الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

عباس افندي المصفي

في عالم الصحافة والأدب، هناك أسماء كثيرة لامعة حفرت في ذاكرة الزمن بأقلامها التي سطرت ملامح الفكر والسياسة، ولكن هناك أيضًا شخصيات ساهمت بقدر كبير في تشكيل هذا العالم، وإن لم تحظَ بشهرة واسعة.

من هؤلاء الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الأدب والصحافة، رغم ما شاب مسيرتهم من غربة، عباس أفندي المصفي. وُلد في لبنان عام ١٨٨٢، وشق طريقه إلى مصر ليُصبح جزءًا من الحركة الثقافية والفكرية التي شكلت وجدان الأمة العربية في بداية القرن العشرين. لم يكن صوته عاليًا في الزمان والمكان، لكن مقالاته كانت أشبه بشُعلة ضوء في فجر جديد؛ تستحق الوقوف عندها وتحليلها، لأنها كانت تلامس نبض الأمة وتُحلل الواقع السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وحكمة عميقة.

كان عباس أفندي المصفي أحد المنارات التي أضاءت طريق الفكر في فترة كانت تعج بالأحداث التاريخية العاصفة، فكان قلمُه يُنير دروب الصحافة، ويغذي العقول بنكهة أدبية صادقة ورؤية سياسية نافذة.

الميلاد والنشأة:

وُلد عباس أفندي المصفي في بلدة بعقلين، تلك البلدة التي تأخذ من جبل لبنان حضنًا لها وتغذيها بعبق التاريخ، في عام ١٨٨٢. نشأ في قلب بيئة جبلية خلّابة، حيث تمازجت الرياح الطيبة مع التراب الندي، وامتزجت أصوات العصافير مع زقزقة الفكر. في تلك البيئة، ترعرع قلب عباس على حب العلم.

بدأ دراسته في مدارس بلدته، ليكمل بعد ذلك دراسته الثانوية في مدرسة “الداودية” في عبيه، وهي مدرسة عريقة كانت بمثابة مرشد فكري للأجيال التي خَلَت. لكن طموحاته الفكرية كانت أبعد من أسوار البلدة، فانتقل إلى دمشق، في خطوة نحو تأصيل معرفته القانونية، حيث التحق بمكتب الحقوق بدمشق، الذي أتاح له فرصة التعرف على تيارات فكرية غزيرة كانت تزدهر في تلك الفترة. كانت دمشق، حينها، قبلة العلماء والمفكرين، المكان الذي جَمعَ بين سحر الماضي وزخمه.

الهجرة إلى مصر:

ومع بزوغ شمس عام ١٩٠٤، قرر عباس أفندي المصفي أن يفتح لنفسه آفاقًا جديدة، فهاجر إلى مصر. مصر، التي كانت في تلك الفترة تعيش حالة من التنوع الثقافي والإنفتاح على مختلف التيارات الفكرية. وصل المصفي إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت بمثابة معبر بين الشرق والغرب، حيث الهوى المصري الأصيل يلتقي مع الرياح الأوروبية العاتية. في هذه المدينة، وجد المصفي ضالته، فانتقل إلى الصحافة والأدب، وراح ينقش بأقلامه خواطره وتحليلاته السياسية.

الصحافة والأدب:

انغمس عباس أفندي المصفي في عوالم الصحافة سريعًا، فبدأ العمل في “الإيجيبيشيان جازيت”، تلك الجريدة التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية في الإسكندرية، وجاءت اللغة الإنجليزية التي كان يتقنها جسرًا له ليعبر عبره إلى الصحافة الأوروبية. لكن علاقته مع الصحافة لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت رحلة فكريّة فلسفية. كان يكتب، ليس فقط بما يراه، بل بما يشعر به من تعقيدات اللحظة السياسية والاجتماعية. وبدون توقف، انطلق في نشر مقالاته في جريدة “الأهرام”، التي تأسست عام ١٨٧٥، لتصبح لاحقًا من أهم الصحف في العالم العربي. كانت مقالاته دائمًا تُنير الطريق وتكشف الغموض عن الواقع السياسي.

المقالات والتحليل السياسي:

ولم يكن عباس أفندي المصفي كاتبًا يتبع الحروف والنقاط فحسب، بل كان يُجسد الحياة في كلماته. كانت مقالاته تتسم بجمالية اللغة وعمق التحليل، فكان يجمع بين الأدب والسياسة في مزيج فريد. في مقاله الشهير عن المعاهدة المصرية البريطانية، الذي نشره في ٣ سبتمبر ١٩٣٦ في “الأهرام”، استخدم المصفي أسلوبًا بلاغيًا ساخرًا، حيث قارن بين المعاهدة “الثريد” – أكلة بادية قديمة – التي تجمع “السويق” من هنا و”النار” من هناك، ليصف الحالة السياسية بين مصر وبريطانيا. فقد كان المصفي يرى في المعاهدة نوعًا من الخداع المستمر، حالة من الاتفاق غير المتكافئ، التي تُطعم الجياع بنصف الحقيقة وتغذي الساكنين في القصور بالنصف الآخر.في مقال آخر نشره في ٦ نيسان ١٩٣٧، تناول “الامتيازات الأجنبية” في مصر، مؤكدًا أن القضاء على الاحتلال البريطاني سيكون خطوة أولى نحو التحرر الحقيقي، وأن مصر يجب أن تتخلص من كل أعباء التبعية. كانت كلماته كالرعد، لا يترك أذنًا إلا وقد سمعت صوته.

 الحياة الشخصية والعائلية:

وفي عام ١٩١٠، عاد عباس أفندي إلى لبنان لفترة قصيرة بحثًا عن الحب في قلب الطائفة التي انحدر منها. تزوج من خانم محمد طليع من جديدة الشوف، وهي سيدة ذات مكانة اجتماعية متميزة. ومن ثم رزق المصفي بابنه الوحيد سامي، الذي سيصبح في المستقبل مديرًا للدائرة التجارية في شركة طيران الشرق الأوسط. لكن المصفي عانى مرارة فقدان أولاده الثلاثة، الذين رحلوا في سن مبكرة، ما شكل له حزنًا عميقًا لا يُمكن أن يُمحى. هذا الحزن كان يشبه الندبة التي لا تُشفى في قلبه، لكن في عزاءه، كان يلوح دائمًا بفكره وبقلمه، مستمرًا في إلهام من حوله.

المشاركة في الأحداث التاريخية الكبرى:

كان عباس أفندي المصفي شاهدًا حيًا على الثورة المصرية ١٩١٩، التي كانت محورية في تاريخ مصر. وقد كانت الإسكندرية أحد معاقل هذه الثورة، حيث التحم الشعب المصري في معركة تحرير وطنه. كان المصفي حاضرًا في تلك اللحظات الفارقة، يرصد التغيرات ويحمل على عاتقه مهمة توثيق هذه اللحظات، ليُبقيها حية في الذاكرة. وقد عاش أيضًا فترة الاستقلال المصري، وكان أحد الأسماء التي تابعت بحذر وتفكير عميق التغيرات الكبرى في البلاد، عبر حروفه التي كانت تُحلل الوضع السياسي بكل موضوعية، مستندًا إلى عقله الناقد وقدرته على فهم ما وراء الأحداث.

إرثه الأدبي والفكري:

عباس أفندي المصفي لم يكن مجرد كاتب أو صحفي، بل كان منارة فكرية، يكتب من أجل الوعي، ويلهم العقول. ورغم أن اسمه قد لا يكون مدونًا بحروف ضخمة في سجلات الأدب والصحافة، إلا أن تأثيره كان واضحًا من خلال مقالاته التي كانت تمزج بين الأدب والتحليل السياسي، وتقدم رؤية لمستقبل أكثر نضوجًا ووعيًا. كانت أفكاره تتجاوز حدود الصحافة التقليدية لتكون نبعًا للفكر العربي الذي يسعى لفهم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية في تلك الحقبة.

الخاتمة:

عباس أفندي المصفي كان شاعرًا للصحافة وأديبًا للسياسة، فقد كتب بعين المثقف وبقلب الوطني المخلص. ورغم أنه لم يكن في مصاف الأسماء الأكثر شهرة، إلا أن أثره الأدبي والسياسي لا يمكن إنكاره. كان قلمُه شاهدًا على أحداث الزمن، فكأنما كان يكتب بحروفٍ من دمٍ وأمل. وإن كان صوته قد تلاشى مع مرور الزمن، إلا أن صدى كلماته يبقى يتردد في عقولنا، كصوت أديب فكر بأدب وصحفي سرد الحقيقة بأمانة.


دور الحوار الأُسري في بناء أسرة ناجحة

الأُسرةُ لَيسَتْ مُجرَّدَ إطارٍ اجتماعيٍّ يَجمَعُ الأفرادَ في مَنزِلٍ واحِدٍ، بل هِي البِيئةُ الأُولى الَّتي يَتشكَّلُ فيها الوعي، وتُبنى فيها القِيَم، وتَتكوَّنُ فيها العَلاقاتُ الإنسانيّةُ الأساسيّة. وتَبقى الأُسرةُ ــ في عالَمٍ يَموجُ بالتّغيُّراتِ السَّريعةِ والتَّحدِّياتِ المُستمرَّة ــ المَلاذَ الأوَّلَ لِكُلِّ إنسان.

ولأجلِ أن تَكونَ هذه الأُسرةُ مَصدَرَ سَعادةٍ واستِقرارٍ، لا بُدَّ أن يُبنى التَّواصُلُ داخلَها على أساسٍ مَتين. ومِن أهمِّ رَكائِزِ استِقرارِ الأُسرةِ وتماسُكِها هو الحِوارُ الأُسَريّ؛ فكلَّما كانت قَنواتُ التَّواصُلِ مَفتوحةً بينَ أفرادِ الأُسرة، زادَتْ فُرَصُ التَّفاهمِ المُتبادَل، وقَلَّتِ الصِّراعات، وارتَفَعَتْ دَرَجاتُ الثِّقةِ والأمانِ في سبيلِ بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحة.

أمّا في غِيابِ الحِوار، فتَفقِدُ الأُسرةُ أهمَّ رَكائِزِها الأساسيّة، فيُفتَحُ بابٌ لِثَغَراتٍ وفُجُواتٍ تُولِّدُ تَباعدًا عاطفيًّا ووِجدانيًّا، ويُشيرُ ذلك إلى التَّفكُّك، مِمّا يَنعكِسُ سَلبًا على بِنَاءِ أُسرةٍ ناجِحةٍ وصالِحةٍ ومُتكيِّفةٍ مع المُجتَمع.

الحِوارُ لَيسَ مُجرَّدَ تَبادُلِ كلماتٍ وصِياغةِ جُمَلٍ، بل هوَ عَمَليّةُ تَواصُلٍ فاعِلةٌ عاطفيًّا وفِكريًّا ونَفسيًّا، تُشيرُ إلى نُضجٍ ووعي. ومِن خِلالِ الحِوارِ تَستطيعُ أفرادُ الأُسرةِ التَّعبيرَ عن مَشاعِرِها، والتَّعرُّفَ إلى احتياجاتِ ومَخاوِفِ كُلِّ فَردٍ، لِبِناءِ عَلاقاتٍ متماسِكةٍ وآمِنة، بَعيدةٍ عن التَّصدُّعِ والنِّزاعاتِ بطريقةٍ سَليمة.

أهميّةُ الحِوار داخل الأُسرة

في ظِلِّ التَّغييراتِ الَّتي يَشهَدُها عالَمُنا المُعاصِر، باتَت الأُسرةُ بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى تَعزيزِ وسائلِ التَّواصُل بينَ أفرادِها، ويأتي الحِوارُ الأُسَريّ كأداةٍ جَوهريّةٍ تَعملُ على:

1- بناءِ الثِّقة: حيثُ يَشعُرُ كُلُّ فَردٍ بأنَّ رَأيهِ مَسموعٌ ومَحلُّ تقدير، فتَتولَّدُ الثِّقةُ المُتبادَلة، ويُصبِحُ جَوُّ الأُسرةِ أكثرَ أمانًا وراحةً واطمئنانًا، يَستطيعُ مِن خِلالِه مواجهةَ الحياةِ بطريقةٍ إيجابيّة.

2- حلِّ المُشكلات بطريقةٍ سَليمة: غِيابُ الحِوارِ يُؤدّي غالبًا إلى تَفاقُمِ المُشكلاتِ وخَلقِ مَناخٍ مُتوتر، بينما يُساعِدُ الحِوارُ المَفتوحُ على فَهمِ الأسبابِ الحقيقيّةِ للخِلافات والوصولِ إلى حُلولٍ مُناسبةٍ تُرضي الجميع ولِصالحِ الأُسرة.

3- تَعزيزِ القِيَمِ التَّربويّة: مِن خِلالِ الحِوارِ، يُمكِنُ للوَالِدَين نَقلُ القِيَم والمبادئ الأخلاقيّةِ بطريقةٍ غيرِ مُباشِرةٍ ومحبَّبة، مِمّا يجعلُها أكثرَ قَبولًا لدى الأبناء، وتُصبِحُ عمليّةَ تَمسُّكٍ واقتِداءٍ بأدبيّاتِ المُجتمعِ المَرغوبةِ، والتَّحلّي بالمُثُلِ العُليا والأخلاقِ الفاضِلة.

4- تَنميةِ المَهاراتِ الإيجابيّة لَدى الأبناء: الأبناءُ الَّذين يَنشؤونَ في بِيئةٍ أُسَريّةٍ تَعتَمِدُ على الحِوارِ غالبًا ما يَملِكونَ مَهاراتٍ وأسلوبًا واعيًا في لُغةِ الحِوارِ والنِّقاش، وقدرةً على التَّعبيرِ بشَفافيّةٍ ومَنطِقيّة، فيَتكوَّنُ عِندَهم أسلوبُ حياةٍ ناجِحٍ يُساعِدُهم على مواجهةِ المَواقِفِ بِشجاعةٍ نابعةٍ مِن تَربيةٍ سَليمةٍ واحترامٍ لآراءِ الآخرين.

5- تعزيزِ الانتماءِ: الحِوارُ يُشعِرُ الأبناءَ بأنَّهم جُزءٌ أساسيٌّ مِن الأُسرة، لهم كِيانٌ مُستقِلّ، ولهم دَورٌ ورَأيٌّ ومَوقِفٌ يُؤخَذُ بالتَّقديرِ والاحترام، مِمّا يُشكِّلُ دَعمًا ومُساندةً بينَ الأفراد، خُصوصًا في الأزَماتِ والأحداثِ اليوميّةِ الَّتي تَعيشُها الأُسرة.

6- تعزيزِ الصِّحّةِ النَّفسيّة: المُشارَكةُ والاحتِواءُ والتَّعامُلُ بالمَودَّةِ يَمنَحُ الأُسرةَ تَوازُنًا عاطفيًّا واجتماعيًّا، ويُساهِمُ في تَحقيقِ السَّلامِ الدّاخِلي.

أنواعُ الحِوار الأُسَريّ

الحِوارُ اليوميّ العَفويّ: مِثلَ الحديثِ عن تَفاصيلِ اليوم، وهوَ يُوطِّدُ العَلاقاتِ بِطَريقةٍ غيرِ مُباشِرة.
الحِوارُ التَّربويّ: يَشمَلُ التَّوجيهَ والإرشادَ في مَواقِفَ تَحتاجُ إلى تَعليمٍ أو تَصحيحٍ أو تَعديلٍ لِبَعضِ الأفكارِ والمُعتقَدات.
الحِوارُ في الأزَمات: عِندَ حُدوثِ مُشكلةٍ أو أزمةٍ اقتصاديّةٍ أو اجتماعيّة، ويَهدِفُ إلى التَّفاهمِ وإيجادِ الحَلِّ المُناسِب.
الحِوارُ التَّفاعُليّ: حينَ يَشتَرِكُ الأهلُ والأبناءُ في اتِّخاذِ قَراراتٍ مَصيريّةٍ مِثلَ السَّفر، الارتِباط، أو اختِيارِ الجامعة.

مُعوِّقاتُ الحِوار الأُسَريّ

– الانشِغالُ الدَّائِمُ بالتِّكنولوجيا ووسائلِ التَّواصُل.
– الأسلوبُ السُّلطويّ في التَّربية الَّذي يَمنَعُ الأبناءَ مِن إبداءِ آرائِهم.
– الافتِقارُ إلى فَنِّ الاستِماع والإصغاء.
– الفُروقاتُ الفَرديّةُ والجِيليّة الَّتي تَحُدُّ مِن الانسِجام.

سُبُلُ تَعزيزِ الحِوار داخل الأُسرة

تَخصيصُ وَقتٍ مُنتَظَمٍ للجَلساتِ العائليّة.
تَشجيعُ الصَّراحةِ والانفِتاح دونَ أحكامٍ مُسبَقةٍ أو سُخرية.
الاستِماعُ الفاعِلُ والإصغاءُ الجادّ.
بِنَاءُ ثَقافةِ الحِوار مُنذُ الصِّغَر.

ثِمارُ الحِوار الأُسَريّ

أبناءٌ أقوياءُ نَفسيًّا، واثِقونَ بأنفُسِهم.
أُسرةٌ قادِرةٌ على تَجاوُزِ الخِلافاتِ بِأقلِّ خَسائِر.
تَرسِيخُ القِيَمِ ونُبلِ الأخلاق.

الحِوار الأُسَريّ في ضَوءِ دينِ التَّوحيد

إنَّ دينَ التَّوحيدِ في جَوهَرِه دَعوةٌ إلى الوَحدةِ والانسِجام، لا إلى الفُرقةِ والخِصام. وقد أرسَلَتِ الأديانُ السَّماويّةُ كافّةً قواعِدَ عَظيمةً تَرفعُ مِن شَأنِ الكَلمةِ الطَّيّبةِ، وتَحثُّ على الحِوارِ بالحِكمةِ والموعِظةِ الحَسَنة، سَواءٌ في شُؤونِ العَقيدةِ أو في تفاصيلِ الحياةِ اليوميّة، وعلى رَأسِها الحياةُ الأُسَريّة.

فالحِوارُ في الأُسرةِ لَيسَ خِيارًا تَرفيهيًّا، بل هو واجبٌ أخلاقيٌّ ودينيٌّ وإنسانيّ، يُساعِدُ الوالِدَين على حُسنِ التَّربية، ويُكسِبُ الأبناءَ قُدرةً على التَّعبيرِ عن آرائِهم بحُريّةٍ، ويَغرِسُ فيهم خُلقَ الاستِماعِ والتَّفهُّم. وقَد قالَ النبيُّ: «الكَلِمةُ الطَّيّبةُ صَدَقة»، فكيفَ إذا كانت هذه الكَلِمةُ بينَ الشَّريكَين أو بينَ الوالِدِ وولدِه؟ إنَّها صَدَقةٌ تُثمِرُ سَكينةً وتَبُثُّ في المَنزِلِ الرَّحمةَ والوُدّ.

وفي مُجتمعِنا الشَّرقيّ المُحافِظ، حيثُ لِلأُسرةِ مكانةٌ عَظيمة، يَجِبُ أن نُعيدَ الحِوارَ إلى مَنازِلِنا لا كترفٍ ثقافيٍّ، بل كجُزءٍ مِن العِبادةِ اليوميّةِ الَّتي تُرضي الخالِق، ونُحصِّنُ بها أبناءَنا مِن التَّشتّتِ والانغلاقِ والضَّياع.

فَلنَجعَلْ بُيوتَنا مَساحاتٍ آمِنةً للكَلِمةِ الصّادِقة، ولْنَعلَم أنَّ الحِوارَ لَيسَ ضُعفًا، بَل هُوَ حَضارةٌ ورُقيٌّ وبَصيرة.

وأخيرًا: اللَّهُمَّ اجعَل بُيوتَنا عامِرةً دافِئةً بالسَّكينة، قِوامُها المَحبَّةُ الَّتي تَصنَعُ المُعجِزات، ولُغَتُها الحِوار، ونورُها طاعتُك ورَجاؤُك.

العابد الموحِّد الزَّاهد الصحابيّ الجليل أبو ذر الغفاريّ

ذَكَرَتْ بَعْضُ الْمُدَوَّناتِ التَّوْحِيدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ ما اسْتَخْلَصَهُ وَاعْتَمَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الْأُصُولِ الْإِسْلَامِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ الْكِنَانِيُّ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَماءِ وَالزُّهَّادِ…»، وَأَنَّهُ ذَهَبَ بِعَقْلٍ رَجِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسِنِينَ مَذْهَبًا مُتَبَرِّئًا مِنْ تَوْسِيطِ الْأَوْثَانِ وَسِيلَةَ عِبَادَةٍ كَمَا فَعَلَتِ الْقَبائِلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ.

وَالْغِفَارِيُّونَ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ غِفَارَ مِنْ كِنَانَةَ، أَهْلُ بَادِيَةٍ، سَكَنُوا فِي مَنْطِقَةٍ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِيمَا بَعْدُ) وَوَادِي الصَّفْرَاءِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْحِجَازِ. وَكَانُوا عَلَى تَمَاسٍّ مَعَ خَطِّ سَيْرِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الطُّرُقِ التِّجَارِيَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانُوا «يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ» (ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ). عُرِفُوا بِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَدَأْبِهِمْ عَلَى مُنَاكَفَةِ بَعْضِ الْقَوَافِلِ الْمَكِّيَّةِ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهَا دُونَ الْتِزَامٍ بِأَعْرَافِ الْأَمَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتِّجَارَةِ، مَا يَعْنِي قِلَّةَ اكْتِرَاثٍ بِغَضَبِ قُرَيْشٍ عُمُومًا.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لِابْنِ أَخِيهِ كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ: «… صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي اللَّهُ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَر،ِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُونِيَ الشَّمْسُ»، كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِحَالِهِ بَعْدَ طُولِ الْمُجَاهَدَةِ فِي سَكِينَةِ اللَّيْلِ تَعَبُّدًا، فَكَأَنَّهُ ثَوْبٌ بَالٍ مُلْقًى مِنْ أَثَرِ اسْتِشْعَارِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَخُشُوعِهِ.

وَأَبْطَأَ أَخُوهُ أُنَيْسٌ فِي مَكَّةَ ذَاتَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: «مَا حَبَسَكَ؟»، قَالَ: «لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ». فَقَالَ: «اكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ». وَجَاءَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَشَهَّدَ وَرَأَى الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي». فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ»، أَرَادَ بِذَلِكَ الْوُقُوفَ أَمَامَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَى الرَّسُولِ دَعْوَتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُنَادِيًا بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِالشَّهَادَةِ، فَغَاظَهُمْ وَقَابَلُوهُ بِعُنْفٍ حَتَّى أَدْمَوْهُ وَأَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارَ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارَتِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟»، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا… فَـ«أَثَارَ غَضَبَ الْمُشْرِكِينَ» فَآذَوْهُ «حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ» كَمَا وَرَدَ بِمَعْنَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لَهُ: «فَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي خَرَجْتُ فَأْتِنِي» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)
يَجْمَعُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي «حِلِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ» فِي اِسْتِهْلَالِهِ الْحَدِيثِ عَنِ أَبِي ذَرٍّ الْمَنَاقِبَ الْأَثِيلَةَ الَّتِي مَيَّزَتْ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ الْفَذَّ، قَالَ: «الْعَابِدُ الزَّاهِدُ، الْقَانِتُ الْوَحِيدُ، رَابِعُ الْإِسْلَامِ، وَرَافِضُ الْأَزْلَامِ، قَبِلَ نُزُولَ الشَّرْعِ وَالْأَحْكَامِ، تَعَبَّدَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ بِالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ حَيَّا الرَّسُولَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَائِمَةُ الْلُوَّامِ، وَلا تُفْزِعُهُ سَطْوَةُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي عِلْمِ الْبَقَاءِ، وَثَبَتَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ، وَحَفِظَ الْعُهُودَ وَالْوَصَايَا، وَصَبَرَ عَلَى الْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَاعْتَزَلَ مُخَالَطَةَ الْبَرَايَا إِلَى أَنْ حَلَّ بِسَاحَةِ الْمَنَايَا، أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَدَمَ الرَّسُولَ، وَتَعَلَّمَ الْأُصُولَ، وَنَبَذَ الْفُضُولَ».

فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ

أَقْبَلَ أَبُو ذَرٍّ يَسْأَلُ عَنِ الرَّسُولِ «وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو مُتَخَفِّيًا» (الذَهَبِيُّ)، وَكَانَ «أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ»، وَأَصَابَ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ «رابِعُ الْإِسْلَامِ» لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَهُ «إِلَّا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ» (الطَّبْرِيُّ – وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّهُ كَانَ الْخَامِسَ). وَبَاتَ أَبُو ذَرٍّ «رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلاَزِمًا وَجَلِيسًا، وَعَلَى مُسَاءَلَتِهِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْهُ حَرِيصًا…» (حلية الأولياء). وَسَمِعَ مِنْهُ طَلَبَ الْعَوْدَةِ إِلَى دِيَارِهِ، فَعَادَ لِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْهُدَى، وَاسْتَجَابَ الْكَثِيرُ فِي الْبِدَايَاتِ، وَتَبِعَهُمْ الْبَاقُونَ لَاحِقًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غِفَارُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهَا» (الذَهَبِيُّ وَغَيْرُهُ).

وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى يَثْرِبَ، هَاجَرَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ وَلَازَمَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ (الذَهَبِيُّ). وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ شَارَكَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنَ الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوَاجَهَةِ زَحْفِ قَبِيلَتَيِ هَوْزَنَ وَثَقِيفَ نَحْوَ مَكَّةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ حَامِلَ رَايَةِ غِفَارَ» يَوْمَ ذَلِكَ.
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ فِي الْلِحَاقِ بِالرَّسُولِ إِلَى تَبُوكَ بَعْدَ أَنْ «أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ… فَأَخَذَ مُتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ مَاشِيًا…». وَحِينَ لَاحَ لِبَعْضِهِمْ قُدُومُهُ قَالَ الرَّسُولُ: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ!»، فَقَالُوا: «هُوَ أَبُو ذَرٍّ». فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» (الطَّبْرِيُّ). وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ مَضَى إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ لِمُوَاجَهَةِ الْجَيْشِ الْبِيزَنْطِيِّ، وَقَدِ ارْتَبَكَتْ تَحَالُفَاتُهُ وَاسْتُنزِفَتْ مَوَارِدُهُ فَتَرَاجَعَ دُونَ صِدَامٍ، وَكَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ الْغَزَوَاتِ.

كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْنَسُ بِأَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَرِمُهُ وَيُقَدِّرُهُ حَتَّى أَنَّهُ «كَانَ يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ» (حَدِيثٌ مَسْنُدٌ عَنِ أَبِي الدَّرْدَاء). وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ…». وَكَانَ ثَمَّةَ أَلْفَةٌ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِيدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَنَحْنُ نَتَمَاشَى جَمِيعًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ…» وَالْحَدِيثُ دَائِرٌ عَنْ «صُنْعِ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ، الْعَلِيمِ بِخَلْقِهِ» (الطَّبْرِيُّ). وَقَالَ فِي «الْحِلِيَّةِ» إِنَّهُ «كَانَ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ سُؤَالًا». وَلِأَبِي ذَرٍّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَرَدَتْ عَدِيدَةٌ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَة لِلْهِجْرَةِ

مَا إِنْ شَاعَ خَبَرُ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَدَاعَى بَعْضُهُمْ إِلَى «سَقِيفَةِ بِنِي سَعْدَةَ» وَكَانَ لِلْأَنْصَارِ رَأْيٌ فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَكَثُرَ الْلَغْطُ (الطَّبْرِيُّ). غَيْرَ أَنَّ الْأُمُورَ آلتْ إِلَى مُبَاَيَعَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ حُضُورِهِ وَمُؤَازَرَةِ عُمَرَ لَهُ. وَيَذْكُرُ الْيَعْقُوبِيُّ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الَّذِينَ «تَحَفَّظُوا» عَلَى الْأَمْرِ وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَمَحَطُّ مَوْقِفِهِمْ هُوَ غِيَابُ كِبَارٍ مِنْ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِمْ. غَيْرَ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ، وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّ الْأَمْرَ حَصَلَ قَبْلَ ذَلِكَ

وَكَانَ لِأَبِي ذَرٍّ مَقَامُ الْمُحَدِّثِ الصَّادِقِ، وَالْعَالِمِ الزَّاهِدِ الثَّابِتِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ. وَثَبَتَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ الرِّسَالَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْعَظِيمَةِ. وَيُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ سُلُوكِهِ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ، وَأَخْرَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، جَاءَ فِيهِ:
«أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.»

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ

فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، «فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ… وَفَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ (مَا فَرَضَهُ)، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، وَأَبَا ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ…» (الطَّبَرِي).
لَمْ يَشْهَدْ أَبُو ذَرٍّ بَدْرًا إِذْ كَانَ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ (وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ مِنْ مَعَارِكِ الْإِسْلَامِ الْفَاصِلَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُشْرِكِينَ). إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِأَهْلِ بَدْرٍ فِي الْعَطَايَا مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ دَلَالَةٌ عَلَى رِفْعَةِ قَدْرِهِ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَهُ.

وَقَدْ أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّ عُمَرَ «أَلْحَقَهُ مَعَ الْقُرَّاءِ»، وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَالْإِخْلَاصِ.. وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ مَالًا، وَيَصْدَعُ بِالْحَقِّ».

يُورِدُ الطُّبَرِيُّ فِي مُجْرَيَاتِ أَحْدَاثِ السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ خَبَرَ «فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». وَيَذْكُرُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ، وَرَآهُ بِهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ». وَكَانَتْ لِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ سَابِقَةٌ فِي «فَتْحِ الْجَابِيَةِ» بَعْدَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ فِي الْيَرْمُوكِ
وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ غَزَا مُعَاوِيَةُ (وَكَانَ آنَذَاكَ أَمِيرَ الشَّامِ) الصَّائِفَةَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ (الطَّبَرِي).

وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ تَمَّ «فَتْحُ قُبْرُسَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، غَزَاهَا بِأَمْرِ عُثْمَانَ (هُوَ عُثْمَانُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.. كَمَا وَرَدَ فِي الطَّبَرِي، وَلِلْوَاقِدِيِّ تَدْوِينٌ مُخْتَلِفٌ فِي تَحْدِيدِ السَّنَةِ). وَثَمَّةَ اتِّفَاقٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْوَاقِدِيِّ وَالطُّبَرِيِّ عَلَى مُشَارَكَةِ «جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ…» فِي هَذَا الْغَزْوِ الْبَحْرِيِّ.

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – حَتَّى وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ

إِنَّهَا حُقْبَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ أَنْ تَرَى مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَبَائِلِ – كَانَ الْعَالَمُ بِمُعْظَمِهِ مِنْ حَوْلِهَا بَوَادٍ وَقِفَار – أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى اجْتِيَاحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَعَلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْفَارِسِيَّةِ السَّاسَانِيَّةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَأَبْوَابِ إِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومِ الْبِيزَنْطِيِّينَ (الرُّومَانِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ) بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْيَرْمُوكِ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّه خِلَالَ مَا يُقَارِبُ رُبْعَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ.

وَكَانَ بِإِمْكَانِ الْخَلِيفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنْ يَرَى دَوْلَتَهُ بِحَجْمِ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ تَمْتَدُّ آفَاقُ جُغْرَافِيَّتِهَا وَإِمْكَانُ اتِّسَاعِهَا الْجَارِي مِنْ مِصْرَ وَالْمَدَى الْأَفْرِيقِيِّ الْمَفْتُوحِ إِلَى سَوَاحِلِ الْأَطْلَسِيِّ غَرْبًا، إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَالْمَدَى الْمَفْتُوحِ إِلَى أَقَاصِي الشَّرْقِ شَرْقًا.

«الْفُتُوحُ لَمْ تَقِفْ أَيَّامَ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا مَضَتْ فِي طَرِيقِهَا عَازِمَةً حَازِمَةً غَيْرَ مُتَرَدِّدَةٍ… وَكَانَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنَائِمِ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْفَاتِحُونَ مُسْتَقِرُّونَ فِي أَمْصَارِهِمْ، لَا يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ إِلَى الثَّغْرِ الَّذِي يَلِيهِ إِلَّا مَرَّةً كُلَّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ… فَهَذِهِ الْغَنَائِمُ إِذَنْ، وَفِيهَا الرَّقِيقُ، كَانَتْ تَثُوبُ مَعَ أَصْحَابِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، فَكَانَ عَدَدُ الرَّقِيقِ فِي ازْدِيَادٍ مُتَّصِلٍ… فَظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ طَبَقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ النَّاسِ، هِيَ طَبَقَةُ الْبْلُوتُوقْرَاطِيَّةِ، الَّتِي تَمْتَازُ إِلَى أَرِسْتُوقْرَاطِيَّتِهَا الَّتِي تَأْتِيهَا مِنَ الْمَوْلِدِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَضَخَامَةِ الثَّرَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ أَيْضًا…» (طَهْ حُسَيْن، الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى، عُثْمَان).

وَاسْتِخْدَامُ تَعْبِيرِ «بْلُوتُوقْرَاطِيَّا» مِنْ أَزْهَرِيٍّ قَدِيمٍ فِيهِ دَلَالَةٌ شَدِيدَةُ الْإِيحَاءِ عَلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ ذَاتُهُ «الِانْقِلَابَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْجَذْرِيَّ» الَّذِي حَدَثَ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَعْنِي «حُكْمَ أَصْحَابِ الثَّرَوَاتِ». وَقَدْ ذَكَرَ الْكَثِيرَ مِنَ التَّفَاصِيلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالثَّرَوَاتِ الْهَائِلَةِ الَّتِي حَقَّقَهَا بَعْضُ الْقَادَةِ وَغَيْرُهُمْ خِلَالَ تِلْكَ السِّنِينَ، وَتَرَتَّبَ عَنْهَا وُجُودُ «الْإِقْطَاعَاتِ الْكَبِيرَةِ الضَّخْمَةِ وَالضِّيَاعِ الْوَاسِعَةِ الْعَرِيضَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَنَشَأَ عَنْ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ جُلِبَتِ الْحَضَارَةُ جَلْبًا إِلَى الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، فَكَانَ التَّرَفُ…»، فِيمَا «عَاشَتْ طَبَقَةٌ أُخْرَى مِنَ الْعَرَبِ الْبَادِينَ الْمَحْرُومِينَ لَمْ تَمْلِكْ قَطُّ أَرْضًا…» .

كانَ عُثْمانُ قدْ أمَرَ أبا ذَرٍّ بأنْ «يَرْتَحِلَ إلى الشَّامِ فَيَلْحَقَ بِمُعاوِيَةَ» (الذَّهَبِيّ). وَيَتَبَيَّنُ مِمَّا وَرَدَ آنِفًا حُضُورُهُ في مَيادينِ وَقْعاتٍ تَأْرِيخِيَّةٍ خاضَتْها جُيُوشُ المُسْلِمِينَ. فَما كانَ أبو ذَرٍّ مُنْكَفِئًا في «وِعاءِ عِلْمِهِ وَزُهْدِهِ»، بَلْ كانَ شُجاعًا مُقْدامًا حَتّى أَنَّهُ خاضَ البَحْرَ في أَوَّلِ وُلُوجٍ لِلْمُسْلِمِينَ في عُبابِ الماءِ إلى قُبْرُصَ.

لَكِنَّ مَناقِبَ أَبي ذَرٍّ بَقِيَتْ راسِخَةً في ثَباتِ قَلْبِهِ عَلى ما هُوَ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَقَدْ كانَ – كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في «الاسْتِيعابِ»: «مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ الْمُبَرَّزِينَ في الزُّهْدِ وَالوَرَعِ وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ…». وَكانَ «يُحَدِّثُ بِالشَّامِ، فَاسْتَهْوى قُلُوبَ الرِّجالِ»، «فَإِذا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اجْتَمَعَ النّاسُ عَلَيْهِ، فَقالُوا: حَدِّثْنا…» (الذَّهَبِيّ).

وَمَعَ تَفاقُمِ مَشاهِدِ التَّداعِياتِ النّاتِجَةِ عَنِ «الانْقِلابِ الاجْتِماعِيِّ» في أَوْساطِ الْمُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ آنَذاكَ، اشْتَدَّتْ حِدَّةُ لَهْجَتِهِ حينَ رَأى انْغِماسًا في نَوافِلِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِما يَتَجاوَزُ الْحُدودَ الَّتي ما قامَتِ الشَّريعَةُ إِلّا لِتَرْسيخِها وَتَعْلِيمِها وَالأَخْذِ بِها، وَبِالأَخَصِّ مِنْها الاسْتِقامَةُ سَبيلًا إلى العَدْلِ الاجْتِماعِيِّ: ﴿كونوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ (النِّساء ١٣٥)، ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ﴾ (النَّحْل ٩٠)… وَتَحَقَّقَ بِيَقِينِهِ أَنَّ اسْتِشْراءَ تَراكُمِ الثَّرَوَاتِ في الظُّرُوفِ الَّتي يَشْهَدُها هُوَ سَبَبٌ أَساسيٌّ في تَعْميقِ الْهُوَّةِ الاجْتِماعِيَّةِ في زَمَنِ الْمَعْنَى الأَثِيلِ لِمَفْهُومِ «بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمِينَ» (بَيْتُ مالِ اللهِ – كَما كانَ يُسَمِّيهِ أبو ذَرٍّ) وَمَقاصِدِ عِلَّةِ وُجُودِهِ.

وَلافَ الصَّحابِيُّ الْجَليلُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ آياتِ اللهِ الَّتي حَقَّقَ مَعانيها في قَلْبِهِ، فَباتَ يُسَدِّدُ الْقَوْلَ بَلا مَجازٍ مُسْتَعينًا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ﴾.

سَأَلَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ أبا ذَرٍّ (لاحِقًا) قالَ: ما أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنا وَمُعاوِيَةُ في الآيَةِ ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ…﴾، وَقالَ مُعاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ الْكِتابِ، قالَ: فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فينا وَفيهِم. بَعْدَ ذَلِكَ، كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى عُثْمانَ: إنَّ أبا ذَرٍّ قَدْ أَعْضَلَ بِي… (بِمَعْنى ضاقَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْحِيَلُ)… فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمانُ: … جَهِّزْ أبا ذَرٍّ إلَيَّ… فَأَتى إلَيْهِ وَقالَ: مالُ اللهِ، وَلا يَنْبَغي لِلْأَغْنِياءِ أَنْ يَقْتَنُوا مالًا… فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ، عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ ما عَلَيَّ، وَآخُذَ ما عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَلا أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ… فَاسْتَأْذَنَهُ، وَقالَ: فَإنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ لِي بِدارٍ؟… فَخَرَجَ حتّى نَزَلَ الرَّبَذَةَ، فَخَطَّ بِها مَسْجِدًا… (ابْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرِيّ).

وَتَخْتَلِطُ الْأَخْبارُ في الْمَصادِرِ بَيْنَ أَنَّ الْأَمْرَ كانَ خِيارَ أَبي ذَرٍّ وَبَيْنَ أَنَّهُ كانَ النَّفْيَ. في كُلِّ حالٍ، كانَتِ الرَّبَذَةُ «مُسْتَوْطَنَةً صَحْراوِيَّةً مَعْزُولَةً تَبْعُدُ حَوالَيْ ١٢٥ ميلًا شَمالَ شَرْقِ مَكَّةَ. وَكانَ الْخَليفَةُ يَعْلَمُ أَنَّ الظُّرُوفَ في هذا الْمَنْفَى الْكَئِيبِ سَتَكُونُ صَعْبَةً، فَأَرْسَلَ لَهُ عُمُلاتٍ ذَهَبِيَّةً… فَأَعادَها أبو ذَرٍّ عَلَى الْفَوْرِ…» (Baker: Justice in Islam). وَيَجْعَلُ بَيْكَرْ مِنْ هذا الْأَمْرِ مِثالًا عَلَى «مَوْقِفٍ لاعُنْفِيٍّ»، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ في الرُّوحِ يُقَدِّمُها الإسْلامُ أَمْثُولَةً لِتَفَوُّقِ مَفْهُومِ «الْقِيَمِ» عَلى أَيِّ أَمْرٍ آخَرَ.

مَضى أَبو ذَرٍّ إلى الرَّبَذَةِ وَلِسانُ حالِهِ ما قالَهُ أَمامَهُمْ: «لا حاجَةَ لي في دُنْياكُمْ» (ابْنُ سَعْدٍ)، وَقالَ: «دُنْياكُمْ فَاعْذِمُوها، وَدَعُونا وَرَبَّنا» (الذَّهَبِيّ). وَالْمَعْنى الْأَقْرَبُ إلى رُوحِيَّةِ الْعِبارَةِ هُوَ: «خُذُوا دُنْياكُمْ بِالْعَضِّ وَالْأَكْلِ بِجَفاءٍ – وَهُوَ مَعْنى «الْعَذْمِ» -، وَدَعُونا نَخْلُو إلى سَكِينَةِ الْمَعْنى في مَكْنُونِ الآياتِ».

وَقَدْ قالَ عَلِيٌّ (ع) عَنْ أَبي ذَرٍّ: إنَّهُ «وَعى عِلْمًا عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ». وَكانَ أبو ذَرٍّ – كَما كانَ يُحَدِّثُ -: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَلَما ساغَ لَكُمُ الطَّعامُ وَالشَّرابُ…»، «يا أَيُّهَا النّاسُ إنِّي لَكُمْ ناصِحٌ، إنِّي عَلَيْكُمْ شَفيقٌ». وَقِيلَ عَنْ أَبي ذَرٍّ إنَّهُ «أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ في عِلْمِ الْبَقاءِ وَالْفَناءِ»، وَالْبَقاءُ عِنْدَهُ هُوَ التَّحَقُّقُ في مَعاني الرِّسالَةِ الإِلَهِيَّةِ اسْتِشْعارًا وَسُلُوكًا وَمَوْقِفًا في الْحَياةِ، فَأَمَّا الْفَناءُ فَهُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ نُورِ الْهُدى وَاسْتِهْلاكُ النَّفْسِ في جائِحاتِ الْهَوى.

كانَتِ الرَّبَذَةُ لِأَبي ذَرٍّ فُرْصَةً لِوَحْدَةٍ أَحَبَّها لِأَنَّها تَصِلُهُ بِإشاراتِ الحَقِّ. وَكانَ ابْنُ مَسْعودٍ ذاتَ يَوْمٍ مُقْبِلًا مِنَ الْمَدينَةِ إلى الْكُوفَةِ، فَدُعِيَ إلى الصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَنْ هذا؟ قيلَ: أَبو ذَرٍّ. فَبَكَى طَويلًا، وَقالَ: أَخي وَخَليلي، عاشَ وَحْدَهُ، وَماتَ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، طُوبى لَهُ.

وَكانَتْ وَفاتُهُ بِالرَّبَذَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثينَ، وَصَلّى عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ).


عروس تُزفّ إلى عريسها من المختارة إلى حاصبيا
فلا تمرُّ إلَّا في أرض زوجها وأبيها

لِلذِّكْرَى، وَلِلتَّذْكِيرِ، وَلِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ. وَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ لَا يَرُوقُ لِلْبَعْضِ سَمَاعُهُ، إِلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْوَاقِعَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَا وَيُدَوَّنَا.

مُنْتَصَفَ الْعَقْدِ الثَّانِي مِنْ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، رَغِبَ زَعِيمُ وَادِي التَّيْمِ الْجَنُوبِيِّ آنَذَاكَ، الْوَجِيهُ سَلِيمُ بَكْ شَمْس، فِي زِفَافِ وَلَدِهِ طَاهِرٍ مِنْ زُهَيَّةَ ابْنَةِ نَجِيبَ بَكْ جُنْبُلَاط، زَعِيمِ الشُّوفِ وَسَيِّدِ الْمُخْتَارَةِ.

أُعِدَّتِ الْعُدَّةُ لِذَلِكَ الْفَرَحِ الْكَبِيرِ، فَالْوَقْتُ صَيْفًا، وَالنَّاسُ جَنَوْا الْمَوَاسِمَ وَمُلِئَتِ الْكَوَايِرُ وَالْجِرَارُ، وَتَلْبِيَةُ دَعْوَةِ الْكِبَارِ وَاجِبٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى مَنْ هُمْ أَسْيَادُ الْأَرْضِ وَحُمَاةُ الدَّارِ وَالْجَارِ.

الدَّعْوَةُ وُجِّهَتْ لِلْجَمِيعِ، كِبَارًا وَصِغَارًا، فُرْسَانًا وَمُشَاةً، وَالْوَفْدُ يَزْدَادُ عَدَدُهُ كُلَّمَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ انْضَمَّ إِلَيْهِ شُيُوخُهَا وَشُبَّانُهَا حَتَّى كَانَ عَدَدُهُ بِالْمِئَاتِ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى قَصْرِ الْمُخْتَارَةِ مَنْزِلِ وَالِدِ الْعَرُوسِ.

بَقِيَتِ الْأَفْرَاحُ عَامِرَةً زَاهِرَةً نَحْوَ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَالْكُلُّ مُمْتَلِئُونَ فَرَحًا وَمَرَحًا وَغِبْطَةً وَتَكْرِيمًا، بِحَيْثُ غَصَّتِ الْبَاحَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ وَالْخَارِجِيَّةُ بِحَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ وَلَعْبِ السَّيْفِ وَالتُّرْسِ، وَنُصِبَتْ مَيَادِينُ الْخَيْلِ، وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ.

حَدَّثَنِي عَنْ هَذَا الْفَرَحِ رَجُلٌ غَيَّبَهُ الْمَوْتُ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، مِنْ بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ، بَعْدَمَا عَاشَ الْعُمْرَ بِكَامِلِهِ قَائِلًا:
«كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دُعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى جَلْبِ الْعَرُوسِ، جَدِّي لِأُمِّي، نِقُولَا عَبْدُ اللهِ الْخُورِيُّ، شَاعِرُ الْفَرْدِيسِ وَالْمِنْطَقَةِ آنَذَاكَ، لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ كَانَتْ لَا تَتِمُّ الْأَفْرَاحُ إِلَّا بِحُضُورِهِ فَهُوَ سَيِّدُهَا وَشَاعِرُهَا، وَلِلْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَلَمُهَا وَقُيْدُومُهَا.

الْمَعْرُوفُ سَابِقًا، أَنَّ حَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ، كَانَتْ لِكُلِّ جِنْسٍ يُقَامُ بِمُفْرَدِهِ. فَالرِّجَالُ تَغُصُّ بِهِمْ بَاحَاتُ الْقَصْرِ الْخَارِجِيَّةُ وَجَنَائِنُهُ، وَالنِّسَاءُ مَلَأْنَ الْقَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ. وَالْكُلُّ يَتَبَارَوْنَ رَقْصًا وَدَبْكَةً وَغِنَاءً وَحُدَاءً، وَسَيِّدُ ذَلِكَ كُلِّهِ، الزَّجَلُ وَالشِّعْرُ وَالتَّبَارِي بِهِمَا.


سَيِّدُ أَسْيَادِ الشُّعَرَاءِ الْمَوْجُودِينَ هُنَالِكَ، كَانَ شَاعِرَ الْفَرْدِيسِ وَمُخْتَارَهَا نِقُولَا الْخُورِيُّ، مِنْ حَيْثُ بَلَاغَةِ شِعْرِهِ وَتَنْظِيمِ فِرْقَتِهِ الْمُرَافِقَةِ لَهُ. وَلِلزَّجَلِ مَعَ الدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ، آنَذَاكَ، لَا يُوَازِيهَا أَوْ يُشَابِهُهَا فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ أَيُّ فِرْقَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ مَهْمَا عَلَا تَنْظِيمُهَا وَتَحْدِيثُهَا. لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ بِهِ إِذَا الْأُذُنُ عَشِقَتْ، فَالْجِسْمُ بِأَكْمَلِهِ أَصْبَحَ رَهِينًا لَهُ جَذَلًا وَنَشْوَةً. هَذَا مَا أَصَابَ الْجَمِيعَ حِيَالَ سَمَاعِ قَوْلِ شَاعِرِ الْفَرْدِيسِ وَفِرْقَتِهِ، مِمَّا حَدَا فِي النِّهَايَةِ بِوَالِدَةِ الْعَرُوسِ وَأَنْجَالِهَا، عَلِيٍّ وَفُؤَادٍ، وَالِدِ الزَّعِيمِ كَمَالِ جُنْبُلَاط، إِلَى اسْتِدْعَائِهِ لِلْغِنَاءِ وَالْقَوْلِ أَمَامَهَا وَبَيْنَ الصَّبَايَا وَهُنَّ يَتَمَايَلْنَ بِخُصُورِهِنَّ رَقْصًا، وَبِأَصْوَاتِهِنَّ شَدْوًا.

فَكَانَتْ لَهُ قَصِيدَةٌ زَجَلِيَّةٌ طَوِيلَةٌ يَفُوقُ عَدَدُ أَبْيَاتِهَا عَنْ مِئَةِ بَيْتٍ، تُوِّجَ مَطْلَعُهَا بِقَوْلِهِ:

يَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ
اَللهْ يُخَلِّي لِكْ هِنَّهْ هَالْجُوزْ مِثْلِ الْقَمَارَةْ
أَنَا شَاعِرْ مِنْ الْفَرْدِيسْ هَزّْلِي الشُّوقْ سْرِيرِي
بِقَدِّسْ هَالدِّيرَةْ تَقْدِيسْ الْلِي مِثْلَهَا مَا خُلِقْ دِيرَةْ
أَسَّسْنَا الْأُلْفَةْ تَأْسِيسْ وَعِنَّا لَوْ سَأَلْتُوا الْجِيرَةْ
عِشْنَا زَنْبَقْ عَمْبِيَمِيسْ سُنَّةْ وَدْرُوزْ وَنَصَارَى
وَيَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ

بَعْدَ فَرَاغِ الشَّاعِرِ مِنْ إِنْشَادِ قَصِيدَتِهِ، قَلَّدَتْهُ وَالِدَةُ الْعَرُوسِ عَبَاءَةً وَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ نَجْلُهَا فُؤَادٌ، بَقِيَتْ بِحَوْزَتِهِ يُفَاخِرُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَهَا فِي خِزَانَةٍ زُجَاجِيَّةٍ زُيِّنَ بِهَا صَدْرُ مَنْزِلِهِ. لَكِنْ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَتَوَجُّهِ أَوْلَادِهِ نَحْوَ الْمَهْجَرِ، انْتَقَلَتْ إِلَى بَيْتِ حَفِيدِهِ فِي بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ لِتَضِيعَ أَوْ تُهْمَلَ فِيمَا بَعْدُ.

عِنْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ مَرَاسِمِ الْأَفْرَاحِ، نَهَضَ الْمَوْكِبُ صَبَاحًا إِلَى سَهْلِ بِسْرِي، فَإِلَى قُرَى وَادِي جَزِّينَ، فَإِلَى عَيْنِ مَجْدَلِي، ثُمَّ كَفْرِحُونَةَ، فَوُصُولًا حَتَّى الْقَطْرَانَةِ. وَجَمِيعُهَا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ آلَ جُنْبُلَاط، وَالِدِ الْعَرُوسِ.

بَعْدَهَا انْتَقَلَ الْوَفْدُ عَبْرَ طَرِيقِ مَزْرَعَةِ حُورْتَا، فَإِلَى بَرْغُزَ، ثُمَّ كَوْكَبَا، فَوُصُولًا إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا فِي حَاصِبَيَا، وَهَذِهِ أَيْضًا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ زَوْجَهَا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ مَزْرَعَةَ حُورْتَا كَانَ قَدَّمَهَا جَدُّهَا لِأَبِيهَا، الشَّيْخُ بَشِيرُ جُنْبُلَاط، إِلَى جَدِّ عَرِيسِهَا، الشَّيْخِ خَلِيلِ شَمْسٍ بَعْدَ اقْتِرَانِهِ بِابْنَتِهِ السِّتِّ أُمِّ عَلِيٍّ نَايِفَةَ جُنْبُلَاط شَمْسٍ.
وَهَكَذَا صَحَّ الْقَوْلُ:
«عَرُوسٌ تُزَفُّ مِنْ الْمُخْتَارَةِ إِلَى حَاصِبَيَا، فَلَا تَمُرُّ إِلَّا فِي أَرْضِ زَوْجِهَا وَأَبِيهَا»

غزوة العصر

آخِرَ ما كُنّا نَوَدُّ كتابتَهُ في «الضحى»، كتبناهُ فِعلاً في هذا العدد!
إذْ كَيفَ تَكتُبُ عن السُّوَيْداء «الشَّهيدة»؟
كَيْفَ تَكتُبُ عن «غَزْوَةِ العَصْر»؟!
كَيْفَ تَكتُبُ عن مَدَنيِّينَ عُزَّلٍ، لا نَاقَةَ لَهُم ولا جَمَلَ، قُتِلوا ظُلْماً بِدَمٍ بارِدٍ، وَبِرَصاصٍ كانَ يَجِبُ أنْ تَكونَ وِجْهَتُهُ غَزَّةَ، لا السُّوَيْداءَ!
… عَنْ أطْفالٍ في عُمُرِ الوَرْدِ رُمِيْن عنِ الشُّرُفاتِ،
أوْ أُجْبِرْنَ على السَّيْرِ وَسْطَ دِماءِ جُثَثِ والِدِيهِم،
أوْ عَنْ حَرائِرَ لَمْ تَتَلَطَّخْ مَناديلُهُنَّ البِيضُ في ألْفِ سَنَةٍ!

كَيْفَ تَكتُبُ عَمَّنْ آوَيْتَهُ لاجِئاً، وَكَسَوْتَهُ عارِياً، وَأطْعَمْتَهُ جائِعاً، وَطَمْأَنَّتَهُ خائِفاً، ثُمَّ اسْتَلَّ في غَفْلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ سِكِّينَهُ لِيَطْعَنَكَ في قَلْبِكَ، وَيُحْرِقَ بَيْتَكَ، وَيَجْعَلَ لَحْمَ جَسَدِكَ وَعائِلَتِكَ وَجِيرانِكَ لِلْوُحُوشِ!

كَيْفَ يُطْلِقُ الدّاعِشِيُّ الرَّصاصَ على الأطْفالِ وَالنِّساءِ وَكِبارِ السِّنِّ وَهُوَ يَصْرُخُ «اللهُ أكْبَرُ»؟!

ألا يَخْشى غَضَبَ اللهِ النّاظِرَ الشّاهِدَ على الجَرائِمِ غَيْرِ المَسْبُوقَةِ تِلْكَ؟!
ألا يَخْشى غَضَبَ رَسُولِ اللهِ الَّذي رَفَضَ رَجْمَ حتّى الزّانِيَةِ تارِكاً أمْرَها لِرَبِّها يَوْمَ القِيامَةِ وَالحِسابِ؟!
لا نَمْلِكُ في «الضحى» كَلِماتٍ كافِيَةً نُواسي بِها العائِلاتِ المَفْجُوعَةَ، وَالأطْفالَ الَّذينَ باتُوا يَتامى، وَأبْناءَ النِّساءِ اللَّواتِي اخْتَطَفَهُنَّ الغُزاةُ، قُسَاةُ القُلُوبِ، كَما في عادَاتِ الوَثَنِيِّينَ في الجاهِلِيَّةِ، وَغَزْوَةِ المَغُولِ لِبَغْدادَ!
لَمْ يُنْقَلْ عن جُنْدِيٍّ إسْرائيلِيٍّ (يَهُودِيٍّ) واحِدٍ أنَّهُ اغْتَصَبَ امْرَأَةً في غَزَّةَ أوِ الضِّفَّةِ؛ فَمَنِ الكافِرُ وَالمُشْرِكُ وَعَلى ضَلالٍ مُبِينٍ، المُنْتَهِكُ أعْراضَ النِّساءِ فُجُوراً وَفَساداً وَجاهِلِيَّةً؟! أيَهُودِيُّ غَزَّةَ أمِ المُجْرِمُونَ الوُحُوشُ في «غَزْوَةِ السُّوَيْداءِ»؟!
لَمْ تَعْرِفُوا «الرَّحْمَةَ» في حالَةٍ واحِدَةٍ، أوْ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، وَالإسْلامُ دِينُ الرَّحْمَةِ!

الإسْلامُ بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَالشَّهامَةُ العَرَبِيَّةُ بَرَاءٌ مِنْكُمْ؛ فَما أنْتُمْ إلّا وُحُوشٌ عاشَتْ في الكُهُوفِ وَتَحْتَ الأرْضِ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ في اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ لِتَغْدُرَ بِأحْرارٍ آمِنِين في بُيُوتِهِم، كانُوا فَدَوا سُورْيا العَرَبِيَّةَ الواحِدَةَ بِالمُهَجِ وَالأرْواحِ!
وَمَعَ ذلِكَ فَإجْرامُكُمْ، الَّذي نَسَبْتُمُوهُ زُوراً لِلإسْلامِ الحَنِيفِ، لَنْ يُخْرِجَنا مِنْ إسْلامِنا الَّذي نَشَأْنا عَلَيْهِ، وَعِشْنا وَقَضَيْنا فِيهِ؛ وَلا مِنْ قِيَمِنا وَشَهامَتِنا العَرَبِيَّةِ الَّتي جَعَلَتْنا لَدَى القاصِي وَالدّانِي «بَني مَعْرُوفٍ»!

وَسَنَبْقَى بِإذْنِ اللهِ كَذلِكَ، عُرُوبِيِّينَ النَّسَب، مُسْلِمِي الإيمانِ وَالمُعْتَقَدِ، مُوَحِّدِينَ في كُلِّ الأحْوالِ لِرَبِّ العالَمِينَ، مَبْدَأَنا وَمُنْتَهانا؛ مُسْتَقَرُّنا وَرَجاءنا في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

السُّويداء المنكوبة
انتهاكاتٌ... حِصارٌ ومسْتقبلٌ مَجهول!

السُّوَيْداءُ… نِسْبَةً لِحِجارَتِها البازَلْتِيَّةِ السَّوْداءِ، هِيَ جَبَلُ الرَّيَّانِ فِي العَصْرِ الإِسْلامِيِّ لِخُصُوبَةِ أَرْضِها وَكَثْرَةِ المِياهِ، وَلَكِنْ مُنْذُ 12 تَمُّوز/يُولْيُو 2025، بَدَأَتْ مِحْنَةُ المُحافَظَةِ وَالمُسْتَمِرَّةُ حَتَّى الآنَ، لِتَبْدَأَ سِلْسِلَةٌ مِنَ الأَحْداثِ المَقِيتَةِ، وُصُولًا إِلى اِعْتِداءاتٍ دامِيَةٍ وَاِنْتِهاكاتٍ بِحَقِّ المَدَنِيِّينَ العُزَّلِ مِنْ قَتْلٍ وَاِغْتِصابٍ، وَنَهْبٍ وَحَرْقٍ لِلْبُيُوتِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالمَحَلَّاتِ التِّجارِيَّةِ، وَاعْتِداءاتٍ عَلَى الطَّواقِمِ الطِّبِّيَّةِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ، وُصُولًا لِمَوْجَةِ نُزُوحٍ مِنْ حَوالَيْ 37 قَرْيَةً دُمِّرَتْ بِالكامِلِ، تَزامُنًا مَعَ حَمَلاتٍ كَثِيرَةٍ لِإِيواءِ الآلافِ مِنَ النّازِحِينَ فِي أَمَاكِنَ مُؤَقَّتَةٍ مِنْها مَدارِسُ وَغَيْرُها، وَحِصارٍ لا يَنْتَهِي وَتَجْوِيعٍ وَقَطْعٍ لِلْمِياهِ وَالمَحْرُوقاتِ وَالكَهْرَباءِ وَالإِنْتِرْنِتِ، وَتَعْتِيمٍ إِعْلامِيٍّ مُنَظَّمٍ لِما يَحْصُلُ حَقيقَةً، مَعَ تَنامٍ فِي خِطابِ كَراهِيَةٍ مِنْ مُخْتَلَفِ الخَلْفِيَّاتِ المَذْهَبِيَّةِ.

أَمامَ هذِهِ الاِعْتِداءاتِ الدَّامِيَةِ، لَمْ يَكُنْ أَمامَ الأَهالِي إِلَّا الوُقُوفُ دِفاعًا عَنْ أَرْضِهِمْ وَعِرْضِهِمْ، فَاِمْتَشَقَ الرِّجالُ وَالنِّساءُ عُدَّةَ الحَرْبِ وَالتَّمْرِيضِ وَالخِدْمَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ، لِيَتَمَكَّنُوا وَلَوْ بِالقَلِيلِ المُتَوَفِّرِ مِنْ تَهْوِينِ الأَمْرِ عَلَى أَهالِيهِمْ، آمِلِينَ الوُصُولَ إِلى حُلُولٍ نِهائِيَّةٍ، تُساهِمُ فِي إِعادَةِ الاِسْتِقْرارِ وَالأَمْنِ وَالسَّلامِ، وَلِيَعُودُوا إِلى عادَاتِهِمِ القَدِيمَةِ مِنَ الشَّهامَةِ وَالكَرَمِ.

لَمْ يُتَمَكَّنْ مِنْ إِحْصاءِ التَّكالِيفِ المادِّيَّةِ لِهذَا العُدْوانِ عَلَى المُحافَظَةِ، وَالَّتِي تُقَدَّرُ رُبَّما بِعَشَراتِ المِلْيارَاتِ مِنَ الدُّوَلاراتِ، وَلَكِنَّها لا مَجالَ لِمُتابَعَتِها أَمامَ الخَسائِرِ بِالأَرْواحِ، حَيْثُ نُظِّمَتْ وَقْفاتُ تَأْبِينٍ عِدَّةٌ اِمْتَلَأَتْ بِها ساحاتٌ وَقاعاتُ المُدُنِ وَالقُرَى فِي المُحافَظَةِ لِلشُّهَداءِ، مِنْهُمْ عائِلاتٌ بِالكامِلِ، وَتَبْقَى فِي القُلُوبِ غُصَّةٌ، عَلَى المِئاتِ مِنَ المَفْقُودِينَ وَلا سِيَّما مِنَ النِّساءِ، اللَّاتِي يَتَخَوَّفُ الكَثِيرُونَ عَلَى مَصِيرِهِنَّ لِجِهَةِ سَبْيِهِنَّ وَبَيْعِهِنَّ فِي أَسْواقِ النِّخاسَةِ، الَّتِي لا زالَتْ تَتَواجَدُ فِي القَرْنِ الواحِدِ وَالعِشْرِينَ، لِتُعِيدَنا إِلى العُصُورِ المُظْلِمَةِ مِنَ التَّارِيخِ العَرَبِيِّ.
وَعَلَى لِسانِ شُهُودٍ مِنَ السُّوَيْداءِ، وَصَلْنا إِلى حَقيقَةٍ قاتِمَةٍ لِلْغايَةِ وَأَفْظَعَ مِمَّا نَتَصَوَّرُ، خُصُوصًا مَعَ الواقِعِ المُتَرَدِّي يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.

وَقالَ خالِدُ سَلُوم مِنْ مُنَظَّمَةِ «جُذُورُ سُورِيّا»: «أَهَمُّ المُشْكِلاتِ الَّتِي تُواجِهُ المُحافَظَةَ اِنْعِدامُ المُواصَلاتِ بِسَبَبِ عَدَمِ وُجُودِ المَحْرُوقاتِ مِنَ المازُوتِ وَالبَنْزِينِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّ المُخَصَّصاتِ الَّتِي تَأْتِي لا تَكْفِي لِتَشْغِيلِ الأَفْرانِ العامَّةِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ، بِالإِضافَةِ لِشُحٍّ كَبِيرٍ بِالمَوادِّ الغِذائِيَّةِ، وَحَتَّى المُساعَداتِ الَّتِي تُقَدَّمُ لا تُغَطِّي أَكْثَرَ مِنْ 30% مِنَ النّازِحِينَ، وَبِسَبَبِ عَدَمِ دُخُولِها بِشَكْلٍ يَوْمِيٍّ تُصْبِحُ عَمَلِيَّةُ التَّوْزِيعِ غَيْرَ عادِلَةٍ».

وَتابَعَ سَلُوم: «تَتَجاوَزُ المُشْكِلاتُ إِلى نَقْصٍ فِي الخَدَماتِ الصِّحِّيَّةِ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُصُولِ سِلالٍ صِحِّيَّةٍ لِلْمَشافِي وَلَكِنَّها غَيْرُ كافِيَةٍ، وَهُناكَ مَرْضى وَجَرْحى مُهَدَّدُونَ بِالمَوْتِ أَوِ الإِعاقَةِ بِسَبَبِ التَّأَخُّرِ فِي العِلاجِ المُناسِبِ، وَحَتَّى المِياهُ وَضْعُها كارِثِيٌّ، ما يُنْبِئُ بِخَطَرِ اِنْتِشارِ الأَمْراضِ الَّذِي أَصْبَحَ وَشِيكًا».

وَطالَبَ سَلُوم بِضَرُورَةِ «العَمَلِ عَلَى فَتْحِ مَعْبَرٍ إِنْسانِيٍّ بِشَكْلٍ سَرِيعٍ مِنَ الأُرْدُنِ لِدُخُولِ المَحْرُوقاتِ وَالمَوادِّ الغِذائِيَّةِ، وَعَلَى فَكِّ الحِصارِ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ السُّورِيَّةِ».

وَقالَتِ المُحامِيَةُ وَالنّاشِطَةُ المَدَنِيَّةُ شُرُوقُ أَبُو زَيْدان: «السُّوَيْداءُ مَنْكُوبَةٌ حَرْفِيًّا، وَهِيَ بِحاجَةٍ لِتَدَخُّلٍ دُوَلِيٍّ سَرِيعٍ، لِإِيقافِ الاِعْتِداءاتِ مِنْ قِبَلِ المُهاجِمِينَ وَإِبْعادِهِمْ عَنْ أَرْضِها، وَدُخُولِ المَوادِّ الأَساسِيَّةِ وَالغِذائِيَّةِ وَالمَحْرُوقاتِ إِلَيْها دُونَ شُرُوطٍ، فَهُناكَ قَطْعٌ مُتَعَمَّدٌ لِلْكَهْرَباءِ عَنِ المُحافَظَةِ، إِذْ تَصِلُ ساعَاتُ قَطْعِ الكَهْرَباءِ لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ ساعَاتٍ وَنِصْفِ السّاعَةِ مُقابِلَ نِصْفِ ساعَةٍ مِنَ الوَصْلِ، وَهَذا بِدَوْرِهِ يُؤَثِّرُ سَلْبًا عَلَى مُخْتَلَفِ القِطاعاتِ وَالخَدَماتِ مِثْلَ وُصُولِ المِياهِ وَالاِتِّصالاتِ وَالإِنْتِرْنِتِ، فَضْلًا عَنْ تَراجُعِ أَدَاءِ الأَفْرانِ العامَّةِ وَالخَاصَّةِ، خُصُوصًا فِي ظِلِّ أَزْمَةِ المَحْرُوقاتِ حَيْثُ إِنَّهُ لَمْ تَدْخُلْ مُخَصَّصاتُ المُحافَظَةِ مِنَ المَحْرُوقاتِ مُنْذُ يَوْمِ 13 تَمُّوز 2025 وَلِغايَةِ اليَوْمِ، فَعَدا القَلِيلُ مِنْ مادَّةِ المازُوتِ لِتَشْغِيلِ الأَفْرانِ، فَإِنَّ هُناكَ شَلَلًا شِبْهَ تامٍّ فِي قِطاعِ النَّقْلِ، إِلَّا بَعْضَ الباصاتِ بَيْنَ المَناطِقِ المُخْتَلِفَةِ لِإِيصالِ النّاسِ لِمَرْكَزِ المَدِينَةِ، كَما وَأَنَّ هُناكَ شُحًّا كَبِيرًا بِالمِياهِ لِلْأَسْبابِ السّابِقَةِ وَنَظَرًا لِتَعْطِيلٍ وَتَخْرِيبٍ لِشَبَكاتِ المِياهِ خِلالَ الهُجُومِ الإِرْهابِيِّ عَلَى المُحافَظَةِ».
وَتَابَعَتْ: «أَمَّا الْمَشَاكِلُ الْكُبْرى فَهِيَ وُجُودُ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ نَازِحٍ دَاخِلِيًّا مِنْ قُرَاهُمُ الْمَحْرُوقَةِ، حَيْثُ بَلَغَ عَدَدُ الْقُرَى الَّتِي أُحْرِقَتْ وَتَمَّ تَهْجِيرُ أَهْلِهَا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ قَرْيَةً، وَهِيَ غَيْرُ قَابِلَةٍ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا بِنِسْبَةٍ تَفُوقُ الثَّمَانِينَ بِالْمِئَةِ، حَتَّى لَوْ تَمَّ إِخْلَاؤُهَا مِنَ الْعَشَائِرِ الَّذِينَ يَتَمَرْكَزُونَ فِيهَا وَيُكَرِّرُونَ الْهُجُومَ عَلَى مَنَاطِقِ الْمُحَافَظَةِ مِنْهَا فِي مُعْظَمِ الْأَيَّامِ. وَهَذَا يَأْخُذُنَا إِلَى مُشْكِلَةِ عَدَمِ الشُّعُورِ بِالْأَمَانِ فِي مَدِينَةِ السُّوَيْدَاءِ أَوِ الْقُرَى الْمُحِيطَةِ بِهَا بِسَبَبِ تَكْرَارِ الْهُجُومِ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَجْمُوعَاتٍ الْعَشَائِرِ والفصائل، وَخَرْقِهِمِ الدَّائِمِ لِلْهُدْنَةِ، وَتَوَغُّلِهِمْ، وَحَرْقِهِمِ الْمُتَكَرِّرِ لِلْقُرَى فِي الرِّيفِ الْغَرْبِيِّ لِلْمُحَافَظَةِ».

وَأَضَافَتْ: «هُنَاكَ الْحِصَارُ الْمَفْرُوضُ عَلَى الْمُحَافَظَةِ مِنْ قِبَلِ الْحُكُومَةِ، وَالَّذِي يَمْنَعُ خُرُوجَ أَوْ دُخُولَ شَيْءٍ أَوْ أَحَدٍ إِلَيْهَا دُونَ مُوَافَقَتِهَا، وَمِنْهَا الْمَوَادُّ الْغِذَائِيَّةُ. كَمَا لَا يُمْكِنُ لِلْأَشْخَاصِ التَّحَرُّكُ مِنْ وَإِلَى الْمُحَافَظَةِ إِلَّا عَبْرَ الْمَعْبَرِ مِنْ دَرْعَا، وَبِتَنْسِيقٍ مُسْبَقٍ مَعَ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَبِمُوَافَقَةٍ مِنَ الْحُكُومَةِ، أَيْ إِقَامَةٌ جَبْرِيَّةٌ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ. وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، فَإِنَّ هَذَا الْحِصَارَ يَمْنَعُ التَّحْوِيلَاتِ الْمَالِيَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ لِلْمُحَافَظَةِ، مِمَّا يَزِيدُ الْأُمُورَ تَعْقِيدًا بِالنِّسْبَةِ لِلنَّاسِ، كَمَا بَدَأَتِ الْمَوَادُّ الْغِذَائِيَّةُ وَالْأَدْوِيَةُ بِالنَّفَادِ مِنَ الْأَسْوَاقِ، مَا يُهَدِّدُ أَمْنَهَا الْغِذَائِيَّ وَالدَّوَائِيَّ».

وَلَفَتَتْ إِلَى أَنَّ «هُنَاكَ مُشْكِلَةً تَتَعَلَّقُ بِالْقِطَاعِ الصِّحِّيِّ مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الْكَوَادِرِ، وَعَدَمُ وُجُودِ لَوَازِمَ صِحِّيَّةٍ، وَمُعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا الْمَشَافِي فِي ظِلِّ الْكَارِثَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي تَعِيشُهَا الْمُحَافَظَةُ».

وَأَوْضَحَتْ أَنَّهُ «لَا إِنْفِرَاجَاتٌ، اَللَّهُمَّ إِلَّا بَعْضَ الْمُسَاعَدَاتِ الَّتِي تَصِلُ لِلْمُحَافَظَةِ وَتَحْصُرُهَا الْحُكُومَةُ بِيَدِ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ سِلَلٍ إِغَاثِيَّةٍ وَغِذَائِيَّةٍ لَا تُغَطِّي عَشْرَةَ بِالْمِئَةِ مِنِ احْتِيَاجَاتِ الْمُحَافَظَةِ، وَلَا تَتَضَمَّنُ كُلَّ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ وَحَتَّى الْأَسَاسِيَّةِ مِنْهَا. كَمَا أَنَّ الْحُكُومَةَ تَمْنَعُ دُخُولَ الْكَثِيرِ مِنْ قَوَافِلِ الْمُسَاعَدَةِ بِحُجَجٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَهُنَاكَ مُشْكِلَةُ الشُّحِّ بِمَادَّةِ الطَّحِينِ الَّتِي تَحْتَاجُهَا الْمُحَافَظَةُ، وَالَّتِي تُقَدَّرُ فِي الْحَالَاتِ الْعَادِيَّةِ بَيْنَ مِئَةٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِئَةٍ وَأَرْبَعِينَ طُنًّا يَوْمِيًّا، وَلَكِنْ لَا يُوجَدُ هَذَا الْكَمُّ مِنْهُ بِسَبَبِ حَرْق ِ العشائرِ والفصائلِ لصَوَامِعِ الْقَمْحِ وَمَطَاحِنِ الطَّحِينِِ خِلَالَ الْهُجُومِ عَلَى الْمُحَافَظَةِ. وَلَا يَكْفِي الطَّحِينُ الْوَاصِلُ عَنْ طَرِيقِ الْمُسَاعَدَاتِ لِسَدِّ هَذَا الِاحْتِيَاجِ، مِمَّا أَدَّى لِتَخْفِيضِ الْمُخَصَّصَاتِ الْيَوْمِيَّةِ لِأَقَلَّ مِنْ مِئَةِ طُنٍّ، مَعَ تَوَقُّفِ الْكَثِيرِ مِنَ الْأَفْرَانِ عَنِ الْعَمَلِ لِشُحِّ الطَّحِينِ وَالْمَحْرُوقَاتِ. وَيَبْقَى التَّخَوُّفُ لَدَى الْأَهَالِي مِنَ الِاشْتِبَاكَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَمِنْ خَطَرِ تَكْرَارِ الْهَجَمَاتِ مِنَ الْمَجْمُوعَاتِ الْمَدْعُومَةِ مِنْ قُوَى الْأَمْنِ الدَّاخِلِيِّ أَوِ الْعَامِّ، وَالَّتِي لَا تَزَالُ مُتَمَرْكِزَةً فِي الْقُرَى فِي الرِّيفَيْنِ الْغَرْبِيِّ وَالشَّمَالِيِّ، وَالَّتِي لَا تَنْفَكُّ تَخْرِقُ الْهُدْنَةَ وَتَسْتَمِرُّ بِالْهُجُومِ عَلَى الْقُرَى وَالْمَدِينَةِ بِالْقَذَائِفِ وَالْأَسْلِحَةِ الثَّقِيلَةِ، وَتُحْرِقُ مَا تَبَقَّى مِنَ الْقُرَى (إِنْ تَبَقَّى مِنْهَا شَيْءٌ)». وَطَالَبَتِ الْمُجْتَمَعَ الدَّوْلِيَّ بِضَرُورَةِ «تَشْكِيلِ لَجْنَةِ تَحْقِيقٍ دُوَلِيَّةٍ لِلتَّحْقِيقِ بِالْمَجَازِرِ الَّتِي اُرتكبت بحقّ المدنييّن الأبرياء فِي الْمُحَافَظَةِ، وَفَتْحِ مَعْبَرٍ فِي الْمُحَافَظَةِ يَضْمَنُ الْحَرَكَةَ التِّجَارِيَّةَ وَالْبَشَرِيَّةَ، مَعَ إِطْلَاقِ سِرَاحِ الْمَخْطُوفِينَ وَالْأَسْرَى».

وَعِنْدَ الطَّلَبِ مِنْهَا لِشَهَادَةٍ مِنَ الْأَطْفَالِ حَوْلَ الْوَاقِعِ الْمُتَرَدِّي عَلَى لِسَانِهِمْ، أَجَابَتْ: «لَا يُمْكِنُنِي حَتَّى الطَّلَبُ، الْأَطْفَالُ فِي مِحْنَةٍ وَصَدْمَةٍ، وَأَيُّ سُؤَالٍ يُعِيدُهُمْ لِعَيْشِ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الْمُخِيفَةِ، وَنُحَاوِلُ بِكَافَّةِ الْوَسَائِلِ التَّخْفِيفَ عَنْهُمْ. مُسْتَقْبَلًا، هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ يَحْتَاجُونَ لِعِلَاجٍ وَمَشُورَةٍ فِي الْمَجَالِ النَّفْسِيِّ وَالْمُجْتَمَعِيِّ».

وَقَالَتْ مُدِيرَةُ مَرْكَزِ «نَبْضٍ الْمُجْتَمَعِيِّ» الْجَمْعِيَّةِ السُّورِيَّةِ لِلتَّنْمِيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ «نَدَى الصَّبَّاغُ» مِنْ صَلْخَدْ: «أَعْمَلُ فِي مَجَالِ الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ مُنْذُ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، أَهَمُّ مَا نُعَانِي مِنْهُ حَالِيًّا هُوَ نَفَادُ الْوَقُودِ مِنْ غَازٍ وَبِنْزِينٍ وَمَازُوتٍ، وَهَذَا النَّفَادُ كَارِثِيٌّ يُؤَثِّرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، مِنْ سَيَّارَاتِ الْإِسْعَافِ، وَعَلَى نَقْلِ الْخُضَارِ وَالْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ وَالْأَدْوِيَةِ لِلْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ وَالدَّائِمَةِ وَأَدْوِيَةِ السَّرَطَانِ وَالْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ وَكِبَارِ السِّنِّ وَالْأَطْفَالِ، وَالَّتِي عَلَيْهَا طَلَبٌ كَبِيرٌ لِلْغَايَةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ وُجُودِ مَسْتَوْدَعَاتِ أَدْوِيَةٍ، إِلَّا أَنَّهَا قَارَبَتِ النَّفَادَ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَقْصٍ حَادٍّ فِي حَلِيبِ وَحِفَاضَاتِ الْأَطْفَالِ وَالْعَجَزَةِ، وَفِي مِيَاهِ الشُّرْبِ، فَهُنَاكَ آبَارٌ خَارِجُ الْخِدْمَةِ تَمَّ تَعْطِيلُهَا خِلَالَ الْحَرْبِ، وَقَدْ أَثَّرَ هَذَا عَلَى ثَلَاثِ مَنَاطِقَ رَئِيسِيَّةٍ هِيَ مَدِينَةُ السُّوَيْدَاءِ وَصَلْخَدْ وَشَهْبَا. وَخِلَالَ الْأَزْمَةِ، انْقَطَعَتِ الْكَهْرَبَاءُ لِمُدَّةِ أُسْبُوعٍ، وَحَالِيًّا تَأْتِي بِصُورَةٍ مُتَقَطِّعَةٍ وَغَيْرِ كَافِيَةٍ، مَا أَدَّى لِفَسَادِ الْأَدْوِيَةِ، لَا سِيَّمَا لِمَرْضَى السُّكَّرِيِّ الَّذِينَ يَعْتَمِدُونَ عَلَى إِبَرِ الْإِنْسُولِينِ. كَمَا وَأَنَّ هُنَاكَ نَقْصًا لِلْمَوَادِّ الْإِسْعَافِيَّةِ وَاللَّوَازِمِ الطِّبِّيَّةِ فِي الْمَشْفَى الْوَطَنِيِّ فِي السُّوَيْدَاءِ وَمَشْفَى صَلْخَدْ، وَنَقْصًا فِي الْكَادِرِ الطِّبِّيِّ بِسَبَبِ عَدَمِ قُدْرَةِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْوُصُولِ لِلْمَشَافِي بِسَبَبِ مَا سَبَقَ مِنْ نَقْصٍ فِي الْوُقُودِ لِلْمُوَاصَلَاتِ. وَهُنَاكَ نِقَاطٌ صِحِّيَّةٌ تَعْمَلُ بِمَا يَتَوَفَّرُ وَمَا بَقِيَ فِيهَا، وَحَتَّى هُنَاكَ حَالَاتُ وِلَادَةٍ تَتِمُّ دُونَ إِشْرَافٍ، حَتَّى قَابِلَةٍ قَانُونِيَّةٍ».

وَتَابَعَتْ: «هُنَاكَ انْفِرَاجَاتٌ قَلِيلَةٌ عَلَى شَكْلِ مُسَاعَدَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَصَلَتِ الْمُحَافَظَةَ عَبْرَ الْهِلالِ الْأَحْمَرِ، وَالْمُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ مِثْلَ مُنَظَّمَةِ الْأَغْذِيَةِ الدُّوَلِيَّةِ وَ (UNHCR) وَالصَّلِيبِ الْأَحْمَرِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَفِي بِكُلِّ الْمَطْلُوبِ. فَهُنَاكَ احْتِيَاجَاتٌ لِلنَّازِحِينَ فِي مَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ، وَهُنَاكَ الْأَزْمَةُ الْخَانِقَةُ لِلْأَهَالِي الْمُسْتَضِيفِينَ لِلْعَائِلَاتِ النَّازِحَةِ فِي الْمُدُنِ الثَّلَاثِ، مَعَ عَجْزٍ شَدِيدٍ فِي تَوْفِيرِ الْمَوَادِّ الْغِذَائِيَّةِ».

وَتَابَعَتْ: «الْمُحَافَظَةُ مَنْكُوبَةٌ، وَتُعَانِي مِنْ حِصَارٍ مُنْهَجٍ وَسِيَاسَةِ تَجْوِيعٍ وَخَنْقٍ، وَقَدْ ضُرِبَتِ الْبُنَى التَّحْتِيَّةُ، مِنْ خُطُوطِ الْكَهْرَبَاءِ وَأَنْابِيبِ الْغَازِ. وَفِيمَا يَخُصُّ مَرَاكِزَ الْإِيوَاءِ، يَتِمُّ تَحْضِيرُ الطَّعَامِ مِنَ الْحِصَصِ الْغِذَائِيَّةِ عَبْرَ مَوَاقِدَ عَلَى الْحَطَبِ وَبِشَكْلٍ جَمَاعِيٍّ وَتَوْزِيعُ الْحِصَصِ».

وَأَشَارَتِ الصَّبَّاغُ إِلَى «التَّخَوُّفِ لَدَى الْأَهَالِي مِنْ عَوْدَةِ الِاشْتِبَاكَاتِ، فَالْخَطَرُ الْأَمْنِيُّ لَا يَزَالُ قَائِمًا، وَهُنَاكَ قُرًى لَا زَالَتْ تَحْتَ خَطِّ النَّارِ، وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْجَثَامينَ الَّتِي لَمْ يَتُمَّ رَفْعُهَا بَعْدُ فِي هَذِهِ الْقُرَى. وَفِي مَجَالِ خِبْرَتِنَا فِي الْعَمَلِ الْإِنْسَانِيِّ، هُنَاكَ نِيَّةٌ لِإِنْشَاءِ مَرَاكِزَ إِيوَاءٍ دَائِمَةٍ، كَوْنُ هَذِهِ الْقُرَى مُدَمَّرَةً وَمُهَجَّرَةً كُلِّيًّا، بِسَبَبِ مَسْحِهَا وَحَرْقِهَا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهَا، مَعَ عَدَمِ إِمْكَانِيَّةِ الْأَهَالِي الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا بِسَبَبِ الْوَضْعِ الْأَمْنِيِّ الْحَرِجِ».
وَوَجَّهَتْ رِسَالَةً لِلْمُجْتَمَعِ الدَّوْلِيِّ وَالْمَحَلِّيِّ «لِفَكِّ الْحِصَارِ عَنْ مُحَافَظَةِ السُّوَيْدَاءِ، وَفَتْحِ مَعَابِرَ إِنْسَانِيَّةٍ دُوَلِيَّةٍ. وَكَذَلِكَ فَإِنَّ وُصُولَ قَوَافِلِ الْمُسَاعَدَاتِ لَا يَعْنِي أَبَدًا سَدَّ الِاحْتِيَاجِ الْهَائِلِ، فَمُؤَشِّرُ الْخَطَرِ يَرْتَفِعُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، فَالْوَضْعُ الْإِنْسَانِيُّ حَرِجٌ لِلْغَايَةِ، وَهُنَاكَ خَطَرٌ وَتَهْدِيدٌ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ فِي ظِلِّ نَقْصِ الْمِيَاهِ وَالْأَدْوِيَةِ، مَعَ إِمْكَانِيَّةِ انْتِشَارِ الْأَوْبِئَةِ فِي مَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ أَوِ الْأَمَاكِنِ الْمُسْتَضَافَةِ». وَنَاشَدَتِ النَّاشِطِينَ وَالْحُقُوقِيِّينَ الْمُطَالَبَةَ بِإِنْقَاذِ الْمُحَافَظَةِ، وَتَوْثِيقِ الِانْتِهَاكَاتِ الَّتِي حَصَلَتْ وَتَحْصُلُ فِيهَا.
وَقَالَ الْمُهَنْدِسُ الزِّرَاعِيُّ عُمَرُ الْحَلَبِيُّ: «اسْتَعَضْتُ عَنِ الْأَبْحَاثِ وَأَدَوَاتِ الزِّرَاعَةِ بِالسِّلَاحِ، لِحِمَايَةِ الْأَرْضِ وَالْعِرْضِ وَكَرَامَةِ أَهْلِي. وَتَحْضُرُ لِلذَّاكِرَةِ أَنَّهُ فِي بِدَايَةِ الثَّوْرَةِ مُنْذُ آذَارَ 2011 وَفَكِّ حِصَارِ دَرْعَا، أَوْ مَا سُمِّيَ بِـ (حِصَارِ الْحَلِيبِ)، لَمْ أَتَخَيَّلْ أَنْ نُطَالِبَ بِفَكِّ حِصَارِ السُّوَيْدَاءِ. فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ تُنْصَبْ خَيْمَةٌ وَاحِدَةٌ لِلنَّازِحِينَ بَلِ اسْتُقْبِلُوا فِي مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَبَلِ، وَقَدْ رَفَضَ الْأَهَالِي الِانْضِمَامَ لِلْجَيْشِ حَتَّى لَا يَرْفَعُوا السِّلَاحَ بِوَجْهِ جِيرَانِهِمْ، وَتَمَّ حِينَهَا تَأْسِيسُ مَجْمُوعَةٍ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْمُحَافَظَةِ، وَاسْتَمَرَّ الْحِرَاكُ الثَّوْرِيُّ رَغْمَ تَوَقُّفِهِ فِي كَافَّةِ الْمُحَافَظَاتِ، وَلِلْأَسَفِ كَانَتْ أُولَى الْفَصَائِلِ الَّتِي دَخَلَتِ الْمُحَافَظَةَ فَصَائِلَ مِنْ دَرْعَا».

وَقَالَ: «أَهْلُنَا النَّازِحُونَ فِي بُيُوتِ أَهْلِهِمْ فِي السُّوَيْدَاءِ وَالْمَنَاطِقِ الْآمِنَةِ، وَمَرَاكِزِ الْإِيوَاءِ مِنْ مَدَارِسَ وَقَاعَاتٍ، نُحَاوِلُ مَا اسْتَطَعْنَا تَأْمِينَ الْحَاجَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَلَكِنَّ الْوَضْعَ صَعْبٌ لِلْغَايَةِ».

وَأَشَارَ الْحَلَبِيُّ إِلَى مُسَاعَدَاتٍ مِنَ الْأَيَادِي الْبَيْضَاءِ وَصَلَتْ مِنْ لُبْنَانَ، وَاحِدَةٌ مِنْهَا مِنْ أَحَدِ رِجَالِ الدِّينِ (ن. أ. ج.) قُدِّرَتْ بِأَلْفِ طُنٍّ مِنَ الطَّحِينِ، وَاسْتِهْلَاكُ الطَّحِينِ لِلْمُحَافَظَةِ أَكْثَرُ مِنْ مِئَةِ طُنٍّ يَوْمِيًّا. وَقَدِ اسْتَلَمَهَا الشَّيْخُ أَبُو يُوسُفَ حَمْزَةُ خُضَيْرٌ أَمَامَ الشُّهُودِ، وَقُدِّرَ ثَمَنُهَا بِـ 400 أَلْفِ دُولَارٍ. وَأَكَّدَ أَنَّ هُنَاكَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمُسَاعَدَاتِ مِنْ مَنَاطِقَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ لُبْنَانَ، وَلَكِنَّ مُعْظَمَهَا لَا يَصِلُ إِلَى الْمُحَافَظَةِ بِسَبَبِ الْحِصَارِ. كَمَا وَأَنَّهُ مُنْذُ أُسْبُوعَيْنِ وَصَلَتْ سَبْعَةُ أَجْهِزَةٍ لِغَسِيلِ الْكُلَى، وُضِعَ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا فِي الْمَشْفَى الْوَطَنِيِّ مَرْكَزِ الْمَدِينَةِ، وَثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي مَشْفَى صَلْخَدْ. وَلَكِنْ لِلْأَسَفِ لَا تَتَوَفَّرُ الْمَحَالِيلُ اللَّازِمَةُ لِعَمَلِيَّاتِ غَسْلِ الْكُلَى. وَقَدْ أَكَّدَ رَئِيسُ جَمْعِيَّةِ أَصْدِقَاءِ السَّرَطَانِ الدُّكْتُورُ عَدْنَانُ مُقْلِدٌ فِي حَدِيثٍ لَهُ مُنْذُ فَتْرَةٍ أَنَّ هُنَاكَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِئَةِ مَرِيضِ سَرَطَانٍ بِحَالَةٍ مَزْرِيَةٍ بَعْدَ تَوَقُّفِ تَزْوِيدِهِمْ بِالدَّوَاءِ الضَّرُورِيِّ لِعِلَاجِهِمْ».

وَفِي الِاخْتِتَامِ، لَا بُدَّ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى مِئَاتٍ مِنَ التَّوْثِيقَاتِ لِلْمَجَازِرِ الَّتِي طَالَتِ الْمَدَنِيِّينَ، دَفَعَ ثَمَنَ مُعْظَمِهَا الْأَبْرِيَاءُ وَخُصُوصًا النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، وَالْمَفْقُودِينَ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ مَجْهُولِي الْمَصِيرِ، بِانْتِظَارِ أَنْ تَسْتَتِبَّ الْعَدَالَةُ وَيَنْفَكَّ الْحِصَارُ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْوَضْعَ فِي الْمُحَافَظَةِ سَيَصِلُ إِلَى خَطِّ اللَّا رُجُوعِ، بَعْدَ أَنْ يَفْتِكَ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالْأَمْرَاضُ بِالْمَدَنِيِّينَ، وَيَسْتَحِيلَ بَعْدَهَا أَيُّ حَلٍّ لِلنِّزَاعِ وَالْوُصُولِ إِلَى السَّلَامِ وَالْمُصَالَحَةِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَنَامِي خِطَابِ الْكَرَاهِيَةِ َمِنَ الْأَطْرَافِ الْمُخْتَلِفَةِ.

العدد 43