر ذلك، عقد المجلس المذهبي اجتماعه بتاريخ 14/11/2007، بحضور: الشيخ علي زين الدين رئيس اللجنة الدينية، القاضي عباس الحلبي رئيس لجنة الأوقاف، الشيخ سامي أبي المُنى رئيس اللجنة الثقافية، الأستاذ منير حمزة مقرِّراً وأمينا للسر. وفي جلسة 27/11/2007 أقرّ المجلس المذهبي في جلسته العامة اعتبار الداوودية صرحاً معروفياً واتخذ الخطوات التالية:
– ترميم البناء وإعداده.
– الاتفاق مع الجامعة اللبنانية على جعله مقرّاً لفرع من المعهد الجامعي للتكنولوجيا.
-إقامة مركز للدراسات التوحيدية.
فعادت الداودية منارة معروفية وباتت منذ العام الجامعي 2009/2010 تستقبل الطلاب الجامعيين من الجبل ولبنان قاطبة.

التّعليم عن بعد، تحت المُجْهِر

شكّل تاريخ 21 شباط 2020 ـ أي تاريخ الإعلان عن أوّل إصابة بـ (وباء كورونا) في لبنان، حدثاً استثنائياً لمدارس العرفان، حيث عمدت مع بداية الوباء إلى بداية تحوّل من نوع آخر ، وهو التحوّل المُتقن والمتكامل نحو التعليم الرقمي، في حين كانت أكثرية المدارس في لبنان تعيش تخبطاً وضياعاً لا تُلام عليه في ظل المعوقات في البنى التحتية من كهرباء وضعف شبكة الأنترنت والاتصالات عامة، بالإضافة إلى المعوقات الاقتصادية التي تصيب لبنان جرّاء الانهيار المالي والاقتصادي.

فكيف استطاعت مدارس العرفان تخطّي هذه المعوقات؟

في الواقع إنّ مدارس العرفان وكعادتها تَخلق من الأزمات فرصة للإبداع والتميّز وتعمد إلى تشخيص أي إشكالية وتعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها. وهكذا حصل، حيث اختارت منصة الكترونية تتناسب مع كل الظروف، كونها تعمل بتقنية ال On Line والـ Off Line (حيث يمكن للطالب تنزيل الدروس على جهازه والاطلاع عليها ساعة يشاء دون الحاجة للربط مع شبكة الإنترنت)، بالإضافة إلى أنّ مدارس العرفان تخطت وكما سنرى لاحقاً كل الإشكاليات المتمثلة بالمعوقات النفسية لدى الطلاب والأهل بالإضافة إلى المعوقات التقنية وغيرها.

أمّا عن سبب اعتماد مدارس العرفان تقنية التعليم عن بعد بشكل أساسي طيلة الأزمة فتعود للأسباب التالية:
1) تَعتبر مدارس العرفان أنّ فتح المدارس بشكل كامل في ظل انتشار الوباء وعدم توفر اللقاح اللازم له، مخاطرة على سلامة الطلاب وأهاليهم وسلامة الموظفين والتربويين ومن خلالهم المجتمع ككل.
2) تعتبر مدارس العرفان أن الطالب أمانة لديها وبالتالي لا يمكنها التفريط بسلامته أو المراهنة على السيطرة على الوباء .
3) إلى ذلك والأهم؛ إنّ مدارس العرفان تعتبر أنّ التعليم عن بعد هو أسلوب تعليمي حديث، سوف يتطور ليصبح ملازماً للتعليم الحضوري من الآن فصاعداً.

وفي التعريف فإنّ التعليم عن بعد (أو التعليم من بعد، كما يُطلق عليه بعض الأكاديميين وأصحاب الاختصاص)، أسلوب حديث نوعاً ما في التربية والتعليم، يسمى باللغة الانكليزية (Distance Learning)، ويرتكز على اعتماد أسلوب نقل البرنامج التربوي أو التعليمي من موقع المدرسة، إلى أماكن جغرافية أخرى، وذلك بهدف إيصال المحتوى التعليمي للطالب الذي لا يستطيع تحت ظروف خاصة تلقّي البرامج التعليمية التقليدية.
والواقع أنه لا يوجد تعريف موّحد للتعليم أو التعلّم عن بعد، بحيث يمكن أن يطلق عليه مصطلح «التعليم عبر الأنترنت» أو «التعليم بواسطة الكمبيوتر» أو «التعليم الالكتروني»، حيث أنه تعليم يعتمد على الاستعانة بالأنترنت والمواد المقروءة و المصوّرة التي توفر المعلومات التي يحتاجها الطالب لإكمال واجباته أو لزيادة وتطوير معلوماته.

لمحة تاريخية

ظهر التعليم عن بعد، للمرة الأولى في القرن التاسع عشر، حيث عُرف بالتعليم بالمراسلة، وكان الهدف منه ربحيّاً بالمطلق اذ كانت تقوم المؤسسات التعليمية بتصميم المحتوى التعليمي اللازم تلبية لرغبة المتعّلم الذي لا يمكنه الانتظام في الصفوف الدراسية التي يتطلبها التعليم التقليدي، وقد انتشر هذا الاسلوب عام 1873 بين الأميركيين حيث كانت ترسل البرامج التعليمية للطلاب بواسطة البريد. استمر التعليم عن بعد على هذه الصورة حتى ستينيّات القرن الماضي، حيث ظهرت عملية مختلفة في بريطانيا استخدمت وسائل الإعلام المتوافرة (الإذاعة والتلفزيون) لايصال المحتوى التعليمي للراغبين، ثم أُنشئ «المجلس القومي للتعليم عن بعد» الذي تحوّل عام 1982 إلى «المجلس الدولي للتعليم عن بعد» والذي كان يلقى دعماً مالياً كبيراً من البنك الدولي للتنمية، واستخدمت بعضها الكتب وشرائط التسجيل والفيديوهات لتقدم شرحاً وافياً عن المناهج المطلوبة.

واستمر التعليم عن بعد في تطور مستمر، حتى تاريخنا هذا، حيث أصبح يرتكز على مبدأ أن الطالب لا بد أن يتحول من مُتَلقٍّ للمعلومة بأسلوب التلقين التقليدي إلى باحث عنها وليس هذا فقط، بل يصبح الطالب مبتكراً ومكتشفاً من خلال الأبحاث والدراسات التي تفتح له آفاقاً جديدة في التعلُّم.
وهنا لا بد من الإشارة إلى بعض الميزات التي اعتمدتها مدارس العرفان وأضفت قيمة مضافة على التعليم عن بعد :
1- من حيث تميّز التعليم عن بعد بالملاءمة كونه يناسب كافة الأفراد، ويتميز بالمرونة حيث يتيح للمتعلم المجال والمهارات وفقاً لرغبته. وكذلك يتميز بالتأثير والفعالية أكثر من النظام التقليدي بسبب وجود التقنيات.
2-قيام التعليم عن بعد بلعب دور فعال في رفع المستويات الثقافية والتعليمية والاجتماعية بين الأفراد.
3- العمل على سد النقص في الهيئات التعليمية والكوادر المؤهّلة أصحاب المهارات في مختلف المجالات.
4- التقليل من الفروقات الفردية بين المتعلمين، من خلال وضع المصادر التعليمية المتنوعة بين أيديهم ليرجعوا إليها ساعة يشاؤون.
5- العمل على فتح آفاق التطور، والارتقاء في التعليم.
6- توفير الوقت والجهد ويحفز الطالب على اكتساب مهارات إضافية.
7- التركيز على أهمية التعليم عن بعد في تطبيق الصف المعكوس في التعليم (Classe inversée).إطلالة مدارس العرفان المتطوّرة

بعد هذه الاطلالة على ماهية التعليم عن بعد، تاريخه، سلبياته وإيجابياته. كان لا بد من الحديث عن إطلالة مدارس العرفان، حيث أن إدارة مؤسسة العرفان التوحيدية كانت قد اتخذت قراراً جريئاً مع بداية الصيف الفائت بحصر التعليم أقلّه في الفصل الأول والثاني من العام الدراسي الحالي بأسلوب التعليم عن بعد، ولا شك أن الإدارة العامة للمؤسسة استطاعت استشراف المستقبل في ظل جائحة كورونا وصعوبة العودة إلى الصفوف الدراسية في ظل انتشار الوباء وازدياد أعداد الإصابات وأعداد الوفيات. وممّا لا شك فيه أن هذه التجربة رافقتها صعوبات عديدة استطاعت مدارس العرفان تخطيها ومنها:

1- من الناحية النفسية: وهي متعلقة كما ذكرنا سابقاً في عدم تقبل المجتمعات لهذا النوع من التعليم، والحالة النفسية لا تطال الطالب فقط بل تمتد لتطال الأهل والمدرسين على حد سواء. وقد استطاعت مدارس العرفان تخطي الموضوع النفسي من خلال لقاءات مع الطلاب والأهل لشرح الأسلوب الحديث في التعليم، ضمن إجراءات السلامة العامة والتباعد الاجتماعي، حيث تمكن أولياء الأمر من الاطلاع على طبيعة العطاء التربوي من خلال منصة العرفان الإلكترونية.

2- من الناحية الإدارية: فقد تمكنت مدارس العرفان من تطوير مهارات الإداريين للتعامل مع هذه الظاهرة الحديثة من خلال دورات ومحاضرات شبه دائمة.
3- من الناحية التقنية: وتمثلت بصعوبة تأمين الأجهزة الالكترونية اللازمة للتعليم عن بعد خاصة في ظل الظروف المادية الصعبة، فقد عمدت مدارس العرفان إلى اعتماد منصة الكترونية تعمل على الهاتف الذكي Application كما تعمل على الكمبيوتر Web، كما قامت العرفان بتنظيم دورات تقنية شبه دائمة للطاقم التربوي بهدف تطوير المهارات التقنية ما جعل الكوادر الإدارية والتربوية تتأقلم بسرعة قياسية مع طبيعة العمل الجديد.

4- من ناحية معوّقات البنى التحتية: وهي متمثلة في لبنان بصعوبة تأمين التيار الكهربائي وضعف شبكة الإنترنت وغيرها، وقد تمكنت العرفان من تخطّي هذه الصعوبات من خلال سهولة نقل المحتوى الرقمي للمواد والمناهج من المنصة إلى الطلاب الذين يمكنهم الاطلاع عليها دون الاتصال بشبكة الانترنت offline من خلال تنزيل المناهج على الكمبيوترات الخاصة بهم عبر ناقل البيانات التسلسلي usb بالإضافة إلى اعتماد العرفان في فروعها كافة فتح قاعات الكترونية مجهزة ومخصصة لمراجعات الأهل والطلاب (مساعدات تقنية، تأمين شبكة الإنترنت بشكل دائم ومجاني، برمجة الهواتف الذكية والحواسيب دون مقابل…) وذلك بشكل يومي ضمن دوامات العمل.

منصة العرفان الإلكترونية

اعتمدت مدارس العرفان منذ بداية الأزمة، منصة الكترونية متطورة تسمح للطلاب بالوصول إلى المحتوى الرقمي بشكل مَرِن وسهل، ولم تكتفِ بطبيعة المنصة ذاتها، بل عملت على تطويرها من خلال إضافة عدة خدمات ضمنها تسهّل العملية التربوية، لتكون العرفان قد أضفت قيمة مضافة على أنجح المنصات التربوية. أمّا بالنسبة للمحتوى الرقمي للمناهج، قد قامت الهيئة التعليمية كافة بتحضيره بشكل سمح بتحقيق الأهداف التربوية وتأمين الكفايات التي لم يتمكن الطلاب من الوصول إليها العام الفائت بسبب الاقفال العام الذي أصاب البلاد والمدارس.

وبالنسبة لتقنيات المنصة، فهي منصة متكاملة، لجهة تحميل الدروس والواجبات عليها، بالإضافة إلى اجراء الامتحانات أو التقويمات من خلالها بشكل آمن هذا فضلاً عن جوانبها اللوجستية الإدارية من تبليغات وغيرها.

في النهاية يمكننا القول، أنّ الأزمات الطارئة تنتج أحد أمرين:
الأول: الاستسلام والاعتراف بالفشل والضعف.
والثاني: إرادة المواجهة وتحقيق النجاح من خلال العمل الدؤوب والإصرار على التميّز. وهذا ما قامت به مؤسسة العرفان التي واجهت التحدي، أولاً بتحدي الذات وثانياً بتحدي الواقع، فكان النجاح حليفها، باعتماد استراتيجية مواجهة الأزمات بمعرفة الأسباب وتشخيصها، ثم العمل على إيجاد الحلول المناسبة لها.

الدافعيّةُ للتَّعلُّم

تُعْتَبر الدافعيّة من الشّروط الأساسيّة التي يتوقف عليها تحقيق الهدف من عملية التعلّم في أي مجال من مجالاته المتعددة، سواءً في تعلُّم أساليب وطرق التفكير، أو تكوين الاتجاهات والقيم أو تعديل بعضِها، أو تحصيل المعلومات والمعارف، أو في أساليب السلوك المكتسبة. وتُعَد الدافعية من مفاهيم علم النفس التربوي التي لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر إلّا من خلال سلوك الأفراد ضمن البيئة التي يعيشون فيها.

ولكن ما هي الدافعيّة؟

يمكننا تعريف الدافعيّة بأنها محرّك أو طاقة هدفُها تمكين الفرد من اختيار أهداف معينة والعمل على تحقيقها، ويمكننا القول بأنها عملية داخلية تَنْشَطُ لدى الفرد وتقوده وتحافظ على فاعلية سلوكه عبر الوقت. كذلك يمكن تعريف الدافعية للتعلم بأنها مجموعة المشاعر التي تدفع المُتَعلم إلى الانخراط في نشاطات التعلُّم التي تؤدي إلى بلوغه الأهداف المنشودة وهي ضرورة أساسية لحدوث التعلُّم، وبدونها لا يحدث التعلم الفعّال، وافضل المواقف التعليمية هي التي تقوم على مراعاة دوافع المتعلّمين وإشعارهم بأهميَّة استثارتها ودفعهم نحو التعلّم ومن هنا يجب أن ترتبطَ الموضوعات بمشكلاتهم ونواحي حياتهم بهدف تحقيق حاجاتهم.

ولهذا فان عملية التعلم وخاصةً على المستوى الإنساني تخضع لعديد من الشروط المميّزة التي تؤثر بشكل فعال على سلوك الفرد في الموقف وأهمُّها التخطيط لعملية التعلم Planning for Learning اذ يُعتبر التخطيط للموقف التعليمي من الشروط الهامة التي يتوقف عليها تحقيق الهدف من عملية التعلم، ويتضمن ذلك مجموعة وظائف منها:
– الحاجة إلى معرفة إمكانيات المتعلم، وخاصةً قبل حدوث التَّعلم وما هو مستواه حالياًّ وما هو المستوى المطلوب الوصول إليه ؟
– ماهي الشروط الأساسية المتطلَّبة في تحقيق تعلّم مهارة أو اكتساب عادة مُعينة، أو تنمية مستوى معيَّن من الأداء ؟
– ماهي المتغيّرات الرئيسة في الموقف التعليمي؟ سواءً المُتغيرات المستقلة وهي مجموعة المثيرات التي سيتعرض لها المتعلِّم، أو العمليات النفسية الوسيطة التي يرتكز عليها أسلوب التعلُّم.
– كيف يمكن تنشيط دافعية المتعلم لكي يبدأ ويستكمل تعلُّم المهارة أو اكتساب العادة ؟
– كيف يمكن توجيه ميول المتعلم واهتماماته حتى يكون السلوك مضبوطاً وموجَّهاً نحو الهدف المُحدد؟
– ماهي أساليب قياس الاستجابات الصادرة عن الفرد المتعلم؟
ويبدو واضحاً أنَّ الحاجة إلى تحقيق هذه الوظائف في أي نظام تعليمي يُعتبر ضرورة لكي يمكن تحقيق تعلّم فعال ويقع عبء ذلك على المعلم وضرورة فهمه لهذه الشروط المختلفة لأنّ معرفة هذه الشروط تمكنه من تحقيق الأهداف المطلوبة من عملية التربية.

ما الذي يؤثر في الدافعية؟

تهدف الدوافع بصفة عامة إلى خفض حالة التوتّر لدى الكائن الحي وتخليصه من حالة عدم التوازن، إذ إن الدافع هو حالة داخلية جسمية أو نفسية لا نلاحظها بل نستنتجها من الاتجاه العام للسلوك الصادر عنها. يؤثر في الدافعية نوعان من الدوافع وهما :
1- الدوافع البيولوجية:
وهي الدوافع التي تنتج عن حاجات جسم الإنسان الفيزيولوجية كالجوع أو العطش أو الراحة أو النوم وتكون على درجة كافية من القوة، فيترتب عليها حالة من عدم التوازن، أو حالة من التوتر الذي ينجم عن هذه الحاجات، و يتّجه السلوك بعدها نحو تحقيق إشباع الحاجة القائمة في وجهة معينة، بدرجة من النشاط تتكافأ ومستوى شدة الحاجة، حتى يتم إرضاؤها بالقدر المناسب، فيتم خفض التوتر والشعور بالارتياح ومن ثم استعادة التوازن.

وهذا النوع من الدوافع لا يتعلمها الفرد أو يكتسبها ولكنها موجودة فيه بالفطرة أي يولد مزوّدًا بها ويظهر بعضها بعد الولادة مباشرة ويتأخر البعض الآخر إلى ما بعد ذلك.

2- الدوافع الاجتماعية:
وهي التي تنتج عن تفاعل الإنسان مع المجتمع الذي يعيش فيه وتأتي نتيجة نمو الفرد واتصالاته بالآخرين واحتكاكه بظروف الحياة العامة وما تقتضيه هذه الظروف مثل الحاجة إلى التقدير الاجتماعي والى النجاح والشعور بالأمن، وتحقيق الإنجازات والتقدم، وغيرها.
وتتبدى أهمية الدافعية من الوجهة التربوية من حيث كونها هدفاً تربوياً في ذاتها، فاستثارة دافعية الطلّاب وتوجيهها وتوليد اهتمامات معينة لديهم، تجعلهم يُقبِلون على ممارسة نشاطات معرفية وعاطفية وحركية خارج نطاق العمل المدرسي وفي حياتهم المستقبلية، وهي من الأهداف التربوية الهامة التي يُنشدها أيُّ نظام تربوي كان.

كما تتبدى أهمية الدافعية من الوجهة التعلُّمية من حيث كونها وسيلة يمكن استخدامها في سبيل إنجاز أهداف تعليمية معينة على نحو فعال، وذلك من خلال اعتبارها أحد العوامل المحدّدة لقدرة الطالب على التحصيل والإنجاز (Gage and Berlinre,r1979)، لأن الدافعية على علاقة بميول الطالب فتُوجِّه انتباهه إلى بعض النشاطات دون أخرى، وهي على علاقة بحاجاته فتجعل من بعض المثيرات معزِّزات تؤثر في سلوكه وتحثّه على المثابرة والعمل بشكل نشيط وفعّال.
وإثارة دافعية التعلّم تمّ وصفها باعتبارها استراتيجية تحتاج فنّاً ومهارة من العلم، ذلك لأن الطلاب قد يأتون إلى المدرسة بمستويات دافعية مختلفه ومتنوعه فمنهم من يملك الدافعية والهمة العالية ومنهم من يملك الدافعية المتوسطة ومنهم من لا يهتم ولا يملك دافعية نحو التعلم.

Happy school teacher gives young schoolgirl a high five after getting a math question correct. The teacher is using flashcards to help the young student.
طرق إثارة دافعية الطلّاب نحو التعلُّم

الاهتمام بإشباع حاجات الطلاب النفسية و نذكر منها :
أ‌ – الحاجة للانتماء والحب: فكل طالب يحتاج للشعور بأنّه محبوب ومرغوب وسط زملائه، ومن هنا دور المعلم حين يبدأ العام الدراسي حيث يعرّفهم بنفسه ويتعرّف على طلابه في الصف الدراسي ويعرّفهم بالمادة التي سيقدمها لهم وأهدافها. كذلك يجب أن ينادي الطلاب بأسمائهم ويتفقد غيابهم وأن يشجعهم على العمل الجماعي التعاوني.

ب – الحاجة للشعور بالأمن والسّلامة: ويتحقق شعور الأمن والسلامة لدى الطلاب من خلال معلّمهم إذ عليه أن يتجنب استخدام الترهيب والتهديد بالرسوب وبخاصة للطالب الضعيف لأن ذلك سيشعره بالقلق ولا يثير دافعيته نحو التعلم بل على العكس وجب على المعلم معرفة نقاط الضعف في طلابه وعلاجها.

ج – مساعدة الطلاب على صياغة أهدافهم والعمل على تحقيقها: من هنا يأتي دور المعلم فعليه أن يكون مرشداً لطلابه ومساعداً في وضع أهدافهم وتذكيرهم الدائم بها ودفعهم لمحاولة تحقيقها دون كلل أو ملل.

د- تجنب الروتين، والتنويع في أساليب عرض المادة الدراسية: فمن العوامل التي تثير انتباه الطلاب التنوع في أساليب وطرائق التدريس والتقليل من استخدام طريقة الإلقاء كطريقة تدريس بل استخدام أساليب عديدة كطريقة المناقشة والتعلم التعاوني والصف المعكوس وغيرها.

هـ – تبسيط المادة العلمية وتوفير فرص النجاح لكافة الطلاب: إذ إنه ينبغي على المعلم أن يحاول جاهداً تبسيط مادة تخصصه للطلاب وأن يقلل من احتمالات الفشل قدر المستطاع، فمثلا أن يعطي الطلاب ذوي الدافعية المنخفضة للتعلم مهامّ يسهل تحقيقها والنجاح بها، أمّا الطلاب ذوو الدافعية المتوسطة والمرتفعة فيعطيهم مهامّ أصعب وفقاً لمستواهم .

و – استخدام «التعزيز الإيجابي» في كل حصّة دراسيّة: فمن العوامل الهامة لتحفيز دافعية الطلاب نحو التعلم هي كثرة تشجيع المعلم لطلابه بصورة مستمرة. والتعزيز الإيجابي نوعان:
مادّي: من خلال كلّ ما هو مادي كالجوائز والأموال .
معنوي: من خلال المدح والثناء وتصفيق الطلاب وغيرها .
وقد أكد الخبراء في المجال التربوي أنّ التعزيز يلعب دوراً مهمًّا في تحفيز الطلاب على التحصيل الدراسي، بل ويساهم في تكوين الطلاب صورة إيجابية تجاه أنفسهم.

أنواع الدافعية

ويمكن تصنيف الدافعية إلى نوعين:
«الدافعية الخارجية»: مصدر إثارتها خارجي كالمعلم أو أولياء الأمور، الأصدقاء أو الإدارة المدرسية وغيرها.
وهنا يُقبِل المتعلم على التعلًّم لإرضاء من حوله وكسب إعجابهم أو حتى من أجل الحصول على الجوائز من المسابقات وخلافه.
«الدافعية الداخلية»: مصدرها داخلي من المتعلم نفسه، إذ يُقبل المتعلم على التعلم لكي يرضى عن ذاته ويحقق ذاته دون أن يكون مدفوعاً من أحد ، فهو يميل لحب المعرفة والرغبة في التعلم وبالتالي فالدوافع الداخليّه للتعلم تعد شرطا من شروط التعلم مدى الحياة والتعلم الذاتي.

وتؤكد التربية الحديثة على أهمية نقل دافعية التعلم من المستوى الخارجي إلى المستوى الداخلي، مع مراعاة تعليم المتعلم كيفية التعلم وذلك منذ نعومة أظافره، في دور الحضانة ورياض الأطفال، وفي هذه الحالة يكون بمقدوره الاستمرار في التعلم الذاتي في المجالات التي تطوّرت لديه، مما يدفعه إلى مواصلة التعلم فيها مدى الحياة.

ختاماً

 يمكن تلخيص وظيفة الدوافع في عملية التعلّم بالنقاط التالية:

  1. توجد علاقة طرديّة بين قوة الدافع والطاقة التي يبذلها الإنسان في سلوكه.
    مثال: « كلما زاد إحساس الفرد بالجوع كلما زاد ما يبذله من الجهد للحصول على الطعام».
  2. وجود دافع هو أمر ضروري لعملية التعلّم وضعف هذا الدافع يؤدي إلى نقص الطاقة التي يبذلها الفرد في ممارسة أوجه النشاط التي تساعده على التعلّم. كلما ارتفع مستوى الطموح لدى الطالب كلما زاد ما يبذله من جهد وطاقة في دراسته، كما أن قوة الدافع تحدد درجة إصراره على الوصول إلى هدفه مهما قابله من صعاب مختلفة.
  3. توجد علاقة عكسية بين قوة الدافع ودرجة إشباعه وبالتالي فإن الدوافع التي يمكن إشباعها بعد فترة زمنية قصيرة لا تصلح لعملية التعلّم. مثال ذلك دافع الجوع الذي ينتهي تأثيره بمجرد تناول الفرد للطعام. أمّا الدوافع التربوية التي تصلح لعملية التعلم فهي تلك الدوافع التي تتحكم في سلوك الفرد والتي لا يمكن إشباعها إلّا بعد فترة زمنية طويلة ومن ثم يستمر الفرد في بذل أقصى طاقته لإشباعها. مثال ذلك، رغبة الطالب في الالتحاق مستقبلاً بكليَّة معينة حتى يُرضي ميوله ورغباته.
  4. لا يوجد دافع بمفرده بمعزل عن باقي الدوافع ولكن الفرد دائمًا مُعرَّض لضغط من عدة دوافع في الوقت نفسه ومعنى هذا أن الفرد لا يتعلم تحت تأثير دافع واحد بل غالباً ما يكون واقعاً تحت تأثير مجموعة من الدوافع.
  5. مبدأ الغرضية: تؤدي الدوافع إلى توجيه السلوك نحو غرض أو هدف معيَّن، حيث ينبغي أن يتبيّن التلميذ حقيقة الغرض ممَّا يتعلّمه، فكلّما كان الغرض واضحاً كلّما أدى ذلك إلى الارتفاع بمستوى الدافع إلى التعلم. فالطالب الذي يدرس مادةً معينة ويعرف جيداً الهدف من وراء دراسته لهذه المادة، عادة ما يكون مستوى الدافع للتعلم لديه مرتفعاً، وهذا يمكّنه من اكتساب الكثير من المعلومات والخبرات بأقل جهد ممكن. وتركز التربية الحديثة على أهمية وجود غرض واضح يدفع التلاميذ نحو التعلم، عن طريق إتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة في اختيار الموضوعات والمشكلات والأنشطة التي تتصل بواقع حياتهم، وكذلك اشتراكهم في توزيع المسؤولية وتنفيذ الخطط وتوزيع العمل، وكلّما كان الغرض الذي يسعى إليه المتعلم قابلاً للتحقيق، كلما ازدادت فعالية الغرض وأثره في تحقيق التعلُّم.

مهارات معلِّم القرن الواحد والعشرين وصفاتُه

التربية والتعليم..استشراف المستقبل

تهتمُّ التربية ببناء الإنسان بناءً متكاملًا، معرفيًّا وتربويًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا ووجدانيًّا… إلخ. ويُعدُّ الأفراد للعيش في المجتمع، وَفْق ما يتطلَّبه من معارف وخبرات وسلوكيات يحتاج إليها الفرد. وهي المحور الأساس لبناء الأجيال الصاعدة، التي تمتلك القدرات العلمية والذاتية لمواكبة متطلبات المستقبل. وأهمية قضية التربية ودورها في تهذيب الإنسان وبناء مجتمعه، ليست جديدة، وتُعتبر من أهم القضايا المسيطِرة والمحورية، التي رافقَت الإنسان منذ بدء التاريخ الإنساني قديمًا حتى يومنا هذا.

دور التربية والتعليم في ظل ظروف استثنائية

في ظل الظروف الراهنة التي نعيشها، والتعطيل القسري المفروض علينا، وانطلاقًا من أنَّ المدرسةَ مؤسّسةٌ اجتماعيةٌ رسميّة، تقومُ بعدّة وظائف ومَهامّ، أهمّها وَظيفة التّعليم ونقل الثّقافة والتّربية، وإيجاد البيئةِ المُناسبة للنُموّ العقليّ والجسديّ والانفعاليّ والاجتماعيّ؛ كان لا بد من وجود وسائل وطرق لإبقاء التواصل قائمًا بين المدرسة والمعلم والتلميذ، حيث جاء في مقال للدكتورة نسرين شيا من الجامعة الأميركية في دبي أنه:
«وفق تقارير الأمم المتحدة فإنَّ حال الحَجْر الجاري لثُلث سكان العالم قد عرقل انتظام التعليم لثلاثمائة مليون طالب وتلميذ على الكوكب. الملايين من الأساتذة والمدرسين، والهيئات الإدارية، وصنّاع القرار، وجدوا أنفسهم، في مشهد وُصِف بأنه «غير مسبوق»، مدفوعين دفعًا نحو التعليم أُون لاين (التعليم عن بُعد من خلال الشبكة العنكبوتية)». لذا، كان «مشروع العرفان للتعليم عن بُعد»، هذا المشروع يُعدُّ خطوةً تربوية متقدمة، تتميّزُ بها مدارسُ العرفان، لتعليم الطلاب في التعطيل القسري. وهنا لا بد من أنْ نُعرِّف بالفرق بين العطلة والتعطيل القسري.

العطلة والتعطيل القسري

العطلة هي تَوقُّف الطلاب عن الذهاب إلى المدرسة، وَفْق رزنامة تربوية، كعُطَل المناسبات والأعياد وعُطَل الفصول. أما التعطيل القسري، فهو توَقُّف الطلاب عن الذهاب إلى المدرسة لأسباب قسرية، كالعواصف الشديدة والأعاصير واندلاع الحروب وانتشار الفيروسات. ويكون الوضع السائد، هو القلق، والتشوُّش الفكري، والبقاء في المنزل. وهنا يأتي دور المدرسة، في المساهمة الفعَّالة في إزالة الخوف والقلق، ورفع المناعة الفكرية والنفسية، وذلك من خلال تقديم نشاطات تربوية متنوعة وفعالة، من خلال منصَّة تربوية فعّالة.

مشروع العرفان للتعليم من بعد

لقد جرى تحديثُ المشروع وإطلاقُه مُجدَّدًا، ليكُون منصّةً تربويةً رائدة. ويُعِدُّ المعلمون والمعلمات مضمونَها بإشراف المنسّقين وتوجيه الإدارة. فيتفاعلُ معها التلامذةُ، ويُنعشون ذاكرتَهم، ويُغْنون عقولَهم بالمعلومات المفيدة، ويرتاح لها الأهالي بتنظيم حياة أولادِهم المنزلية، والاطمئنان إلى مستقبل عامِهم الدراسيّ.
فكانت منصّةُ العِرفان التربوية، التي تمتدُّ من صفوف الحلقة الأولى حتى نهاية المرحلة الثانوية، وتشمل كلَّ الموادّ التعليمية.
فهذه المنصةُ مساحةٌ تفاعلية مُتاحة لتلامذة العرفان، ليتابعوا دروسَهم من كَثَب، وليعتادوا التحديث التربوي والتقني، وليبقوا على صلةٍ دائمة بمدرستهم ومعلميهم، ولنظلَّ وإيّاهم في أجواء العلم والمعرفة، على الرغم من الانقطاع، ولتستمرَّ العرفانُ رائدةً في رسالتها التربوية، على الرغم من كل الصعاب.

المهارات المطلوبة من المتعلم في ظل التغيرات المستجدة

   في ظل هذه التغيرات التي طرأت على المجتمع، أصبح تحديد المهارات المطلوبة للمتعلم أمرًا أساسيًّا؛ بغية الوصول إلى فردٍ قادرٍ على التعامل مع متطلبات المراحل الحالية واللاحقة لتَخرُّجه في المدرسة. وعليه، لا بد من أن يكون متمكِّنًا من المهارات الأكاديمية والحياتية الداعمة، وقادرًا على التأقلم والمنافسة ومواجهة التحديات.
هذه التغييرات والتطورات الحاصلة في مجتمعنا، وفي ظل التطورات في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فرَضَت على الحكومات وصُنَّاع السياسات التربويين، إعادة التفكير في مختلف القضايا التربوية، ومنها المعلم، لِمَا له من دور مهم في إعداد نشاطات تربوية مميزة، تُواكب كل المستجدات، وتساهم في ترسيخ ثقافة القرن الحالي، وتوظيف مستحدثاته في عمليَّتَي التعلم والتعليم، والتركيز على مهارات الحياة، ومهارات التعلم المستمر، وبشكل أشمل مهارات القرن الحادي والعشرين، التي تساعد المعلم على تحقيق التعلم والتعليم النَّوعِيَّين.

المهارات المطلوبة من المعلّم في ظل التغيرات العالمية

   يُعَدُّ المُعلم عنصرًا رئيسيًّا من عناصر العملية التعليمية التعلمية؛ إذ هـو المُيسِّر والمُنظِّم والمُطوِّر لعملية التعليم والتعلم، والمسؤول عن إحداث التغييرات المطلوبة في شخصية المُتعلم، المعرفية والوجدانية والنفس حركية. ويلعب دورًا مهمًّا في تنمية مهارات المتعلمين، وتنمية التفكير الناقد، من خلال الإستراتيجيات والممارسات الهادفة له في عملِيَّتَي التعلم والتعليم.
تَكمن أهمية دور المعلم في إعداد متعلم القرن الواحد والعشرين، الذي يتمتع بالمهارات الآتية: التفكير الناقد، والتواصل والعمل الجماعي، والإبداعُ وحلُّ المشكلات، والقيادة وصنع القرار، والمواطنة المحلية والعالمية، والريادة والمبادرة، والثقافة التكنولوجية، والتمكن اللغوي.

لذا، يجب أن يكون لمعلم القرن الحادي والعشرين، سمات وخصائص عدة، تُميِّزه عن المعلم التقليدي، منها:

  1. مواكبة التطورات التكنولوجية.
  2. الإلمام بالذكاءات المتعددة وكيفية توظيفها لذاته ولطلابه.
  3. استخدام الأجهزة الذكية، والتوجه الرقمي، والتعاون والتواصل.
  4. التعلم القائم على المشاريع.
  5. الابتكار.
  6. البحث عن المعلومات.
  7. حل المشكلات.
  8. إدارة الوقت.
  9. اتخاذ القرارات.
المهارات التي يجب أن يتميز بها المعلم

أوّلًا: مهارات التعلم والإبداع، وتشمل الآتي:

  1. التفكير الناقد وحل المشكلات
    تَكمن أهمية هذه المهارات في توافر التقنيات الحديثة، للوصول إلى المعلومات والبحث فيها ونقدها، ويمْكن تعلُّم هذه المهارات من خلال نشاطات وبرامج متنوعة من الاستقصاء وحل المشكلات، ومن خلال مشاريع تَعلُّم هادفة، تعتمد على إثارة الأسئلة وطلب حلول للمشكلات.
  2. الاتصال والتشارك
    اهتم التعليم بمهارات الاتصال الأساسية كالتحدث والكتابة، في حين استدعت الأدوات الرقمية ومتطلبات عصرنا الحالي، مخزونًا شخصيًّا من مهارات الاتصال والتشارك أكثر اتساعًا، لتشجيع التعلم. ويمْكن تعليم هذه المهارات وتنميتها من خلال الاتصال والتعاون المباشر مع آخرين، واقعيًّا أو افتراضيًّا بواسطة الشبكة.
  3. الابتكار والإبداع
    يتطلب القرن الحادي والعشرون الاستمرار في ابتكار خدمات جديدة ومنتجات محسنة للاقتصاد، ويمْكن رعاية الابتكار والإبداع عن طريق بيئات تعليم، تُشجِّع على إثارة التساؤلات، والانفتاح على الأفكار الجديدة، وتصميم مشاريع للطلاب تؤدي إلى اختراع حلول لمشكلات واقعية.

ثانيًا: مهارات الثقافة الرقمية، وتشمل الآتي:

  1. الثقافة المعلوماتية
    إن الوصول إلى المعلومات بفاعلية وكفاءة، وتقويمها، واستخدامها بدقة وإبداع، يمثِّلون بعض المهارات التي تحدد الثقافة الرقمية. ومن الضرورة بمكان، توجيه الطلاب إلى فهم كيفية استخدام أنواع مختلفة من الوسائل، لتوصيل الرسائل، وكيفية اختيار المناسب من بينها، خاصة في بيئات التعلّم الجديدة المعتمدة على شبكات الاتصالات عن بعد، حيث دور المعلم أنْ يساعد طلابه ومدرسته على استثمار البيئة المعلوماتية الاستثمار الأفضل.
  2. الثقافة الإعلامية
    توفِّر مهارات تصميم الرسائل ونقلها، واختيار طرق التواصل لنشر الأعمال ومشاركتها مع طلاب آخرين؛ ثقافة إعلامية، تَبني وتُعزِّز فهم دور الإعلام في المجتمع، وتنمي المهارات الشخصية والتطوير الذاتي.
  3. ثقافة تِقْنِيَّةِ المعلومات والاتصال
    مع تَميُّز جيل عصر المعرفة بالتقنية، إلَّا أنهم يحتاجون دائما إلى التوجيه، حول الاستخدام الأفضل لتطبيق الأدوات الرقمية في مهام التعلم، وإلى تقويم مخاطر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. فالطلاب سيستفيدون من نصائح الكبار وتوجيهاتهم.

ثالثًا: مهارات الحياة والعمل، وتشمل الآتي:

  1. المرونة والتكيف
    تُجْبرنا السرعة الكبيرة للتغير التقني، على التكيف مع الطرق الحديثة للاتصال والتعلم والعمل والحياة. ويمْكن تعلُّم مهارات المرونة والتكيف، بالعمل على مشاريع تزداد تعقيدًا بالتدرج، وتتحدى فرق الطلاب لتُغيِّر طريقتهم في العمل، والتكيف مع التطورات الجديدة في المشروع.
  2. المبادرة والتوجيه الذاتي
    يمثِّل توفير المستوى المناسب من الحرية لكل طالب، لِيُمارِس التوجيه الذاتي والمبادرة، تحدِّيًا للمعلمين. وتُوفِّر المبادرة نشاطات مثل: التمثيل المسرحي، ولعب الدور، والتمهُّن (التدريب على مهنة معيَّنة)، وممارسة عمل ميداني؛ جميعها تَخلق فُرصًا لممارسة التوجيه الذاتي والمبادرة
  3. التفاعل الاجتماعي والتفاعل المتعدد الثقافات
    أكَّد البحث المعاصر أهمية الذكاء الاجتماعي لنمو الأطفال، ولنجاح التعلم بوساطة برامج ومواد متنوعة تدعم المهارات، وذلك بتصميم بيئات تَعلُّم مترابطة، تُقدِّم نشاطات -على سبيل المثال- لحلِّ الخلاف بين الطلاب، وعقْدِ تشكيل فريق معًا، قبل البدء في مشروع تعاوُنيّ.
  4.  الإنتاجية والمساءلة
    مع تزايد الطلب على العاملين والمتعلمين المنتجين في قطاع الأعمال والتعلم، تَبرز الحاجة إلى هاتين المهارتين لجميع الطلاب، وتعمل أدوات العمل المعرفي والتقنية، على تعزيز الإنتاجية الشخصية، وتيسير عبء المساءلة المتعلقة بمتابعة العمل والمشاركة فيه، بحيث يدير الطلاب العمل ويُبرزوا نتائجه.
  5. القيادة والمسؤولية
    يؤدي تقسيم العمل بين أعضاء فريق المشروع، وتوزيع المهام حسب نقاط قوة كل عضو، ومساهمتِهم في مُخرَجات مبتكرة، ومن ثم انتقال كل عضو إلى مشروع آخر مع مجموعة مختلفة للطلاب، نمطًا قويًّا من التعلّم، يمكِّنهم من تحمل المسؤولية وممارسة القيادة. وهي مهارات مهمة لموظف المستقبل.
أدوار المعلم المختلفة في القرن الواحد والعشرين

   أيضًا في ظل التطورات التي يشهدها القرن الحالي، أصبح لزامًا على المعلم كما ذكرنا، امتلاك مجموعة من الأدوار والمهام، حيث إنَّ دوره تحوَّل من معلِّم، إلى متعلِّمً ناشط ومرشد للمتعلّم وأعماله، وميسِّر وملاحظ للتعلم ومتأمِّل فيه، ليكون قادرًا على مساعدة المتعلمين على التغيير، وتشجيعهم وحفزهم على التأمل في ممارساتهم وأعمالهم، إذ لم يعُدْ هناك مجال لتلقين المعلومات، أو التدريس وفق أسلوب «محتوى واحد يلائم الجميع»، إذ للطلاب شخصيات وأهداف وحاجات مختلفة. وتقديمُ تدريس متفرِّد هو أمر ممكن بل وضروري أيضًا، عندما يكون متاحًا للمتعلم أن يختار. فإنه يشعر بتملُّكه للتعليم؛ ما يزيد من دوافعه ومجهوده. وهي طريقة ممتازة لمخرجات تعلُّم أفضل. وهذا دور المعلم المرشد، مَصْدر المعرفة، الذي يقوم بإعداد المعلومات وتوفير الأجهزة والمواد اللازمة للطلاب لاستخدامها، والتي تمكِّنهم من التوصل إلى الاستنتاجات بأنفسهم.

ختامًـا

   لا بد من العمل الجادّ، والسعي الدؤوب المتواصل، من أجل الارتقاء بجودة العملية التعليمية. وهذا يحتاج إلى بناء المعلم الواعي، والمُفكر، والباحث، والمُبدع، والمُبتكر، والقادر على إحداث التغييرات المطلوبة في المتعلمين وأفراد المجتمع المَحلِّي ومؤسساته. المعلم الذي لديه إستراتيجية خاصة للمستقبل من النواحي كافة، خاصة من الناحية التكنولوجية، حيث تقع عليه مسؤولية كبيرة عن الإلمام بكل ما هو جديد في مجال التقنيات التعليمية والتربوية، بحيث ﻟﻢ يَعُدْ هو اﻟﻤﺼﺪر اﻟﻮﺣﻴﺪ اﻟﺬي ﻳﺘﻠﻘﻰ ﻣﻨﻪ اﻟﻤﺘﻌﻠﻢ؛ وإﻧﻤﺎ هناك وﺳﺎﺋﻞ أﺷﺪ تأثيرًا وأﻋﻤﻖ أثرًا. وﻳﻘﺘﻀﻲ ذﻟﻚ ﻣﻨﻪ اﻻﺳﺘﺨﺪام اﻹﺑﺪاﻋﻲ واﻟﻮاﻋﻲ، واﻟﺘﻮﻇﻴﻒ اﻟﻔﺎﻋﻞ ﻟﻬﺬه اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻓﻲ ﺧﺪﻣﺔ اﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻟﺘﺮﺑﻮﻳﺔ.
إن اﻟﺘﻌﻠﻢ ﻣﺪى اﻟﺤﻴﺎة ﻳﻘﻮد إﻟﻰ ﻣﺠﺘﻤﻊ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ، اﻟﺬي ﺗﺘﺎح ﻓﻴﻪ ﻓﺮص اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ ﻓﻲ ﺷﺘﻰ اﻟﻤﺠﺎﻻت؛ ﺳﻮاء ﻓﻲ اﻟﻤﺪرﺳﺔ، أواﻟﺤﻴﺎة اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ، أو اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ، أو اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ. ولِكَون اﻟﻤﻌﻠﻤﻴﻦ هم أكثر ﻓﺌﺎت اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟمَعنيّة ﺑﻬﺬا اﻷﻣﺮ، ﻓﻬﻢ ﻣﻜﻠﻔﻮن ﺑﺮﻓﻊ ﻣﺴﺘﻮى ﻣﻌﺎرﻓﻬﻢ وﺗﻄﻮﻳﺮ ﻗﺪراﺗﻬﻢ ﻋﻠﻰ اﻟﺘﻌﺎﻣﻞ ﻣﻊ ﺗﻜﻨﻮﻟﻮﺟﻴﺎ اﻟﺘﻌﻠﻴﻢ واﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت وﺗﺤﺪﻳﺜﻬﺎ ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار، للوصول بالمتعلم إلى ما يجب أن يكون عليه في القرن الحادي والعشرين.


المراجع:
  1. كورونا يشل الجامعات… هل لبنان جاهز للتعلّم من بُعد؟ دكتورة نسرين شيا أستاذة مساعدة في الجامعة الأميركية في الإمارات، اختصاص تربية، التعلّم من بُعد. https://nahar.news/1160218
  2. معلم القرن الحادي والعشرين- د. أحمد عوضه الزهراني – يحيي عبد الحميد إبراهيم
  3. التنمية المهنية الإلكترونية للمعلمين في ضوء معطيات العصر الرقمي – مركز الأبحاث والدراسات التربوية
  4. مواصفات معلم القرن الحادي والعشرين بين النظرية والتطبيق – دكتور صلاح عبد الرازق
  5. التّعلّم في التّعطيل القسريّ – د. سلطان ناصر الدين.

هل لبنان جاهز للتعلّم من بُعد؟

وفق تقارير الأمم المتحدة فإن حال الإغلاق لثلث سكان العالم قد عرقل انتظام التعليم لثلاثمائة مليون طالب وتلميذ على الكوكب. الملايين من الأساتذة والمدرسين، والهيئات الإدارية، وصنّاع القرار، وجدوا أنفسهم، في مشهد وُصِف بأنه “غير مسبوق”، مدفوعين دفعاً نحو التعليم أون لاين (التعليم من بُعد من خلال الشبكة)، مع الاعتراف أنهم جميعاً لم يكونوا على الأغلب مهيّأين لتعليم كهذا، أو على الأقل التحول إليه بين ليلة وضحاها، للمرة الأولى على نطاق واسع على ما نشهد الآن.

بخلاف الولايات المتحدة، حيث إقفال المؤسسات التعليمية التقليدية وإبدالها بصفوف متحركة على الأون لاين – وهو ليس بالأمر غير الاعتيادي في حالات الطوارئ من مثل الأعاصير والزلازل – فقليل جدا على مستوى العالم، وليس لبنان فقط، من كان مستعداً لوجستياً وتربوياً وإدارياً لقرارات إدارية اتخذت على عجل بالتحول مؤقتاً من نمط التعليم الكلاسيكي (محاضرات/قاعات) إلى نمط مغاير كلياً. وعليه فلبنان يختبر الآن التعليم أون لاين، على نطاق واسع، وللمرة الأولى في تاريخ التعليم العالي في لبنان الذي يعود لسنة 1866 (الجامعة الأميركية) و 1875 (جامعة القديس يوسف).

لبنان يكتشف القيمة العملية للتعليم أون لاين:

بمعزل عمّا إذا كان الأمر سيقصر أو يطول، فإن التحول المفاجئ أعلاه فرض تحدياً حقيقياً على الجامعات باتجاه العمل السريع على توسعة وتحديث تقديمات الأون لاين، في ظروف أقل ما يقال فيها أنها ليست مثالية بل صعبة، ما سيدفع البلاد كما أعتقد لإعادة النظر في كثير من مفاهيمها التربوية المسبقة، وإحدى نتائجها المزيد من التقدير والاحترام لهذا النمط من التعليم، والذي كان يُنظر إليه في الغالب على أنه نوع من الترف غير الضروري، بل إنه لاقى في حالات محددة تقييدات عدة.

وهكذا أسرعت الجامعات بحثاً عن منصّات للتواصل في وسعها تحقيق أوسع وأوثق صلة ممكنة بين الطالب وجامعته، من مثل Blackboard Collaborate, Adobe Connect, & Microsoft Teams ، بهدف الاستثمار الأفضل لمكونات التعليم الألكتروني لديهم من مثل Moodle & Blackboard،  وتطويعها لتناسب الوظائف الجامعية ومنها تحديداً: التحول نحو امتحانات – في – البيت، وما يتبعه من حرص على نوعية الامتحان، أمن الامتحانات، دقة النتائج، وسواها، من خلال برامج عملية حسنة الفاعلية والحماية على الأون لاين. أدّى التحول بالأساتذة والمشرفين لإعادة هيكلة محاضراتهم وحتى دروسهم العملية على نحو مختلف، دافعين بالطلاب أنفسهم ليتعلموا أدوات وتطبيقات جديدة من مثل: Screen recording, Voiceover, Recording Sessions Offline, Collaborate online Bulletins, etc.، وليكونوا خلاقين في تصميم مجموعة أنشطة معاً، ولاختبار تقنيات تربوية جديدة. أما النتيجة وكما هو متوقع فعمل إضافي متزايد، اهتمام بالتفاصيل، وحتى الخوف من عدم القدرة على المتابعة الصحيحة واحتمال الرسوب – فيما الغرض الأصلي ليس النجاح أو الرسوب بالمعنى الحصري الضيق، وإنما استمرارية العملية الجامعية من خلال التعلّم من بُعد.

لذلك لعله من المفيد التذكير بالنتائج التي توصلت إليها في هذا الموضوع من خلال بحث ميداني أجريته أواخر سنة 2018 ومطلع 2019 حول مدى جاهزية النظام التعليمي في لبنان، الجامعي تحديداً، لقبول التحول من التعليم التقليدي محاضرة – في – الصف، إلى نمط جديد، نمط التعلّم من بُعد، وقد كان البحث الميداني جزءاً من أطروحتي للدكتوراه (تربية، باللغة الإنجليزية). تناولتُ بالمسح الميداني، من خلال استمارتين، مدى جاهزية الطلاب لقبول التحوّل أعلاه، ومدى جاهزية أعضاء هيئات التدريس لشروط التحوّل ذاك.

جاهزية الطلاب لقبول التحوّل إلى نمط التعلّم من بُعد

تناولت الاستمارة الأولى Questionnaire 1 التي أعددتها، وبعد اختبار صدقيتها على النحو المعروف، عينة من 305 طلاب في جامعات لبنانية عدة، الجامعة الرسمية وجامعات خاصة. قاست استمارة الطلاب وعلى نحو كمي مدى جاهزية الطلاب من خلال scale questions، ألحقت بها أسئلة مفتوحة النهايات open-ended بهدف القياس الكيفي لمواقف الطلاب وأرائهم. قاربت الأسئلة جاهزية الطلاب من حيث الكفاءة الذاتية، الخبرة السابقة، الدافعية، التوقعات،  والجانب المالي (وقد أفصح الطلاب عن مخاوفهم تلك بوضوح). ثم جرى تحليل موضوعاتي  thematic analysis للإجابات. كان حوالي 80% من المجيبين بين 17 و24 سنة، من مستويات جامعية مختلفة، بكالوريوس، ماستر، ودكتوراه. ومن دون إغراق القارئ بتفاصيل ونسب تقنية، أظهر تحليل الإجابات أن أكثرية الطلاب هم على ألفة بالعمل على الحاسوب الشخصي، والإتصال بالشبكة، وأدوات التواصل، وعلى معرفة عموماً بالسوفتواير المطلوب واستعمالاته، وفي كيفية التغلب على التحديات التقنية. وعليه كان مدهشاً موقفهم الإيجابي من نمط التعلم من بعد، لجهة فوائده العملية وإنتاجيته العلمية. إلا أن ما يقلق الطلاب هو احتمال أن يحول هذا النمط من التعليم دون حصولهم على قروض مالية من المصارف أو الجامعة، علماً أن القروض تلك لا تموّل امتلاك حواسيب أو تجديدها.

جاهزية أفراد هيئات التدريس ومواقفهم:

 في دراستي الحقلية التي أشرت إليها آنفاً، تفحصت أيضاً مدى جاهزية أفراد هيئات التدريس الجامعية في لبنان من فكرة “التعلّم من بعد”، وقبل سنة كاملة من التحول القسري الجاري حالياً. وللتحقق من جاهزيتهم ومن أفكارهم الإضافية، صممت استمارة خاصة بأعضاء هيئات التدريس تكوّنت من 35 سؤالاً بهدف استكشاف الخطوات المتخذة، الخبرات السابقة، الجاهزية التربوية والتقنية، وقد ختمت الأسئلة المقفلة، بأسئلة مفتوحة لتغطي طريقة تفكير الأساتذة من الموضوع، إضافة إلى أرائهم ومواقفهم. وبعد اختبار صدقية الأسئلة وفاعليتها، جمعت ردود عينة من 121 أستاذا من جامعات لبنانية مختلفة، 69% منهم يحملون الدكتوراه، وأعمار نصفهم تقريباً فوق ال 47 سنة. تبين من الردود، وباختصار، أن أكثريتهم (79%) لم تمارس هذا اللون من التعليم والتدريس من قبل، والقلة الباقية مارست بدرجات مختلفة التعليم من بُعد. ولكن بالمقابل بدا من الإجابات أن قوة هيئة التدريس في المجموعة المفحوصة تكمن في تعودهم على استخدام تقنيات elearning ، وإدماجهم عنصر التكنولوجيا في تعليمهم؛ وغني عن القول أن جميعهم يمتلك أجهزة كومبيوتر في المنزل والمكتب، ولديهم خبرات بقدرات السوفت وير، عدا وعيهم بأهمية الشبكة والإفادة منها في تطوير عمليات التعلّم، والتركيز كما أشار معظمهم على ضرورة تعزيز الوعي ومهارات التفكير النقدي لدى المتعلّم من بّعد، مع تشديدهم، بوضوح، على ان التعليم أون لاين ليس أفضل الأنماط، بل الأفضل هو دمج الأون لاين مع تعليم وجهاً لوجه في القاعات.

موقف الأساتذة أمر إيجابي جداً، بل أكثر من نصف الطريق نحو نجاح عملية التحول (القسرية) الجارية الآن في الجامعات من تعلّم محاضرات – في -الصف إلى محاضرات ودروس عملية على الأون لاين.

توصيات لتعلّم من بُعد فعّال وناجح:

يبقى، إذاً، بعض الاقتراحات العملية، التي يمكن أخذها بعين الاعتبار من جانب أفراد هيئات التدريس والإدارات.

تتعدد أراء الخبراء في كيفية زيادة فرص تقديم تعلّم من بُعد، وظيفي، فعّال، ويحقق بنجاح الأهداف المتوقعة منه؛ وهو أمر يعتمد جزئياً على مواقف الطلاب (وقد رأيناه إيجابياً وفق الردود على استمارة الطلاب، وقبل وقت قصير من اندلاع الأزمة الأخيرة). لكن النجاح التام، نسبياً بالطبع، يعتمد بدرجة أكبر على استطاعة الأساتذة، ومساعديهم، والمؤسسات، إدارة عملية دقيقة وحساسة، من خلال تحسين نوعية ما يجري تبادله، في الاتجاهين، على الأون لاين.

لا حاجة للقول أن صفوف التعلّم من بعد تختلف عن صفوف brick- and- mortar الصفوف التقليدية التي تجري وجهاً لوجه في  قاعات التدريس. من أجل تجاوز الاختلاف ذلك، وتجاوز الألفة التي يشعر بها الطالب بإزاء نظام التعليم التقليدي، يُنصح ببعض الخطوات الآيلة إلى خلق سيستام تعلّم من بعد ناجح ومتكامل:

  • التشجيع على الحوار، دون أن يُخرج العملية عن سياقها الأصلي، بل حوار مخطط له، يشعر الطالب بحضوره الشخصي، ويطمئنه للعملية، ولكن باستمرار تحت إشراف الأستاذ، أو مساعده، وبالتوقيت الذي يراه مناسباً.
  • يمكن إدماج الطلاب في العملية الجارية على نحو ناجح من خلال استثارة دوافع تعلمية بطرق مختلفة يتقنها الأستاذ جيّداً، وتتبدّل بحسب الرصيد اي المادة موضوع الدرس. إلا أنها تعتمد عموماً على تجميع تدريجي للحوافز، النقاش، التعاون، فيديوات عامة (أو مصممة من المدرسين): مقاطع صوتية، واختبارات مع مساعدة، ثم من دونها، على نصوص منتقاة – دون نفي إمكانية تقديم محاضرة لكن شرط الاختصار الشديد بهدف عدم تشتيت تركيز المتلقي.
  • على صفوف التعلم من بُعد المستحدثة أن تخلق بيئة تعلّم نشِط وليس مجرد محاضرة أخرى ولكن على الأون لاين هذه المرّة. ويكون ذلك بتشجيع الحوارات، والتفاعل، والنقاش الحيوي، وتبادل المعرفة، وبخاصة تمكين الطالب المتلقي من الشعور بلذة اكتشافه للمعلومة، أو استخلاصه للنتائج. وهذا أفضل زاد له في الاندفاع أكثر وبسعادة في صفوف التعلّم من بُعد.
  • لجهة التفاعل، يمكن الإضاءة على ثلاثة أنواع: طالب – طالب، طالب – أستاذ، و الطالب – المحتوى. والعملية الناجحة هي التي تحسن استثمار الأنواع الثلاثة بالتبادل، والتوقيت، والوقت المناسب. وهنا يبرز من جديد الدور الحاسم للأستاذ في الإعداد لعملية التعلّم من بعد، وهو أصعب بكثير من دوره في نمط محاضرة – في – قاعة الصف.
  • تشجيع استخدام فوروم forum طلابي مفتوح وعام، منتدى، يتيح للطلاب التقدّم بيسر بأسئلتهم، وملاحظاتهم، وأفكارهم؛ وإظهار تعاونهم ومساعدة بعضهم بعضاً. ومن ذلك تحضير صفحات أو أجزاء منها للطلاب تمكنهم من لصق بوستاتهم، أو إجاباتهم حين يطلب منهم ذلك، وفي كل الأحوال إظهار أن حضورهم المرحب به، وتعزيز فاعليتهم وأشكال تعاونهم، ونقاشاتهم.
  • يفضل جعل الدروس في مقاطع محددة chunks، هو الأكثر ملاءمة في التعلّم من بُعد. أما المحاضرات الطويلة فليست بالتأكيد الطريق الأفضل لتأمين حسن اندماج الطالب في الصفوف العادية، فكيف على الأون لاين. وينصح خبراء كثيرون بأن لا تتعدى المعلومات المقدّمة من الأستاذ أو من يدير صف الأون لاين في كل مرة ال 10 – 15 دقيقة، فيديو، أو كلاماً، وذلك لتجنب شعور الطالب أنه “معزول”، أو “منقطع”.
  • جعل المجموعات صغيرة. ينصح الخبراء تقسيم الصف إلى مجموعات صغيرة، بين 4 و 6 طلاب، كما لو كانوا في مجموعة بحثية أو دراسية، فيكون في وسعهم الشعور بالراحة حيال بعضهم بعضاً، وتوقع الدعم من واحدهم للآخر، مع تعيين دقيق للمصادر والمراجع المساعدة التي يمكن بسهولة العودة إليها. ويجب إدارة العملية بانتباه، أي تخصيص موضوع أو جزء منه، في الجلسة الواحدة لكل مجموعة.
  • يجب توقع صعوبة التفاعل في البدء؛ والحل ببعض الصبر ثم المساعدة في خلق جو الثقة، من خلال الإسهام في حل المشكلات التقنية واللوجستية، وتشجيع الطلاب أن يقدّموا المساعدة بعضهم لبعض الآخر ما يمنحهم ثقة أكبر بالنفس، والتركيز على عملية بناء القدرات الذاتية لكل فرد في المجموعة ولو استغرق الأمر بعض الوقت، وتجنب الأحكام السريعة، وبخاصة السلبية في كل الأحوال.
  • كن حاضراً!!! أن يكون الأستاذ أو مساعده حاضراً في موقع الدرس الذي يجري اقتراحه والعمل عليه هي الخطوة الأكثر أهمية بين كل الخطوات. فالأساتذة الأفضل على الأون لاين، برأي الطلاب، هم الحاضرون أكثر من مرّة في أثناء إنجاز العمل أسبوعياً، حتى لا نقول يومياً، أو على الأقل حين يتوقع الطالب أن يكون أستاذه موجوداً…إلا إذا كان غياب الأستاذ أحياناً هو من طبيعة العمل نفسه، ويجب إخبار الطالب ذلك بوضوح.
Online Education Infographics with Flat Icon Set for Flyer, Poster, Web Site Like mortarboard, books, Microscope and computer. isolated vector illustration
وزّع وقتك على نحو حكيم:

كما قلنا فإن وجود الأستاذ، أو مساعده، أمر مهم جداً لنجاح الطالب في صف الأون لاين. حضوره ضروري ولكن ليس عند كل إشارة أو منشورمن الطالب. على الأستاذ تدبّر أمر حضوره، وغيابه، بطريقة منطقية. ليس سهلاً إدارة صف من ثلاثين طالياً أون لاين، ولا يتوقع منه أن يجيب كلمة كلمة، بل هو يختار وينتقي متى وكيف يتدخل، فيجيب على البوستات والأسئلة.

أدخل نصوص من وسائط التواصل Multi Media Assignments

تتعلم المجموعة على نحو أفضل حين يجري تقديم تنويع من الأنشطة والخبرات، وتشجيع الطلاب على إكمال عملهم بمختارات أو حتى مسابقات من خلال أدوات الأون لاين الرقمية ما يجعل صفوف الأونلاين أكثر ألفة وفاعلية وإمتاعاً؛ وبعضها أن يستطيع الطالب إظهار نفسه أيضاً.

بعض المواقع التي ينصح بالرجوع عليها:
  • https:/ padlet.com  “Designing classwork, quizzes, assignments, polls, etc.”
  • https:/ www.bookwidgets.com (could be linked to Microsoft)
  • https:/ socrative.com
  • https:/www.wix.com “Creating a free and easy website (website builder)
  • https:/Wordpress.com “Creating free Blogs”
وأخيراً، استخدام أنشطة على نوعين: Synchronous and Asynchronous 

أنشطة النوع الأول  synchronousتقتضي تعلّماً في زمن حقيقي مستخدماً تبادل الأراء chats ، وحلقات نقاش عبر الفيديو videoconference، بينما أنشطة التعلم الآخر يمكن تنفيذه من خلال قنوات الأونلاين من دون تفاعل زمني حقيقي real-time interaction، أو بينما الطلاب خارج المشاركة في درس حيّ على الأونلاين. إن استخاماً لتنويع مناسب ومدروس بين الأسلوبين معاً يساعد في خلق بيئات تعلّم فعّالة وممتعة. ويمكن القول أخيراً أن ليس هناك ما هو أفضل من تعلّم من بُعد يقوم على تفاعل وتبادل للمعرفة والخبرات والأفكار (والأخطاء)، في خطين، ما يحفّز في النهاية طلب التفكر والمراجعة والاستخلاص والتصميم وكتابة خلاصة في النهاية، تقرير مثلاً، التحقق مما أنجز حقاً، وهو ما يهدف إليه التعليم والتعلّم في كل الأحوال.

المستقبل للمدارس الذكية، هل نتوجه نحوه؟

حقاً، لقد أصبح إيقاع السرعة والتغير السمة البارزة لهذا العصر. وإذا كان هذا الإيقاع يفرض على أهل السياسة والاقتصاد يقظة مستمرة، وسعياً إلى التفكير الدؤوب فإنه واجب محتوم على التربويين من باب أولى، حيث أن الحاجة إلى التطوير والإصلاح التربوي أصبحت أكثر إلحاحاً من ذي قبل، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حاجة للتخطيط السليم المبني على التقويم الصحيح للواقع التعليمي، والتقييم الفعلي للمؤثرات المختلفة والشفافية التي تربط بينهما.

نحن أمام اللحظات الأخيرة من نهاية 2019م، لنتوجه بشكل متسارع إلى بداية العام الجديد؛ وفي خضم هذه النهاية وتلك البداية تواكب المجتمعات المعاصرة التطور العلمي المذهل بفاعلية؛ لتشكل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بكافة أشكالها السلاح الحقيقي لمواجهة التحديات العديدة، ولا يكاد يختلف اثنان على أن التحدي الكبير الذي يواجه مدارسنا اليوم، هو كيف تتغير المدارس لتواجه متطلبات المرحلة القادمة، وكما قال البروفيسور لاري كيوبان من جامعة ستانفورد بولاية كليفورنيا: “إن التقنيات الجديدة لا تغير المدارس، بل يجب أن تتغير المدارس لكي تتمكن من استخدام التقنيات الجديدة بصورة فعالة”.

إن النظر إلى مدراس المستقبل بواقعية يمنحنا الحكمة في التعامل مع المعطيات المختلفة لتطوير مدراسنا بما نستحق، وما يستحق أن يبدأ به لأهميته، وما يمكن تأخيره، وما يمكن تطبيقه وما لا يمكن تطبيقه، وما يصلح لمجتمعنا وما لا يصلح، وما يبنغي تغييره وما لا ينبغي. وفي النهاية، فإن الجهات التي ستتفوق على غيرها في حقبة ما بعد عصر المعلومات هي تلك الدول التي توخت جانب الحكمة باستثمارها في تطوير رأسمالها الفكري.

ومن هنا انبثق مفهوم المدرسة الذكية كأساس لتطوير التعليم العام والذي يهدف إلى خلق مجتمع متكامل ومتجانس من الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والمدرسة وكذلك بين المدارس بعضها البعض مرتكزاً على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحديث العملية التعليمية ووسائل الشرح والتربية وبالتالي تخريج أجيال أكثر مهارة واحترافية، كما أن مفهوم المدرسة الذكية يعتمد على المشاركة الفاعلة بين كافة قطاعات المجتمع، بما في ذلك تنشيط دور القطاع الخاص في تقديم الأجهزة والمعدات والوسائط المتعددة والدعم اللازم لخدمة المدارس مما يغذى الاقتصاد الوطني بالشركات المتخصصة التي تقدم خدماتها بشكل احترافي متميز، وبالتالي يتم إيجاد فرص عمل جديدة في ظل هذا المشروع القومي الراقي.

كما يتضمن مشروع المدرسة الذكية تزويد المدارس بما تحتاجه من تكنولوجيا المعلومات، والعمل على تطوير المناهج وإبداع البرامج التعليمية في صور متعددة، وتزويد المدرسين ببرامج تدريبية في التكنولوجيا والتعليم وأساليب الشرح الحديثة مما يدعم انتشار تكنولوجيا المعلومات وتوظيفها بشكل سليم في تطوير منظومة التعليم ككل ونجاح مفهوم المدرسة الذكية.

وتأتي خطوات إنشاء الشبكات اللازمة لربط الأنظمة الداخلية للمدارس المختلفة والربط بين المدرسة والمعلمين والآباء والطلبة والمجتمع بالإضافة للربط بين المدرسة وشبكة مدرسة أخري بل والجهات الإشرافية وفق الاحتياجات لتيسر ترابط أطراف العملية التعليمية وتعاونهم الناجح فضلا عن الاستفادة من موارد الحواسيب المتاحة في المدارس الذكية لخدمات المجتمع في ساعات ما بعد الدراسة مما يجعل المدرسة مجتمعا تقنيا متكاملا لخدمة المجتمع.

ومن خلال نظرة فاحصة لما يحدث في الدول العربية من محاولات عملية لتطبيق المدرسة الذكية وصولاً لمدارس المستقبل الرائدة، يبقى هذا الجهد في بدايته، ويتحتم مع انطلاقة العام القادم أن نتوجه الى تطبيق فعلي وفق رؤى وخطط استراتيجية مدروسة لمشروع المدرسة الذكية في قطاع التعليم العام بمراحله الدراسية المختلفة بهدف تنمية مهارات الطلاب وإعدادهم إعداد جيدا يتناسب مع المتطلبات المستقبلية، ورفع مستوى قدرات المعلمين في توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في كافة الأنشطة التعليمية، مع توفير البيئة المعلوماتية بمحتواها العلمي الملائم لاحتياجات الطلاب والمعلمين، وإتاحة مصادر التعليم المباشر، لتكون نواة لصناعة تقنية المعلومات المتقدمة، ونشر المعرفة بين أفراد المجتمع.

ومع هذه الرؤية لمدارسنا الذكية، فإن النظرة العلمية تجعل المستقبل مشرقاً أمام المعلمين الجيدين، كما يقول جيتس (رئيس ومؤسس شركة ميكروسوفت): “إن مستقبل التدريس – وخلافاً لبعض المهن – يبدو مشرقاً للغاية. فمع تحسين الابتكارات الحديثة، كانت هناك دائماً زيادة في نسبة القوة العاملة المخصصة للتدريس، وسوف يزدهر المربون الذي يضفون الحيوية والإبداع إلى فصول الدراسة، وسيصادف النجاح أيضاً المدرسين الذين يقيمون علاقات قوية مع الأطفال، بالنظر إلى أن الأطفال يحبون الفصول التي يدرس بها بالغون يعرفون أنهم يهتمون بهم اهتماماً حقيقياً، ولقد عرفنا جميعاً مدرسين تركوا تأثيراً مختلفاً.

أثَرُ التّهديد والتَّوتُّر في العمليّة التَّربويّة

تحتاجُ العمليَّة التعليميَّة التعلُّميَّة إلى توفير الأمان والاستقرار للمُتعلِّم؛ أمّا التوتُّر المُفرط والتهديد في البيئة المدرسيّة، فيشكِّلان المساهم الأكبر في إضعاف التعلُّم الأكاديمي. إذ إنّ التوتُّر الذي يتمثّل بالعصبية والقلق والتشتُّت والنِّسيان، ليس سوى جزء صغير من الحقيقة، حيث إنّه ومع مرور الوقت، يمكن للمستويات المرتفعة من هرمون الكورتيزول Cortisol (هرمون الإجهاد)، أن تؤدي إلى تدهور الصحّة الجسدية والعقليّة والعاطفية. وهو الذي يجعلنا أكثر عُرضةً لخطر الاكتئاب.

لكنْ، ما هو التوتُّر؟

هو ردُّ فعل طبيعي للجسم البشري، على وجود أحداث ومُتغيّرات وصعوبات مختلفة، تستدعي من الإنسان التكيّف معها، إذ يجري تسجيل هذا التكيُّف في المُخ على شكل تهديد، تنعكس آثاره على أعضاء الجسم ووظائفه المختلفة. وتَكمن المشكلة في عدم القدرة على التكيّف مع تلك المتغيِّرات أو الأخطار بشكل صحيح، ليُصبح ردُّ الفعل مبالَغًا فيه وغير قابل للسيطرة تمامًا. ومِن ثَمَّ، فإنّ ذلك ينعكس سلبًا على صحّة الفرد النفسية والجسدية، وعلى التحصيل العلمي والذهني. وهذا ما يسمَّى بالتوتُّر المَرَضي، والذي قد يتطوَّر ليصبح مُزمنًا يهدِّد الوظائف الحيويَّة والتوازن الطبيعي للجسم.

إذًا، فإنَّ التوتُّر المفرِط والتهديد في البيئة المدرسية، قد يشكِّلان المساهم الأكبر الوحيد في إضعاف التعلّم الأكاديمي.

وتتضمن أكثر التهديدات شيوعًا التي يستخدمها المعلِّمون تجاه مُتَعلميهم، على سبيل المثال:
الحجز بعد انتهاء الدوام أو في أثنائه، والحرمان من بعض الحِصص المحبَّبة لدى المتعلمين (رياضة، نشاطات، رحلات خاصة وعامة)، وحسم علامات، أو الحرمان من الامتيازات المدرسية المتعددة… إلخ، دون أن يُدرك المُعلِّمون أنّ المشاعر السيئة “تفسد” آراء المتعلِّمين الإيجابية إزاء المُعلّم، والصف، والمدرسة. وقد يكون ذلك الفساد قاتلًا بالنسبة إلى الدافعية والروح المعنوية على المدى البعيد.

ولكن، ما الذي يَحدث على المستوى البيولوجي؟

التوتُّر والتعلّم

عندما نشعر بالتوتر، فإن الغدد الكظرية تُطْلِق بِبتيدًا (Peptide) يسمى كورتيسول (Cortisol). إنّ أجسامنا تستجيب بإطلاق الكورتيسول، سواء واجهت خطرًا ماديًّا، أو بيئيًّا، أو أكاديميًّا، أو انفعاليًّا. وهذا يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل الجسدية، تتضمن هبوطًا في جهاز المناعة وشدًّا في العضلات الكبيرة، وتخثّرًا في الدم وزيادة في ضغطه.
كذلك يُضعف التوتُّر المُزمن قدرة المتعلم على تمييز ما هو مهم، وما هو غير مهم (Gassaniga, 1988) ، ويشير (Jacobs and Nade1985) إلى أن التفكير والذاكرة يتأثَّران في حالة التوتر، حيث إنّه يَحُول دون قدرة الدماغ على تكوين ذاكرة قصيرة المدى وذاكرة بعيدة المدى.

ثمَّة مشكلات أُخرى

التوتر المُزمِن يجعل المتعلمين أكثر قابلية للإصابة بالمرض. في إحدى الدراسات، أظهر المتعلِّمون هبوطًا في جهاز المناعة عند الاختبار، حيث أظهروا انخفاضًا في مستويات مناعتهم لمقاومة العدوى (Jermott and Magloire, 1985). وهذا قد يفسّر الدورة الأكاديمية السلبية الآتية:
مزيد من التوتر الناتج من الاختبارات مثلًا أو من غيرها، يعني مزيدًا من المرض. وهذا يعني ضعف الصحّة والتغيّب عن الحصص أحيانًا، وهذا يسهم في انخفاض العلامات في الاختبارات. فالخلية المتوترة تحتوي على عدد أقل وأقصر من الشُّجَيرات العصبية، وهذا الخلل يُضعف الاتصالات بالشجيرات الأخرى.

فما الذي يسبب هذا الفرق المُثير؟ وكيف يؤثّر التوتّر الاجتماعي في الخلايا العصبيّة؟

علامات في الاختبارات
هناك علاقة بين البيئة المادية المُثيرة للتوتّر وإخفاق المُتعلّم. فالأوضاع المتَّسمة بالاكتظاظ والعلاقات بين المتعلمين، حتى الإضاءة السيئة، عناصرُ لها أهميتها
يقول (Ray Gottlieb) وهو مختصٌّ في قياس البصر: إنّ التوتر المدرسي يسبب مشكلات في الإبصار، وهذا بدوره يُضعف التحصيل الأكاديمي وتقدير الذات، ويجعل من المستحيل تقريبًا على المتعلّم أن يتابع صفحة مطبوعة، أو أن يبقى مركِّزًا على أجزاء صغيرة من المادة المكتوبة.

هل هذا الإجراء عادي أم استثنائي؟
لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال، غَيّرَ المُعالجُ النفسيُّ Wayne London الإضاءة في ثلاثة صفوف في مدرسة Vermont الابتدائية.
ولأغراض الاختبار، وضَع في نِصف عدد الصفوف مصابيح فلورسنت عاديّة، ووضع في النصف الثاني مصابيح تحاكي الإضاءة الطبيعية (إضاءة بكامل ألوان الطيف).

لقد لوحظ أنَّ تغيّب المتعلِّمين بسبب المرض في الصفوف المضاءة بالطيف الكامل يقلّ بنسبة 65%، مقارنة بالصفوف الأخرى المُضاءة بمصابيح الفلورسنت العادية.
لماذا حدث ذلك؟ إنَّ الضوء الصادر من مصابيح الفلورسنت العادية، يتّسم بخاصيَّة الوميض المتقطّع وبأزيز لا يكاد يكون مسموعًا، وقد أثّرا تأثيرًا قويًّا في الجهاز العصبي لدى المتعلّمين.
من الواضح أنَّ الدماغ يستجيب لهذا المُنبّه السّمعي – البصري، وذلك يرفع مستوى الكورتيسول في الدم، ويجعل العينين تَطرُفان بشكل مُفرط، وكلاهما مؤشّران على التوتر.

سيروتونين له أدوار متنوعة ومعقدة. يشارك السيروتونين في العديد من العمليات المختلفة بما في ذلك ، ولكن ليس حصريًا ، هذه الصور الموضحة هنا

قد تكون المواقف الاجتماعيّة أيضًا مصدرًا للتوتّر. وفي حين أنَّ هورمونات التوتّر مثل الكورتيسول تُطلَق عادة أثناء التوتّر، فإنَّ مستوى مادة السيروتونين serotonin يتأثّر أيضًا. ويرتبط انخفاض مستويات السيروتونين بظهور سلوكيّات عدوانيّة وعنيفة.

فمثلًا يصبح المتعلّمون الذين يكونون في بيوتهم “أصحاب السُّلطة الأعلى”، في حين هُم مجرّد أشخاص عاديين في صفوفهم، ويصبحون أكثر تسرُّعًا.
بعض هؤلاء المتعلّمين يَنشطون بشكل مفاجئ، عندما يُعْطَوْن أدوارًا مثل دور القائد الفريقي. وتشير الدراسات إلى أن الوضع الصفّي أو الاجتماعي، يمْكن – بل – إنّه يعمل بالفعل على تغيير كيماوية الدماغ.
وهذا دليل قوي على أهميّة تغيير الأدوار بشكل مُستمر، لكي نضمن إتاحة الفرصة
لكل متعلِّم لأن يقود ويُقاد.
ثمّة مصدر آخر للتوتّر البيئي، وهو حقيقة أنّ توقّعاتنا نادرًا ما تتطابق مع الواقع.
فاليوم المدرسي العادي بالنسبة إلى المتعلّم، يزخر بتوقّعات، وخيبات أمل ومشاريع لم تنجح، وعلامات أقلَّ من المعتاد، ووجود زملاء لم يتصرّفوا على النّحو المُتوَقّع. وكلّ هذه المشكلات قد تكون مَصدرًا للتوتر. وغالبًا ما يتعامل الدماغ مع هذه الأشياء على أنَّها تهديدات.

ما الحلّ؟

الحل هو أن تُوَفَّر للمتعلّمين قابلية للتنبُّؤ، أو تَوقُّع ما يَحدث عبر الممارسات والأنظمة الصفِّية والمدرسية. فالحدث الذي يمكن التنبؤ به، يجب أن يكون إيجابيًّا: تشجيع، أو تحفيز، أو ابتهاج، أو علامات مميَّزة أو مرتفعة… إلخ، بحيث يريح الدماغَ القَلِقَ.

التهديد والتعلّم

إنَّ المتعلِّمين الذين يتعرّضون بشكل مستمر لتهديد وتوتّر عالِيَين في مراحل مبكرة في طفولتهم، ولا سيما أولئك المتعلِّمين الذين ينحدرون من أُسَرٍ تتسم بالعنف، غالبًا ما يكون جلب انتباههم أكثر صعوبة؛ إذ إنَّ بصرَهُم وصوتهم يتحوّلان باستمرار، حيث يمسحون غرفة الصف بحثًا عن أعداء أو “ضحايا” مُحتمَلين، ثم إنّهم غالبًا ما يوجّهون لكمات أو ضربات عنيفة إلى متعلمين آخرين، كطريقة لترسيخ “مكانتهم”.

لقد تكيفت مواقع الاستقبال في أدمغتهم مع سلوك يركّز على البقاء أو النجاة. وفي حين أنّ هذا السلوك يُحبط المُعلّمين، إلّا أنَّه السلوك الصحيح من وجهة نظر المتعلّم، الذي يبدو أنّ حياته تعتمد عليه.

قد تشمل التهديدات أمًّا أو أبًا متوتّرًا جدًّا يهدد بالعنف، أو فقدان الامتيازات في المدرسة أو في البيت، أو صديقًا يهدّد بقطع العلاقة، أو متعلمًا مستأسدًا يزأر بكلمات فظَّة في الممرَّات.
وفي غرفة الصف، قد يتمثَّل التهديد بزميل أو معلّم يهدد متعلِّمًا ما بالإذلال، أو بالحجز، أو بالإحراج أمام أقرانه.
وأيٌّ من هذه الأحداث وغيرها فكثير، ويمكن أن تضع الدماغ في حالة استنفار.

لا يمكننا أن نكرِّر هذا الأمر بشكل كافٍ، فتُنشِّط التهديدات ميكانيزمات دفاعية وسلوكيّات رائعة للبقاء، ولكنَّها سلوكيّات وميكانيزمات غير مناسبة للتعلّم.
أمّا المتعلّمون الذين لديهم توتّر أقل، فيستطيعون أن يقيموا علاقات بين الأشياء، وأن يفهموا النظريّات الأساسية العامة، وأن يكاملوا بين مجموعة واسعة من المواد. وعلى هذا، يجب إزالة التوتُّر، والتهديد، وعجز المتعلِّم الناشئ من البيئة التعليمية، لتحقيق أكبر قدر ممكن من التعلّم.

العجز المُكتسَب

على العكس تمامًا من اعتباره حالة مؤقَّتة من فقدان الدافعية، فإنَّ العجز المُكتسَب حالة مُزمنة ومدمِّرة. فنحن نرى أعراضه في تعليقات للمتعلمين من قَبيل: “أنا غبي”، أو “أنا غير محظوظ، فلماذا أزعج نفسي؟”. وأيضًا من الأعراض التي يبديها المتعلِّمون، لامبالاة تامة تقريبًا، إضافة إلى سلبية مستمرّة.
يُعتَبر العجز المُكْتسَب نادرًا إلى حدٍّ ما في معظم الصفوف، غير أنَّه عندما يحدث، فإنَّه يوهن العزيمة. ومن أجل أن “يتأهَّل” المُتَعلم للعجز المُكتسَب، تكون قد حدثت معه في العادة الحالات الآتية: صدمة القرار، أو بيولوجيا العجز المكتسَب. وهنا يُعتبر الدليل شاملًا؛ إذ إنّه يمكن لصدمات معيَّنة أن تعيد تنظيم الدماغ تمامًا، وباستمرار.

اقتراحات عمليّة للمعلّم:

يجب أن تعمل المُقترحات على المتغيِّرات الثلاثة الآتية:

  1. التهديدات من خارج الصفّ.
  2. التهديدات من متعلّمين آخرين.
  3. التهديدات من نفسك.

• أنت لا تكاد تملك سيطرة على البيئة الخارجية. لذا، تأكَّدْ من تحديد فترة زمنية انتقالية لبدء الحصّة، حيث إنَّ ذلك يسمح للمتعلِّمين بالاستعداد والابتعاد عن الخطر الخارجي المُحتمَل (مُتَعلِّم مستأسد في المَمَرّ، أو مشاجرات في الطريق إلى المدرسة، أو تهديدات أثناء الطريق إلى غرفة الصف، ونحو ذلك).

• قلِّلِ التوتر الناتج من متعلِّمين آخرين في الصف، بأنْ تضع توقّعات واضحة بخصوص السلوك الصفّي، وقدِّم نموذجًا من الذكاء الانفعالي المناسب. ناقِشْ واستخدِمْ استراتيجيّات حلِّ المنازعات، وتابِعْ وطبِّقِ القوانين الصفيَّة. أيضًا لا تَسمح مُطلقًا للمتعلِّمين بأن يهدِّدوا أو يؤذوا بعضهم بعضًا.

• إنَّ التقليل من التهديدات يحتاج إلى يقظة خاصة. فاطلُبْ ما تريده دون أن تضيف تهديدًا في النهاية.
• لا تهدِّد المتعلّمين الذين يرتكبون سلوكيّات غير مقبولة، بتحويلهم إلى مكتب الإدارة مطلقًا.

• أيضًا تَجنَّب الإشارة بالإصبع إلى المتعلّمين غير الملتزمين، بل بالنظرة فقط أو الإشارة، ثم ساعِدِ المتعلمين على العثور على المصادر الرئيسة للمادة أو المواد. أيضًا ساعِدْهم على أن يضعوا أهدافًا مُحَدَّدة، وواقعيّة، وقابلة للقياس. وأخيرًا، اسْألْهُم عن الأشياء التي تعترض سبيل تعلّمهم. قد تكون هذه الأشياء هي اللغة الثانية، أو الأسلوب التعلّمي، أو حتى المُتعلّم الذي يجلس إلى جانبهم.

• أنت بصفتك معلِّمًا وشخصًا راشدًا، لا تَقُلْ للمتعلّمين بأنّك ستفعل أي شيء يطلبونه. ومع ذلك، من المهم أن تُظهر لهم رغبتك في أن تُصغي لهم، وأن تتعلّم منهم. وعندما تُشركهم في تخطيطك، فإنَّ مشاركتهم وروحهم المعنوية ترتفع، وستصبح طلباتهم للتغيير معقولة أكثر.
• ساعِدِ المتعلِّمين على أن يرَوْا العلاقة بين أعمالهم ونتائجها، وقدِّم لهم خبرات غنيَّة يختارون منها، وخاصة في مواقف مثيرة للتوتر.

• أيضًا شجِّع المتعلمين على أن يكتشفوا احتمالات بديلة، لتفسير فشل يبدو بسيطًا. وأخيرًا، ضَعْهُم في مواقف يمكنهم من خلالها أن يعيدوا تمامًا وبشكل إيجابي، تَعلُّم تحريك أنفسهم في وجه التهديد. يمكن للأنشطة الجماعية والرياضية، إضافة إلى الأنشطة المسرحية والتمثيلية المنطوية على أداءات عامة، أن تسهم في ذلك. بالنسبة إلى العديد من المتعلمين، فإنّ التحدِّي الخارجي أو مسافات الإجراءات الخاصة، تُقدّم وسيلة رائعة لتعلم الاختيار في وجه التهديد المُلاحظ.

معلمة تقوم بتدريس الأطفال حول الجغرافيا. باستخدام الكرة الأرضية وطرح الأسئلة. أطفال يجيبون على الأسئلة. إنهم يجلسون بجانب الطاولة. النماذج في هذه اللقطة هي جزء من مجموعة رياض الأطفال الحقيقية ومعلمهم.
ختامًا

ينبغي للجوِّ المدرسي المناسب أن يوفِّر للمتعلّمين فرص التعلّم المتنوعة، ويزوِّدهم بالمهارات اللازمة للنجاح في الحياة، ويساعدهم على فَهم أنفسهم، ومعرفة جوانب القوّة والضَّعف عند كلٍّ منهم، ويساعدهم على حلِّ مشكلاتهم، وغير ذلك من الأمور التي تساهم في تدعيم صحّتهم النفسية، ومساعدتهم على التكيّف السَّويِّ مع المواقف المختلفة .
أيضًا يُعتبَر دور المدرسة أساسيًّا في توفير جوّ الأمان الملائم للمتعلِّم، وله تأثير كبير من حيث بناء شخصيته، وإثارة دافعيته إلى التعلُّم .

تُعَدُّ الحاجة إلى الأمن النفسي في مقدَّمة الحاجات النفسية (غير العُضْويَّة) للمتعلِّم، وأكثرها أهميّة بصورة عامة، حيث إنَّ نجاح المدرسة في هذه المهمة يُبرز الدور الحيوي لها، باعتبارها من أهم مؤسّسات التنشئة الاجتماعية التي تُعنى بتربية الأجيال وتعليمهم وتوجيههم. ويكمن دورها في تعزيز شعور المتعلِّم بالأمان، وإشباع حاجته إلى الاستقرار النفسي، كي لا يشكِّل جوُّ المدرسة مصدرًا للقلق والتوتر وعدم الارتياح، أو انشغال الفكر وتَوقُّع الخوف من المعلِّمين أو الرفاق .

إنَّ أمان المتعلِّم في الصف لا يقتصر على أمانِهِ الجسدي فقط، بل يتعداه إلى راحته النفسيّة التي تتمثل بالقدرة على التعبير عن رأيه بدون خوف، وكيف يكون فردًا إيجابيًّا في مختلَف تصرفاته وسلوكيّاته. وهذا الأمر يقع على عاتق المدرسة والمدرّسين؛ فهُم من يقدمون الغذاء الرّوحي للمُتعلّم في الصف، ويخلقون له بيئةَ دراسةٍ آمنة وإيجابية في المدرسة، أي يثيرون دافعيَّته إلى العطاء ويحفزونه على المثابرة والنَّجاح.

تربية وتعليم