الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة مظلّة الإصلاح والإنقاذ

مقدمة

كما عوّدت مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدّروز في لبنان اللبنانيّين على الدّوام، كانت النّدوة الثّقافيّة التي انعقدت في قاعة بلدة شانيه، جبل لبنان، بتاريخ 21/5/2025 مناسبة روحيّة/ثقافيّة/وطنيّة جامعة، تحت رعاية مزدوجة من سماحة شيخ العقل الشّيخ الدكتور سامي أبي المنى، ووزير الثّقافة الدكتور غسّان سلامي، مدماكاً جديداً متميّزاً في البنيان اللّبناني الوطني الواحد.

كانت عناصر النّدوة، من العنوان (الشّراكة الرّوحية الوطنيّة) إلى المشتركين فيها (رؤساء جامعات لبنانيّة محترمة) ورعاية وحضور وزير الثّقافة، وبإدارة العميد الدّكتور رياض شيّا، وبحضور ديني، ورسمي، وشعبي لافت، تدلّ جميعها إلى المعنى المزدوج الّذي يستبطن موضوع النّدوة: حاجة البلاد في هذه اللّحظة بالذّات إلى شراكة روحيّة بين العائلات الرّوحيّة الّتي تؤلّف مجتمعنا وبلدنا من جهة، وإبراز الطّابع الوطني للشّراكة الرّوحية تلك من جهة أخرى.

لم يكن اختيار الميزتين أعلاه، وربطهما، فعل صدفة عابرة، وإنّما كان اختياراً، هدف من خلاله سماحة شيخ العقل أن يضع اللّبنانيّين جميعاً، روحيّين ورسميّين وسياسيّين وقادة رأي أمام مخاطر؛ أن لا تجمعنا الشّراكة التّامة في اللّحظة الحرجة الّتي يمرّ بها شرقناووطننا، – ولأسباب ما عادت خافية على أحد بعد الانفجار اليميني العنصري غير المسبوق الّذي أصاب العقل الإسرائيلي منذ بضع سنوات، والّذي آنس في الإدارات الحاكمة في عواصم القرار الغربية. والمطلب الملح بالتّالي هو أن تتجسّد الشّراكة الرّوحية منعة لوطننا، وحافزاً لوحدة الصّف والموقف والخطاب، لا لدى المرجعيّات الرّوحية فقط، بل لدى قادة الرّأي في البلد في أطيافهم وميادينهم كافّة.

وكانت الإسهامات الفكريّة/الرّوحيّة والرّسميّة الّتي قدّمت من على منبر النّدوة – والّتي تعرضها الضّحى كما هي من دون أي تدّخل أو تعليق – خير معبّر عن مخاطر اللّحظة الّتي يعيشها بلدنا والشّرق عموماً من جهة، وخارطة طريق تفصيليّة لأولي الشّأن الرّوحي والثّقافي والرّسمي في كيفية وصل ما انقطع، أو يكاد، بين المكوّنات اللّبنانيّة الاجتماعيّة، وكيفيّة تعميق جذور المشترك هذا، وتوسعة مساحته، والمنخرطين بنيّة طيّبة فيه، ما يقي بلدنا ومجتمعنا مخاطر المؤامرات الخارجيّة المتربّصة بنا، وكذلك مخاطر الغلوّ والتّطرف والخطب العاليّة السّقف، الحادّة المواقف، الأحاديّة الجانب، الجزئيّة، والمتفرّدة.

ندوة «الشّراكة الرّوحية الوطنيّة»، كانت بحقّ مظلّة يمكن الاحتماء بها وتوسعتها، وسط صخب الأمواج وهدير الرّعود، وشرر البروق المحدقة ببلدنا ومنطقتنا.


كلمة سماحة شيخ العقل الشّيخ الدّكتور سامي أبي المنى
الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة، هذا العنوانُ الّذي أطلقناه من دار طائفة الموحّدين الدّروز، ومن دار الفتوى ومن المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى، والّذي توافقنا عليه معَ بكركي من قبلُ ومن بعد، وأكّدناه منذ أيّامٍ من القصر الجمهوري، وبالأمس من مقرِّ الرّئاسة الثّانية، وبتفاهمٍ مع رئاسة الحكومة، إنَّما هو العنوانُ الأشملُ الّذي نراهُ لبناء الدّولة واستعادةِ الأمل، والشعارُ الأرقى الّذي يُجسِّدُ معنى وجودِ لبنان، كوطنِ التّنوُّع والشّراكة؛ وطنِ التّنوُّع في الوحدة، والشّراكةِ في العمل، وطنِ المؤمنين باللّه وبالعيش الواحد المشترَك:
العيشُ مشترَكٌ،  بل واحدٌ أبدا
وحبُّ  لبنانَ  عهدٌ  بيننا   عُهِدا
الدّينُ  يَجمعُنا  والحقُّ  مَرجِعُنا
شُقُّوا القلوبَ تلاقوا الواحدَ الأحدا
إنَّ لبنانَ مختبَرُ إيمانٍ وتفاعلٍ وطنيّ رائع؛ علمنةٌ روحانيّة، ومدنيّةٌ مؤمنة، وتنوُّعُ مكوِّناتٍ حضاريّة تَجعلُه متميِّزاً بين بلدان هذا الشّرق، شعبُه واحدٌ بالرّغم من تعدُّد أديانه ومذاهبه وثقافاته، جذورُه متينةٌ وصَلبة، وأغصانُه وزهورُه مُتعدّدةُ الألوان والأحجام والاتّجاهات، لكنَّها متفرِّعةٌ من جَذعٍ تاريخيٍّ وعربيٍّ ووطنيٍّ متين، وكأنّها ترسمُ لوحةً جميلةً رائعةً كطبيعته الخلَّابة، والشّعبُ اللّبنانيّ الأصيلُ كتلك الطبيعةِ الخالدة عصيٌّ على التّفكُّك والانكسار والزّوال، لما يُوجَدُ بين أبنائه من روابطَ روحيةٍ ووطنيّة متينة، وتلك لَعمري هي مِظلَّةُ الإصلاح والإنقاذ، الّتي تجمعُنا دائماً تحت فيئها وأمنِها وأمانها.
وإذا كان القولُ المأثور صحيحاً: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه»، وهو كذلك، وإذا كان الدّستورُ اللّبناني قد عزَّز دورَ مجلس الوزراء بما أعطاه من صلاحيّاتٍ كسلطةٍ تنفيذيّة راعيةٍ ومسؤولة، إلَّا أنَّ رعايةَ رئيسِ الجمهورية هي الأعلى بما تكتسبُ من قوّةٍ معنويَّة لا يضاهيه فيها أحدٌ ولا ينازعُه عليها قائدٌ أو مسؤول، متى عَرف كيف يجمعُ حوله جميعَ المكوِّنات والقوى الوطنية، ليكونَ الرئيسَ القويَّ بقوّة الجمع والثّبات والتمسُّك بروح الشّراكة، لا بقوّة المواجهة والتحدّي وتنازع الحصص.
من هذا المنطلق أطلقنا فكرةَ الشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة، وبتقديرنا الكبير لمعالي وزير الثّقافة لما يتمتَّعُ به من عميق فكرٍ وسَعةِ تجربة، أردنا أن نفتتَحَ سلسلةَ النّدوات حول هذا الموضوع برعايته ومشاركته، وقد عقدنا العزمَ على أن نَنشرَ تلك الثّقافة، وأن نجمعَ حولَها المداخلاتِ القيِّمةَ في أكثرَ من ندوةٍ ومعَ أكثرَ من رأيٍ من نخبة القوم، علَّنا نختتمُ هذه النّدواتِ بمؤتمرٍ وطنيٍّ روحيّ يرعاه فخامةُ الرّئيس، وتُطرَحُ فيه خلاصاتُ الأفكار والمواقف، بَدءاً ممَّا سيُقدَّمُ اليومَ من قِبل الأساتذة المحاضرين الأثرياءِ بفكرِهم، والقادمين من منابرَ جامعيّةٍ مرموقة، هي الأَولى بالإضاءة على تلك الثّقافة، وبتعزيز هذا التّفاعل، وبنشر الوعي بين أبناء الوطن.
إنّ هذه الندوةَ اليومَ تتوازى مع اليوم العالمي للتنوُّع الثّقافي من أجل الحوار والتّنمية، وهو ما يتماهى معَ طرحِنا بأن يكونَ التنوُّعُ الثّقافي والدّيني القائم في لبنان مغذّياً للشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة التي تُصبح بدورها سبيلاً للتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستدامة الّتي نسعى إليها من خلال بناءِ جسور الحوار الدّائم، مدركين أن هذا البناءَ الوطنيَّ والإنساني لا يعني هدمَ البناء الخاصّ بكل عائلةٍ روحيّة، فالتمسكُ بالهُويّة  الرّوحيّة الخاصّة لا يتعارضُ معَ الانفتاح والحوار والعيش الواحد، ومع المصالح العليا للوطن، لأنّنا جميعنا مرتبطون بتراثنا الثّقافي وهويّتنا الرّوحيّة، ومتمسّكون بخصوصيّاتنا، مع الرّغبة في السّعي نحو الاندماج  والتّكامل معَ شركائنا في الوطن؛ وهنا يكمن التحدّي المزدوج، الأوّل في تثقيفِ الشّباب وتربيتهم على التّمسُّك بالجذور والأصول، والثّاني في الانفتاح على المعرفة والتّطوُّر الدّائم.
لقد كنَّا معاً وغبطةُ البطريرك الرّاعي في لقاء الشّوف الجامع في بعقلين، وفي لقاء حمَّانا حول الاغتراب والتّنمية، وكنَّا معاً والرّؤساءُ الرّوحيّون جميعُهم في القمَّة الرّوحيّة، وفي أكثرَ من لقاء، فأكَّدنا أنّنا مستمرُّون في تلاقينا لتعزيز الثّقة في مجتمعنا، وإنعاش الأمل في قلوب أبنائنا، بالرّوح الطيّبة والكلمة الطيِّبة وبالعمل الطيِّب. كيف لا؟ ونحن أبناءُ التّوحيدِ، والمحبةُ هي لُبُّ التّوحيد، والتّوحيدُ جامعٌ مشترَك فوقَ المظاهر والطّقوس، وقد عبَّرنا عن ذلك شعراً منذ زمنٍ، فقلنا:
تعمَّقتُ في ديني الحنيفِ فقادني
إلى  غيرِه،  لو أنّ ذاك  مُغايِرُ
وأدركتُ أنَّ الحقَّ  أصلٌ،  وكلُّنا
فروعٌ    وأغصانٌ   له   وأزاهرُ
إذا   فرَّقَتْ  بينَ  الأنامِ  عبادةٌ
فتجمعُهم فوقَ الطقوسِ الجواهرُ
إنَّ الوطنَ تاريخٌ، والتّاريخُ لا يُمحى بحادثةٍ هنا ومواجَهةٍ هناك، وتراثٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ لا يتبدَّلُ بخطأٍ من هذه الجهةِ أو خطيئةٍ من تلك. الوطنُ سيرةُ أبطالٍ قادةٍ نُجباء وفلَّاحين أُخوةٍ شرفاء، هو كهفُ تعبُّدٍ وصومعةُ نُسكٍ وساحةُ جَمعٍ في الأفراح والأتراح، هو مَيدانُ عملٍ وشراكةٍ ولقاء، كرَمٌ وكرْم، سيفٌ وضَيف، نسمةٌ وبسمة، فيه وُلِدنا وفيه نعيشُ وفيه نموتُ وفيه نُبعَثُ من جديد، ومعاً نُعليه فوق الخلاف والاختلاف لنجعلَه النّموذجَ الحيَّ للإنسان، ولكلِّ الأوطان.

من هذا المنطلَق الوجداني والواقعي أطلقنا عنوانَ الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة كمشروعِ تفاعلٍ وطنيٍّ يبدأ بالثّقافة والتّربية، ولا ينتهي بالتّنمية والاقتصاد وبالسّياسة، وفي كلِّ ذلك هناك ميادينُ عملٍ تنتظرُنا للقيام بالمبادرات، وإن كنَّا اعتدنا أن ننتظرَ الخارجَ ليبادرَ ولِيرسُمَ لنا سبيلَ الخروج من الأزمات، لكنَّ الواجبَ يدعونا لكي نبدأَ أوّلاً، ومن ثُمَّ نستعينُ بالأخوة والأصدقاء، أمَّا دورُنا كمرجعياتٍ روحيّة، فإنّنا نراهُ دوراً إنسانيّاً وأخلاقيَّاً يشكِّلُ مِظلَّةً روحيّة تتلاقى مع مظلّةٍ وطنيّةٍ كبرى تتمثَّل برئاسة الجمهوريّة، لتشكِّل معاً مظلَّة الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة الجامعة الّتي هي حاضنةُ الإصلاح والإنقاذ، وضمانةُ التّلاقي السّياسيِّ الوطنيِّ المنشود.


كلمة العميد الدّكتور رياض شيّا
«الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة: مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ» – عنوانُ ندوتِنا الفكريّةِ اليوم، تُعقدُ في هذا الصّرحِ وفي هذه البلدةِ المضيافة، هو عنوانٌ أطلقَه صاحبُ السّماحة ليكونَ مظلّةً للإصلاحِ والإنقاذ، والوطن على أبواب مرحلةٍ جديدة. فلبنان، منذ تأسيسه كدولة في العام 1920، وتحديداً منذ استقلالِه في العام 1943، شكّل نموذجًا فريدًا للتّعدّدية الدّينيّة والثّقافيّة، لكنّه أيضًا عانى مرارًا من توتّرات طائفيّة تحوّلت في مراحل عديدة إلى صراعات دمويّة، كان أبرزها الحرب الأهليّة بين العامين 1975 و1990. وقد خلّف هذا التّاريخ جراحًا عميقة وانعدامَ ثقةٍ بين مكوّنات المجتمع اللّبناني، ورسّخ نظامًا سياسيًّا طائفيًّا هشًّا قائمًا على المحاصصة، ما أعاق بناءَ دولةٍ مدنيّة عادلة وقويّة.من هنا، فالمفردات الّتي اختيرت بعناية عنواناً للنّدوة جاءت لتقول إنّ الشّراكة بين الطّوائف اللّبنانيّة اليوم هي البديل عن صراعات وانقسامات الماضي، والسّبيل لإصلاح مستقبل الوطن. ثمّ إنّ اختيارَ عبارة «الشّراكة الرّوحيّة» بحدّ ذاتها تستبطنُ أمراً في غاية الأهميّة لا بدّ من التّطرق إليه، وهو ضرورة التّمييز بين الدّين والطّائفيّة.

فوسطَ ما يشهده العالم من تحوّلات وتغييرات اجتماعيّة وسياسيّة، يبدو أنّ هناك التباساً عميقاً بين مفهومَي «الدّين» و»الطّائفيّة»، ما أدّى بالكثيرين، عن جهلٍ أو عن سوءِ نيّة، إلى الخلط بين الرّسالة السّماويّة الّتي تدعو إلى السّموِّ والرّحمة الّتي يمثّلها الدّين، وبين التّعصب والانغلاق الّذي تمثّله الطّائفيّة. وهذا الخلط لا يقتصر على المفاهيم، بل يتعداها إلى الممارسة، حين يُستغلّ الدّين لتحقيق غايات لا تمتّ إلى جوهره بصلة. لذا من الضّروري الوقوفُ عند الفرق بين الدّينِ والطّائفيّةِ والتّمييز بينهما، وفضحُ صور استغلال الدّين في غير مقاصده.

إنّ الدّين هو منظومةٌ متكاملة من العقائد والعبادات والأخلاق، تهدفُ بمجموعِها إلى تنظيم العلاقة بين الإنسانِ وخالقِه، والى علاقتِه بنفسِه، وبمجتمعهِ. في جوهرهِ، يرمي الدينُ إلى بناء إنسانٍ فاضل، ومجتمعٍ عادل، قائمِ على الرّحمة، والصّدق، والعدالة والمساواة، والتّكافل، والحريّةِ المسؤولة. الأديانُ السماوية، وعلى رأسِها المسيحيّةُ والإسلام، جاءت لتُخرِجَ الناسَ من ظلماتِ الجهلِ والظّلم إلى نور المعرفة والعدل، ولتدعوَ إلى السّلام، وتحضَّ على الرّحمة، وتَنهَى عن الفتنةِ والبغي.
والدينُ، بهذا المعنى، هو قوّةُ توحيد، تربطُ البشرَ بقيمٍ روحيّةٍ عليا، وتتجاوزُ الانتماءاتِ الضّيّقة، لتؤسّسَ لوحدةٍ إنسانيّة تقومُ على كرامةِ الإنسانِ وحريته.

في المقابل، الطّائفيةُ تحزّبٌ ضمنَ إطارٍ مذهبيٍّ ضيّق، يقوم على الانتماءِ لجماعةٍ أو عصبيّةٍ معيّنة، ورفضِ الآخر المختلف، والنّظرِ إليه كخصمٍ أو حتّى كعدوّ. إنّها حالةٌ من الانغلاقِ العقلي والنّفسي، تُغذَّى بالتّعصّب والكراهيّة، وتنتهي غالبًا إلى العنف، والتّمييز، وتقسيمِ المجتمعات.

الطّائفيةُ لا تعبّرُ عن جوهرِ الدّين، بل هي تشويهٌ له، لأنّها تختزلُ الدّينَ في هويةٍ فرعيّة، وتوظّفُ المقدسَ لخدمةِ المصالحِ الدّنيويّة. حينَ تسودُ الطّائفيّةُ، تُستبعدُ القيمُ الكبرى للدّين، وتُستبدلُ بولاءاتٍ ضيّقة، تُقسّمُ النّاس إلى «نحن» و «هم»، وتهدمُ جسورَ التّعايش.

وهكذا، فإنّ الدّينَ يبني والطّائفيةَ تهدم، الدينُ يوحّد والطّائفيةُ تفرّق، الدّينُ محبّةٌ ورحمةٌ وتسامحٌ، في حين إنّ الطائفيةَ تعصبٌ أعمى.
إنّ أخطرَ ما يواجه الدّينَ اليوم، هو استخدامُه وسيلةً لتّحقيقِ أهدافٍ دنيويّة، سواءَ كانت سياسيّةً أو اقتصاديّةً أو سلطويّة. فحينَ نُعيدُ للدّين رسالتَه الرّوحيّة، ونفصلُ بين المقدّسِ واستغلالِه، نكونُ قد خَطَونا خطوةً نحوَ مجتمعاتٍ أكثرَ وعيًا وإنصافًا، وأكثرَ قدرةً على العيشِ المشترك.

من هنا تبرزُ الحاجةُ إلى مبادراتٍ جامعة تتجاوزُ الانقساماتِ الطّائفيّة والمصالح الفئويّة. ومن بين هذه المبادرات، تبرزُ «الشّراكةُ الرّوحيّة» كإطارٍ جامعٍ بين المرجعيّاتِ الدّينية المختلفة في البلاد، تحملُ في طيّاتِها أملًا حقيقيًّا بالإصلاحِ والإنقاذ.

تقومُ الشّراكةُ الرّوحيّةُ على مبدأ التّعاون بين القيادات الدّينيّة من مختلف الطّوائف اللّبنانيّة، ليس فقط من أجل تعزيزِ العيشِ المشترك، بل أيضًا للتّصدي للأزمات الوطنيّة بروحِ المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. فالدّينُ في لبنان لم يكن يومًا مجردَ شعائر، بل كان دائمًا عنصرًا فاعلًا في الحراكِ الاجتماعي والسّياسي. واليوم، تتّجهُ الأنظارُ إلى هذه المرجعيّات لإحداثِ تأثيرٍ إيجابي يدفعُ باتجاهِ محاسبةِ الفاسدين، والدّعوة إلى قيامِ دولةٍ عادلةٍ ومؤسّسات قويّة.

إنّ لبنان، الّذي عاش طويلاً في ظلِّ الاصطفافاتِ الطّائفية، يحتاجُ اليومَ إلى مظلّةٍ جامعة من القيمِ والإيمان، تقودُ مسيرةَ الإنقاذِ الوطني بضميرٍ حي، ونَفَسٍ جامع. إنّ مظلّةَ الشّراكةِ الرّوحيّة، حينَ تتوحّد، تملكُ القوةَ المعنويّة لتقويمِ الأداءِ العام، ولإعادةِ بثِّ الثّقة بين النّاس ومؤسّسات الدّولة. فحين يتكلّمُ صوتُ الإيمانِ والضّمير، يصعبُ تجاهُله، لا من قبلِ السّياسيّين، ولا من قبل المجتمعِ الدّولي.
من هنا، يمكنُ القول إنّ الشّراكةَ الرّوحيّةَ في لبنان لم تَعُد خيارًا، بل ضرورةً وطنيّة وأخلاقيّة، تمثّلُ بارقةَ أملٍ في نفقٍ طويل من الأزمات. وعلى اللّبنانيّين أن يدعَموها، لأنّها قد تشّكلُ بدايةَ طريقِ الخلاص.

لكن، من المهمِّ التّأكيد، وبوضوح، أنّ الشّراكةَ الرّوحيّة ليست بديلاً عن الدّولة، لكنّها تمثلُ قوّةً أخلاقيّة ووطنيّة جامعة، تضعُ ضميرَ المجتمع أمامَ مسؤوليّاتِه، وتدفعُ باتجاهِ إصلاحٍ حقيقي ينقذُ لبنانَ من أزماتِه المتفاقمة.

ومن هذا المنطلق، تأتي ندوتُنا اليوم في توقيتٍ دقيقٍ يمرُّ فيه وطنُنا بأزمات متشابكة، تتطلّبُ استجاباتٍ غير تقليديّة ومساراتٍ جامعة. واجتماعُنا اليوم، برعايةِ الفكرِ والعلمِ، وبحضورِ نخبةٍ من قادةِ التّعليمِ العالي في لبنان، يؤكدُ أن الجامعات ليست فقط مناراتٍ للمعرفة، بل هي أيضاً منابرُ حيّة للحوار، ومصانعُ للوعي الوطني، ولصناعةِ جيلٍ لبناني يؤمنُ بالتّعدّدية، يعملُ من أجل الوطن، لا الطّائفة.

سنستمعُ اليوم إلى رؤى قيّمة من أصحاب الاختصاص والخبرة، ونأملُ أن يثمرَ لقاؤنا اليوم توجيهاتٍ واقعيّة تسهمُ في بناء مسارٍ إنقاذيّ حقيقي، يضعُ الإنسانَ في صلبِ أيّ مشروعٍ وطني.
أجدّدُ الترحيبَ بكم جميعاً، وأتمنّى لنا ندوةً بنّاءة، وحوارًا غنيًّا بالأفكار والمبادرات.


كلمة رئيس الجامعة الإسلامية معالي الدّكتور حسن اللّقيس

إنّهُ لَشَرَفٌ كبيرٌ أنْ نكونَ في رُبوعِ الجبلِ الشّامخِ الّذي اعتادَ جَمْعَ فُسَيْفِساءَ الوطنِ بالمحبّةِ، وما هذا اللقاءُ الثقافيُّ العابرُ لكلِّ الحدودِ الجغرافيّةِ والطائفيّةِ والمَذْهَبِيَّةِ والمناطِقِيَّةِ تحْتَ عباءَةِ مَشْيَخَةِ العقْلِ الموقّرة، ومعالي وزيرِ الثّقافةِ العزيز، وبِحُضورِ الرّؤساء الأفاضلِ لكُبْرى الجامعاتِ في لبنان، عَنَيْتُ بِهِم الأبَ حبيقة الموقّرَ، والدكتور غزيري المحترم إلّا خيرُ دليلٍ على روحِ الجمْعِ والوحدةِ والتّآخي الوطنيِّ.

يقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ العزيز: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ). فلا نبالغُ القولَ لو قُلْنا إنَّ التّلاقي فريضةٌ؛ ولأنَّ لبنانَ وطنُ التّآخي والتّآلف، كانَ هذا اللقاءُ مرآةَ التّلاقي، وهذا ما انعكَسَ في عنوانِهِ الموسومِ بـ: «الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ – مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ».

ما الشّراكةُ الرّوحيّةُ؟ أَهِيَ أنْ يتقاطعَ اثنانِ في مصيرٍ واحد؟ أم تُراها تلكَ الحالةَ الوجدانيّةَ الّتي تجتاحُنا عندَما يُصابُ أخٌ لنا في الوطنِ بمكروهٍ، فنشعرُ بأنّنا نشاطرُهُ الألم. إنّها سموُّ الإنسانِ في وطنِهِ كريمًا معزّزًا تحتَ خيمَةِ الوطن. ومن فيْءِ خيمةِ الوطنِ يأتي دورُ البيوتاتِ الأصيلةِ والعائلاتِ الرّوحيّةِ، وهمْ نِعْمَةُ الوطنِ الّتي تَحُولُ دونَ تَحْويلِ خلافاتِ السّياسةِ إلى لَوْثَةِ الخلافِ المذهبيّ- الطائفيِّ القاتل.

لماذا العائلاتُ الرّوحيّةُ «روحيّةٌ»؟ لأنّها هيَ الّتي تُهَنْدِسُ الخطابَ وتُمَنْهِجُهُ ليواكِبَ روحَ التّآخي في الوطن، روحُ الوطنِ في هذه العائلاتِ، وهيَ حتمًا السّدُّ المنيعُ الّذي يمنعُ الكراهيةَ وينبذُ العنفَ، ذلكَ كلُّه في سبيلِ الوطن. وفي السّياقِ ذاته، لا تغيبُ بيوتاتنا الشريفةُ هذهِ عندَ أزماتِ العيشِ وشَظَفِهِ، فتراها سبّاقَةً للنجْدَةِ الإنسانيّة.

والعائلاتُ الرّوحيّةُ سياجُ المجتمع، وهوَ ملعبُها وميدانُها، فهيَ كالشّرطيِّ في أيّامِنا هذه، تحفظُ الوطنَ وأبناءَه، في ظلِّ خطرِ الأفكارِ المعلّبةِ والمستوردة، فتكونُ هيَ ضمانُ الأصالةِ، عندما يحلُّ الخطر.

ولمْ يفتْ أهلُ الشّراكةِ والرّوحيّة الوطنيّة أنْ يصبّوا اهتمامَهُم على التّربية، وهوَ أكثرُ ما يعْنينا بصفتِنا رؤساءَ جامعاتٍ مشاركينَ في هذهِ النّدوةِ القيّمة، إذْ تتَنَكّبُ أوساطُنا الرّوحيّة عناءَ الاهتمامِ بالتّعليمِ العالي، فتُشيّدُ صروحَ التّعليمِ، وتسهر على ضبطِ المناهِجِ البنّاءةِ، على أساسِ حفظِ أجيالِنا وخدمةِ الإنسانِ والوطن. ولِعَمْري إنّنا جميعًا تقاطَعْنا على لازمةٍ شريفةٍ أمامَ طلّابِنا، وقلْنا عنِ الإنسان إنّه إمّا أخٌ لكَ في الدّين أوْ نظيرٌ لكَ في الخلق، فإنّني منْ على هذا المنبرِ الكريم، أدْعو إلى تعزيزِ الشّراكةِ بينَ هذهِ الجامعاتِ بإشرافِ العائلاتِ الرّوحيّةِ، فلنُواظِبْ أيّها الأخوةُ على عقْدِ هكذا لقاءاتٍ، علّها تؤسّس إلى مدماكٍ يبني طودَ الوحدةِ بشموخٍ وافتخار، على قاعدةِ لبنان: الوطن النّهائيُّ لجميعِ أبنائِه.

ونَحنُ في الجامعةِ الإسلاميّةِ في لبنان، جامعةٌ لكلِّ الوطن، نعتَمِدُ في منهجِنا الدّراسيِّ مادةً إلزاميّةً تحتَ عنوان «ثقافةُ أخلاقٍ وأديان» لنلتزم بذلك وصيّةَ إمامِنا المؤسّسِ السّيدِ موسى الصدر، إمامُ الوحدةِ الوطنيّةِ والعيشِ المشتركِ، وما لهفةُ المستمعينَ الكرامِ عنْدما يُذْكَرُ أمامهُمْ هذا الرجلُ إلّا خيرُ دليلٍ حيّ… فمنذُ عودةِ الإمامُ الصدرِ إلى أرضِ أجدادِه في لبنان، وهو يسهر على صونِ الوحدةِ الوطنيّةِ، ونبذِ الطائفيّةِ، وكثيرَةٌ هي نداءات الإمامِ، وغنيّةٌ عنِ التّعريفِ، إذْ رامَ أنْ يجعلَ أبناءَ الوطنِ الواحدِ كالبنيانِ المرصوص. فهوَ الذي حوّلَ أزمةَ الجنوبِ إلى مدعاةِ وحدةٍ وتلاقٍ، فأسّسَ هيئةَ نصرةِ الجنوب عام 1969 بحُسْبانِها مبادرةً دينيّةً وطنيّةً مدنيّةً جامعة، في ظلِّ غيابِ السّلطةِ، آنَذاك، عنْ همومِ الجنوبيّينَ، وهكذا جابَهَ الإمامُ الصدرَ العدوَّ الصهيونيَّ، وجابهَ الطّائفيّةَ في بوتقةٍ وحدة. كما كانَ لِلْقِمَمِ الرّوحيّةِ حينَها الدورُ الأبرزُ في الشّراكةِ الوطنيّةِ انطلاقاً مِنَ الشّراكةِ الرّوحيّةِ، والرّغبةِ الإصلاحيّةِ الإنقاذيّة، والّتي كانتْ تجمعُ إلى جانبِ الإمامِ الصدر، الشّيخَ محمد أبو شقرا، والشيخَ حسن خالد، والبطريرك مارْ أنطونيوس بطرس خريش، والمطران جورج خضر، والبطريرك ماكسيموس الخامس حكيم… وكانتْ هذهِ القممُ الرّوحيّةُ تدعو إلى الحفاظِ على السّلمِ الأهليِّ، والتّمسُّكِ بالعيشِ المشتركِ ورفضِ الفتنِ الطّائفيّةِ والمذهبيّة.

وفي هذا السّياقِ، يقولُ راعي حفلِنا الشّيخُ الدكتور سامي أبي المنى، في مؤتمرِ «كلمةٌ سواء» الحادي عشر «اجتَمَعْنا مِنْ أجلِ الإنسان» (الإمامُ موسى الصدر، رغمَ كونِهِ فقيهًا شيعيًّا، كانَ يسعى إلى تجاوزِ حدودِ طائفتِه) ويضيفُ (إنَّ البعضَ شبّهَ الإمامَ الصدرِ بالفكرِ التّقدميِّ للمعلّمِ كمال جنبلاط، الّذي كان يسعى أيضًا إلى أُفُقٍ إنسانيٍّ أوسع) مؤكدًا أهمّيّةَ الفكرِ المعتدلِ، والانفتاحِ على الآخرِ في بناءِ وطنٍ موحّدٍ ومتقدّم.

وهذا ما يؤكّدُهُ الإمام الصّدر بنفْسِهِ عندما يقولُ: «كمال جنبلاط رجلٌ استثنائيٌّ، كانَ يرى في الوحدةِ الوطنيَّةِ قداسةً لا تقلُّ عنْ قداسةِ الإيمان». ليُقابِلَه المعلِّمَ الودَّ الروحيَّ الوطنيَّ قائلًا: «الإمامُ موسى الصدر رجلٌ يحملُ روحًا رساليّة…» وعلى سيرةِ الآباءِ كانَ الأبناء، فهذا الرّئيس نبيه برّي رجّعَ الصّدى الأصيلَ قائلًا في وليد جنبلاط: «وليد جنبلاط هوَ وريثُ علاقةٍ تاريخيّةٍ أرساها كمال جنبلاط معَ الإمامِ الصدر. نحافظُ عليْها كأمانةٍ في ضميرِ الوطن.»

ومنْ هذهِ الأمانةِ الّتي نَحْمِلُها، أُجَدِّدُ شكريَ للمُلْتَقى الثّقافيِّ والاجتماعيِّ لجُرْدِ عاليْه والجوار على هذهِ النّدوةِ القيِّمَةِ، وإلى المنتدين الكرام، رعاة النّدوة، والزّملاء الأعزَّاء والحضور الكريم … دامَتِ الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ شامخةً بشموخِ الجبلِ الأشمّ. والسّلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتِهِ.


كلمة رئيس جامعة المقاصد الدّكتور حسّان غزيري

نجتمع اليوم لنتدارس موضوعاً في غاية الأهميّة، ألا وهو»الشّراكة الرّوحيّة: مظلّة الإنقاذ والإصلاح».

سنتناول في كلمتنا اليوم بعض المحاور لمفهوم الشّراكة الرّوحيّة، مستعرضين أبعادها المختلفة وتجليّاتها في واقعنا اللّبنانيّ، ومبيّنين كيف يمكن لهذه الشّراكة أن تكون مظلّة إنقاذ للوطن وأداة إصلاح للمجتمع في آن واحد.

مفهوم الشّراكة الرّوحيّة

الشّراكة الرّوحيّة هي صيغة من التّعاون والتّفاعل بين الأفراد أو الجماعات أو المؤسّسات تقوم على أسس غير مادّيّة، مثل القيم، والمبادئ الأخلاقيّة، والرّوابط الإيمانيّة، والمشاعر الإنسانيّة العميقة، وذلك بهدف خدمة الصّالح العام، أو تحقيق أهداف سامية تتجاوز المصالح الشّخصيّة أو الفئويّة أو الماديّة.

على عكس الشّراكات الّتي تُبنى على العقود أو المنافع المتبادلة، تقوم الشّراكة الرّوحيّة على الإيمان المشترك بغاية إنسانيّة أو أخلاقيّة أو دينيّة، وعلى الالتزام الدّاخلي الصّادق بمبدأ العطاء، والتّسامح، وخدمة الآخر.

جذور الأزمة: من الانتماء إلى الاصطفاف

غير أنّ تطبيق هذا المفهوم في الواقع اللّبنانيّ يواجه تحدّيات جمّة، أبرزها هيمنة الولاءات الطّائفيّة الضّيقة على حساب الانتماء الوطني، وغلبة المصالح السّياسيّة والاقتصاديّة الآنيّة على المصلحة العامّة، فضلاً عن التّدخّلات الخارجيّة الّتي تعمّق الانقسامات الدّاخليّة.

منذ نشأة دولة الاستقلال، فإنّ المسالة الرّئيسيّة الّتي واجهها صنّاع الاستقلال اللّبناني وبناة الدّولة، هي المسألة الطّائفيّة. وما زلنا إلى يومنا هذا نسعى بدون كلل ولا ملل، ودون جدوى أيضًا، لتجاوز الطّائفيّة، وتخفيف آثارها السّلبيّة على الدّولة اللّبنانيّة.

سأتلو عليكم ما ورد في البيان الوزاري للرّئيس رياض الصّلح في العام 1945:
«ومن أسس الاصلاح الّتي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطّائفية، والقضاء على مساوئها. فإنّ هذه القاعدة تقيّد التّقدم الوطني من جهة، وتشوّه سمعة لبنان من جهة أخرى، فضلاً عن أنّها تسمّم روح العلاقات بين الجماعات الرّوحيّة المتعدّدة التي يتألّف منها الشّعب اللّبنانيّ.
إنّ السّاعة الّتي يمكن فيها إلغاء الطّائفيّة هي ساعة يقظة وطنيّة شاملة مباركة في تاريخ لبنان»

كما حاول الرّئيس فؤاد شهاب بعد ربع قرن بناء دولة المؤسّسات الحقيقيّة والفعليّة، مستندًا إلى الجيش في الدّاخل، ووضع معادلة إقليميّة َمرنة تسمح بحماية نظام حكمه من التّدخلات الخارجيّة. لكنّه أيقن لاحقًا أّنّ منطق المحاصصة «السّهل» والمغري أقوى من منطق المؤسّسات الصّارم، فآثر الابتعاد رافضًا بنحو قاطع الاستجابة لدعوات التّجديد له.

 

لذلك تبقى الدّولة عقدة اللّبنانيّ، وفريسة السّياسيّين، وضالة اللّبنانيّين.

ولعلّ الأزمة الرّاهنة الّتي يعيشها لبنان تمثّل اختباراً حقيقيّاً لقدرة اللّبنانيّين على تجسيد مفهوم الشّراكة الرّوحيّة، والارتقاء من حالة التّعايش السّلبي إلى مستوى التّكامل الإيجابي، الّذي يحفظ التّنوّع ويحقّق الوحدة في آنٍ معاً.

تجربتان لمعالجة مسألة الطّائفيّة

ميشال شيحا

أستعرض هنا تجربتَين لمعالجة مسألة الطّائفيّة في نظام الحكم اللّبناني؛ التجربة الأولى: هي تجربة ميشال شيحا. وأمّا التّجربة الثّانية فهي تجربة دولة الرّئيس حسين الحسيني الّتي تجسّدت في اتفاق الطّائف.

لم ينظر ميشال شيحا إلى الطّائفية كمشكلة أو كعائق أمام بناء الدّولة، بل على العكس، رأى فيها أحد أسس الهويّة اللبنانيّة، إذ اعتبر أنّ لبنان ليس دولة قوميّة تقليدية، بل كيان قائم على تعدّدية طوائفيّة متجذّرة في التّاريخ والجغرافيا.

إنّ ما يجعل فكر شيحا موضوعًا دائمًا للنّقاش هو الجدل المستمرّ بين رؤيته الواقعيّة للطّائفيّة بوصفها تنظيمًا للتّعدّد، وبين دعوات الحداثة والدّولة العلمانيّة على النّمط الغربي الّتي ترى في الطائفية عائقًا أمام بناء المواطنة والمساواة. فبينما يشيد البعض بشيحا بوصفه واضعًا لأسس التّعايش السّلمي، ينتقده آخرون باعتباره المُنظّر الأوّل للطّائفية السّياسيّة الّتي قادت لبنان إلى أزمات متكرّرة.

يمكن القول إنّ ميشال شيحا كان براغماتيًا في رؤيته للنّظام اللّبناني. فقد أدرك أنّ التّركيبة الطّائفيّة ليست عيبًا بل واقعًا يجب التّعامل معه بذكاء، فدعا إلى نظام يضمن التّمثيل العادل لكلّ الطّوائف ضمن إطار ديمقراطي توافقي لكنّه في الوقت ذاته كان يدرك مخاطر الطّائفيّة إذا تحوّلت إلى عصبيّة أو وسيلة للفوضى والانقسام، فدعا إلى تعزيز الحسّ الوطني والمواطنة، والعمل على تطوير النّظام تدريجيًّا نحو دولة حديثة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني: المواطنيّة الحاضنة للبعد الروحي

هذا ويشكّل اتّفاق الطّائف نقطة تحوّل جوهرية في مسار بناء الدّولة اللّبنانيّة الحديثة، وقد ارتكز في عمقه على مبدأ الانسجام بين الدّين والدّولة، لا على فصلهما، بل على تنظيم العلاقة بين القيم الرّوحيّة والبنية السّياسيّة بما يضمن وحدة الدّولة وتنوّع المجتمع. وقد تُرجمت هذه الرّؤية المتوازنة في مجموعة من البنود الإصلاحيّة الّتي تهدف إلى الخروج التّدريجي من النّظام الطّائفي، دون إنكار الهويّة الدّينية للمجتمع اللّبناني.

في هذا السّياق، نصّ الاتفاق بوضوح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف نهائي، على أن يتمّ ذلك ضمن آليّة توافقيّة، كما دعا الطّائف إلى إنشاء مجلس نيابي يُنتخب خارج القيد الطّائفي، ويرتكز على مبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية، بما يسمح بإعادة تكوين السّلطة التّشريعيّة على أسس وطنيّة لا فئويّة.

في موازاة ذلك، ولصون التّعدّدية وضمان تمثيل الهويّات الدّينيّة والثّقافيّة، اقترح الاتّفاق إنشاء مجلس شيوخ يمثّل العائلات الرّوحيّة اللّبنانيّة، ويكون بمثابة فضاء دستوري يُعبّر عن مبدأ الشّراكة الرّوحيّة ويُكرّس صيانة العيش المشترك . وبهذا يُصبح الطّائف ليس فقط اتفاقًا لوقف الحرب، بل مشروعًا لتأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة في الإطار المدني، والشّراكة في الإطار الروحي، انسجامًا مع هويّة لبنان كدولة ذات رسالة تعدّدية في الدّاخل ومنبر للحوار في الخارج.

وُقِّع هذا الاتفاق في عام 1989 بمدينة الطّائف بالمملكة العربيّة السّعوديّة، ليُشكِّل نقطة تحوّل أساسيّة أنهت حربًا أهليّة استمرّت خمسة عشر عامًا. وبالرّغم من نجاحه في وضع حدٍّ للعنف المسلّح، وإعادة هيكلة النّظام السّياسي، إلاّ أنّ تطبيقه الكامل لا يزال موضع جدل، إذ تعثَّر تنفيذ العديد من بنوده نتيجة لعوامل داخليّة وخارجيّة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني

رغم النّص الواضح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف استراتيجي، لم تُنشأ الهيئة الوطنيّة المسؤولة عن ذلك، وظلّت الطّائفيّة عاملًا رئيسيًّا في تشكيل السّلطة. أدّى هذا إلى تعثّر الإصلاحات السّياسيّة المطلوبة، وإلى استمرار الانقسامات بين مختلف الطّوائف. ظلّ لبنان ساحة مفتوحة للتّدخّلات الإقليميّة والدّوليّة، حيث أثَّرت هذه التّدخّلات سلبًا على قدرة الأطراف اللّبنانيّة على تطبيق بنود الاتفاق بشكل كامل. ممّا دفع الرّئيس حسين الحسيني إلى تقديم استقالته من عضويّة مجلس النواب وقال في خطاب تاريخي:
لم أرَ في حياتي السّياسيّة الّتي تقارب النّصف قرن، في الحرب والسّلم، في الحكم والمعارضة، تناقضاً كهذا التّناقض.
لم أرَ في حياتي السّياسيّة تمزيقاً للدّستور كهذا التّمزيق، حيث ندفع بنصّ الدّستور إلى أن يكون استهزاءً بروحه.
إنّه لأمرٌ محزنٌ حقّاً أن يستمرّ هذا المشهد.
كأنّنا لم نتعلّم من تجارب الماضي،
كأنّنا نريد دولةً بلا مؤسّسات،
كأنّنا نريد وطناً بلا مواطنين.
وأمام هذه الحقيقة، حقيقة أنّ السّلطة قادرةٌ إذا أرادت، وحقيقة أنّها حتّى الآن لا تريد،
أجدني مضطرّاً إلى إعلان استقالتي من عضويّة هذا المجلس»

الواقع المأزوم

انطلاقا من الظّروف السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الرّاهنة نستطيع تشخيص الوضع على الوجه التّالي:
– إنّ العجز في تكوين السّلطات اللّبنانيّة كما نشهده اليوم، يوجب طرح مسألة فعاليّة النّظام السّياسي من حيث الالتزام بتطبيق الدّستور، ومن حيث تطوير أجهزه الدّولة ومؤسّساتها، وتأدية مهامّها تجاه المواطنين، وتأمين سيادة لبنان التّاريخيّة وتطلّعات اللبنانيّين المستقبليّة.
– إنّ التّوازن الطّائفي لم يعد يؤمِّن للدّولة إمكانيّة القيام بوظائفها، بل على العكس فقد بات عائقًا رئيسيًّا يحول دون قيام الدّوله بمهامّها، بدليل ما نشهده من انتهاكات يوميّة لأبسط حقوق المواطن اللّبنانيّ.
– إنّ الصّراعات داخل الطّبقة السّياسيّة اللّبنانيّة، والّتي تضع لبنان على شفير الهاوية، وتهدّد بتفجير العنف المسلح، ناتجة عن تناقض مأزقي كامل في بنية الدّولة اللّبنانية، ممّا يفرض ضرورة إحداث التّغيير في هذه البنية وتلك التّوازنات.

لقد فشلت الطّائفيّة السّياسيّة في تحقيق العدالة والتّنمية، وفشلت كذلك محاولات إلغاء الهويّة الدّينيّة أو قمعها. من هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الاستقطاب التّقليدي بين «الدّولة العلمانيّة» و«الدّولة الطّائفيّة»، وتُعيد تشكيل الهويّة اللّبنانيّة حول مفهومَي الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.

إنّ العيش المشترك في لبنان لا يمكن أن يُبنى فقط على المصالح السّياسيّة أو التّوازنات العدديّة، بل يجب أن يُدعَّم بـ»شراكة روحيّة» حقيقيّة بين المكوّنات اللّبنانيّة.
إذا ما هو الحلّ وما العمل؟؟
في ظلّ الانهيار الشّامل الّذي يطال المؤسّسات اللّبنانيّة – من الاقتصاد إلى القضاء، ومن التّعليم إلى الصّحة – يبرز سؤال جوهري: على أيّ أساس يمكن إعادة بناء الدّولة؟

ما الحل؟ ما العمل؟

لا أحد يمتلك الحلّ للمسائل اللّبنانيّة المعقّدة والمتعدّدة الأبعاد، ولا أحد يمتلك بمفرده القدرة على التّغيير بمعزل عن بقيّة مكوّنات الوطن. بل المقترح هو بلورة مشروع وطني جامع انطلاقاً من مجموعة من تفاهمات، هدفها إشراك عامة اللّبنانيّين في صياغة قواعد جديدة للحياة السّياسيّة في لبنان.

تكون هذه التّفاهمات تجسيداً لمسلّمات العيش المشترك في المجتمع اللّبنانيّ الواحد، الّتي تشتمل على أربعة مسلّمات تشكّل جوهر وجود لبنان، وصميم كيانه، ورسالته التّاريخيّة، وهي:
أوّلاً: الحرية.
ثانياً: تكافؤ الفرص، والمساواة أمام القانون.
ثالثاً: العيش الكريم.
رابعًا: التّكافل والتّضامن بالارتكاز على قاعدة مدنيّة روحيّة جامعة تضمن الإنسجام بين الدّين والدّولة من خلال مبدأ الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.
الشّراكة الرّوحيّة أي التقاء القيم الإيمانيّة والضّميريّة في فضاء وطني جامع، تقوم على الاعتراف المتبادل والتّضامن.
المواطنة أي ممارسة فعليّة لحقوق متساوية تقوم على القانون والانتماء الوطنيّ الشّامل.
لبنان وطنٌ لا يُبنى إلّا إذا اجتمعت فيه روح المواطنة وعدالة الشّراكة.

إنّ اتفاق الطّائف، الذي أنهى الحرب الأهليّة اللّبنانيّة وأرسى أسس النّظام السّياسي الجديد، لا يمكن أن يُفهم أو يُحيا فقط كنص دستوري أو معادلة لتّوزيع السّلطات. فجوهر هذا الاتفاق يكمن في كونه تسوية أخلاقيّة وروحيّة قبل أن يكون عقدًا سياسيّاً، ولذلك فإنّ وضعه في إطار قيمي معنوي جامع يُعدّ ضرورة استراتيجيّة.

إنّ الشّراكة الرّوحية الوطنيّة هي الإطار الذي يمنح الطّائف معناه العميق: فهي تحصّنه من الخارج في وجه محاولات التّلاعب به كوثيقة نفوذ أو مصالح، وتحفّز الدّاخل على تطبيقه تطبيقًا كاملاً بوصفه التزامًا ضميريًّا جامعًا لا صفقة وقتيّة. وعندما يُستعاد الطّائف بهذه الرّوح، يتحوّل إلى ضمانة حقيقيّة لجميع المكوّنات اللّبنانيّة، لأنّه لا يعود أداة توازن قلق، بل إعلان نوايا صادقة للعيش الواحد والتّكامل المتعدّد.

وفي هذا السّياق، يتقاطع الطّائف مع رسالة لبنان التّاريخيّة. فلبنان ليس مجرد دولة، بل وطن يحمل مشروعًا حضاريًّا قائمًا على التّلاقي لا الصّراع، وعلى الجمع لا الاستبعاد. ووضع الطّائف ضمن هذا الإطار يعيد للبنان دوره كجسر حوار دولي، ونموذج للتّعدّديّة المستنيرة، ورسالة للعيش المشترك في عالم مضطرب. وتصبح الشّراكة الرّوحيّة الوعاء الّذي يستقرّ فيه اتفاق الطّائف، ويتمّ تنفيذ جميع بنوده بما فيها إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة، وإجراء انتخابات المجلس النّيابي خارج القيد الطّائفي، وإنشاء مجلس الشيوخ.

إنّ المشروع اللّبناني القائم على الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة الجامعة، إذا ما تمّ إنجازه بصدق ووعي وجرأة، لا يُمثّل فقط فرصة لتحقيق الاستقرار والأمن والازدهار داخل لبنان، بل يتحوّل إلى نموذج حضاري فريد لهذا الشّرق الممزقّ .إنّه مشروع ينقض من أساسه كلّ المشاريع الّتي تقوم على التفوّق العرقي أو الاستئصال أو الاستبداد، وفي مقدّمتها المشروع الصّهيوني الّذي يُبنى على العنصريّة، والتّطهير العرقي، والإبادة، والتّجويع، والإقصاء .ففي حين يكرّس المشروع الصّهيوني منطق القوّة والهيمنة، يقدّم لبنان- متى استعاد روحه وقيمه التّأسيسيّة- صورة مضادة ؛ صورة دولة قائمة على الكرامة الإنسانيّة، التّعدد المنظَّم، والانتماء إلى الإنسان قبل الانتماء إلى أي عِرق أو طائفة.

وهنا لا بدّ من القول إنّ سقوط هذا النّموذج اللّبناني، أو إفشاله، لا يُعدّ خسارة وطنيّة فحسب، بل كارثة حضاريّة للبشريّة جمعاء. لأنّ العالم، في عصر الانغلاق والصّراعات الهويّاتيّة، يحتاج إلى شاهد حيّ على أنّ التّنوّع لا يفضي إلى حرب، بل يمكن أن يكون دعامة سلمٍ واستقرار. ولبنان، بهذا المعنى، ليس مجرد وطن، بل رسالة أخلاقيّة وروحيّة كبرى، تستحق أن تُحيا وتُحمى.

 


كلمة النّائبِ العام في الرَّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة والرّئيسِ الفخري لجامعةِ الرّوحِ القدس الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة

في القرن الرّابعِ قبل المسيح، كان فيلسوفُ الأجيال أرسطو يشدّدُ بقوة على أنّ الإنسانَ كائنٌ علائقي. يقوم جوهرُه على العلاقة مع الآخر، على الشّراكة غير المنقوصة معه. وتوّج تحليلاتِه المكثّفة لهذا المعطى الأساس في تكوين الإنسان بالتّحديد الذّائع الصيت «الإنسانُ حيوانٌ اجتماعي» Zoon Politikon. أي بتعبير آخر، العيشُ مع الآخر إنّما هو أساسُ وجوده. وإذا خرج الإنسانُ من هذه المعادلة الوجوديّة، انهار جوهرُه وتداعى كيانُه. فالإنسانُ يدرك جيّدًا أنّه آتٍ من الآخر. ولولا الآخرُ لما كان له وجودٌ. إنّه يفقهُ بعمق أنّه لم يكن في أساس وجوده. ولم يعمل شيئا ليستحقَّ الحياة. فهو يأخذُها من الآخر مجانًا.

في اللّغَة الألمانيّة نقعُ على مفردة غنيّة جدًّا لتحديد الكائن البشريّ Dasein، أي الكائنُ هنا. وهذا المصطلحُ يُفيدُ بأنَّ الكائنَ البشريَّ يعي ذاتَه مرميًّا في معادلةٍ كيانيّةٍ لم يخترها، وينطلقُ منها إلى تحقيقِ ذاتِه. مَن منّا اختار أباه أو أمَّه، أو بلدَه أو ثقافتَه أو لغتَه، أو حتّى دينَه؟ نستخلص ممّا سبق أنّ حياةَ الإنسان تقوم حصرًا على الشّراكة الوجوديّة مع الآخر. والجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الشّراكة تأخذ من الفرادة حقلًا خاصًّا لتمظهرها. كلُّ امرئ منا هو فريد من نوعه، لم ترَ البشريّةُ مثيلاً له من قبلُ، ولن ترَ نظيرًا له من بعدُ. يكفي مثالاً بليغًا على ذلك، بالإضافة إلى بصمة الأصابع، أن نعلم أنّ كلَّ عينٍ فريدةٌ من نوعها، ونحن مدينون بهذه الخصوصيّة جزئيًا للقُزَحِيَّة iris، الجزء الملوّن من العين. مع أليافها البالغِ عددُها ستَّةَ آلافٍ والّتي تتوزّع على شكل أشعة حول الحدقة، تختلف القزحيّةُ من عين إلى أخرى ومن شخص إلى آخر. في حالة القياسات الحيويّة للعين، يمكن لكلٍّ من شبكة العين والقزحيّة أن تساعدا في تحديد هويّة الفرد من خلال تركيبتهما الفريدتين. من هنا، لا شراكة وجوديّة خارج الاعتراف بفرادة الشّريك الوجودي. وهذا يستتبع حتمًا مرتكزات الفرادة من فكر وحرّيّة وإرادة.

إنّ الدّراسات القيّمة الّتي وضعها في نهاية القرن العشرين تشارلز تيلور Charles Taylor الفيلسوف الكنَدي والعالم في السّياسة في مؤلَّفه الشهير Multiculturalism and The Politics of Recognition التّعدّديّةُ الثّقافيّة وسياسة الاعتراف، تُظهرُ بشكل جليٍّ أهمّيّةَ الحنكةِ في إدارة التنوّع الثّقافي، والأنماطِ الحياتيّة، والتّباينات الطّبيعيّة بين البشر.

لا تستقيمُ الشّراكةُ الحياتيّة، إن روحيّة وإن وطنيّة، في الإلحاق أو الإخضاع أو الاختزال أو التّهميش أو الانصهار. إنَّ الانصهارَ الّذي تتناولُه وتُشدِّد عليه مرتين، بكلّ أسف، نصوصُ اتفاقيّة الطّائف، ويطفو كزبدٍ مَرَضيٍّ على سطح الخطب السّياسيّة، إنّما هو مصطلحٌ يُستعمَل، أصلاً وحصراً، للمعادن الّتي تدخل متنوّعةً إلى الأتّون لتخرج منه شكلاً واحدًا ولونًا واحدًا وتركيبًا كيميائيًّا واحدًا. فلبنان لم يعشْ قطُّ هذه الحالةَ الانصهارية المذوّبة لحقِّ الآخر في الاختلاف. تقومُ رسالةُ لبنان الاجتماعيّة والسّياسيّة على أنّه ليس مطلقاً مشروعَ انصهارٍ، بل دائماً مشروعُ وحدةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ بين عائلاتٍ روحيّةٍ ومجموعاتٍ إثنيّة وثقافيّةٍ وحضاريّة، على شاكلة وحدة الجسد القائمةِ على التّكاملِ الوظيفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعُها إلاّ الاختلافُ في التّآلف.

انطلاقًا من هذه المعطيات مجتمعة، ذهب العالم الهولندي ــ الأميركي الشّهير في العلوم السّياسيّة «أرند ليبهارت» Arend Lijphart إلى المناداة بالدّولة التّوافقيّة Consociational State المستندة إلى مبدأ تقاسم السّلطة تبعًا لمكوّنات المجتمع Cross-Community Power-sharing، لإدارة المجتمعات المتعدّدة دينيّا أو إثنيّا أو لغويّا، وتعزيز الشّراكة المجتمعيّة والوطنيّة. إنَّ بعضَ الباحثين يقيمُ مقارنة مفيدة للغاية بين فكرة الكوربوراتيّة الاقتصاديّة الّتي صُمّمت لتنظيم الصّراع الطبقي وتعطيل الانفجار المجتمعي، من جهة، ونظريّة الدّولة التّوافقيّة لإدارة التنوّع وتخصيبه والحؤول دون التصدّع المجتمعي على أسس دينيّة أو عرقيّة أو لغويّة، من جهة ثانية. بالنسبة لأرند ليبهارت، الدّيمقراطيّةُ العدديّة Majoritarian Democracy لا تصلحُ أبدًا لإدارة مجتمعاتٍ غيرِ متجانسةٍ، وتؤدّي حتمًا إلى حروب أهليّة. وخيرُ مثالٍ على ذلك ما حصل في إيرلندا الشّماليّة. ثلاثون سنةً من التّقاتل الدّاخلي بين أقلّيّة كاثوليكيّة كانت تعتبر نفسَها مهمّشة ومُبعدة عن الحكم وإدارات الدّولة، وأكثريّةٍ بروتستنتيةٍ حاكمةٍ ومستأثرةٍ بجميع مفاصل الدّولة من سنة 1968 إلى سنة 1998. وضع هذا الصّراعُ الداخليُّ الدّمويّ أوزارَه بعد إبرام اتفاقيّة الجمعة العظيمة Good Friday Agreement في 10 نيسان 1998، بفضل تدخّل الرّئيس «بيل كلنتون» ووساطة مبعوثه الخاصّ السّناتور الدّيمقراطي «جورج ميتشيل» George Mitchell. قد يكون مفيدًا أن نشيرَ هنا إلى أن والدة جورج ميتشيل هي ماري سعد من بكاسين وأباه الإيرلندي الأصل تبنّته عائلة لبنانيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. فنقل جورج ميتشيل إليهم مرتكزاتِ الشّراكة الوطنيّة بحسب الدّولة التّوافقيّة ومبدأ تقاسم السّلطة كما تنصّ عليه الصّيغةُ اللّبنانيّة، وحلَّ مشكلةَ إيرلندا الشّماليّة: رئيسُ الحكومة من الحزب الاتّحادي البروتستانتي، ونائبُ الرّئيس من الحزب الوطني الكاثوليكي، ويتمتّعان بالصّلاحيّات ذاتها، وتوافقُهما ممرٌ إلزامي لجميع قرارات الحكومة. حول هذه النّقاط البالغة الأهميّة، يكفي أن نعودَ إلى الباحث الإنكليزي «مايكل كير» Micheal R. Kerr في كتابه Imposing Power Sharing: Conflict and Coexistence in Northern Ireland and Lebanon «فرضُ تقاسُمِ السّلطة: صراعٌ وعيشٌ مشترك في إيرلندا الشّمالية ولبنان»، الصادر سنة 2006.

أمّا بالنسبة إلى الشّراكة الرّوحيّة، فهي مبنيّة حصرًا على مبدأ حرّيّة المعتقد. الإنسان حرّ في ما يؤمن به، طالما أنّ هذا الإيمان لا يهدّد السّلمَ الأهليّ ولا يمسُّ بمنظومة القيم الأساسيّة الّتي عليها تقوم المجتمعات البشريّة. في الشّراكة الرّوحيّة، نقبل بعضُنا البعضَ كما نحن، باحترام كامل ومحبّة غير منقوصة. في الشّراكة الروحيّة، لا ينبغي أن نفرض على الآخر كيف يجب أن يكون. على الإنسان أن يكوّن ذاتَه، لكي يكونَ مع الآخرين. هذا هو الشّرطُ الأساسُ للتّلاقي. هل من الممكن أن ألتقي بإنسان بدون أيِّ معتقد دينيّ ولا أيّ مخزون ثقافيّ ولا أيّ شيءٍ آخر ؟ هل يسعني أن ألتقي بإنسان صرف؟ هذا أمرٌ مُحال. فالقاسم المشترك بين المعتقدات الرّوحيّة إنّما هو السّيرُ معًا متمايزين، وكلٌّ على طريقته إلى هيكل الله الواحد. هذا لا يمنعني من أن أعتبر إيماني حقيقةً دينيةً مطلقةً موحاةً من الله. بيد أنّ هذا اليقينَ لا يجبُ أن يسمحَ لي البتَّة أن أنزلق إلى موقف تكفيري إزاء المعتقدات الدّينيّة المغايرة. فالمؤمن الحقيقي الّذي يعتبر ذاته متّحدًا بالذّات الإلهيّة، يختلجُ قلبُه تلقائيًا حبًّا واحترامًا وتقديرًا للآخر المختلف ضمن الشّراكة الإنسانيّة السُميا ومبدأ حرّيّةِ المعتقد. في الشّراكة الرّوحيّة، لا نحكمُ على بعضنا البعض، ولا نُدينُ بعضُنا البعض. من أنا حتى أحكمَ بالهلاك على من لا يقاسمُني الإيمانَ عينَه؟ في حكمي هذا، ألا أُنصّبُ نفسي ديّانًا للنّاس مكانَ الله عزَّ جلالُه؟ أليس هذا انتحالُ صفة وتعدٍّ سافر على مسؤوليّات الله؟ في سلوكي هذا، ألا أنسبُ إلى نفسي صفاتٍ معقودةً حصرًا للعزّة الإلهيّة؟ هل غاب عن ذِهننا هذا القولُ العظيمُ والمأثورُ في أريافنا الّتي تختزنُ حكمةً وجوديّة ولا أعمق: «كِلْ واحَدْ على دينو، الله بِعينو». هذا هو الإيمانُ الصّحيح، البعيدُ كلَّ البعدِ عن التبجّح والاعتداد بالنّفس والانتفاخ. أَنْ تؤمنَ هو أن تشعر بالعوز الرّوحي إلى رحمة الربِّ وعضده. الإيمانُ الحقيقي يدفع بنا إلى الخفر والتّواضع والخَشية. إنّ هذا الشّعورَ بالانسحاق أمام الله يؤهّلُني لاستقبال الآخر المختلف دينيًّا وثقافيًا بالتّرحاب والاحترام والمحبّة. لا شراكةَ روحيّةً حقَّة بدون محبّة.

في الكتاب المقدّس وفي القرآن الكريم تشديدٌ بيّنٌ على أنّ اللهَ الكليَّ القدرة إنّما هو في جوهره المطلق محبّةٌ ورحمة. سأل عالمٌ بالتّوراة يسوعَ المسيح ممتحنًا له: « يا معلّمُ، ما الوصيّةُ العظمى في التّوراة؟» قال يسوع: أحبب الربَّ إلهَك بكلِّ قلبِك، وكلِّ نفسِك، وكلِّ فكرِك. هذه هي الوصيّةُ العظمى والأولى. والثّانيةُ الّتي تُشبهُها، أَحبب قريبَك حُبّكَ نفسَك. وبهاتين الوصيّتين تُختصرُ التّوراةُ كلُّها والأنبياء» (متى 22: 35-40). وفي رسالة مار يوحنا الأولى، نقرأ ما يلي: « أيّها الأحبّاء، فلنحبَّ بعضُنا بعضًا، لأنّ المحبّةَ من الله. وكلُّ من يحبُّ هو مولودٌ من الله، ويعرفُ الله» (4: 7). «إن قال أحدٌ: إنّي أُحبّ الله، وهو يُبغضُ أخاه، كان كذّابًا. فمن لا يحبُّ أخاهُ الّذي يراه، لا يسعُه أن يُحبَّ اللهَ الذي لا يراه» (4: 20).

في الآية الأولى من سفر الفاتحة، «بسم الله الرّحمن الرّحيم»، الّتي تحدِّدُ بدقّة متناهيّة جوهرَ العزّة الإلهيّة، لا نجدُ غيرَ الرّحمة. إنّ اللهَ رحمانٌ رحيم. لا مكانَ فيه لقوّة أخرى. إنّ جبروتَه الإلهيَّ يسطعُ حصراً في كثرة الرّحمة وقوّة المحبّة وطاقة الشّفقة ومُكنة الغفران. من هنا العنفُ المقدّسُ يتنافى كلّيًّا مع كيان الله. فالعنفُ لا يمكن أن يكونَ مقدّسًا، وما هو مقدسٌ ليس بوسعه أن يُداني العنف. إنّ العنفَ باسم الله يتعارضُ كلّيًّا مع جوهر الله المحبّة والرّحمة، ويتناقضُ بشكل كامل مع الإيمان الصّحيح باللّه، ويُسقطُ بالتّالي أيَّ مشروعِ شّراكةٍ رّوحيّةٍ بين معتقداتٍ دينيّةٍ متمايزة.

في جهودِنا لترسيخ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة، كمِظلّة إصلاحٍ مستدام وإنقاذٍ مستمرّ للصّيغة اللّبنانيّة، المحفوفة أبدًا بالمخاطر، في كَنَفِ عَالمٍ مُتَصَدِّعٍ ومُتبدِّل، نسترشدُ بالقانون الّذي يتحكَّمُ في الوجود الحسّيّ بأكملِه، ألا وهو «قانونُ الجَهدِ المهدور» Law of wasted effort. جميعُ المخلوقاتِ تخضعُ لِهذا القانون. عَلى سبيل المثال لا الحصر، يحاولُ الأسَدُ مئةَ مرّةٍ اصطيادَ طريدة، سَدًّا لجوعه. فهو ينجحُ فقط في خمسٍ وَعشرينَ محاولةً، ولا يُحقِّقُ مُبتغاه في خمسٍ وسبعين. وهذه النّتيجةُ المتواضعةُ لا تدفعُ به أبدًا إلى الإحباط أو إلى الكفرِ بهذا الوجودِ التّاعِس. فالإنسانُ هو الكائنُ الوحيدُ الّذي ينتفضُ بعد أيّ انتكاسةٍ ويفكّرُ فورًا في الانسحاب من ساحةِ الكفاح. لهذا الإنسانِ الـمُحبَط، يقولُ العلماءُ الّذين اكتشفوا هذا القانونَ، عَليكَ أن تخضعَ أنت أيضًا لقانونِ الجَهدِ المهدور، لافتينَ نظرَه إلى الأمرِ التَّالي: «إنّنا نفشَلُ فقط عندما نوقِفُ المحاولات، وليس عندما لا ننجحُ في محاولاتنا». فلا فشلَ يوهنُ عزيمتَنا في متابعة السّعيِ الحثيثِ والعنيدِ إلى صُنعِ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة في لبنان. بفضل الانتظاراتِ الجميلةِ الّتي تَستَوطِنُ عقولَنا وتُقيمُ في ربوعِ خيالِنا المـُنْعَتِقِ من أغلال الوَاقِعِيَّةِ الخانِقَةِ والمكبِّلَة، وتدفَعُ بنا بالتّالي إلى اليَقينِ الجازِمِ بأنَّ اليَومَ الأجمَلَ هو الآتي، بِفَضلِ هذهِ الانتظاراتِ الجَميلة، سنحوِّلُ هزائِمَنا المتلاحِقَةَ إلى مَدارجِ إقلاعٍ لمحاولاتٍ أُخرى مُتَقاطِرة، حتّى ننتهيَ جبرًا إلى استيلادِ لبنانٍ جديدٍ، وطنِ الإنسان، عاشِقِ السّلامِ ومـُدمِنِ ثَقافَةِ الحَياة التي تتمظهر بشكل بليغ في الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة.


كلمة معالي وزير الثّقافة الدّكتور غسّان سلامة

ختام النّدوة كانت كلمة للوزير غسّان سلامة، قائلاً:
«أحمل لكم أوّلًا تحيّات فخامة رئيس البلاد العماد جوزاف عون الّذي شرّفني وكلّفني بأن أكون معكم اليوم بهذا الاحتفال المهيب.
أمّا بعد، لقد عذّبني سماحة شيخ العقل، وطلب مني أن أستخلص بعض الملاحظات ممّا جاء به الزّملاء الأعزّاء فإنّي أعتبر نفسي أوّلاً أكاديميًّا مثلهم في ما جاء على لسانهم من أفكار قيّمة ومن طروحات جيّدة، وإن شئت الإيجاز، لأوجزت ملاحظاتي بكلمتَين، أمّا الأولى فهي التّنوع ، وفعلًا كما قال سماحة الشّيخ اليوم هو يوم التّنوع الثّقافي في العالم، وما لم يقله هو التّالي: لقد كان للبنان الدّور الأساسي لصياغة البند في هذه المعاهدة، لأنّ لبنان قاسى من سوء إدارة التّنوع فيه، واستفاد كثيرًا من وجود التّنوع بين أبنائه، لذلك كان عليماً بعظمة التّنوع، ولذلك قيل له أن يكون الصّائغ الأساسي لمعاهدة التّنوع الثقافي».

أضاف: «التّنوع الثّقافي كما قال المحاضرون يفرض الحوار، ولقد اعتاد النّاس على القول بأنّ الحوار هو نقيض الاقتتال، وفي يقيني أنّ هذه الفكرة غير صحيحة. إنّي أعتبر الحوار شكلًا من أشكال القتال، ذلك أنّ القتال هو قتال ضد الآخر، بينما الحوار هو قتال مع الذّات، مع النّفس لكي تقتنع بوجود الآخر، مع النّفس لكي تقبل باختلاف الآخر بعقيدته الدّينية أو في ثقافته أو في لغته أو في مذهبه. وقتال مع الذّات لكي تقبل بأن تتأثّر بفكر الآخر ولا تكتفي بمحاولة التّأثير عليه. لذلك فالحوار شكل من أشكال القتال إنّما هو قتال مع الذات. أما الكلمة الثّانية فهي كلمة الدّولة، في حال التّنوع تبقى الدّولة مجالاً رحبا ً لإدارة التّنوع، الدّولة هي صاحبة القرار السّياسي والاقتصادي، وإذا كان التّنوع في حال من التّناغم والتّناسب والتّناسق فإنّ الدّولة قادرة على الاستفادة منه لكي تتوجّه لمختلف مكوّنات المجتمع وتقتنص من كلّ مكوّن ما يفيد الوطن بأجمعه. لكنّ المكوّنات إذا كانت على تنافر، فإنّ الدّولة تبدو مشلولة عاجزة عن تجاوز هذا التّناغم من المكونات».

الدّكتور غسّان سلامة

وتابع: «نحن نستذكر اليوم بتواضع أنّنا عشنا 50 عاماً اختلط فيها التّنافر والتّقاتل مع المحاولات المتكرّرة للخروج من هذا التّنافر الى فضاء من التّواصل والتّكامل والتّفاعل. ذكرت اتفاق الطّائف، وكان محاولة عظيمة للانتقال من التّنافر للتّفاهم. هناك محاولات أخرى، ونحن اليوم على أبواب الإنقاذ والإصلاح، وقد اختارت الحكومة هاتين الكلمتين، لكنّ الحكومة أمام تحدٍّ حقيقي وهو أنّ 50 عامًا الّتي مرّت شهدت انحسارًا في نفوذ الدولة، ومن لا يعلم بذلك يكون على قدر من السّذاجة. لقد تراجع نفوذ الدولة، ولكنّ تراجع هذا النفوذ لم يحلّ مكانه الفضاء الخالي، لقد دخل أطراف عديدة لملء هذا الفراغ الّذي أحدثه انحباس قدرة الدولة».

وأردف: «لقد نشأت مصالح متجذّرة تدافع عن نفسها ضدّ الصالح العام، وعندما تأتي بفكرة الدّفاع عن الصّالح وهي مهمة الدّولة الأولى، فإنّها تصطدم بتجمّع متجذّر من المصالح. وفي العشرين أو الثّلاثين من السّنين الماضية تعدّدت هذه المصالح، ونراها في مختلف القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لذلك، المطلوب من الدّولة أن تكون على قدر من الجرأة لمواجهة هذه المصالح المتجذّرة لأنّها مصالح فئوية لا تبغي الدفاع عن الصّالح العام بل عن مصالح ضيّقة شخصيّة. نحن أمام مصالح ضيّقة في المصارف، مصالح لمولّدات الكهرباء، مصالح ضيّقة في مجال القمامة، مصالح في كلّ نواحي الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. عندما تبدأ عمليّة الإصلاح فإنّها تصطدم دومًا بهذه المصالح، لذلك على رغم قصر حياة هذه الحكومة، فإنّها التزمت بعدد من القرارات الّتي تحاول استعادة سلطة الدّولة إلى قلب الحياة اليوميّة في لبنان. أحيانًا في تبنّي هذه الإصلاحات نحتاج أحيانًا إلى كثير من الإقناع. لإقناع النّواب بها، ولإقناع اللبنانيّين في مختلف المجالات، لاستعادة الدّولة سيطرتها على الشّواطئ البحريّة، في قرار الدّولة لرفع السّرية المصرفيّة، لكي نتمكن من معرفة حقيقة وضع نحو 50 مصرفًا نعرف جميعًا أنّ بعضها في حالة صعبة. نحن بحاجة إلى إصلاحات أخرى أيضًا، ولقد أخذنا على أنفسنا محاولة تطبيق ما لم يطبّق أو طبّق بطريقة مشروطة عبر ميثاق الوفاق الوطني عام 1989، لكنّ هذا لا يكفي.

لقد اهتمّت الحكومات المتتالية منذ 50 عاماً بإعادة بناء البنى التّحتيّة، ونحن نعلم تمامًا أنّ هذا لا يكفي بتجنّب حروب جديدة ولتجنّب انحسار جديد في نفوسنا، بل أنّ الضّروري أيضًا هو إعادة بناء البنى الفوقيّة، بنى العقل والقلب، بُنى القيم المشتركة. ربّما أنّنا تنبّهنا لأهميّة إعادة البناء بعد الحرب الأهليّة، لكنّنا لم نتنبه بصورة كافية لضرورة استعادة إعمار بنى فوقيّة، ولبناء رقعة مشتركة بين مختلف مكوّنات هذا البلد، لذلك أرحّب بالشّراكة الوطنيّة، وأشعر بنفسي في مكاني معكم سماحة الشّيخ، لأنّ وظيفة الثّقافة بالذّات هي إعادة بناء البُنى الفوقية، أي بنى العقل، بنى الرّوح.

وتابع: «إنّنا نعيش في منطقة مضطربة، نعيش إلى جانب بلد جار شقيق هو سوريا يمرّ بتحوّلات ومصاعب عرفنا بعضها ونأمل لها أن تنتهي إلى نوع من الاستقرار، لأنّنا نعتبر أنّ استقرار الأوضاع في سوريا مفيدة لاستقرار الأوضاع في بلدنا. ونحن نعيش في منطقة تشهد نزاعًا دمويًّا لا مثيل له، في منطقة لا تتجاوز مساحتها 400 كلم مربعَا اسمها قطاع غزّة، والّتي يوجد فيها أكثر من 56 ألف قتيل الأكثريّة السّاحقة منهم من الأولاد والنّساء. هذا يجري على مرمى حجر من لبنان، وهذا سيبقى في ذاكرة الأطفال، وفي ذاكرة الّذين شهدوا هذه المجزرة غير المسبوقة في محيطنا، الّتي تجعل النّزاع بيننا وبين إسرائيل أكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى».

وختم سلامة: «على لبنان لا أن يجابه فقط المصالح المتجذّرة في الدّاخل، بل عليه أيضًا أن يواجه منطقة مضطربة أعطيت بعض الأمثلة عليها، لذلك فإنّ استقرارنا يساعد على مناعتنا. نحن بحاجة لتعزيز مناعتنا أمام الاضطرابات الإقليميّة والدوليّة، بحاجة الى مناعة داخليّة أكبر تجاه الأمور الشّعبويّة السّلبيّة في خطاب الدّول العظمى، مناعة أكبر بوجه النّزاع العربي-الإسرائيلي، بحاجة الى مناعة أكبر بوجه الاضطرابات الطّائفيّة في سوريا الشّقيقة، لذلك إنّ بناء هذه المناعة يتمّ طبعًا في تنفيذ القرارات الدّوليّة، وبإعادة إعمار ما هدمته الحرب على لبنان، وبالإصلاحات الضّرورية، لينهض لبنان من كبوته الماليّة والاقتصاديّة، ولكنّه يحتاج إلى إعادة بناء البنى الفوقيّة أي الذّات. فإلى شراكة روحيّة صادقة تعترف بأنّ الحوار قتال مع الذات».

 

مبادئ الإدارة العامة مفتاح التّفعيل والتّطوير
العودة إلى الأساسيات

على مدى المسيرة المهنيّة الخاصّة الّتي امتدت لأكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال، تجمّعت لدينا بعض الأفكار حول العمل الإداري، وكيفيّة الاستفادة من المبادئ الحديثة في علوم الإدارة العامة، وتطبيقها في العمل اليومي، والحياة الإداريّة اليوميّة. وإذا كانت المعوّقات الكبيرة خارجة عن إرادة العامل أو الموظّف (وربما المؤسسة) وهو إنسان يحرّكه العقل والعاطفة، فلا بدّ من إعادة التّذكير بالأساسيّات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ محور العمل هو القائم بالعمل. وفي مجال الجهاز الإداري للمجلس المذهبي هو الموظّف. ذلك الموظّف الحريص الّذي يُطلب منه مهام جسيمة في إطار عمله في هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة. لا نقصد بذلك الطّلبات الإداريّة الضّيّقة أو الأوامر التّسلسليّة؛ فهذه مفاهيم مرَّ عليها الزّمن وأكل عليها الدّهر وشرب. الموظّف الحريص ضميرُه يحرضّه، وحرصُه يحركّه، والمسؤوليّة تهيب به الخروج من حال السلبيّة والجمود.

لا يمكن لأيّة دائرة أن تعمل إذا جرى الإلتزام الحرفيّ بالنّصوص للاستحالة العمليّة والاستحالة القانونيّة. ومن هنا أهميّة الاستفادة من التّطور الّذي لحق بالإدارة العامّة والاهتداء بمبادئ علم الإدارة العامّة واستلهام روح النّصوص القانونيّة دون تكبيل أنفسنا بالقيود والسّلاسل. ذلك التّطور الذي أنتج مبدأ من أهم مبادئ الإدارة (والحياة) وهو مبدأ التّكيّف.

إنّ مبادئ علم الإدارة العامّة، مستنبطة من خبرات طويلة وتجربة بشريّة في مجتمعات متنوّعة، ولم يأتِ تكريسُها اعتباطًا. وقد يبدو أنّ بعضها بديهي، كمبدأ المساواة في المعاملة بين المستفيدين من خدمات الوحدة الإداريّة الحكوميّة مثلًا. نجده في كلّ المؤلّفات الخاصّة بالإدارة بل والقانون الإداري، فكاد أن يصبح من «البديهيّات الإداريّة» إن جاز التعبير. فعلى الرّغم من بداهته، ينبغي التّذكير به، وبقدسيّته، والإصرار عليه، وإعلاء الصّوت في تكريسه في كلّ مكان، وضرورة الالتزام به في كل وقت.

وقد رغبنا في استذكارها والتّذكير بأهمّها، للاهتداء بها باعتبارها ضامنة الإنتاجيّة والنّجاح. وإذ كان للعمل في الشأن الاجتماعي خصوصيّة حيث يحتلّ فيه العامل الإنساني الدّور الأبرز، فإنّ الوحدات الإداريّة الّتي يوكل إليها مهامٌ اجتماعية كالمساعدات، أو الطّبابة، والتّعليم، لا بدّ أن تنعكس طبيعة نشاطها في الكيفيّة الّتي تمارس به هذا النشاط، خلافًا لوحدة تُعنى بالإيجارات أو النّزاعات القانونيّة مثلا.
نستعرض بعض المبادئ الرّّاسخة في علم الإدارة العامّة فيما يلي دون التقيّد بالأشكال المدرسيّة المنهجيّة.

التحسّب للمستقبل

قد يجد الارتجال مجاله في النّشاطات الفنيّة أو الأدبيّة حيث يُظهر لحظة إبداعيّة معينة تترك أثرًا جماليًّا. أمّا في مجال العمل المؤسّساتي الإداري، فسينعكس الارتجال والعمل العفوي تخبّطا وعدم فاعليّة ويؤدّي إلى نقص الإنتاجيّة وإهدار الموارد – القليلة والقيّمة دائمًا – في معالجات موضعيّة دون جدوى.

على كل إدارة فاعلة منتجة واجب التّنبّؤ بما سيكون عليه المستقبل من ناحية، والعمل له من ناحية أخرى. التّنبّؤ للمستقبل لا يكون بالعرافة، بل من النّظر في الواقع الحالي، وتحليل الأسباب والظّروف الّتي أدّت إليه، ومن ثمّ القيام بعمليّة تقدير مبنيّة على كلّ المعلومات المستخلصة من الماضي والحاضر، تقدير الوجهة الّتي سيسلكها هذا الواقع وبما ستكون عليه الحال في المستقبل، سواء كانت مشرقة زاهرة أم داكنة مظلمة.

الإستعداد والتّحضير وخطّة العمل

وإزاء الصّورة المستقبليّة الّتي يجري رسمها، لا بدّ من العودة إلى مبادئ الإدارة كي يُبنى التّصرف على أسس مستقرّة ووفقًا لمعالجات مجرّبة. المقاربة العلميّة تقتضي جمع المعلومات أوّلًا، ومن ثمّ تحديد الأهداف على ضوء قراءة المستقبل، وضع سلّم الأولويّات وترتيب هذه الأهداف أي أولويّة الحاجة الّتي سيتمّ مقاربتها. التّأكّد من الموارد الماليّة والبشريّة والطّريقة المثلى لتوظيفها. ومن ثمّ وضع خطّة مرنة، توفّر الحدّ الأدنى من الطّمأنينة لمن ينفّذها، ولمن يستفيد منها.

وعند تحقّق كلّ هذه العوامل، يكون التّصرّف مخطّطا له، والتّنفيذ مدروسًا، ويصبح تقييم هذا التّنفيذ – الّذي سيجري في مرحلة المتابعة اللّاحقة – مفيدا.

الخطة المُطمْئنة

بذل الجهد في التّخطيط، يجعل التّنفيذ سلسًا، سهلّا. إذ يقتصر المنفّذ على اتّباع الخطوات المقرّرة، وإن عرضت مشكلة ما انبرى لمعالجتها فورًا (ويُفترض بالخطّة أن تتوقّع الصّعوبات والمعوّقات أيضًا). وبالتّالي، يطمئنّ من يُوكل إليه عملٌ معيّنٌ، مطلق عملٍ، بقدرته على إنجازه، فقد بذل الجهد مسبقًا في التّحضير والاستعداد، أو لديه خطّة مدروسة تفصّل المطلوب أوّلاً بأول. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، وجود الخطّة يوفّر الطّمأنينة للمستفيد من خدمات المؤسّسة في الزّمن الصّعب، فيتيقّن ويتثبّت من وجود الدّعم والدّاعم، والرّعاية الحقيقيّة، ويشعر بالثّقة بأنّ هناك من يهتمّ به ويقف بجانبه فعلا لا قولا.

التّنظيم والاستفادة من تعدّد الوحدات الإداريّة

التّنظيم عماد كلّ إدارة. يقصد به الاستخدام المنظّم للوحدات الإداريّة بالشّكل الإداري النّموذجي. وقد توصّلت الإدارات (سواء الشّركات، أو المؤسّسات، أو حتّى القطاعات العامّة في الدّول المتقدّمة) إلى مبادئ جعلتها أساسًا للعمل الإداري. منها: تقسيم المهام، الاتّصال والتّنسيق، ترتيب صلاحيّات وتكليف بمسؤوليّات، سلطة إداريّة…الخ). والنّصوص القانونيّة بنيت على هذا المبدأ.

يحقّق التّنظيم الكفاية الإنتاجيّة، بالتّزامن مع العدالة في تقديم الخدمات للمستفيدين، وأساسها التقليل من التّأثيرات الشّخصيّة على القرارات، وكلّ ذلك في سبيل الاستخدام المنظّم للموارد.

التّقليل من التّأثيرات الذّاتيّة على القرارات

تُقرّ المبادئ الإداريّة الحديثة بأنّه للحدّ من تأثير الآراء الشّخصيّة الذّاتيّة على صنع القرار الإداري، يجب تعزيز الوعي عبر التّوجيه والتّدريب. فالتّثقيف للتعالي عن التّحيزات على تنوّع أشكالها ضروري. كما إدراك أهميّة التّمييز بين القرارات الشّخصيّة والقرارات الموضوعيّة العقلانيّة. القرار العقلاني يبنى على معلومات وعلى تحليل موضوعي شامل يتوجب تحفيز الجميع على القيام به. وفي مرحلة تالية هناك تقييم يجب إجراؤه مستندًا إلى تلك المعلومات (والفرض أنّه قد جرى التّأكّد من صحّتها. ففي المسائل الاجتماعيّة يكون التّحقق من صحة المعلومات على قدر كبير من الأهميّة). إذن، يفترض في القرار الإداري الحديث أن يكون مبنيًّا على معايير وعلى أسس تقييم موضوعيّة.

ومن المستقر أيضًا التّنويع في المشورة، أو الاستعانة بخبراء. إذ يسهم ذلك في التّوجيه نحو الاختيارات الأكثر فعاليّة. كما يمكن للخبراء تحليل المشكلات المعقّدة وتقديم حلول مبتكرة لها. ولا بدّ من إجراء مراجعة – نقديّة إذا أمكن – للمرحلة السّابقة بهدف كشف مواطن الضّعف، أو الخلل إن وُجد، والتّحسّب للتّصحيح.
هذا المبدأ الجديد القديم (عدم الانسياق للرّغبات الشّخصيّة) ضامن العدل كما المساواة بين المستفيدين من خدمات المؤسّسة. وضامن أيضًا لحسن الأداء.

العدالة في تقديم الخدمات الاجتماعيّة

يجب الانتباه هنا إلى أنّ العدالة تعني المعايير العادلة. فإذا لم ينطبق على المستفيد المعيار، تكون استفادته ظالمة لغيره، والعدل هو في حرمانه من التقديمات مطلقا. العدالة ليست في شموليّة المستفيدين وجميع النّاس باعتبار طبيعة الأشياء فضلا عن قلّة الموارد، بل في المعايير.

يجب أن يكون المعيار – معيار الاستفادة – عادلًا وموضوعيًّا. وهذه الجزئيّة على قدر كبير من الأهميّة. إذ لا يجب تفصيل المعايير على قياس أحد، ولا على قياس جهة، أو جماعة محدّدة، بل يتعيّن أن يكون المعيار ذاته عادلًا. وإذا تحقّق المعيار يستفيد عندئذٍ جميع من ينطبق عليهم. هذا هو فهمنا للمسألة.

العمل الجماعيّ

لا يستحسن النّظر إلى العمل الجماعيّ نظرة هرميّة جامدة. أي بمنطق تقاذف العمل أو المعاملة الإداريّة بين هذه الوحدة أو تلك، وبين صلاحيّات هذه أو تلك، فتقتصر النّظرة على توزيع الأعباء. العمل الجماعي في النّظرة الحديثة للإدارة هو فضلا عن تخفيف العبء (اللّازم والضروري)، ومبدأ تقسيم العمل، يُنظر إليه من زاوية المشاركة.

تلك المشاركة الّتي غايتها التّحفيز، والّتي لا بدّ أن تؤدّي إلى الانخراط. التّحفيز والانخراط في العمل تحقيقًا لصالح المؤسسة وأهدافها. التحفيز والانخراط يعزّزان الرّضى الوظيفي، الّذي يؤدّي إلى الشّعور بالانتماء والولاء، والحماس للعمل مع مثابرة، ممّا سينعكس قطعًا على الإنتاجية.

ويظهر في هذا المقام التّفويض الإداري كوسيلة أقرّها القانون لوضع المبدأ أعلاه موضع التّطبيق. فهو الحلّ العملي النّاجع المساهم في تحقيق المشاركة فعلًا بالتّوازي مع تخفيف العبء. (ويلاحظ هنا أنّ تكامل القانون مع التّجربة حتَّم ألاّ يكون التّفويض إلّا في بعض الصّلاحيّات، ولمدّة معيّنة). كما أن التفويض يكفل الاستجابة السّريعة سواء تعلّق الأمر بمشكلة يتعيّن حلّها، أم بفرصة يتوجّب الاستفادة منها.

العمل المؤسّساتي

العمل المؤسّساتي بالمقارنة مع العمل الفردي، هو الّذي يضمن الاستقرار والاستمراريّة. أي استمرار المؤسّسة في تقديم الخدمات وتحقيق الأهداف حتّى في حالة تغيير الأفراد، واستمرار عمليّة البناء والعطاء جيلًا بعد جيل.
كما أنّ العمل المؤسّساتي عمل جماعي تشاركيّ تعاونيّ، يقلّل إلى حدّ كبير التّدخلات الشّخصيّة، كما أنّه لا يجهّل المسؤوليات بل يكفل الشّفافية والمساءلة والمحاسبة.

وإذا كان من المفيد الأخذ بأهمّ حسنات التّصرفات الفرديّة وهي السّرعة في اتّخاذ المواقف، المرونة والتّكيّف، والحزم في اتّخاذ القرار مع تقليل التّأثيرات الشّخصية إلى أقلّ قدر ممكن، فإنّ العمل المؤسّساتي هو الذي يكافح تأثيرات الشّخصانيّة في المؤسّسات لما تؤدّي إليه من فقدان للتّوازن في العمل والإنتاجيّة، وبالتّالي تفاوت الأداء، وضعف التّواصل نتيجة عدم الانسجام الشّخصي.

تعزيز المبادأة

المبادأة سمة أساسيّة في العمل الإداري. مبدأ يضمن كذلك الإنتاجيّة والفعاليّة والأداء. إنّه مبدأ ابتكار المشاريع وطرح الأفكار المتجدّدة، واستباق المشاكل، والإسراع بحلّ ما يظهر منها.

ينظر إليه بما يتركه من آثار طيّبة على من تقدّم بالفكرة من ناحية، إذ يعزّز الثّقة بالنّفس وبالقدرات الشّخصيّة ممّا سينعكس بالضّرورة على الأداء الشّخصي له.

ومن ناحية أخرى، سيؤثّر في متلقّي الفكرة أيضًا بما يحقّق فعلاً العمل الجماعي، سيما إذا كان هذا المتلقّي في مستوى إداري أعلى فيساهم ذلك في صنع قرار إداري مستنيرٍ.

تعزيز الشفافيّة والقيادة المرنة

إذا كان تشجيع المبادأة من قبل الموظّف واجبًا، فلا بدّ من تذكير القيادة بضرورة إسهامه وإشراكه في صنع القرار. إذ لنجاح المؤسّسة، تقضي مبادئ الإدارة الحديثة بضرورة التّعاون الكامل بين كافة الوحدات التّابعة لها.

تتشارك الوحدات في العمل المؤسّساتي أيًّا كان ترتيبها ومستواها الإداري (مجلس إدارة، لجنة، إدارة تنفيذيّة، دائرة، قسم.). تتعاون وتساهم في صنع القرار عبر ما تقدّمه من معلومات وتقييم، فيأتي تنفيذه رافعًا للإنتاجيّة فعّالًا، من قبل أفراد تمّ تحفيزهم عبر مساهمتهم فيه.

ليس كلّ رئيس إداريّ قائدًا إداريّا

القيادة مفتاح الإدارة، والجهة الرّشيدة الواعية الموجِّهة، الّتي تتّخذ القرارات السّليمة وتراقب تنفيذها. ويفرق علم الإدارة بين الرّئيس الإداري الّذي لا يمارس إلّا سلطته الرّسميّة، وبين القائد الإداري الّذي يحوز ثقة المرؤوسين ويبسط سلطته عبر التّأثير الايجابي فيكسب الإحترام والثّقة قبل الطّاعة والولاء.

القائد القدوة

وهو الّذي يجمع مواصفات معيّنة تؤهّله للقيادة. هو قبطان السّفينة والكلّ راكب فيها. هو القائد وهو الرّئيس. فهو القادر على التّحمل، الثّابت في مواجهة المواقف. هو الصّبور الأمين الشّريف النّزيه المخلص المثابر المتفاني للعمل. هو صاحب الهمّة والقدوة الحسنة. وهو صاحب الخبرة والمهارة في ما يؤدّيه، كما المتواضع الحريص على الاكتساب وتطوير خبرته عبر الاستعانة بمستشارين أكْفاء. هو المنفتح غير المستبدّ. هو الإنسان الّذي ينمّي العلاقات الإنسانيّة والمشاركة في الوحدة الإدارية .تستند قيادته إلى الاستماع والاحترام لتمتّعه بحسن التّدبير وتقدير الأمور. هو صاحب الرّؤيا، فضلا عن الرّأي السّديد. وعندنا هو رأس الهرم في هذه المؤسّسة الجليلة الشّريفة، رئيس المجلس، سماحة شيخ العقل، الّذي ينعكس حضوره الأبويّ كما بركته في كلّ نواحي العمل.

الالتزام بروح النّصوص

لا يتضارب مبدأ الالتزام بروح النّص ذلك مع القواعد القانونيّة الّتي قد توحي أحيانًا بشيء من الجمود، ولا مع تحديد المسؤوليّات والصّلاحيّات بوضوح، وإقامة الحدّ بينها. بيد أنّه لا يخفى ما لمرونة الإدارة من انعكاس مباشر على الإنتاجيّة. فيكفي قول إنّ الوحدة الفلانيّة ليس من صلاحيّاتها هذا أو ذاك، أو تتذرّع الوحدة تلك بأنّ ليس من صلاحياتها هذه المعاملة أو تلك، ليتجمّد العمل ويفشل. فإن كان ليس من صلاحيّاتها القانونيّة التّنظيميّة، يوكل إلى وحدة أخرى ذات صلاحيّة. والوحدات عديدة متنوّعة الخبرات والصلاحيّات والهدف تسخيرها لصالح العمل – ذي الأهداف السامية – الّذي تقوم به هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة.

اتّخاذ القرارات في ضوء المقاربات العلميّة

إذ إنّ صنع القرار الإداري، الّذي تترتّب عليه مفاعيل مؤثّرة، لا مطلق قرار فردي، يتطلّب قدرًا من الهدوء. فهو يتطلّب تحديد المشكلة، والبحث عن الحلول، وتقييمها، بغية تعيين أفضلها في ضوء عدّة عوامل؛ أهمّها: الإمكانات البشريّة، والفنيّة، والتّكاليف الماليّة، والوقت. ومن ثمّ – لاحقًا – يتمّ وضعه موضع التّنفيذ.

توقيت إعلان القرار

إذا كان توقيت اكتشاف المشكلة مؤثّرًا ومهمًّا، بقدر تقليبها وجمع البيانات والحلول بشأنها، والمدّة الزّمنيّة الّتي يستغرقها الحلّ المعتمد، فإنّ اختيار التّوقيت المناسب لتبليغ العاملين في المنظّمة الإداريّة على جانب كبير من الأهميّة، خاصّة إذا تعلّق القرار بتغيير أو تعديل لقرار سابق، كي يكون هؤلاء مؤهّلين لهذا التّغيير أو ذاك التّعديل.

التّواصل الدّائم الفعّال

إنّ التّواصل الفعّال يشكّل الأساس الّذي يبنى عليه التّنسيق بين أجهزة المؤسّسة، وفي وجهة نظرنا لا تقلّ أهميّته عن التّخطيط. يتطلّب التّواصل الفعّال استخدام كافّة الوسائل المتاحة سيما تلك الّتي تخفّف من الرّسميات كالاجتماعات الدّوريّة، والمحادثات الشّخصيّة، والبريد الإلكتروني، بل الرّسائل الفوريّة. عندما يكون التّواصل فعّالًا، يتمكن أفراد الفريق من فهم الأهداف (أو التّحديات الّتي وضعها التّخطيط) بشكل أفضل، وتوجيه جهودهم (التّنظيم) بشكل متناسق نحو تحقيق (تنفيذ) تلك الأهداف. كما يساهم التّواصل الفعّال في تبادل المعلومات بسلاسة، ممّا يسهم في اتّخاذ القرارات الصّحيحة والمستنيرة (القيادة)، فتأتي الرّقابة أو التّقييم اللاحق متحقّقًا من النّتائج الّتي لا بدّ وأن تكون نتائج طيّبة باعتبارها مبنيّة على أسس.

العلاقة الإداريّة الإنسانية

ليس من المطلوب رفع الكلفة، ولا الدّخول في الخصوصيّات مطلقًا. وليس من المطلوب حتّى بناء الصّداقات أو العلاقات الإجتماعية في الإدارة بالمعنى الّذي يزيل الحدود والآداب الإداريّة. فالآداب الإداريّة فضلاً عن الآداب العاديّة مطلوب تحصينها وضمانها دومًا. المطلوب بيئة إنسانيّة صالحة للعمل. هذا بشكل عام. أمّا في مجال عملنا، فلا يخفى على أحد أنّ بيئتنا عائليّة بسبب طبيعة مجتمعنا التّوحيدي الّذي تسوده الألفة فضلًا عن روابط الدّم والقربى، الأمر الّذي يفترض عدم وجود سبب لمعوّقات التّواصل، أو عدم الإنسجام الشّخصي، الّتي قد توجد في وحدات إداريّة أخرى. والبيئة المطلوبة هي تلك البيئة الدّاخلية الصّادقة المفتوحة، والّتي ستنعكس أيضًا وبالضّرورة على الإنتاجيّة والأداء.

تعزيز التنوّع ونبذ التّحجيم

التنوّع والشّموليّة من المبادئ المقرّرة أيضًا في علم الإدارة الحديث، إذ يجب تعزيز التّنوع، والاستفادة من خبرات ووجهات نظر متنوّعة حتّى داخل الفريق الواحد، ممّا يجعل القرار مختمرًا مبنيًّا على نظرة شاملة.

التّنوّع المشار إليه هو المبني على خبرة. والآراء المطلوب تنوّعها هي تلك الّتي يقدّمها من لديه حد أدنى من المعرفة أو الخبرة في مجاله. فالقيادة في علم الإدارة الحديث ليست عسكريّة بل إيجابيّة مشجّعة على التّواصل المفتوح والبنّاء، دون تعالٍ أو تحجيم. ولا يخفى ما لتشجيع التّنوع والمقاربات المختلفة من أهميّة، شرط أن تكون المقاربة مبنيّة على تجارب وخبرات.

التنسيق

التّنسيق ضامن التّوافق والانسجام. وبالنّظر إلى أنّ من يقوم بالعمل هم بشر، وقد تُنتج الطّبيعة الإنسانية في بعض الأحيان تعقيدات أو عدم انسجام أو منازعات، فيقتضي التّصدي لهذه الحالات مسبقًا عبر تنسيق العمل بين الوحدات المختلفة، عبر آليّات مختلفة تكفل منع ازدواج الصّلاحيّة، وتتجنّب التّنازع في التّنفيذ. ومن يقوم بذلك بطبيعة الحال هو القائد الإداري أو مجالس ولجان خاصّة، بحيث لا يكون المنسّق من نفس مستوى الوحدة لضمان الالتزام بما يقرّره.

الرّقابة الذّاتيّة بالتّوازي مع الرّقابة الإداريّة

الرّقابة المطلوبة قبل أيّة رقابة هي الرّقابة الذّاتيّة الّتي يمارسها الشّخص بحقّ نفسه، فيرتقي إلى مرحلة ينظر فيها بعين النّقد إلى عمله، فيحدّد نقاط القوّة والضّعف فيه، ويتّخذ التّدابير اللّازمة للتّحسين أو التّصحيح.

التّعلّم والتّطوير المستمرّ

التّعلّم والتّطوير المستمر للإنسان يعتبران أساسيّين للنّمو والنّجاح الشّخصي والمهني، ويلعبان أدوارًا متعدّدة في حياة الفرد وفي بيئة العمل؛ منها: تحسين المهارات والتّكيّف مع التّغيير، كما تعزيز الثّقة، وتطوير الابتكار، وتوسيع دائرة المعارف، وبناء العلاقات الجديدة للتّعامل مع التّحدّيات والفرص الجديدة. يسهم ذلك في تحقيق الرّضى الشّخصي والمهني في الحياة. ولا يخفى ما لورش العمل والتّدريب من أهميّة، وهي الّتي تتكلّف الإدارة عليها في سبيل تنمية معارف العامل، فينبغي إذن أن تثير اهتمامه لا تأفّفه.

لمحة سريعة عن ضوابط الإدارة في الإسلام

إنّ مبادئ الإدارة العامّة الّتي عرضنا بعضها أعلاه هي ضامنة النّجاح. وهي المستقاة من تجارب بشريّة، أدّت إلى استنباطها وتثبيتها مبادئ جوهرية واحدة في كل إدارة سليمة صالحة لكلّ زمان ومكان.

أمّا الاسلام فقد كان له فضل السّبق في ترسيخ مبادئ وأصول، ساهم الفكر الإسلامي الغزير في إثرائها، وانعكس تطبيقها في اختيار القادة والولاة وعمّال الدّولة، وأسس التّنظيم الإداري، مع إضفاء الطّابع الإنساني على جميع هذه النّواحي.

وبطبيعة الحال حرص الخلفاء على إحقاق الحقّ، ورسم العلاقة المتوازنة بين حقوق وواجبات المواطن، وضربوا الأمثلة الّتي قلّما يجود التّاريخ بها في حاكم يجمع التّواضع والرّأفة والحلم، كما الحزم والشّدة دون ظلم، حاكم يجمع الحكمة والتّروّي، والشّجاعة والإقدام والهمّة، يُعلي من شأن الأدب والشّعر والفنون، بقدر تشدّده في نشر المعرفة وتطوير العلوم، يصل الشّعراء ويقرّب أهل العلم.

ومن مبادئ الإدارة الإسلامية الشّورى والإنصاف والتّواضع والتّعاون والمسؤوليّة.

الشورى

الإدارة الإسلاميّة توجب ألّا يقضي المسؤول برأيه تسرّعًا، بل تفرض التّروّي والتّدبر والتّفكر ومناقشته والاستشارة بشأنه. وقد قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159). {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى ٣٨) وغيرها الكثير من الشّواهد المباشرة القاطعة بوجوب الشّورى.

وعن النبي (ص) قال: لَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْمُشَاوَرَةِ (الماوري) وقال أيضًا (ص) «ما استغنى مستبّد برأيه وما هلك أحدٌ عن مشورة». وقال أبو بكر (ر) في أولّ خطبة له بعد مبايعته: أيّها النّاس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وكان عمر (ر) لا يستأثر بالأمر دون المسلمين، ولا يستبدُّ عليهم في شأنٍ من الشّؤون العآمّة، فإِذا نزل به أمر لا يبرمه حتّى يناقش الرّأي معهم فيه، ويستشيرهم.

وإذا كان هذا دأب الخليفة وهو رأس الدّولة. فمن باب أولى تطبيق الحكم بحقّ كلّ مسؤول، وكلّ قائد أو رئيس إداري، مهما كانت درجة مسؤوليّته.

المساواة والعدل والإنصاف

جاء الإسلام بالمساواة. قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: ١٣) وقال النّبي (ص) لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ (صحّحه الألباني عن جابر)
والإسلام يوجب العدل والإنصاف. فقال تعالى {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90). وعن النبي (ص) أنّه قال: ما مِن والٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وهو غاشٌّ لهمْ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ (رواه البخاري). وهو القائل أيضًا عندما سُئل (ص) أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ.

التّعاون والتّضامن

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} (المائدة: 2). وقال النبي (ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» (البخاري). وقال أيضًا:
«مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه مسلم)

المسؤوليّة

قال تعالى: {فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام: ١) وعن النبي (ص) أنّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

وقد جعل القرآن الكريم العمل هو معيار تحديد مركز المسلم وتعيين درجته في الدّنيا والآخرة فقال تعالى: {وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الاحقاف 19) {‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة 11)

وذكرنا أنّ الإسلام حقّق المساواة بين المسلمين، ولكنّ المجتمع نفسه المتضمّن للاختلاف بين النّاس في درجات الإيمان أو العمل أو العلم أوجب مبدأ التّدرج في العمل التّنظيمي الإداري.
كما أوضح الإسلام أيضًا مبدأ التّلازم بين السّلطة والمسؤوليّة، فقال تعالى {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} والمسؤوليّة كاملة شاملة لنشاط الإنسان. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
الشّفافيّة والرّجل المناسب في المكان المناسب:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} (النساء: 135) وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص 26) وقال النّبي (ص) إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر السّاعة، قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله، فانتظر السَّاعة (رواه البخاري).

جلال الدين الرّومي المتصوّف والفيلسوف

ولد محمّد بن محمّد بن حسين بهاء الدّين الخطيبي البلخي (المعروف بجلال الدين الرّومي) يوم 6 ربيع الأول سنة (604 ه-الموافق 30 سبتمبر 1207م) في مدينة بلخ في أفغانستان.

كان والده بهاء الدين ولد أحد علماء المذهب الفقهي الحنفي، وقد لقّب لمكانته العلميّة وجراءته في قول الحقّ، والإنكار على العلماء الظلمة «بسلطان العلماء». اضطرّت عائلة الرّومي، أن ترحل عن البلد الأم نظراً لهجمات المغول الشّرسة والمدمّرة، وتتنقّل في عددٍ من المدن مثل بغداد، ومكّة المكرمة وغيرها، ولكن استقرّت في نهاية المطاف في قونية- تركيا، عام 623ه، في عهد دولة السّلاجقة. وكان لمحمّد الإبن من العمر أربع سنوات.

أهمّ أساتذته والده بهاء الدين، وبرهان الدّين التّرمذي، لكنّ أهمّ أساتذته وصاحبه المقرّب إلى روحه، كان شمس الدين التّبريزي الّذي عاش معه لسنوات طويلة في بيت واحد، وكان له الأثر الكبير في تغيير الكثير من عادات الرّومي، نذكر منها المولويّة، وتحوّله من الفقه إلى التّصوف الفلسفي. عبّر الرّومي في معظم كتبه عن هذه العلاقة الوثيقة بمعلّمه شمس الدّين التّبريزي، حيث وجد نفسه معه وأدرك حقيقته في رباعيّات الرّومي؛ حيث قال: «عندما اشتعلت نيران الحبّ في قلبي، أحرق لهيبها كلّ ما كان في قلبي، فازدريت العقل الدّقيق والمدرسة والكتاب، وعملت على صناعة الشّعر، وتعلّمت النّظم».

يقول عبد السلام كفافي: «والمحقّق-على أيّة حال – أنّ التّبريزي قد أثّر في حياة شاعرنا أعمق الأثر إلى حدّ أنّه صرفه عن تلاميذه صرفاً كاملاً، وجعله يُعرض عن الوعظ، وينصرف إلى حياة التّأمّل الصّوفي، وينطلق في التّفسير عن حياته الجديدة بفيضٍ غامر من الشّعر، بلغ أسمى درجات العبقرية «. انكشف للرّومي مع التّبريزي عالمٌ جديد من الحقائق والأذواق حيث قال: «إنّ «شمسًا» هو الّذي أراني طريق الحقيقة، وهو الّذي أدين له في إيماني ويقيني».

رأى جلال الدّين الرّومي أنّ شمس الدين قبسٌ من نور الإله على الأرض، لهذا كان وجدُه وحبُّه له لا يقدّر بثمن، فكان إذا غاب «شمسٌ» أو رحل عن «قونية» شعر جلال الدّين بإكتئابٍ شديد. وعندما فقده هتف من أعماق قلبه قائلاً: «من ذا الذي قال إنّ شمسَ الرّوح الخالدة قد ماتت؟»
من الّذي يتجرّأ على القول بأنّ شمس الأمل قد تولّت؟
إنّ هذا ليس إلاّ عدوٌّ للشّمس وقف تحت سقف وعصب كلتَا عينيه ثمّ صاح، ها هي الشّمس تموت».
يرى الرّومي، في الإيمان فريضة كلّ وقت، ويدعو الإيمان إلى الصّلاة، مع العلم أنّ الإيمان ينفع بلا صلاة، أمّا الصلاة فلا تنفع بلا إيمان. يقول الرّومي: «وللإيمان فضل آخر على الصلاة، وهو أنّ الإيمان لا يسقط بأيّ عذر ولا يرخّص تأخيره، والإيمان ينفع بلا صلاة، ولا تنفع الصّلاة بلا إيمان كصلاة المنافقين. والصّلاة في كلّ دين تتنوّع، لكنّ الإيمان لا يتبدّل مع كلّ دين، ولا تتبدّل أحواله وقِبلته».

يرى الرّومي أنّ الإيمان يُدخل الرّاحة إلى الذّات، وهذه الرّاحة تحقّق الانسجام مع الذّات، وبالتّالي الانسجام مع المحيط. الإيمان بالله يدفع المرء للتحلّي بالخصال الحميدة، والابتعاد عن الأخلاق الذّميمة الفاسدة. جعل الرّومي مثاله الله في الخلق السّليم حيث قال: «تخلّقوا بأخلاق الله «، ثمّ بعد الإيمان بالله، يأتي الإيمان بالرّسل والأنبياء لأنّهم القدوة الصّالحة لكلّ النّاس. إذن الإيمان من أهمّ أركان الدّين والأخلاق.
يرى الرّومي في كتابه المجالس السّبعة، أنّ الله من فيض حبّه ورحمته للعارفين نبّههم من المعاصي، وشملهم بعطفه وحبّه، وألهمهم ذكره، وقدّرهم على الصبرفي الشّدائد قال الرّومي: «الحمد لله الذي صيَّر نفوس العارفين طائرةً في مطار امتثال أمره، وزجرها بنهيه عن المعاصي فانزجرت عنها بزجره، وسقى قلوب العاشقين محبّته فما صحت من سكره، ألهمها إدامة ذكره، فما تفتر عن ذكره، وأرى المبتلى جزيل ثواب صبره، ونصب للغني علم إحسانه إليه وإنعامه عليه، ليستدلّ به على وجوب حمده وشكره».

طلب الرّومي من الإنسان أن يتخلّق بأخلاق الله، وبهذا يكون ناجياً من الشّرور، ومن شرك الشّيطان، والنّفس الأمّارة بالسّوء، كما يعتبر الرّومي أنّ الله قد أعطى الإنسان الكثير من الكمالات والمنازل الرّفيعة، حيث خلقه في أحسن تقويم، وهو يعيش في عالمه الصّغير ناسياً أنّه عالمٌ كبير، وإذا كان حظّه مميّزاً، وعكس الصّفات الإلهية فيه كان «أَسطُرْلاب» الصّفات الإلهية. قال الرومي:
«وجود الآدمي، إذ يقول الحقّ «ولقد كرّمنا بني آدم» أسطرلاب الحق، عندما يجعل الحقّ تعالى الإنسان عالماً به عارفاً له.
فإنّه يرى بأسطرلاب وجوده تجلّي الحق وجماله الّذي لا يوصف لحظةً لحظةً ولمحةً لمحة، وأنّ ذلك الجمال لا يغيب عن مرآته».

قسّم الرّومي النّفس إلى سبع درجات أو سبع منازل؛ وهي: النّفس الأمّارة بالسّوء، وهي أدنى الدّرجات، تليها النّفس اللّوّامة، ثمّ المُلهمة، ثمّ المطمئنّة، النّفس الرّاضية، ثمّ المَرضيّة، وأخيراً النّفس الكاملة. لكن في كلّ مرحلة من هذه المراحل يجب جهادها ومراقبتها حتّى تستقيم وتصبح طوع الإرادة، بحيث يصل المؤمن الى مرحلة التّسليم الكامل له تعالى، فيعلم أنّه لا يريد إلّا ما يريده الله، وأنّ الحقّ هو الذي يخطّ الأقدار، ويسيّرجميع أمور هذا العالم بدقّة وانتظام، في هذه الحال يعرف العبد نعمة التّوكّل الكاملة وأهميّة وجود الله في حياته. هكذا سلك الرّومي طريقه برضى وتسليم متوكّلاً عليه حقّ التّوكُّل: «لا يمكن أن نفهم هذه الحركة الشّاملة لمبدأ النّفس طالما بقيت مغلقةً، وبعد فتح النّافذة، ومشاركة النّفس الرّبّانيّة فقط ستحسّ أنّ المؤمنين، رغم انفصالهم بعوائق الوجود الجسدي، متحدون في النّفس، ويهتزّون في إيقاع واحد. ولا اختلاف باقٍ بين أنفس الأولياء الّذين هم نفس واحدة، «ويموت كلّ منهم في عشق الآخر».

يميّز الرّومي بين العقل الجزئي أو المكتسب، والعقل الكلّي، والفكر. يعتبر الرّومي العقل الجزئي العقل الواهم والّذي يمكن أن يضلّ، وغير قادر على التّخطي والتّجاوز وصولاً الى الأنوار الحقيقية، وهذا العقل يكون مشغولاً بكلّ المتابعات والدّراسات العلميّة، لكنّه غير قادر على تلقي الإلهام، ولا ينبغي الإعتماد عليه كثيراً، لأنّه يؤدّي إلى الطّريق المسدود، ولا يستطيع هذا العقل المكتسب أن يُبدع إن لم يتصل بالعقل الكلّي.

يرى الرّومي، أنّ العقل الإيماني هو عقل مهمّ جدّاً لأنّه يحمي الإنسان من الإنزلاق والتّهور، يمنعه من اقتراف الفواحش والمنكرات، فهو حارس وحاكم لمدينة «القلب «. قال الرّومي:
«والعقل الإيماني كالشّرطيّ العادل، فهو حارس لمدينة القلب، حاكم عليها.

يكون كالقط يقظ اللّب، يبقى اللّص قابعًا في حجره كالفأر».
كما هو معروف عن الصّوفية أنّهم رفعوا مقام القلب على العقل، واعتبروا أنّ القلب أسمى الأجزاء، لأنه كرسيّ العشق، وأتباعه هم العشّاق والسّالكون الصّادقون.

هذا القلب هو عرش الله الّذي أنزل بشأنه التّعبير القرآني (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)1، وهو منطق الحقّ، وكلّ من له قلب صادق لديه مرآة تعكس جهات العالم، بحيث إنّ الحق سبحانه، يرى هذا العالم في قلب الإنسان. هذا القلب في شوق وهيام دائمَين لله تعالى، فهو يهجر الجسم ويلحق بالمعشوق أينما كان: «صحت: «أين يمضي قلبي الثّمل؟ «قال الملك:»صه، يمضي الى جنابي!»
وإذ يكون تائهاً في بحر العشق، فإنّه يضيء الأعين، وهكذا فإنّ نور العين من نور القلوب».

هكذا أجمع الصّوفيون على أنّ الكنز الإلهي محفوظ في قلب الإنسان، وهو أداة إدراك الحق المطلق، والحقيقة تُدرك بالقلب (في القلب وبالقلب) تعني العضو المحبّ، عضو إدراك المعرفة، وفي المعنى الباطني هو مستودع الإلهيّات الّذي يتضمّن الحقيقة المطلقة. علامات الحقّ في القلب، وما هي خارج القلب، لذلك اعتبرالقلب عرش الرّحمن، الأولياء هم الّذين اكتشفوا هذا الكنز، لأنّهم أقرّوا واعترفوا وسلّموا تسليماً كاملاً له، فاستحقّوا المنازل الرّفيعة والإشراق المبين: «ولمّا كان الصّوفيّة قد تحابّوا في الله، فإنّهم في هذا المقام قد دخلوا في طاعة الله جميعاً عن طواعيّة لأمر المحبّة ولأمر الله فيها، وليس عن رهبة، ولهذا المعنى الكريم كانت صحبة الصّوفية مؤثّرة من البعض في البعض، ولأنّهم لمّا تحابّوا في الله تواصَوا وسلكوا محاسن الأخلاق».

العمل البلدي وأهميته في التنمية المستدامة

لم يعد العمل البلدي والاختياري في لبنان مجرّد محطة عابرة كلّ ستّ سنوات، إنّما بدأ يتّخذ مقاربة واعدة تتمثّل بشعورٍ عارمٍ لدى غالبيّة المواطنين، بأهميّة الانخراط في مسار العمل التّنموي. فقد أدّى تصاعد حدّة الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة في لبنان- ناهيك عن تداعيات انفجار مرفأ بيروت والحرب الإسرائيليّة الأخيرة- إلى تحفيز الحسّ بالمسؤوليّة وبضرورة المبادرة ولعب دورٍ محوريّ في صناعة التّغيير وتحقيق التّقدم المنشود في مختلف القرى والبلدات والمدن اللّبنانية.

وقد جسّدت الانتخابات البلديّة والاختياريّة مؤخّرًا فرصة لاحتضان الطّاقات الشّبابيّة والنّسائيّة وذوي الاحتياجات الخاصّة ومختلف فئات المجتمع، من أجل تضافر الجهود وابتكار الحلول النّاجعة لمواجهة التّحديات وإدخال مفاهيم الحوكمة الرّشيدة والشّفافيّة والتّخطيط التّشاركي إلى منهجيّة العمل البلدي. الأمر الّذي يساهم في بناء مستقبل أفضل من خلال تنمية حقيقيّة تقوم على تحسين الخدمات، وتلبية الحاجات الملحّة، وتطوير البنى التّحتيّة، وخلق فرص عمل، وحماية الموارد الطّبيعية والبيئيّة، وبالتّالي تنفيذ مشاريع نموذجيّة، تُحدث الفرق في حياة الأهالي والأجيال المتعاقبة.

البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية المستدامة وقيادة التّغيير

وفي حديثه لمجلة «الضّحى»، يرى رئيس منظمة «اليد الخضراء» ومؤسّس «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley»، زاهر رضوان، أنّ «البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية من البنية التّحتيّة إلى بناء المجتمعات والاقتصاد المحلي»، ويقول: «لم تعد البلديّات مجرّد جهة تُعنى بالبنية التّحتيّة والخدمات اليوميّة، بل أصبحت في قلب النّقاش التّنموي، تُؤدّي دورًا محوريًّا في قيادة التّغيير وتحقيق التّنمية المستدامة. فالبلديّة اليوم، عندما تتحوّل من جهة تنفيذية إلى جهة تخطيط وتوجيه، تصبح الرّافعة الّتي تدفع بالمجتمع نحو النّمو، ليس فقط عبر الطّرق والمياه، بل من خلال تمكين الإنسان، حماية البيئة، تنشيط الاقتصاد المحلي، وتطوير سبل العيش». ويضيف: «تملك البلديّات الموقع الأفضل لفهم حاجات مجتمعاتها والتّواصل مع الفئات كافّة، من مزارعين وحرفيّين وشباب ونساء، وبالتّالي فهي الأقدر على بناء رؤية محليّة شاملة، تُعزّز التّماسك الاجتماعي وتُحفّز الاقتصاد الأخضر، وتعيد توزيع الموارد بعدالة. من هنا، تصبح البلديّات أكثر من إدارة محلية؛ تصبح محرّكًا للبيئة والتّنمية والاقتصاد معًا».

ويتابع رضوان: «ظهر هذا الدّور جليًّا في نموذج قضاء عاليه، من خلال تجربة «استراتيجيّة عاليه الأصيلة»، الّتي شكّلت تحوّلًا نوعيًّا في فهم التّنمية وأدواتها. هذه الاستراتيجيّة لم تكتفِ بالخطط، بل أنشأت مشاريع فعليّة ومؤسّسات حيويّة تركت أثرًا ملموسًا، أبرزها؛ «مركز الحرف عاليه الأصيلة» الّذي يسعى إلى إحياء الموروث الحرفي وربطه بالأسواق الحديثة، «دائرة السّياحة عاليه الأصيلة» الّتي تخطّط لترويج الهويّة الثّقافيّة والطّبيعيّة للمنطقة، «مركز التّعبئة والتّوضيب الرّيادي لدعم المنتجات المحليّة»، «منشأة الإنتاج الغذائي لتوفير فرص عمل وتمكين المرأة»، ومشاريع أخرى مثل «منشأة FDA لدعم التّصدير إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة».

هذا، وأثمرت «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley» في تحقيق العديد من الشّراكات الدّوليّة، مثل مشروع الاتّحاد الأوروبي المتعلّق بإدارة مصادر المياه الصّحيّة ومشروع «فرحة» بالتّعاون مع الوكالة الألمانيّة للتّعاون الدّولي (GIZ)، وفق قول رئيس منظمة «اليد الخضراء» الّذي يتحدّث عمّا قدّمته هذه المشاريع الرّياديّة من «نموذجٍ فعليّ لتكامل الأدوار بين البلديّات والمجتمع المدني، والشّركاء الدوليّين لخدمة كلّ فئات المجتمع، من المزارعين إلى المنتجين والحرفيّين. إذ يُثبت هذا النّموذج أنّ اللاّمركزية التّنموية ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ البلديّات حين تملك الرّؤية والدّعم تستطيع أن تكون حجر الزّاوية في إعادة بناء الاقتصاد المحلّي، وتعزيز العدالة الاجتماعيّة وتحقيق التّماسك بين المجتمع المُضيف والمجتمعات المتنوّعة الأخرى». ويوجّه رضوان «دعوة صريحة إلى صانعي القرار، ووكالات الأمم المتّحدة، والسّفارات والمنظّمات الدّوليّة، لدعم هذا النّموذج المحلّي النّاجح وتعزيزه وتكراره في مختلف المناطق اللّبنانيّة والدّول العربيّة، لأنّ التّنمية الحقيقية تبدأ من الأرض، من المواطنين، ومن البلديّات الّتي تعرف تمامًا كيف تُترجم الطّموحات إلى إنجازات».

الظّروف السّياسيّة والاقتصادية ساهمت بتحفيز المشاركة بالشّأن العام

ويشدّد مؤسّس «حركة السّلام الدائم» ورئيس حزب «الخضر اللّبناني»، فادي أبي علام، على أنّ «البلديّات هي المسؤولة الأولى عن مسار التّنمية، في حال إلمامها بمفاهيم التّنمية المستدامة ومصطلحاتها، ما يمكّنها من الارتقاء بالبلدة أو المدينة إلى مصاف القرى، والمدن النّموذجيّة الحضاريّة. كما يمكن أن يلعب المواطنون والمؤسّسات أدوارًا تنمويّة، غير أنّ البلدية قادرة على تحقيق تكامل هذه الأدوار واستمراريّة الأنشطة، والدفع نحو مشاريع وبرامج طويلة الأمد. السّلطات المحليّة عبارة عن حكومة محليّة، وهنا تبرز كفاءتها من خلال تميّزها بتوظيف إمكاناتها المتواضعة في المسارات التّنموية، وبالتّالي تعزيز التّعاون مع المجتمع المحلي والمؤسّسات من جمعيّات وتعاونيّات ونقابات وقطاع خاص ومغتربين، وفق خطة واضحة وشفافة لآليّة صرف الأموال والمساعدات».
ويضيف في حديثه لمجلة «الضّحى»: «الإنسان يفرح دائمًا مرّتين؛ عندما يأخذ ما يريد، وعندما يعطي ما لديه». كلّ شخص لديه ما يعطيه، ويندرج ضمن إطار المصادر الّتي تُغني العمل البلدي، إلى جانب الدّعم الّذي تقدّمه الجهات المانحة. لكن للأسف، أغلب ممثلي البلديّات لا يتقنون مهارات التّعامل مع الجهات المانحة وتقديم العروض لاستقطاب المشاريع النّموذجيّة أو أنّهم لا يبادرون بل ينتظرون حصول بلداتهم على المساعدات. ويرى أبو علام أنّ «اتّخاذ المنافسة في بعض البلديّات طابعًا طائفيًّا وحزبيًّا وعائليًّا وغيره من الانقسامات الضيّقة، يعيد طرح التّساؤلات حول موقع التّنمية. إذ نجد مرشّحين يخوضون المعركة الانتخابيّة ومن ثمّ يختفون ولا ينفّذون أيّ عمل تنموي، ويعودون للترشّح في الدّورة المقبلة. كما أنّ معظم البلديّات يقتصر العمل فيها على رئيس البلديّة وعناصر الشّرطة، في حين تغيب أدوار أعضاء المجلس البلدي واللّجان البلديّة أو أي عمل تشاركي مع المجتمع المحلي».

ويتحدّث رئيس حزب «الخضر اللبناني» عن سلسلة ورش عمل تمّ تنظيمها متخصّصة في أكثر من منطقة لبنانية، بهدف «توعية المواطنين حول ماهيّة التّنمية المستدامة وصلاحيات المجالس البلديّة وآليّة عملها، وأهميّة المشاركة في الانتخابات والإلمام بالقضايا الحيويّة، والاطّلاع على الخطط العربيّة والعالميّة، مثل رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030، خصوصًا أنّ المرشّحين بمعظمهم لا يضعون برنامجًا واضحًا، أو أنّهم يكتفون ببرنامجٍ لا يوافق المعايير العالميّة». وإذ يؤكّد أهميّة امتلاك المرشّح الرّغبة والطّموح والقدرات والمهارات اللاّزمة إلى جانب معرفة الواقع. يُبدي أبو علام إعجابه بـاندفاع الشّباب والنّساء للمشاركة في الدّورة الانتخابيّة هذه السّنة، ما يعكس تأثير الجوّ السّياسي العام من انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، وتشكيل حكومة جديدة، والأمل بتدفّق الأموال لصناديق البلديّات، بالإضافة إلى مسار التّوعية والتّمكين ومشاريع الجمعيّات والأحزاب، والدّور القيادي للمرأة والشّباب الّذي برز كثيرًا عقب الأزمة الاقتصاديّة في العام 2019. إنّه دليل صحّة وتقدّم وعافية يشير إلى تحسّن الظروف السّياسيّة والاقتصاديّة في البلاد وجهوزيّة أكبر لدى الشّباب والنّساء للتّعامل مع القضايا العامّة ودخول الشّأن العام، وكذلك لانخراط كلّ مكوّنات المجتمع في دورٍ منتجٍٍ فاعل. وقد حرصنا على تشجيع مشاركة الأشخاص المعوّقين، من خلال التّعاون مع جمعية «مؤشرات تنمويّة»؛ وهي مجموعة لبنانيّة تضمّ عددًا من الأشخاص المعوّقين حركيًّا، بهدف تكريس حقّهم بالمشاركة المجتمعيّة، إن على الصعيد المحليّ أو الوطني.

دعوات لصياغة قانون عصري خاص بالبلديات

وفي محافظة جبل لبنان على سبيل المثال، سجّلت الانتخابات البلديّة زيادة في عدد المرشحين بنسبة 4.6%، في حين شكّلت النّساء نسبة 10.8% من التّرشيح أي 783 امرأة مقابل نسبة 7.8% في العام 2016 أي 528 مرشحة، وفق إحصاءات الشّركة الدّوليّة للمعلومات. كما تبيّن أنّ 529 بلديّة في لبنان، أي نصف البلديّات، تقلّ حصّتها عن 250 مليون ليرة لبنانية، ما يحتّم دمج البلديّات، بحيث يزداد دخلها وتشترك بالكهرباء والمياه والطّرقات والمدارس والتّنظيم المدني، رؤيةً وموازنات. وهذا يستدعي اعتماد النّظام النّسبي في الانتخابات البلديّة وتحديد سقف إنفاق، ما يعني أنّنا بحاجة لقانون بلدي جديد.

وكانت المديرة التّنفيذيّة للجمعيّة اللّبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات (LADE)، ديانا البابا، أوضحت في حديث تلفزيوني، أنّ «الانتخابات البلديّة والاختياريّة جاءت بعد تأجيل ثلاث سنوات، وهي تشكّل اليوم خطوة أولى باتجاه المسار الصّحيح، وعودة انتظام الحياة الدّستوريّة، رغم الفروقات المختلفة، والجوّ العام المختلف بين المحافظات اللبنانيّة». ورأت أنّ «الانتخابات البلديّة تؤثّر على الانتخابات النّيابيّة المقبلة، ولو أنّ طابعها مختلف. لذلك، يجب وضع قانون عصري خاصّ بالانتخابات البلديّة غير مرتبط بالانتخابات النّيابيّة».

اللّجنة الثّقافية تثمّن أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في المجالس المحليّة

وفي السّياق، نظّمت اللّجنة الثّقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدّروز، بتاريخ 19/4/2025، ندوة بعنوان «دور الشّباب في المجالس المحليّة والتّنمية المستدامة»، حيث تحدّث عضو اللّجنة الثّقافية الدكتور فراس زيدان، عن دور الشّباب في العمل الإنمائي والاجتماعي والسّياسي، كونهم الأكثر قدرة على التّغيير والتّفاعل الإيجابي مع القضايا المهمّة، وإحداث الفرق الحقيقي في مجتمعاتهم. ولفت إلى أنّ العمل البلدي هو العمود الفقري للتّنمية المحليّة، ويُعدّ الوسيط الأهمّ بين المواطن والدّولة، إذ يترجم السّياسات العامّة إلى مشاريع وخدمات ملموسة على أرض الواقع. من هنا أهميّة اختيار أشخاص صادقين يعملون بضمير لإنماء منطقته.

أمّا عضو اللّجنة الثّقافية الدكتورة فريال زهر الدّين، فتطرّقت إلى دور المرأة في العمل البلدي والتّنمية المحليّة، واعتبرت أنّ التنمية المحليّة تسعى إلى تحسين حياة الأفراد والارتقاء بها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وأنّ تحقيق هذا التقدّم النّوعي يتطلّب تكافل كل أبناء المجتمع، من النّساء والرّجال. غير أنّ المرأة تواجه تحديّات عديدة تعيق عملها في الشّأن العام، منها العوائق الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة، الضّغوط العائليّة والمجتمعيّة وغياب القوانين الّتي تكرّس التّمثيل النّسائي. لذلك، لا زالت مشاركة المرأة في المجالس البلديّة ضعيفة جدًّا، رغم أنّ التّجارب أثبتت أنّها عندما تُمنح الفرصة تقدّم دورًا فاعلًا في التّنمية المحليّة.

بدوره، تحدّث رئيس بلدية مزرعة الشّوف ورئيس اتحاد بلديّات الشّوف السّويجاني، المهندس يحيى أبو كروم، عن تجربته الشّبابية الرّائدة في العمل البلدي واتّحاد البلديات. وقال: العمل البلدي لا يقتصر على الخدمات، إنّما يشمل التّنمية المستدامة المتكاملة، إن على الصّعيد الاقتصادي أو البيئي أو التّربوي، فهو أكثر التصاقًا بحاجات النّاس وهمومهم، كما يبقى الدّور الأساسي للعمل النّهضوي، والتميّز بالعمل الإنمائي. وأكّد أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في العمل البلدي والشّأن العام، ما يساهم في إحداث الفرق، ويعكس ما تحمله هذه الشّريحة من طموحٍ وعنفوان، وقدرة على الابتكار والرّيادة وخدمة المجتمع. لكن الأهم وجود ذهنيّة وروحيّة الشّباب في المجالس البلديّة، بغضّ النظر عن أعمارهم، بحيث يحملون رؤية الشّباب ويعبّرون عن همومهم وتطلّعاتهم لمواجهة التّحديات الجسيمة.

مقتطفات من حياة الشّيخ الجليل أبو فارس محمد سليم جنبلاط رحمة الله عليه

سلامٌ على شيخ الشّيوخ المعلّم
سلامٌ على زاكي الخصال المكرّمِ
أبو فارسٍ يُكنَى وميدانُ خيلِه
عزيزٌ وقد فاز التقيُّ بمغنَمِ
غنِمت من الكنزِ الثمين نفائسًا
علومًا وآدابًا وإشراقَ مُلهَم
وسرْتَ على نهجِ الثّقاتِ مسدّدًا
بصدقٍ وإخلاص وقلبٍ مسلِّم
فطوباك في سكنى الجِنانِ مخلّدًا
مع الآلِ والأشراف أهلِ المكارم

عينٌ من أعيانِ أهل زمانه، أرجُ الفضيلة والنّهى عابقٌ في بستانه، إن خطا نحو المعبد بخشوع وسكون، ترى النّاس على جوانب الطرقات شاخصةَ العيون، يعكس سرُّ هذا الوليّ الطاهر على قلوبها اطمئنانًا وسلامًا، فتدنو منه لتلتمسَ البركات شوقًا وهيامًا. إن حدّث ترى البلاغة ماءً ثَجَّاجًا يسير من سلسبيل فيهِه وأفكاره، وإن سكت تقتات يمنًا من استشعاره ووقاره، صاحب الكرامات الجليّة، والمواقف الجريئة الرّضية، سيّدنا الشيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط رحمة الله عليه ونفّعنا ببركاته. آمين.

قَدُمَ آل جنبلاط إلى حاصبيا حوالي سنة 1787 ميلادي، وكان أولّ القادمين منهم الشيخ علي جنبلاط، وله ابن اسمه سليم، والد الشيخ محمد، لهذا عرف بالشيخ أبو فارس محمد سليم نسبةً لوالده.

ولد الشيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط سنة 1856 في مدينة حاصبيا من جنوب لبنان. توفّي والداه وهو صغير، فربيَ يتيم الأب والأم، وخلفَ من بعده ولدًا وحيدًا أسماه «فارس».

نشأ الشيخ الجليل على محبة الصّالحين واقتفاء آثارهم، وتتبّع نهجهم ومسلكهم، فارتدى ثوب الوراعة والتّقى، وتحلّى بحلى الصّدق والإيمان والإخلاص، وتزيّن بزينة العلم والفهم، حتّى غدا مرجعًا في زمانه، وواعظًا ناصحًا بلسان حاله ولسانه.

وسنختار لهذه المقالة بعضًا من مناقبه الحميدة، ومواقفه السّديدة، ليتراءى من خلالها للقارئ مكانة هذا الشّيخ الجليل الدينيّة الأخلاقيّة والإجتماعيّة الرضيّة، وسنسطّر بعضًا من كراماته الدّالة على رفعته عند الله سبحانه وعلو منزلته.

من مناقبه

إنّ المرحوم الشّيخ الجليل ركّز فضيلة قراءة كتاب الله في المجلس الشّرقي في بلدة حاصبيا كلّ يوم جمعة ولم يزل هذا الخاطر الميمون ساري المفعول لتاريخنا هذا. وكان المرحوم عندما يخرج من بيته من حارة الشّميس إلى حاصبيا راجلًا قاصدًا المجلس المذكور، يمرّ في سوق حاصبيا، وكان موعد الشّيخ تعرفه النّاس وتنتظره. وحين مروره يُسارع النّاس لإقفال أبواب محلّاتهم ليرموا التّحية عليه، عند دخوله السّوق.

فمن سنّ سنة حسنة له أجرها وأجر من سار عليها إلى يوم القيامة. وأوحى الله تعالى لنبيّنا داود عليه السلام: من صادقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في علانيّته.

طُلب «فارس» نجل الشّيخ الجليل للجيش التّركي، وكان فتى، وقد خدم فترة وتركوه، وطلبوا بعدها فديه 50 ليرة ذهب كي يُعفى من الخدمة نهائيّا، فــدفع الشّيخ أبــو فارس الفدية، وفي السّنة نفسها زرع صحراء «مقتة»، فردّت قيمة الفدية الّتي دفعت. وقد قال الله تعالى على لسان أحد أنبيائه: «أنا أسرع إلى نصرة عبيدي وأوليائي، وما تقرّب إليّ بشيء أفضل مما افترضته عليه، وما يزل يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحببته، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ولسانه الّذي ينطق به، وقلبه الّذي يعقل به، ويده الّتي يبطش بها، وإن دعاني أحببته، وإن سألني أعطيته».

قبل سنة 1925 م حصل هناك حادثة ببلدة حاصبيا بين عــائلة درزيّة مـن آل زويهد وأخرى نصرانيّة مـن آل حـداد، وهاتان العائلتان يحسب لهما حساب في حاصبيا، وقد حصل خلاف بين هاتين العائلتين على قطعة سلاح، وقطعة السّلاح هذه لآل حداد، وأخذها آل زويهد ظلمًا. وآل زويهد تربطهم قـرابة نساء مع الشّيخ الجـليل، واحتدم الخلاف بين العائلتيـن، وأصبح يخاف أن يحدث شرٌّ في حاصبيا جرّاء ذلك. وإنّ آل حداد شكوا أمرهم لقسم كبير من مشايخ ووجهاء حاصبيا، وعندما علم المشايخ والوجهاء أنّ المشكلة مع آل زويهد وقفوا عن حلّ المشكلة، حتى جاء أحد الأشخاص من آل حداد وقال: ما لكم إلاّ الشيخ أبو فارس. فأفكر آل حداد وقالوا: كلّ المشايخ ما حلّوها، وهذا الشيخ تربطه قرابة مع آل زويهد كيف يقدرعلى حلّها؟!، ولكنّهم قرّروا شكوى أمرهم إلى الشّيخ الجليل، لثقتهم بنزاهته، وتقواه. فقصدوه وعرضوا مشكلتهم عليه فأصغى إليهم، وأرسل إلى آل زويهد وتحقّق الأمر، فتبيّن الحق لآل حداد، فحكم على آل زويهد باسترجاع القطعة وحسم الخلاف ووقع الصّلح فيما بينهم. وترك هذا الأمر وقعًا كبيرًا عــلى آل حداد في نفوسهم. وعندما أتت فــرنسا سنة 1925، وأحرقت بيوتًا في حاصبيا، ذهب شباب من آل حداد، وحمُوا بيت الشّيخ ولم يسمحوا بحرقه. وقد قال أفلاطون الحكيم: «المواهب الإلهية أربعة: النّطق بالصدق، والحكم بالحق، والرّضا بالقضاء، والصّبر على البلاء؛ لأنّ من نطق بالصدق ارتفعت درجته، ومن حكم بالعدل حجّت النّاس إليه، ومن رضي بالقضاء فُتِحَت له أبواب الجنة، ومن صبر على البلاء أدخله الله إليها».

كان سيّدنا الشّيخ بو حسين محمود فرج يزور الشّيخ أبو فارس عند قدومه إلى البياضة ويزوره عند ذهابه منها، وفي إحدى المرّات، من بعد زيارة الشّيخ أبو فارس وتوجُّه سيدنا الشيخ إلى البيّاضة، قدم أحد الأشخاص إلى سيّدنا الشّيخ وقال له: «بالرّجعة بدك تمر على الشّيخ أبو فارس» فكان جواب سيدنا الشّيخ: «بدّها». وكان يقول سيّدنا الشيخ بو حسين محمود فرج نفعنا الله ببركاته عن الشّيخ أبي فارس محمد سليم جنبلاط: «الّذي ما يزور الشيخ أبو فارس، فزيارته للبيّاضة ناقصة».

المرحوم الشيخ أبو على محمد البتديني كان في البياضة يوما، وكان الشّيخ أبو حسين محمد فرج موجودًا، وقال: «في نية نزور الشّيخ أبو فارس» وأراد الشيخ أبو علي محمد البتديني الزيارة لأنّه لم يسبق له أن عرف الشّيخ أبا فارس من قبل، وعندما رآه ضرب بعصاه وقال: «شفنا أكثر ما اسمعنا، هون البيّاضة».

إنّ لأحفاد الشيخ أبـي فارس جيرانًا فــي منطقة اسمها «العوجة» وكان جيران أحفاد الشّيخ في هذه الأرض من النّصارى من آل رشيد « حاصبيا» فسأل الشّيخ حسان ـ حفيد سيّدنا الشيخ أبو فارس ـ ولدَ صاحب هذه الأرض النّصراني من قــبل إذا كانت هذه القطعة من الأرض للبيع. فقال النّصراني: أسأل أمّي أوّلًا. فكان الجواب بعد مرور أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، أنّ وصية والده لوالدته: «هذه الأرض لا تبيعوها لأنّ الشّيخ الجليل أبا فارس محمد سليم جنبلاط كان يجلس تحت الزّيتونة فيها بركة»، وبعد فترة من الزّمن على سؤال هذا النّصراني، أعاد الأخ حسّان تكرارالسّؤال نفسه على صاحب هذه الأرض النّصراني. فكان الجواب منه: إذا أردت أن تأكل جناها «مفوض» لكن هذه وصية والدي بألاّ نبيع هذه الأرض. أجابهم: « نحنا مش طمع بالجنى الله تعالى منعم».

من كراماته

أتى وفد من راشيا، ومرُّوا على الشّيخ أبي فارس الجليل وهو في حقلِه، وقرّروا زيارته في البيت، فعزمهم على العَشَاء، فوافقوا مع التّحريج بعدم وقوع الكلفة، وبعد انصراف المشايخ على أمل رجوعهم للعَشَاء مساء، قعد الشّيخ ومن معه من العمـال لتناول الطّعام، وعند تناولهم الطعام، جاء ديك حجل وقعد بينهم فأمسكوا به وبعث الشّيخ ديك الحجل للبيت، وقال: اذبحوه للمشايخ أرسله العزيز المنّان كرامة للمشايخ، وعند رجوع المشايخ لتناول العشاء، قالوا: «تكلّفت». قال لهم: «ها من عند الله الكريم المنّان» وروى لهم القصة.

كان على زمان الجيش التّركي أن خيَّم هذا الجيش في أرزاق النّاس فانزعج النّاس وخافوا. وتوجّه الناس إلى الشّيخ أبي فارس وشكوا له ذلك. فأجابهم: اصبروا اشتكينا عليهم. وفي اليوم التّالي راح الناس ولاقوا الجيش غير موجود، وهو تارك أغراضه على الأرض كالجيش المهزوم. ويقال إنّ الناس بقيت أيامًا تأخذ أغراضًا من وراء ما ترك هذا الجيش.

توفي الشّيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط سنة 1952 م عن عمر يناهز السّت وتسعين سنة تاركًا آثارًا ومناقب حميدة، ومواقف سديدة، وخلفًا ميمونًا من الصّالحين. رحمة الله تترى عليه إلى يوم الدّين.

القيم الأخلاقيّة بين أفلاطون وأرسطو: جدل المثاليّة والواقعيّة في الفلسفة الأخلاقيّة

تتناول هذه الدّراسة مقارنة فلسفيّة بين الرّؤيتين الأخلاقيّتين عند أفلاطون وأرسطو، مع التّركيز على الاختلاف الجوهري بين المنهج المثالي العقلي عند أفلاطون والمنهج الواقعي التّجريبي عند أرسطو. تهدف هذه المقارنة إلى إظهار كيف أثّرت تصوّرات كلّ من الفيلسوفَين في الفهم الغربي للقيم الأخلاقيّة، وتوضيح مكانة الفضيلة والعقل والسّعادة في بنية التّفكير الأخلاقي الكلاسيكي، مع عرض تطبيقي لكيفيّة انعكاس هذه المفاهيم في الواقعَين السّياسي والاجتماعي في عصر كلّ منهما.

مقدّمة

منذ العصور القديمة، شكّلت مسألة الأخلاق موضوعًا مركزيًّا في تفكير الإنسان الفلسفي. وتأتي أهميّة البحث الأخلاقي من كونه يمسّ صميم حياة الإنسان وسلوكه وتفاعلاته ضمن المجتمع. وقد سعى الفلاسفة منذ فجر الفلسفة إلى الإجابة عن أسئلة كبرى مثل: ما هو الخير؟ ما هي الحياة الفاضلة؟ وما دور العقل في ضبط الرّغبات؟

في هذا السياق، برز كلّ من أفلاطون (427-347 ق.م) وأرسطو (384-322 ق.م) باعتبارهما من أعظم فلاسفة اليونان الّذين صاغوا نظريّات أخلاقية مؤثرة ما زالت تلقى صدًى واسعًا حتّى يومنا هذا. ورغم أنّ أرسطو كان تلميذًا لأفلاطون، إلا أنّ مواقفهما من القيم الأخلاقيّة تختلف جذريًّا، ممّا يجعل المقارنة بينهما خصبة ومفيدة لفهم تطوّر الفكر الأخلاقي في الفلسفة الغربيّة.

أولاً: المنهج الفلسفي

أفلاطون: المثال فوق الواقع

يعتمد أفلاطون على المنهج المثالي العقلي الّذي يفترض أن للفضائل وجودًا في عالم مفارق يدعوه بعالم المثل، حيث توجد صور مثاليّة لكل القيم الأخلاقية. يعتقد أفلاطون أنّ المعرفة الحقّة لا تتأتّى من العالم الحسّي المتغيّر، بل من تأمّل العقل في تلك النماذج الثّابتة للخير والعدالة والشّجاعة، وهذا ما يظهر جليًّا في حواراته الفلسفيّة مثل ‘الجمهورية’ و’فيدو’. في المقابل، يتبنّى أرسطو منهجًا واقعيًّا تجريبيًّا يعتمد على الملاحظة والخبرة. فهو يرى أنّ الأخلاق لا يمكن فصلها عن الحياة اليوميّة، وأنّها نتاج تفاعل العقل مع الواقع الاجتماعي. ويؤمن بأنّ السّلوك الأخلاقي لا يتأسّس على تذكّر المثل السّابقة، بل على الممارسة والتّجربة العمليّة. هذا الفرق المنهجي الجذري يجعل من الفلسفة الأخلاقيّة عند أفلاطون أقرب إلى التّأمل النّظري، وعند أرسطو أقرب إلى التّطبيق العملي.

ثانياً: مفهوم الفضيلة

يرى أفلاطون أنّ النفس البشرية تتألّف من ثلاثة أجزاء: العقل، الرّوح الغضبيّة، والشّهوة. وتتحقّق الفضيلة حينما يعمل كلّ جزء في موضعه الطّبيعي بانسجام وتناسق تحت قيادة العقل. فالعقل يمثّل الحكمة، والرّوح تمثل الشجاعة، والشّهوة تمثل الاعتدال، وعندما تتحقّق هذه الثّلاثة تظهر العدالة كأعلى الفضائل. أمّا عند أرسطو، فالفضيلة ليست أمرًا فطريًّا أو متعاليًا، بل هي نتاج العادة والتّربية. وهو يُعرّف الفضيلة بأنّها الوسط بين رذيلَتين، مثل الشّجاعة الّتي تقع بين الجبن والتّهور. وهذا ما يعرف بـ ‘الوسط الذّهبي’ الّذي يتطلّب من الإنسان استخدام العقل للحكم على المواقف، ممّا يجعل الفضيلة في فكر أرسطو عمليّة مرنة تعتمد على السّياق والتّجربة

ثالثاً: الغاية من الأخلاق

بالنسبة لأفلاطون، الغاية القصوى من الأخلاق هي عودة النّفس إلى أصلها السّماوي واندماجها في عالم المثل، وهي غاية ميتافيزيقية تتمثّل في تطهير النّفس من علائق الجسد المادي. ويظهر هذا التّصور الرّوحي بوضوح في حواره ‘فيدو’ حيث يناقش خلود النفس. أمّا عند أرسطو، فالأخلاق تهدف إلى تحقيق السعادة الإنسانية (Eudaimonia)، وهي ليست مجرد لذّة أو راحة، بل حياة مزدهرة تُمارس فيها الفضائل في انسجام مع طبيعة الإنسان العقلانية والاجتماعية. ويرى أرسطو أنّ هذه السعادة لا تتحقق إلا من خلال توازن العقل والرّغبات، وممارسة الفضائل في إطار المجتمع والسّياسة.

رابعاً: العلاقة بين الأخلاق والمجتمع

يفترض أفلاطون أنّ الأخلاق هي أساس التّنظيم السّياسي، حيث يجب أن تعكس الدّولة العادلة النّفس العادلة. ولذلك يقترح في ‘الجمهورية’ نظامًا سياسيًا يكون فيه الحكم للفلاسفة باعتبارهم الأقدر على إدراك الخير المطلق. وتنقسم طبقات المجتمع إلى ثلاث: الحُكام (العقل)، الحراس (الرّوح)، والمنتجون (الشهوة)، بما يوازي تقسيم النّفس. أمّا أرسطو، فيركّز على أنّ الإنسان كائن اجتماعيّ بطبعه، وأنّ الفضيلة لا تُكتسب في عزلة بل في سياق الحياة المدنية. ويرى أنّ القانون والتّعليم الجيّد ضروريان لتشكيل المواطن الفاضل، وأنّ السياسة والأخلاق متكاملتان في خدمة الخير العام.

خامساً: مقارنة موجزة

خاتمة

تكشف هذه المقارنة بين أفلاطون وأرسطو أنّ الأخلاق ليست مجرد مبادئ نظريّة، بل هي مشروع إنساني يتجدّد مع كلّ عصر. ورغم اختلاف الرّؤى بين الفيلسوفَين، إلّا أنّ كليهما اتفقا على أنّ الفضيلة هي جوهر الإنسان، وأنّ العقل يلعب دورًا أساسيًا في تهذيب السّلوك. كما أنّ تصوراتهما للأخلاق أثّرت تأثيرًا عميقًا على الفكر الفلسفي اللاّحق، سواء في العصور الوسطى أو الحديثة. ويظلّ الحوار بين المثاليّة الأفلاطونية والواقعيّة الأرسطية مفتوحًا أمام الفلاسفة والمفكّرين المعاصرين الّذين يسعون لإعادة بناء منظومة القيم في عالم سريع التّحول.

السّلوك الإنسانيّ بين الاجتناب والاكتساب

يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعْروفِ وتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾ (آل عمران 110).

إذا تدبّرنا هذه الآية الكريمة نجد أنّها قد وضعت المفهوم الحقيقيّ للسّلوك الإنسانيّ القويم، إذ إنّها بيّنت لنا التّوصيف الدّقيق للإنسان الخيّر ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾، واشترطت لبلوغ هذه المنزلة الرّفيعة شرطين أساس هما: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ثمّ اقترن ذلك كلّه بالإيمان بالله تعالى ﴿وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾، فالإيمان بالحقيقة هو قول باللّسان وتصديق بالجَنان (القلب) وعمل بالأركان (الجوارح)؛ ولا يكون المؤمن آمرًا بالمعروف دون ائتمار، ولا ناهيًا عن المنكر دون انتهاء؛ أمّا المراد بالمعروف فهو كلّ ما أمر الله به، وبالمنكر كلّ ما نهى الله عنه، فبماذا أمر سبحانه وعَمَّ نهى؟ تجيبنا على هذه التّساؤلات الآية الكريمة ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ بالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وإِيْتَاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ﴾ (النّحل 90)، والإحسان -هنا- هو فعل ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل، وقربة إلى الله، أمّا المنكر فهو كلّ ما أنكره الشّرع والعقل السّليم لفساده وضرره من المعتقدات والأقوال والأفعال.

يتّضح لنا ممّا سبق أنّ الخالق جلّ وعلا أمر عباده بأوامر وأوجب عليهم الائتمار بها، ونهاهم عن نواهٍ وأوجب عليهم الانتهاء عنها، ولا سبيل للمرء إلى «الائتمار بالأوامر والانتهاء عن النّواهي»، إلّا باعتماد قاعدة «الاجتناب الاكتساب»، اللّذين لا يصحّ أحدهما دون الآخر، فمن لا يجتنب تتراكم السّيّئات على قلبه فيكدر، وينآى به عن موارد الخير، ومن يجتنب ويقعد عن اكتساب الخيرات يكن كمن أفرغ كأسه من العَكَر، ثمّ لم يملأه بماء طاهر، فلا يرتوي أبدًا.

إذن علينا، لكي نطبّق الاجتناب أن نتعرّف على معناه وأهمّيّته …، وكذلك معرفة الاكتساب، وهذا ما سوف نتطرّق إلى عرضه في بحثنا -وبالله المستعان- …

الاجتناب

الاجتناب يعني الاحتراز من الشّيء والابتعاد عنه، فعلى المرء أن يبتعد عن كلّ فاسد في القول والفعل والمعتقد، وذلك بأن يطهّر قلبه من الآفات الباطنة كسوء النّيّة والحقد والحسد وحبّ الجاه … ويراقب أعمال الجوارح (أعضاء الجسم الّتي يكتسب بها الخير والشّرّ) ويرفّعها عن المنكرات والفواحش كالكذب والغيبة والنّميمة وفحش الكلام، وإيذاء النّاس بقول أو بفعل، والحرام في المال أو المأكل أو الملبس … فإذا فعل ذلك مع الإخلاص في النّيّة صفت نفسه، وأمِنَ ظُلمها﴿وَتِلْكَ حُدودُ اللهِ وَمَن يَّتَعَدَّ حُدودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾(الطّلاق 1)، وطاب عيشه.

وممّا يساعد على الاجتناب عدم الانصياع لشهوات النّفس ورغباتها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف 53). كما يساعد على ذلك الاحتراز من كلّ ما يقرّب من تلك المفاسد الّتي ذكرناها، فلنحترز من مصادر الفساد ومواقعه، وها نحن نرى الأهل إذا خافوا على ولدهم السّوء حذّروه من المعشر السّوء، فليُحسن كلّ منّا اختيار البيئة المحيطة به، ثمّ إنّ مصادر الفساد قد تعاظمت في أيّامنا هذه، بانتشار بعض الإعلام غير المسؤول، وبوجود الهواتف الذّكيّة الّتي تفتح أمام روّادها أبواب الإفساد على أوسع مصاريعها، فلينتقِ المرء المواقع المفيدة ويحسن استعمال الآلة الّتي بين يديه لئلّا تجذبه إلى الوقوع فيما لا تحمد عقباه.

أهمّيّة الاجتناب

إنّ للأعمال تأثيرها في القلب وفي النّفس، فهي تطبع على القلب بالصّدأ والرّان ﴿كَلَّا بَلْ رَّان َعَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبون﴾ (المطفّفين 14).

ثمّ إنّ في الإنسان قوّتين متضادّتين متصارعتين، وهما قوّة الخير وقوّة الشّرّ، وعلى المرء أن يعمل على تغذية قوى الخير، وإضعاف قوى الشّرّ، ولا يمكن إضعافها -بعد الاستعانة بالله عزّ وجلّ- إلّا بالاجتناب، فالمعصية تحفّز النّفس على تكرارها والاستمرار فيها، كما قيل: «إنّ المعصية تولّد المعصية»، فتبعد المرء عن ربّه، وتتعاظم قوى الشّرّ في نفسه، وفي ذلك حرمان من موارد الخيرات، وخير مثال على هذا خبر أخوة يوسف -عليه السّلام- الّذين عصوا ربّهم بحسدهم لأخيهم، فأساؤوا الظّنّ بأبيهم يعقوب النّبيّ -عليه السّلام-، ثمّ تمرّدوا على إرادة الله في اختيار أخيهم ليكون خليفة أبيه، وجرّهم ذلك إلى إضمار النّيّة على القتل، ثمّ ارتكبوا خطيئة رميه في الجبّ، ثمّ دفعتهم معصيتهم إلى الكذب للتّغطية على فعلتهم، فحرمهم الله تعالى نعمة التّوبة سنين كثيرة؛ هكذا نرى كيف أنّ معصية الحسد ولّدت وراءها سلسلة من المعاصي والذّنوب، أدّت إلى أن ران على قلوبهم فابتعدوا عن ربّهم وحُرموا النّعمة، ولا ننسى حال الذّلّ الّذي وقفوا موقفه أمام أهلهم وأمام أخيهم، ولا شكّ أمام أنفسهم. فإنّ المعاصي تورث الذّلّ … ولو أنّهم اجتنبوا شهوة نفوسهم ورغبتها بالجاه والسّلطان، واحترزوا من آفة الحسد لوفّروا عليهم كلّ ذلك؛ هذا مثال على الآفات الباطنة الّتي قد لا تختلف في نتائجها عن الآفات الظّاهرة الّتي هي شهوات جوارح البدن كالعين والأذن واليد … بل قد تكون مسبّبة لها دافعة إليها، فعصيان المرء لنفسه خير له من عصيانه لربّه، وكما قال مالك بن دينار -رضي الله عنه-:
رأيتُ الذّنوبَ تُميتُ القُلوبَ
وقــــد يـــورِثُ الــذُّلَّ إدمـــــــانُهـــا
وترْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلـــوبِ
وخيرٌ لِنـفـسِــــــــــكَ عِـصيـــانُهــــــا

ولا يفوتنا -ونحن بشر- أنّ كلّ ابن آدم خطّاء، وأنّنا لسنا معصومين عن الوقوع في معصية، ولكن على الإنسان أن ينوي الاجتناب ويسعى إليه، وأن يستعين بالله تعالى عليه «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (رواه البخاري ومسلم)، ﴿وَأَنَّ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النّجم 39)، ثمّ أن يكون له من نفسه على نفسه رقيبًا؛ فإذا فعل ذلك أعانه الله خير معين، فلا يقع في المعاصي وكبائر الآثام، وإذا غلبته نفسه بعد ذاك وارتكب ذنبًا، فقد فتح الغفّار لنا من رحمته باب التّوبة، فلنتنبّه حينها ونقبل على ربّنا بصدق، تائبين مخلصين.

الاكتساب

الاكتساب يعني الكسب والرّبح، إلّا أنّه يحمل معنى الجدّ والاجتهاد في العمل للوصول إلى ما تريد كسبه، أمّا الاكتساب كمصطلح فهو يعني الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، فأيّ عمل يعمله المرء ليجتلب النّفع لنفسه أو لغيره هو اكتساب، وكذلك أيّ عمل يعمله لدفع ضرر أو ردّ أذى.

ولا سبيل إلى اكتساب الخيرات، إلّا بإنماء طبائع الخير المركوزة في النّفس، وذلك بتغذيتها بذكر الله سبحانه والاستعانة به، وتدبّر تعاليم دينه الحنيف، وتحقيق جانب الاجتناب.

ويكون الاكتساب بعمل القلب وبعمل الجوارح؛ فعمل القلب يتحقّق بطيب النّيّة وحسن الظّنّ، وتدبّر آيات الله، والسّعي إلى التّغذّي بحقائقها، لتكون الأساس الّذي تبنى عليه أعمال الجوارح؛ أمّا عمل الجوارح فهو استخدامها فيما خلقت له، وبالطّرق الّذي رُسمت لها، فاللّسان خُلق ليشتغل بذكر الله تعالى، ولقول الحقّ والصّدق والكلمة الطّيّبة، والعين خلقت لترى الجمال -دون خيانة- معتبرة مسبّحة الخالق العظيم، ولقراءة كلّ ما يعود على صاحبها بالخير والرّضى، واليد خلقت لتكون ممدودة للخير والإحسان، ولكسب الرّزق الحلال …

وبمقارنة ما قلناه مع مفهوم الإحسان، حيث «إنّ من معاني الإحسان أنّه فعلُ ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل»، نجد أنّ الاكتساب لا يبتعد كثيرًا عن معنى الإحسان، إذ إنّ فعل الإحسان يجتلب النّفع والخيرات، وما من محسن يحبّ الضّرر لنفسه أو لغيره، بل يسعى إلى دفع الضّرر والأذى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

العلّامة السيّد هاني فحص:
النّموذج الاستثنائيّ لرجل الدّين العاقل والمُتسامح

لا أعتقد أنّ المؤسّسة الدّينيّة الإسلاميّة، في مذاهبها وتشكيلاتها كافّة، قد عرفت دائماً رجل دين جمع من الصّفات الدّينيّة والفكريّة، والإنسانيّة بعامّة، ما لا يجتمع في شخص واحد، ثمّ أضاف إليها شجاعة أدبيّة معنويّة قلّ نظيرها، تكلّلها فوق ذلك بسمة آسرة لم تفارق شفتيه؛ عنيت به سماحة العلاّمة السيّد هاني فحص.

باختصار أبدأ، ومن حيث كان يجب أن أنهي، لقد قرّب منّا الشّيخ هاني فحص صورة رجل الدّين، فجعلها طبيعيّة، مألوفة، محبّبة، بل وجاذبة ….. خصال آنَ لكثيرين أن يحلموا بشيء منها، فخدم الدّين عامداً كما لم يخدمه الكثيرون، وانضمّ من ثمّة إلى رعيل من المفكّرين، ورجال الدّين اللّبنانيّين المسلمين والمسيحيّين من الّذين كان يطيب لك أن تسمعهم، فكيف أن تلقاهم، وأن تتتلمذ على أفكارهم، بل على أخلاقهم الدّينيّة العمليّة في آنٍ معاً….. ولطالما قال المرحوم العلّامة الشّيخ محمّد مهدي شمس الدّين، صديق السّيد هاني فحص وزميله ورفيقه، إنّ الأخلاق العمليّة ركن من أركان الإسلام لا يقوم من دونها. رحم الله الشّيخ السيّد هاني فحص الّذي قدم وجهاً للإسلام عميقاً، محبّاً، ودوداً، رقيقاً، وشاعريّاً، في آن، فجعلنا نحبّ ونتعبّد، بل جعلنا نحبُّ حين نتعبّد… فإذا العبادة معه، صوت هادئ ينفذ إلى أغشية القلب والعقل، وإذا هي زهد وتقشّف، وتبصّر وحكمة، ومحبّة وعشق إلهييّن، يرفعانك عمّا هو آنيّ وعارض وظاهر وضيّق ومحدود، ليحلّقا بك في السّماوات العُلى نحو اللّامحدود واللاّمتناهي جمالاً وفضيلة وحقيقة.

هوذا بعض عالم السّيّد هاني فحص الدّيني الشفّاف الرّقيق والعميق في آنٍ معاً، بدأتُ به لأدلفَ من ثمّة إلى إسهامات السّيد فحص الأخرى الرّائدة والسّبّاقة في غير مجال سياسيّ وثقافيّ واجتماعيّ، وما اتّصل منها بما يجري عندنا وحولنا على وجه الخصوص.

بين تلك الإسهامات الكثيرة المعنيّة بما هو راهن ومُلِحٌّ وحرجٌ حتّى الثّمالة، اخترت نقطة واحدة وهي الثّقافة الأصيلة الّتي أسّس لها السيّد فحص في درء التّعصّب على أنواعه كافّة، وبهدف درء الفتنة بين أخوةِ الدّين الواحد، أو بين أخوة الأديان، كلّ الأديان، بل وأخوة الإنسانيّة جمعاء، متديّنين وغير مُتَديّنين، ولطالما ردّد السّيد فحص أنّي ربّما وجدت من هو من غير ديني أقرب إليّ ممّن هو في ديني، بل ربّما وجدت من القيم الإنسانيّة العمليّة في من لا دين ظاهر له، أكثر ممّا أجد لدى بعض من انتسب زوراً إلى هذا الدّين أو ذاك.

لله درُّك كم كنتَ عاقلاً، حكيماً، مثقّفاً، رحباً، مُنفتحاً، مُتسامحاً، يا سماحة السيّد فحص، وأنت المفكّرُ الدّيني في الأصل؛ فكنتَ المعلّم، والقدوة؛ ولو استهوتك أو رغبت بكلمات من مثل «القائد» ومشتقّاتها، لكانت طوعَ بنانِك وفي متناول يمينك ساعة شئت.

ولعلِّي لا أُخطئ حين أقول أنّك فضّلت القدوة على القائد، لعلمك اليقين أنّ كل قدوةٍ هو قائد بالمعنى الحقيقي للكلمة. هكذا كنت مع انتفاضة مُزارعي التّبغ، ومع المقاومين للعدوان الإسرائيليّ، وهكذا ستبقى لعقودٍ قادمةٍ، بينما يندرُ أن تجدَ قائداً هو قدوةٌ بحق – وبخاصّة حين يتلهّف ليكون كذلك، أو يُسعَدُ ليسمع ذلك، أو يرشو لشراء ذلك، أو يستبدّ ليصبح كذلك. لكنّ التّاريخ، أو المعيار الأخير للحقيقة، سرعان ما كان يخذل القادة العابرين المُدّعين المستبدّين أولئك، فيدفع بهم ومن دون تأخير إلى مهاوي النِّسيان كأنّهم ما كانوا ولا مرّوا ولا استبدّوا، فيما يستمرّ المعلّم المتواضع والقدوة الفذّة من نوع السيّد هاني فحص- وعلى خطى معلِّمين سابقين في كلّ الثّقافات – نبراساً يضيء الأفئدة قبل العقول، والبصائر قبل الأبصار، ومنارة ترشدُ إلى برّ الأمان حين تشتدّ العواصف، ويدلهمّ الليل وتغشى البصرَ حُجُبُ التّمذهب والتّمزّق والتّعصّب.
هوذا الدّور العقلاني، الحرّ والمنفتح والمتميّز، الّذي لعبه هاني فحص في فترة حرجة من تاريخ وطننا وحيداً يكاد، أو مع كوكبة معدودة جذّفت عكس التّيار الغريزي الرّجعي الّذي يأخذ أشكالاً شتّى من مثل التّمذهب الدّيني والتّعصب الحزبي، والانغلاق الثّقافي من هذه الجهة أو تلك.

ولو كانت المساحة المتاحة تسمح بشروحات أطول لبيّنت بالتّفصيل أنّ السيّد هاني فحص قد صاغ نظريّة كاملة حاولت أن تؤسّس لثقافة الانفتاح، على قواعد وأدلّة فيها قوّة المنطق وواقعيّة التّجربة اليوميّة العمليّة في آنٍ معاً. فلنقرأه مثلاً يمتدح التّنوّع، بل الاختلاف في الرّأي، وفي أنَّ الرّأي الواحد إلى زوال، يقول:
«لعلّها مُسَلّمةٌ في كلّ العلوم أنّ التّماثل أو البعدَ الواحد مُرادف للجمود والزّوال، من هنا يرتقي الاختلاف إلى مستوى الضّرورة للإبداع المعرفيّ والعملي.» (المسلمون، 25) لاحظوا معي قوله إنّ الاختلاف ليس مقبولاً فحسب، بل هو ضرورة للإبداع، كلّ إبداع! وأنتم تعرفون ولا شك أنّ الاختلاف يتضمّن التّباين والتّضاد والتّعارض والتّناقض والنّفي المُتبادل، بل وقابلية الخطأ، وعلم المنهجيّات يُثبتُ يوميّاً أنَّ الاختلاف ذاك، وكما كتب السّيّد، هو محرك للتّجديد والفاعليّة والإبداع.

السيد هاني فحص

ويزيد السّيّد مدماكاً آخر مثيراً إلى نظريّته المعرفيّة، مضمون المدماك الجديد هو أنّ كلّ مبالغة في الوحدة مآلها التّجزئة، يقول:
«إنَّ قَصْرَ التّعدّد على الوحدة المطلقة يؤدّي إلى مزيد من التّجزئة، « وحجته في ذلك أنّ دعوى امتلاك الحقيقة الكاملة في الدّين أو السّياسة تعني «أنّ الآخر باطل يجب احتواؤه أو إلغاؤه». ويكمل: «هذه الخلفيّة كانت قائمة ولا تزال وراء الرّؤى الشّموليّة، أي الأصوليّة القوميّة، والدّينيّة والشّيوعيّة والليبراليّة.» والنّتيجة الحتميّة لذلك، يخلص السيّد، هي الوصول إلى العنف، يقول: «هذه الإلغائيّة (..) تستلزم العنف في توحيد المتعدّد، أو ضمّه، على أساس أطروحة أحد الأطراف، والعنف المباشر (الجسدي) أو غير الجسدي (الفكري) قد يُنتج شكلاً وحدويّاً، ولكن بدل أن يُزيل الفوارق الطّبيعيّة يرشحها ويؤجّجها ريثما تنفجّر عُنفاً مُضاعَفاً في أوّل فرصة أو أزمة.»

هذه مُقدَّمات لنظريّة متماسكة أنّى طبقتها في السّياسة أو الاجتماع أو الثّقافة أو حتّى الدّين. وقد سحب السّيّد نظريته تلك على مسألة الوحدة الإسلاميّة على وجه التّخصيص، وخرج بنتيجة لم أقرأها عند سواه، يقول:
«وعلى هذا فإنَّنا إذ نعملُ على التّقريب بين المسلمين، لا نهدف إلى تحقيق الوحدة الشّاملة، لأنّ هذا يغري بعض العاملين بتسنين الشّيعة أو تشييع السُّنَّة أو تعريب الأكراد مثلاً، وكأنّ المذهبَ الآخرَ دين آخر، …. وإذا كانت الحريّة شرطاً إنسانيّاً وربّانيّاً فماذا نفعل بالّذين يتشبّثون بمعتقداتهم؟ وقد قال الله تعالى: «أفأنت تكرِهُ النّاس حتّى يكونوا مؤمنين» (يونس 99) ويختم السيّد:
«لقد احتاط الإسلام لهذا المسلك القاتل عندما جعل التّعدُّد والاختلاف في مصاف الإرادة التّكوينيّة، ودليلاً على حكمة المدبّر وحسن التّدبير إذ قال (ومن آياته خلقُ السموات والأرض واختلاف ألسنتِكُم وألوانِكُم إنّ في ذلك لآيةٍ للعالمين) (الروم 22).

لو كان هناك متّسَعٌ من وقت لاسترسلت في تبيان ملامح نظريّة السّيّد المتفرِّدة الصّياغة في وعيها لفرضيّتها ولتخطّيها اختبارات الصّدقية بنجاح. لكنّها مناسبة احتفاليّة لا تتّسع لأكثر ممّا عرضت، وربما أعود إليها تفصيلاً في ندوة أكثر تخصّصاً ووقتاً أيضاً.

في زمن مأزوم كهذا الّذي نعيشه، في بلدنا وفي بلاد المسلمين بعامّة، يا سماحة السيّد والشّيخ والمفكّر والإنسان والقدوة تبدو الحاجة إليك أعظم، وكذا إلى حكمتك ومحبّتك في آن معاً. وقد كانت لك الميزة الاستثنائيّة بامتلاكك الاثنَتين معاً: الحكمة والمحبّة؛ إذ ما قيمة الحكمة بلا محبّة، هي تغدو أقرب إلى الاستبداد؛ أمّا المحبّة فقيمةٌ نضرةٌ على الدّوام من دون قيد أو شرط. وفي اعتقادي أنّك جبلت بالمحبّة تلك كلّ ما كتبت، وفي كلّ باب، فجاء زهره عطراً، فوّاحاً، من شتول تبغ جبل عامل حيناً، ومن تفّاح جبل لبنان حيناً آخر، ومن سهوب قمح البقاع حيناً ثالثاً، ومن عرق الفلاحين والكادحين والمثقّفين وصغار المُنتجين والفقراء الّذين أحببتَ، في كل الأحايِين، فبادلوك حبّاً بحبْ، وها هم ما انفكوا، وسيبقون إلى أمد طويل، يرونَ إليك باعتبارك القدوة، أمّا القائد فمسألة ثانويّة.

 

التوازن الدقيق بين الأصالة والحداثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه الطيبين وعلى أنبياء الله الطاهرين

تسارعت الأحداث وتراكمت التطورات منذ سنة ونيِّف، وتوقفت «الضّحى» عن الصدور مؤقتاً لعدة أشهرٍ خلت، لأكثر من سببٍ وعائق، لكنَّ مواقعنا الإلكترونيّة لم تتوقّف عن المتابعة (متابعة الأحداث والتّحديات) يوماً بيوم، وساعةً بساعة، وقد أثقلناها، ربّما، بالكلمات والمواقف والرّسائل الملحّة والضّروريّة، وكلُّها أكّدت وما زالت تؤكِّد أنّنا حاضرون في قلب الحدث، ثابتون في مواجهة التّحدّيات، وحريصون على ثوابتنا الرّوحيّة والاجتماعيّة والوطنيّة.

ولكي نكون أكثر إنصافاً لمتابعي مجلة الضّحى ، وأوفياء لأهلنا في مختلف المناطق اللبنانية، وامتداداً من لبنان إلى سوريا وفلسطين والأردن وفي بلاد الانتشار الواسعة، فقد رأينا ورئاسة التحرير ضرورة التعويض عن الانقطاع في الفترة الماضية بإصدار كتاب خاص بعنوان «كلمات ومواقف»، يتضمّن ما تميّزت به تلك المرحلة الممتدة حتى صدور هذا العدد، ليوزَّع مجاناً على جميع المشتركين في المجلّة، على أمل أن تصدر كتبٌ أخرى لاحقة تكون بمثابة هدية الضّحى المفيدة للمشتركين وعموم القرَّاء.

لن يكون هذا الكتاب مجرّد تجميع للأحداث والمناسبات في ظلّ التّطوّرات الّتي شهدها الوطن اللّبناني خصوصاً و»بلاد الشام» عموماً، والّذي برز فيها اسم طائفة الموحّدين الدّروز كونها موجودة بحضورها الأصيل، ودورها المؤثّر في بلدان هذا المثلّث الجغرافي الحسّاس، وفي هذه المرحلة الدّقيقة من تاريخ المنطقة، بل هو محاولة حثيثة لتجسيد فهم أعمق للرّؤية الّتي نراها حول الهويّة، ومفهوم الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة، ومهمة الإصلاح والإنقاذ، ومحاولة النّهوض بالطّائفة والوطن في زمنٍ تتشابك فيه الخيوط السّياسيّة والاجتماعيّة، وتكتظُّ الأوضاعُ الإقليمية بالتّحوّلات الّتي تثير القلق، وتضع أمام الأجيال الجديدة أسئلة مصيريّة حول مسارات وطنهم وأمّتهم. تلك الكلمات والمواقف إن هي إلَّا أشعَّةٌ من فكر وشموعٌ من أمل نسعى من خلالها للإضاءة على المواقف الرّاسخة والقيم النّبيلة الّتي تجمع بين الالتزام الدّيني، والحسّ الاجتماعي، والوطني، والإنساني.

في كلّ صفحة من كتاب «كلمات ومواقف» يتجلّى دور المجلس المذهبي، وتبرز مواقف مشيخة العقل الدّاعية إلى الحوار والتّفاهم، والتّأكيد على وحدة موقف الطّائفة وحضورها الوطنيّ، بما تحمله من تراث أصيل، وما تتمتَّع به من إخلاص ومن قوّة في مواجهة محاولات تفكيك الوطن وزعزعته، وفي ذلك انعكاس للدّور الرّيادي الّذي تجسِّده القيادة السّياسيّة للطّائفة، والّذي نواكبه بإخلاص وإدراك لصياغة مواقف التّوازن الدقيق بين السّياسة والدّين، بين الرّوحانيّة والأصالة من جهة، والحداثة والتّطوّر من جهة أخرى، مؤكّدين على ثوابت الطّائفة الّتي تتبنّاها مشيخة العقل والقيادة الحكيمة، والمتمثّلة بمعالي الأستاذ وليد بك جنبلاط، وما يمتاز به من حكمة وإصالة، والّذي يتحمّل ومعه القيادات المعروفيّة الوطنيّة المسؤولة مهمّة العمل على بناء ما تهدّم، وإصلاح ما فسد، وإنقاذ ما تبقّى.

إنّها رحلة تأمّل وعمل في وطن تعصف فيه التّحدّيات، وتثقل كاهله الضّغوطات الدّاخليّة والخارجيّة، لكنّنا مؤمنون بأنّه قادر على البقاء بالحوار والتّفاهم بين جميع مكوّناته، وبقيام دولته السيِّدة المسؤولة، وبإرادة الإصلاح القويّة لدى أبنائه في مختلف جوانب الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بالرّغم من الظّروف المعقّدة والتّحدّيات الجسام الّتي واجهته في السّنوات الماضية، سواء أكانت على صعيد التّوتّرات المحليّة أم المواجهات الإقليميّة، إلّا أنّها شكّلت فرصة لإبراز مواقف التّضامن الثّابتة، وتجاوز التّحدّيات الآنيّة، ورسم ملامح الطّريق إلى مستقبلٍ زاهرٍ يتّسم بالاستقرار والتّقدم.

لقد أطلقنا عنوان «الشّراكة الرّوحية الوطنيّة»، لمواكبة مسيرة العهد الجديد، ليس تعبيراً عن صياغة طائفيّة لواقع البلاد، بل إطلاقاً لنداء يجمع اللّبنانيّين بمختلف أطيافهم، ليعلنوا معاً، وبصوت العقل والقلب، أنّه لا نجاة للبنان إلّا إذا تعاضدت فيه قوى المجتمع على مختلف مستوياتها الرّوحيّة والوطنيّة، لمحاربة الفساد، وتعزيز الدّيمقراطيّة، والحفاظ على سيادة الوطن، بعيداً عن كلّ مخطّطات التّذويب والتّحجيم والتّشويه والانغلاق أو الاستقطاب.

إنّنا نحاول استشراف المستقبل بالسّعي لتحقيق الأمن الاجتماعي والسّياسي للبنان وأبنائه، بما يمليه علينا واجبُنا الرّوحي، وما نمثّله من قيادة توحيديّة وطنيّة تعمل بصدق إلى جانب المرجعيّات الرّوحيّة الأخرى، وإلى جانب القيادة السّياسيّة المسؤولة، للمشاركة في مسيرة الإصلاح والإنقاذ وتغيير الواقع اللّبناني إلى الأفضل، معزّزين بذلك فكرة الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة الّتي تنبثق من إرث تاريخيّ عميق لتشكِّلَ مظلّةً واقية لتطلّعات اللّبنانيين نحو مستقبل زاهر ووطنٍ مستقرٍّ يسوده السّلامُ والازدهار.

لماذا كلّ هذه الموضوعات!

يسأل بعض أصدقائنا من قرّاء «الضّحى»، لماذا كلّ هذا الفقرات في العدد الواحد؛ وسط الصّعوبات العامّة والخاصّة المعروفة؟ ولماذا كلّ هذه الفقرات الرّوحية والفكريّة والتّاريخية والعلميّة على وجه التّحديد؟

وإجابتنا بسيطة ومباشرة: هذه هي «الضّحى».

فمنذ صدورها عن الأوقاف العامّة لطائفة الموحّدين الدّروز، بموجب الإجازة رقم 238 بتاريخ 6 أيار 1934، أخذت «الضّحى» على عاتقها رسالة التّوعية الرّوحية الصّافية، والوطنيّة الجامعة، والفكريّة الرّاقية؛ إدراكاً منها باحتياجاتِ وطنٍ تشكّل على صعوبات معروفة؛ ومن جماعاتٍ وأفرادٍ كانوا ولا يزالون بأمسّ الحاجةِ لمن، ولما، يمدّ بينهم جسورَ التّلاقي، والمحبّة، والثّقة المتبادلة.

وكان القيّمون على «الضّحى» يدركون، أبعد من ذلك، أنّ روابطَ العيشِ المشترك والمواطنة الحقّة لا تتحقّق بتوافر النّصوصِ الدّستورية والشّروطِ الماديّة فحسب؛ وإنّما أيضاً، وقبل أيّ شيء آخر، بـ»الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة» بين العائلات الرّوحية «التاريخيّة» الّتي تلاقت وعقدت الخناصر على إنجاح تجربة العيش الواحد في الوطن الصّغير – مساحةً جغرافيةً – العريق تاريخاً، والمؤتمنُ على فكرةِ حريّةِ الإيمان والمعتقد، وقبولِ الآخر لا نفيُه، والحقوقِ والواجباتِ المتساوية، والعمل معاً بالتّالي على إثبات فكرة أنّ الأوطان لا تبنى باللّون الواحد؛ أو المعتقد الواحد؛ أو بالغلبة – كما الكثير من المجتمعات الغربيّة – وإنّما، في الجوهر، بما أنعم الله على هذا الشّرق من وحدةٍ في المضمونِ والرّوح، وتنوّعٍ في الشّكل والممارسة؛ ما جعل الوطن الصّغير/ الكبير مختبراً واقعيّاً لترسيخ الإيمان باللّه، من جهة، ولقيم المواطنة من جهة أخرى؛ وترجمة ذلك في إرادة عيش اللّبنانيّين الواحد المشترك النّاجح، جماعاتٍ روحيّة، وأفراداً مواطنين؛ ونموذجاً يمكن استلهام معناه في البلدان ذات التّنوع الدّيني والثّقافي.

وبعد، فإنّ ما يكتنزه العدد هذا من موضوعات متنوّعة، غنيّة – كما سيرى القارئ – إنّما هو تأكيد متجدّد على جوهر رسالتنا، «الدين لله والوطن للجميع»، وترسيخها من خلال التّوعية الرّوحيّة، والوطنيّة، والتّاريخيّة، الجامعة الّتي التزمت بها «الضّحى» على الدّوام.

فك المس الأيديولوجي
في جدل خطاب الكراهيّة وانتهاج التطرف والعنف

د. عدنان الأحمد

كيف يمكن لنا أن نتجاوز هذه المعاناة المريرة المؤلمة؟ كيف يمكن لنا الوصل إلى قدر من الاتفاق والائتلاف بين النّاس لكي تتحقّقَ النجاةُ من مخاطر خطاب الكراهيّة؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا التّنوع الثّقافي أسرة واحدة تضمّ تحتها الإنسانيّة جمعاء؟

إنّ الحمولة الأيديولوجيّة من أهمّ ملامحها إلغاء الآخر، وهذا سببه بالدّرجة الأولى اليقينيّات الّتي تسيجها الأفكار الأيديولوجية.

إنّ ضبط الخطاب بكلّ أشكاله، ونبذ الكراهيّة، جزءٌ من معركة إنسانيّة واسعة ضدّ العنصريّة وكراهيّة الآخر المختلف، دينيًّا وثقافيًّا وعرقيًّا وسياسيًّا ووطنيًّا. إنّ نقل هذا الجدل إلى منصة حوار موضوعيّة تضمّ كلّ الأطراف هدف نبيل في بناء الوطن.

خطاب الكراهيّة يهدّد السّلم الأهلي، من هنا كان لزامًا علينا أن نؤسّس لوعي تواصلي، لوعي يؤمن بالرّأي والرّأي الآخر، وهذا لا يمكن أن يحصل دون تحرير الفرد من كل أنواع السّياقات المنغلقة. فمن أشدِ الأمراض فتكًا التّعصبُ الّذي يؤدّي إلى الكراهيّة، والّذي بدوره يؤدّي إلى نفي المختلف. والمتعصّب إن لم يكن مجرمًا قاتلًا فهو بالضّرورة مشروع مجرم وقاتل.

ضرورة البدء بالحوار والتّعاون والتّفاهم، من خلال المجتمع المدني والقيادات الدّينيّة المعتدلة، ووسائل إعلام وطنيّة من أجل نبذ التّطرف والوثوقيّة، وأن نجري مراجعات حادّة ومؤلمة لأدبيّاتنا ومنطلقاتنا وثقافتنا، وهذا يحتاج إلى تمرين ينبغي علينا أن نخضع أنفسنا له، هذا التمرينُ القائمُ على رفض النّظرة الأحاديّة والاعتراف بالآخر المختلف، فالجهل بالذّات وبالآخر يخيف كلّ طرف من الآخر. ولهذا فإنّ استبعاد ما يفرق من الحوار والاقتراب من المشترك كالقيم العليا بين الإسلام والمسيحية بما هما دينا رحمةٍ ومحبةٍ… الحوار الّذي يجعل باب المعرفة ممكنة، وباب التّفكير مفتوحًا، وعدم الاقتناع بالأنساق المغلقة الّتي لا تقبل النّسق المخالف، والانخراط في مشروع اكتساب المعرفة الحقّة. فثقافة الأجوبة روح عدميّة، إنّها روحٌ ميّتة غير مبدعة، ولا تعمل على بناء صروح جديدة للمعرفة، والذّات المبدعة الحرّة هي روح المشروع النّقدي، بل إنّها المؤشر اللّصيق بالرّوح الفلسفيّة. لذلك إنّ فتح المجال أمام هذه الرّوح يؤدّي إلى عقليّة منفتحة قابلة للنّمو، بعكس إغلاق النّوافذ أمامها، والّتي تؤدّي إلى عقليّة منغلقة دغمائيّة.

يجب علينا أن نحترم حقّ الاختلاف، أن نقرّ بأنّ هناك اختلافات بين النّاس بين المسلمين والمسيحيّين، بين المسلمين والمسلمين، بين المسيحيين والمسيحيّين، هذا الاختلاف يجب أن نحترمَه ولا يحاول أحد منّا إلغاءه أو احتكار الحقيقة، أو يقول إنّ الآخر مرفوض لأنّه مختلف. ولهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى المكاشفة والشّفافيّة، وأن نقدّم أنفسنا للآخر المختلف كما نحن، وأن نتعامل معه كما هو، وأن نبحث معًا عن مشترك. التّحدي هو أنّ الحوار يؤهّلنا جميعًا إلى المشاركة في رؤية ثقافة حقيقيّة حضاريّة إنسانيّة نشترك في إنتاجها معًا ونشتغل فيها معًا.

الخطاب الطّائفي توترٌ لا يعطي فرصة لحياة جديدة. الحوار وحده يوقظ هذه التّوترات، يعطي فرصةً أكبر لهذه المجتمعات لكي تأخذ مسارًا أفضل. وخطورة الحوار تقوم على فضح تلك المنظومة وفضّها. الحوار الهادئ الصّريح الحقيقي يمسّ مناطق مظلمة (تابوهات)، ويهدِم أصنام التّخلف والرّجعية والطّائفية الحاقدة العنيفة.

التّأكيد على أنّ الأوطان لا يمكن أن تقوم على أساس أكثريّة وأقليّة طائفيّة، بل على أساس هويّة وطنيّة مدنيّة يتساوى فيها الجميع أمام القانون على أساس مجتمع إنساني، يجعل من الاختلاف ثراءً في ظلّ الحريّة والدّيمقراطيّة والسّلام الأهلي.

تأهيل التّربية الأسريّة القائمة على زرع ثقافة المحبّة لدى الأجيال الجديدة القادمة، حيث إنّ تربية الأطفال الصّحيحة من قبل الأهل هي البذرة الأولى التي يجب أن نبدأ بها.

العمل على تغيير المناهج التّربويّة الّتي تعمل على أدلجة أفكار التّلامذة منذ التحاقهم بها، فالكثير من هذه المناهج تبثّ السّموم الطّائفيّة والتّفرقة الهادفة، وتعزيزِ خطابِ الكراهيّة على أساس الدّين، والعرق والطّائفة والمذهب.

يجب البدء بتعزيز ثقافة السّؤال، ضدّ كلّ من يمتلك أيديولوجيا يقينيّة دغمائيّة لا تقبل الشّك، والّذي يعتقد أن أفكاره ومعارفه هي ثوابت، وبالتّالي فالسّؤال بما هو فحص وتمحيص، لا بدّ له أن يزعزع هذه الثّوابت واليقينيّات. فالسّؤال خلخلة وهدم وإعادة تركيب وبناء لأفكار بمنطق عقلي، ومنهج نقدي، من أجل الكشف عن زيف اليقينيّات والثّقافة المسيطرة. هنا تتحوّل النّعم إلى مصدر ضعف بعدما كانت تعتبر مصدر قوّة. بهذا النّوع من الحوار نرغم من نحاورَه على أن يرى أفكاره هي أفكار متناقضة وليس يقينيّة وثابتة، ولهذا فحص أيّ موضوع من أجل نقده يحتاج إلى معرفة كافية.

تحويل النّسق الأيديولوجي إلى أسئلة مفتوحة لا حدود لها، السّؤال لا يراهن على الجواب، بل يحوّل الأجوبة ذاتها إلى أسئلة. إنّ عدمَ الاعترافِ بوجوب التّعامل مع الإجابات الجاهزة من حيث هي معرفةٌ قائمة وأزليّة هو ما يجعل السّؤال الفلسفي مرتبطًا بطابع تاريخاني.

إنّه نتيجةُ وعيٍ واضح بأهميّة استحضار البعد الزّمني للمعرفة، ولأنّ هذا البعدَ لا ينتهي، ويظلّ على الدّوام منفتحًا، فإنّ كلّ المعارفِ ملزمةٌ بالخضوع لحيويّة التّغيير والنّسبيّة.

السّؤال مشاغبة، وعدم استقرار، ودائم الانفتاح على كل طرح جديد، يربط المعرفة بالرّاهن والواقع، بعيدًا عن أي أجوبة معطاة سلفًا، وهذا ما ينفي الطّابع القدسي عن المعارف.

السّؤال الفلسفي يراهن على أنّ المعرفة لا ينبغي أبدًا أن تنتهي إلى نسق مغلق بأيّ وجه من الوجوه. وبالتّالي العمل على تقويض الجواب وإظهار تهاويه الذّاتي ممّا يمنح هذا السّؤال بعدًا تفكيكيًّا، هنا يلعب السّؤال دور القوّة التّدميريّة الّتي تفرض على الأنساق المغلقة أن تبحث على أسس بديلة وأقوى، ومن هنا فائدة هذا العنف الرّمزي الّذي يمارسه السّؤال في الإجهاز على السّياجات الدّغمائية المكبّلة بأسيجة أيديولوجية داخل الثّقافات.

بهذا التّوتّر الإيجابي، وهذا التّمرين القاسي الّذي ندعوه لحظات فضّ وتهاوٍ وتفكيك للخطاب، يسعى هذا الأخير للبحث عن أرضيّة أكثر جذريّة، وأكثر علميّة ومنطقيّة في تبرير وجودة فعاليّتة وحضوره الأخّاذ.

ختامًا، لا بدّ من تأسيس أفكارِنا بكيفيّةٍ جذريّةٍ تدشينيّة. فداخل الأيديولوجيا يوجد أجوبة جاهزة عن كلّ سؤال، أي أنّه لا أجوبة أخرى خارج النّسق العام للأيديولوجيا، ولهذا نشر ثقافة الرّأي والرّأي الآخر ضرورة حتميّة للخروج من هذه العزلة المفروضة من قبل هذا المقدّس. ففي السّؤالِ اكتشاف وفضّ التباسات المعرفة الجماعيّة، الّتي لا يتجاوز غرضها المصلحة الآنيّة لمجموعة أيديولوجيّة تسعى بكل قوة لبناء نسقٍ ومرجع مغلق.


العدد 42