الإثنين, آب 3, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, آب 3, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

مضيق هرمز ومسارات التصدير البديلة

يُعيد التصعيد المتجدد بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث في منطقة الخليج العربي، ويؤكد المكانة المحورية التي يحتلها في منظومة التجارة الدولية، ولا سيما تجارة النفط والغاز. سيما وأن مضيق هرمز يُعد أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر من خلاله خمس صادرات النفط والغاز العالمية. ويأتي هذا التصعيد في أعقاب إعلان الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق بالكامل ومنع السفن من عبوره حتى إشعار آخر، وقابله حصار أميركي على الموانئ والسفن الإيرانية، مما يُفاقم الضغوط على إمدادات النفط والغاز وحركة التجارة العالمية.

الحاجة إلى ترتيبات أمنية مستقرة

تُظهر الأحداث المتتابعة التي تلت توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن أن التصعيد لم يتوقف في مضيق هرمز، الذي تحول إلى ساحة ضغط واختبار بين واشنطن وطهران. ويُشير إلى أن وقف إطلاق النار لم يُؤدِّ حتى الساعة إلى قواعد ملاحة مستقرة، حيث عمدت إيران، على الرغم من الاجتماع الذي ضم وزيري خارجية إيران وسلطنة عُمان في مسقط لمناقشة التفاصيل الفنية، إلى استهداف المسار العُماني الذي كانت تستخدمه عشرات سفن الشحن والناقلات.

في المقابل، إن استقطاب المسار الإيراني جزء من الحركة تحت ضغط المخاطر التي تهدد المسار العُماني، وضع شركات الشحن أمام معادلة صعبة: إما إظهار المسار والمخاطرة بالتعرض للاستهداف، وإما إخفاء الإشارة والمخاطرة بفقدان الشفافية والتأمين، وإما التراجع عن العبور. وهذا ما يؤدي إلى تباطؤ حركة النقل وازدحام السفن وتأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها، الأمر الذي يستدعي ترتيبات أمنية دائمة دون تأخير.

“ارتفاع مستوى المخاطر في مضيق هرمز وحده يكفي لزيادة كلفة التجارة العالمية، التي يقع عبئها الحقيقي على المستهلك النهائي في أنحاء العالم.”
إرباك يمتد إلى مختلف القطاعات

ويتسبب إغلاق مضيق هرمز في اضطراب في سلاسل الإمداد لا يقتصر على إمدادات النفط الخام والغاز المسال، بل يمتد إلى قطاعات صناعية وتجارية واسعة. ولا سيما أن الطاقة تدخل في مختلف مراحل الإنتاج والنقل والتخزين، مما يجعل نقص المعروض منها أو ارتفاع أسعارها عاملًا مباشرًا في زيادة كلفة الشحن والسلع والخدمات.

كما أن أي تأخير في الشحن قد يؤدي إلى تعطيل خطوط الإنتاج، ولا سيما في قطاعات السيارات والإلكترونيات والصناعات الكيميائية وغيرها من الصناعات التي تعتمد على نظام إنتاج تسلسلي، حيث لا يتم الاحتفاظ باحتياطيات كبيرة من المواد الأولية. كما قد تواجه الأسواق نقصًا أو ارتفاعًا في أسعار البتروكيميائيات والمنتجات البلاستيكية والمواد الصناعية والأسمدة الزراعية المرتبطة بالنفط والغاز.

ارتفاع الكلفة وتباطؤ النقل

وتتجلى التداعيات المباشرة للتصعيد المتجدد في ارتفاع مستوى مخاطر الشحن البحري، الأمر الذي يدفع شركات التأمين، في مثل هذه الظروف، إلى زيادة أقساط التأمين، ولا سيما ما يُعرف بتأمين مخاطر الحرب، على السفن والناقلات العابرة للمناطق المتوترة. كما ترتفع أجور ناقلات النفط والغاز، وتتزايد التكاليف التشغيلية المرتبطة بالوقت الإضافي الذي تمضيه السفن للوصول إلى مقاصدها، ومصاريف الرحلات وحماية السفن.

وقد تدفع هذه المخاطر بعض شركات الملاحة إلى التريث قبل دخول المضيق، أو إلى تقليص عدد الرحلات، أو انتظار ترتيبات أمنية إضافية، ما يؤدي إلى تباطؤ حركة النقل وازدحام السفن وتأخر وصول الشحنات إلى وجهاتها. علمًا أن ارتفاع مستوى المخاطر وحده يكفي لزيادة كلفة التجارة العالمية، التي يقع عبئها الحقيقي على المستهلك النهائي في أنحاء العالم.

آسيا الأكثر عرضة للضغوط

تُعد الدول الآسيوية أكثر الأطراف تأثرًا بأي اضطراب في مضيق هرمز، نظرًا لاعتماد اقتصادات كبرى، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، على إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج، وهو ما يرفع كلفة الطاقة والإنتاج الصناعي في هذه الدول.

وفي هذا الإطار، توقع بنك قطر الوطني (QNB) استمرار تداعيات التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران على اقتصادات آسيا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق لوقف الأزمة، مشيرًا إلى أن التعافي الكامل يعتمد على استعادة سلاسل الإمداد واحتياطيات الطاقة واستقرار الأسعار. وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن آسيا تُعد الأكثر تضررًا، لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة عبر مضيق هرمز، ما دفع حكوماتها إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، وترشيد استهلاك الوقود، وإعادة تشغيل محطات الفحم.

مسارات تصدير بديلة

وعليه، فإن التوتر المتجدد في مضيق هرمز يُحتم تنويع طرق تصدير الطاقة ومساراتها، وعدم الاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته وقدرته الاستيعابية. وتزداد في هذا السياق أهمية خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، مثل خط شرق–غرب السعودي، الذي ينقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، وخط أنابيب أبوظبي الذي يصل إلى ميناء الفجيرة خارج المضيق، بالإضافة إلى خط “سوميد” المصري الذي يمتد من البحر الأحمر إلى سيدي كرير في مصر على البحر المتوسط. غير أن القدرة الاستيعابية لهذه الخطوط تبقى محدودة مقارنة بحجم الصادرات التي تمر عبر هرمز.

الأمر الذي دفع المملكة العربية السعودية، وفقًا لما نقلته وكالة “رويترز” عن أكثر من مصدر مطلع، إلى دراسة زيادة سعة خط أنابيب النفط الخام الممتد إلى ساحلها الغربي على البحر الأحمر. ومن شأن هذه الخطوة أن تتيح للمملكة، وربما لبعض جيرانها من الدول الخليجية، تصدير كميات أكبر من النفط قد تصل إلى مليوني برميل يوميًا، من دون الحاجة لعبور مضيق هرمز. كما تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى زيادة سعة خط الأنابيب المتجه إلى الفجيرة، بهدف تعزيز قدرتها على تصدير النفط بعيدًا عن المضيق.

وتظهر في هذا السياق أهمية إحياء مشاريع خطوط الأنابيب البرية التي تتجاوز منطقة الخليج، سواء لنقل النفط أو الغاز، وفي مقدمتها مشروع خط الغاز القطري إلى تركيا وأوروبا عبر سوريا، وحتى مشروع خط الغاز الإيراني–العراقي–السوري المعروف بـ “خط الصداقة الإسلامي”.

كما يُبرز هذا الواقع أهمية إعادة تشغيل خطي كركوك–طرابلس وكركوك–بانياس، اللذين يمكن أن يُوفرا منافذ إضافية للنفط العراقي إلى البحر المتوسط، ويمنحان العراق خيارات أوسع لتصدير نفطه، كما يخففان من اعتماده على المسار التركي والمسارات البحرية التقليدية. أما بالنسبة إلى لبنان، فتُعتبر إعادة تشغيل خط كركوك–طرابلس فرصة اقتصادية واستراتيجية، سواء لجهة استعادة دوره كممر للطاقة نحو البحر المتوسط، أو للاستفادة من رسوم العبور والخدمات اللوجستية والاستثمارات المرتبطة بإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية، ولا سيما منشآت مصفاة طرابلس.

أزمات متلاحقة تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي

أظهرت الحرب الأخيرة وما رافقها من تطورات دولية متسارعة وتداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة، أن الاقتصاد العالمي قد دخل مرحلة جديدة يُطلق عليها الخبراء «اقتصاد الأزمات»، حيث أضحت الأزمات المتلاحقة سمة من سمات النظام الاقتصادي العالمي. ويأتي ذلك بعد مرحلة طويلة ازدهرت خلالها العولمة الاقتصادية، القائمة على انسياب السلع ورؤوس الأموال وسلاسل الإنتاج والتوريد عبر الحدود، والتي طبعت الفترة الممتدة من بداية تسعينيات القرن العشرين وحتى أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

ارتفاع معدلات التضخم والمديونية

بدأت ملامح هذا التحول بالظهور مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، التي كشفت هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وأدت إلى تباطؤ نمو التجارة الدولية، لتليها عام 2020 جائحة “كوفيد-19” التي فاقمت الاختلالات القائمة، بعدما تسببت في اضطراب غير مسبوق لسلاسل الإنتاج والإمداد. ولم تكد الاقتصادات العالمية تتعافى من تداعيات الجائحة حتى اندلعت الحرب الروسية-الأوكرانية، التي أطلقت أزمة طاقة حادة في أوروبا وأزمة غذاء عالمية، لتتوالى بعدها الصدمات الاقتصادية والمالية بوتيرة متسارعة.

بالتوازي مع هذه التطورات، برز التضخم كأحد أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي. فقد ارتفع معدل التضخم العالمي إلى نحو 8.7% في عام 2022، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ ما يقارب أربعة عقود، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد كلفة النقل والإنتاج. الأمر الذي دفع البنوك المركزية إلى اعتماد سياسات نقدية متشددة، حيث رفع الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة من مستويات تقارب الصفر في مطلع عام 2022 إلى أكثر من 5% خلال أقل من ثمانية عشر شهرًا، في واحدة من أسرع دورات التشديد النقدي في تاريخه الحديث.

ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت في الحد من الضغوط التضخمية وتجنب ركود عالمي حاد، فإنها رفعت كلفة خدمة الدين العام وزادت الضغوط على الحكومات والشركات والأفراد. وقد تزامن ذلك مع بلوغ المديونية العالمية مستويات قياسية، حيث تجاوز إجمالي الدين العام العالمي 324 تريليون دولار مطلع عام 2025، أي ما يعادل نحو 325% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، الأمر الذي زاد من هشاشة الاقتصادات الناشئة والدول منخفضة الدخل وقلّص قدرتها على تمويل مشاريع التنمية والاستثمار.

عودة إلى الحمائية الاقتصادية

وقد كان لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب دور بارز في تسريع هذا التحول، من خلال تبني نهج اقتصادي يقوم على الحمائية التجارية، وفرض الرسوم الجمركية، وإعادة التفاوض بشأن الاتفاقيات التجارية، وتشجيع إعادة توطين الصناعات داخل الولايات المتحدة. ومع تصاعد التوترات التجارية، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، ثم تفاقم النزاعات والحروب الإقليمية والعقوبات الاقتصادية، بدأت العولمة تفقد بعضاً من زخمها الذي تمتعت به لعقود.

وأدى ذلك إلى إعادة رسم خرائط التجارة العالمية والاستثمار الدولي، وإلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد المتبادل بين الدول، بعدما أصبحت اعتبارات الأمن القومي والسيادة الاقتصادية وتأمين السلع الاستراتيجية تتقدم في كثير من الأحيان على اعتبارات خفض الكلفة والكفاءة الاقتصادية. وهكذا فرضت التحولات الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة واقعًا اقتصاديًا جديدًا، أعاد تشكيل قواعد التجارة والاستثمار الدوليين.

الحرب الأخيرة وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي

أما الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران فلم تؤدِّ إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي من خلال آثارها العسكرية المباشرة فحسب، بل من خلال تعميقها للأزمات التي تجتاح النظام الاقتصادي الدولي. فقد كشفت هذه الحرب مدى ارتباط الاقتصاد العالمي بالمخاطر الجيوسياسية، وأظهرت أن أي مواجهة عسكرية في منطقة الخليج أو غيرها من المناطق الاستراتيجية في العالم، قادرة على إحداث تداعيات تتجاوز حدود الإقليم لتطال أسواق الطاقة والتجارة والمال في مختلف أنحاء العالم.

كما أعادت هذه الحرب هاجس أمن الطاقة العالمي إلى الواجهة، ولا سيما ما حدث في أزمة سبعينيات القرن الماضي، نظراً إلى الموقع الاستراتيجي لإيران المشرف على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. وقد أدى تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات وعلى معدلات التضخم العالمية.

وفي المقابل، دفعت هذه التطورات العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية، من خلال تنويع مصادر الطاقة وسلاسل التوريد، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الممرات التجارية الحساسة، بما يحد من آثار أي اضطرابات جيوسياسية مستقبلية. وعلى الصعيد المالي، ومع ارتفاع حالة عدم اليقين التي تهيمن على الأسواق العالمية، لجأت الدول والمستثمرون إلى الأصول الآمنة، ولا سيما الذهب والفضة.

مرونة وتنويع لمواجهة اقتصاد الأزمات

تكشف هذه التحولات مجتمعة أن الاقتصاد العالمي لم يعد محكوماً بمنطق العولمة التقليدية الذي ساد لعقود، بل دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية. ففي عالم تتزايد فيه الصراعات والتوترات الجيوسياسية، لم تعد قدرة الدول تُقاس فقط بحجم إنتاجها أو معدلات نموها، بل أيضاً بقدرتها على الصمود أمام الصدمات وتأمين احتياجاتها الحيوية والحفاظ على استقرارها الاقتصادي.

ومن هنا، يبدو أن «اقتصاد الأزمات» لن يكون مرحلة عابرة، بل إطاراً حاكماً للاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور، ما يفرض على الدول إعادة صياغة سياساتها الاقتصادية على أسس أكثر مرونة واستدامة وقدرة على مواجهة المتغيرات المتسارعة. ففي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح، ستبقى المرونة الاقتصادية، والحوكمة الرشيدة، والابتكار المستدام، الركائز الأساسية لضمان الاستقرار والازدهار.

العدد 45