السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

لبنان الكبير: طبخة بَحصٍ

تختلف القراءات التاريخية حول إعلان تأسيس لبنان الكبير في 1 أيلول/سبتمبر 1920، وأصل الفكرة وفصلها: هل هي فعلا مجرد خريطة رسمها سايكس وبيكو، أم أن هناك ما وراء الخريطة، وناتج عن تراكمات وأحداث وموروثات؟ ومن هم «الأوائل» الذين لعبوا أدوارا رئيسة في تصور لبنان الكبير ونظامه الاقتصادي والسياسي، بمثل ما أسهموا بالدعوة والنضال من أجل قيامه؟

في دراسة نُشرت في كتاب «نشوء لبنان الكبير» (دار رياض الريس)، يروي المؤرخ والجامعي اللبناني، مروان بحيري، أنه في السنوات الهادئة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وفي بيئة سياسية منذرة بالسوء شهدها العقد الأخير من الإمبراطورية العثمانية، صدر كتاب في باريس للكاتب ل. م. جوبلان، عنوانه: «المسألة اللبنانية: دراسة في التاريخ الدبلوماسي والقانون الدولي (1908)».

وفي تحليله للتاريخ المتقلب لمتصرفية جبل لبنان، يقترح الكاتب إصلاحات واسعة، بما فيها زيادة هامش الاستقلالية بعيدا عن الإمبراطورية العثمانية، وإنشاء مؤسسات أكثر ديموقراطية، وحل راديكالي لأراضي الوقف الديني. وفوق كل ذلك، ضم أراض على الحدود الشمالية والشرقية والجنوبية، بالإضافة إلى مدينة بيروت، وبذلك تكون مساحة المتصرفية أكثر ما تضاعفت.

نظر إلى المشروع كإعادة تكوين للبنان العصر الذهبي ـــ لبنان فخر الدين والأمير بشير، ضمن حدوده الطبيعية كما رسمت عامي 1861 و1863 في خرائط البعثة العسكرية الفرنسية إلى سورية. وكان على هذه التغييرات الواسعة أن تتم برعاية القوى الأوروبية العظمى، مع دور خاص محفوظ لفرنسا.

وقد تم الكشف عن هوية جوبلان بعد إحدى عشرة سنة. ففي آب/ أغسطس 1919، نشرت مجلة بيروتية «لا روفو فينيسيين» مقالا بعنوان: «المسألة اللبنانية: دراسة في الاقتصاد السياسي والإحصاء الوصفي»، كشف فيها الكاتب بولس، أو بول نجيم، أن جوبلان لم يكن إلا هو نفسه، وأن الاسم المستعار «م. جوبلان» كان إعادة ترتيب لحروف اسمه: بول نجيم.

مرة أخرى، وكما في العام 1908، دعا الكاتب لإحياء «لبنان العصر الذهبي»، لكنه سماه هذه المرة «لبنان الكبير» تحديدا، وذكر المصطلح مرتين في المقال، مستخدما في كلتا المرتين الخط المائل لإبرازه. ولعل هذه المقالة، الموقعة في جونية بتاريخ 10 تموز/ يوليو 1919، تشكل ـــ مع مقالة ألبير نقاش: «مستقبلنا الاقتصادي» التي نشرت أيضا في «لا روفو فينيسيين» (تموز/ يوليو 1919) ـــ أول ذكر موثق وعلني لـ«لبنان الكبير». ينظر بولس نجيم إلى كيان لبناني يضم الساحل وسهلي عكار والبقاع إلى متصرفية جبل لبنان.

أما الجدل الأهم والأكثر إثارة من الخريطة الجغرافية وضمّ الأقضية، فهو النقاش حول الخريطة الديموغرافية. ويتبين من خلال التمحيص أن هذا البلد «طبخة بحص»، وكل فريق يريده على مقاسه أو انطلاقا من هويته وامتداده الديموغرافي، وأن الانتداب الفرنسي كان يريد تلبية مصالح التابعين له.

في حوار له مع الكاتب صقر أبو فخر، يتحدث المؤرخ الراحل كمال الصليبي (والمفارقة أنه رحل يوم تأسيس لبنان الكبير) عن الخطأ الشائع القائل إن اتفاقية سايكس ــ بيكو هي التي أوجدت الكيان اللبناني. ويشير إلى أن «فكرة لبنان بدأت في رأس مجموعة من المسيحيين الكاثوليك، بمن فيهم الموارنة، في لبنان وسورية. ومن غرائب الأمور أن آباء لبنان ولدوا في الشام وعاشوا في الشام. لكن كان هناك ما يجمعهم، أي مسيحيتهم، وإنهم من الأثرياء الذين يطلق عليهم مصطلح «برجوازية». هؤلاء أقاموا مشاريع تجارية، وخططوا لإقامة بلد اسمه لبنان بالحدود المعروفة، وهي حدود أخذوها من خريطة رسمها الفرنسيون سنة 1861. الخريطة كانت خريطة الطوائف» كما يقول كمال الصليبي في الخلاصة.

ومع نهاية الدولة العثمانية، حققت فرنسا حلم الموارنة في أول أيلول/ سبتمبر 1920، حيث تم «إعلان دولة لبنان الكبير بالحدود الحاضرة كدولة مستقلة تحت الانتداب الفرنسي». ثم بعد ذلك تم إقرار الدستور، «فقامت هذه الجمهورية تجسد الفكرة التي نادى بها الموارنة منذ عهد المتصرفية».

يتقاطع كلام الصليبي مع ما قاله المؤرخ فواز طرابلسي حول إعادة الاعتبار لدور الاقتصاد السياسي في نشوء دولة «لبنان الكبير» في أيلول/سبتمبر 1920 (نشوء لبنان الكبير، دار رياض الريس، بيروت). درج الحديث عن ذلك الحدث بالتركيز على تلبية رغبات المسيحيين والموارنة خصوصا، لبناء وطن قومي لهم في إطار تقسيم سورية على أساس طائفي وفقا لاتفاق سايكس ــ بيكو.

ويقول طرابلسي: أرفق غورو مرسوم إنشاء «دولة لبنان الكبير» بخريطة قدمت نسخة منها إلى عصبة الأمم. ويتبين من خريطة «لبنان الكبير» سنة 1920، التي وزعها الجيش اللبناني بمناسبة الاحتفالات بالمئوية، أنها مرسومة فوق خريطة العام 1862، بحيث تظهر من حوافها بعض معالم تلك الخريطة التي لم يؤخذ بها.

ويضيف طرابلسي: «الأمر الراجح أن الخريطة وتعديلاتها فرنسية المصدر، ويجوز الافتراض أن الخريطة التي حملها البطريرك الحويك إلى مؤتمر الصلح في باريس كانت موجودة أصلا في محفوظات البطريركية المارونية في بكركي. وما يثير السؤال هو الدور الذي لعبته البطريركية المارونية في تحديد معالم تلك الخريطة منذ الحملة العسكرية في العام 1860 وصولا إلى مؤتمر الصلح في العام 1919».

ومنذ البداية كان الجدل الأساسي حول الديموغرافيا والولاء والوطن النهائي وتشكل الهويات، وبالنتيجة من يحكم. وما حصل بالأمس حول تشكل لبنان الكبير يذكرنا بما يحصل في سورية الآن: انبعاث الهويات، والأكثريات والأقليات، وصراعات النفوذ.

ويقول طرابلسي: « لم يقف النزاع على خريطة «لبنان الكبير» عند نشرها رسميا في مرسوم الجنرال غورو. في العام 1921 دعا رئيس الوزراء الجديد أريستيد بريان إلى فصل طرابلس عن «لبنان الكبير» من أجل تأمين أكثرية عددية للمسيحيين».

«وتجدد السجال والمراوحة عشية صياغة دستور العام 1926، الذي كرس التمثيل الطائفي في الوزارة والإدارة، ولم يشمل التمثيل النيابي، لأن القانون الانتخابي قضى بانتخابات خارج القيد الطائفي في البرلمان، وتمثيل الطوائف في مجلس الشيوخ».
خلال مداولات الدستور، أعلن «دو كيه» أن خطأ قد ارتكب في إدارة «لبنان أكبر مما يلزم»، مقترحا إعادة ضم طرابلس والمناطق المسلمة من البقاع وعكار إلى سورية، على اعتبار أن فترة الاختبار أثبتت عدم ضمان ولاء المسلمين للكيان اللبناني.
وبعد سنتين من ذلك، قدم إميل إدّه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية تطالب بإنشاء «لبنان متوسط» يمنح فيه جبل عامل الحكم الذاتي، على غرار دولة السويداء في سورية، وتعاد عدة مناطق ذات أكثرية مسلمة من البقاع إلى سورية. واقترح إده أن تعلن طرابلس «مدينة حرة» تحت الإدارة الفرنسية، يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية، والمسلمون الجنسية السورية. هكذا تتأمن في «اللبنان المتوسط» هذا أكثرية مسيحية تصل إلى 80% من السكان، وتسمح بـ«حمايته»، حسب تعبير إده.

ولم يؤخذ باقتراح إده، فقد تجاوزه دستور 1926 الذي عيّن حدود لبنان.
ويسأل الكاتب سهيل القش في كتابه «المرآة المتكسرة (تشظي الكيان اللبناني): «كيف تم اختراع الشعب اللبناني؟ ويقول إن وعد بلفور عام 1917 الذي التزمت بموجبه الإمبراطورية البريطانية إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يتشابه في كثير من وجوهه مع الوعد الذي قطعه كليمنصو للبطريك الحويك بإقامة «لبنان الكبير» بهدف حماية الطائفة المسيحية المارونية! يتبين من ذلك أن الهدف في الحالتين، يكمن في اختراع أمة وشعب على مقياس كل من الطائفتين: إسرائيل للطائفة اليهودية، ولبنان الكبير للطائفة المارونية. وقد تكفل اللغط اللغوي الذي أعقب هذين الوعدين بالمزج بين مفهومي الطائفة والشعب. وبذلك استخلصت السفسطة الصهيونية حول المظلومية اليهودية، بأن الشتات جعل من اليهود شعبا بلا أرض، فوعدهم بلفور بإعطائهم أرضا سائبة لا شعب يقيم عليها».
يضيف: «أما في ما يتعلق بالطائفة المارونية، فقد وجدت في بداية الاستشراق الإيديولوجي الفرنسي في القرنين السادس عشر والسابع عشر، من يطلق عليها «الموارنة»، الذين لم يتشكلوا كطائفة بعد، ثم سموا «الشعب الماروني» أو «الأمة المارونية». الصعوبة كانت تكمن في هذه الحالة في خلق لبنان مكبر أو كبير يتسع لإقامة شعب مسيحي، وذلك باقتطاع مناطق بأكملها من الجوار السوري أو «الجوف السوري»، وقد ترفض الالتحاق بالطائفة المارونية التي أطلقت على نفسها صفة أمة. ولكن الخطر الذي يهدد المشروع الفرنسي بإقامة دولة لبنان المكبر، إنما جاء من داخل الطائفة المارونية نفسها. فقد ثبت أن الحجج التي اعتمدها البطريرك حويك لإقناع كليمنصو بتكبير لبنان المتصرفية، كانت تستند إلى قابلية الدولة العتيدة للحياة، وهي لا تستقيم إلا بالمصادر الزراعية للمناطق التي وافق البطريك حويك مع كليمنصو على سلبها من سورية وضمها إلى جبل لبنان».

والنقاش الديموغرافي يأخذ بعدا آخر في كتاب «هذا الجسر العتيق: سقوط لبنان المسيحي 1920 – 2020» لكمال ديب، دار النهار، بيروت، فيقول: «فضل الموارنة ضم مناطق إسلامية ورفضوا ضم مناطق أرثوذكسية للمحافظة على الطابع الكاثوليكي للكيان الجديد. وكان الكيان الجديد قد بدأ يشهد تطورا نحو بناء مؤسسات الدولة، إلا أن العقبة الأساسية بقيت في كيفية استيعاب المسلمين. وذلك أن مواقف المسلمين السلبية من الكيان أدت إلى زرع بذور الشك في نفوس الفرنسيين وبعض القادة المسيحيين في إمكانية النجاح في ضم البقاع وطرابلس إلى لبنان. إذ توصل كبير ممثلي فرنسا في لبنان «دوكييه» عام 1928 إلى قناعة بأن أغلبية المسلمين لا تزال بعيدة عن أن تدين بالولاء للكيان الجديد، فاقترح ضم طرابلس وعكار والبقاع إلى سورية. خاف تجار بيروت أن يؤدي ضم طرابلس إلى سورية إلى تقوية طرابلس ومرفئها على حساب بيروت. وبعد صدور إحصاء 1932 قدم إده باسم عدد من حلفائه مذكرة إلى الخارجية الفرنسية توضح أن عدد سكان لبنان الكبير هو 840 ألفا، منهم 405 آلاف مسلم، أي من دون أغلبية مسيحية راجحة. ويقترح أن تصبح طرابلس «مدينة مفتوحة» يمنح سكانها المسيحيون الجنسية اللبنانية وسكانها المسلمون الجنسية السورية، فيحذف 140 ألفا من مسلمي لبنان وتقتصر دولة لبنان على الجبل والبقاع وما تبقى من الساحل. وهكذا تعود نسبة المسيحيين إلى 80% من السكان. كما أن أفكارا لضم تلكلخ ووادي النصارى في سورية إلى لبنان رفضت، لأن هؤلاء كانوا من الروم الأرثوذكس، ما يجعل الميزان الديموغرافي لغير صالح الموارنة. ولم تلق أفكار إعادة رسم حدود لبنان اهتماما، إذ عارضها مسيحيون كثر وأبرزهم ميشال شيحا الذي لم ير مشكلة في النسب العددية للطوائف، بل نظر في مصلحة الاقتصاد وعلى أن التنوع الطائفي هو مسألة يمكن التعاطي معها. توجهات إده كرئيس للوطن عام 1936 كشفت أفقه الضيق، حيث شجّع الإرساليات الأوروبية، وتمسك بفكرة «القومية الفينيقية» التي عمل على إدخالها في مناهج التعليم مدعوما من شارل قرم الفرانكوفوني الذي اهتم كثيرا ببعث قومية لبنانية بتراث فينيقي».

 

هذا التقميش لمجموعة من الأفكار والمعلومات والتفاصيل حول تشكل «لبنان الكبير»، يُظهر أزمات البلد المزمنة، وتتجلى الأزمات بقوة في كل استحقاق سياسي، وفي موسم انتخابي، وكل قانون انتخابي، وفي الخوف من التعداد السكاني وشبح «الغرباء»… ومن خلال التمعن في ولاءات الجماعات اللبنانية، فـ»الهويات المزدوجة» كثيرة الحضور وتتغلب على شعار «لبنان أولا»، والتصدع الوطني يسهل من تدخلات الأغيار، الأعداء والأصدقاء والأشقاء، وتوغلهم وإطلاق مشاريعهم الانتحارية والتعسفية وجعلنا مجرد وقود.

صلاته الحبّ ودينه الإنسان «لبنان» يحتفي بزيارة البابا لاوون الرابع عشر

لم يكد دمع لبنان المنساب على المنازل المهدّمة بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه يبحث عن يد تمسح آلامه بفعل محبةٍ، تبعث فيه أمل الخلاص في آلام جلجلته، حتى كانت زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر التي استمرت ثلاثة أيام، من ٣٠ تشرين الثاني ٢٠٢٥ إلى ٢ كانون الأول ٢٠٢٥.
ثلاثة أيام تحمل في شكلها ومضمونها دلالات عدّة. فالحبر الأعظم بما ومن بمثّل، كأنّه يعلنها رعاية من الثالوث الأقدس للبنان، وكأنّه يقول في اليوم الثالث، يوم الثلاثاء، حيث الصلاة الصامتة على أرواح شهداء انفجار مرفأ بيروت والاحتفال بالقداس الإلهي في الواجهة البحرية، إنّ للبنان قيامة، وإنّ لبنان قام حقّا قام!
زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر للبنان ليست مجرد زيارة بروتوكولية، أو جولة على دول الانتشار المسيحي في الشرق، أو للرعية المسيحية بشكل خاص، بل هي زيارةُ الأمل لكلّ بيت لبنانيّ، وزيارةُ المحبة لكلّ قلب أمٍّ وزوجة وابن وابنة وأب وأخ يبكون شوق الأحبة، وزيارةُ السلامِ لكلّ روحٍ تتوجّع، وزيارة الرعاية لكلّ من قال «أنا لبنانيّ» بعد أن أصبح اللبناني في مواجهة العواصف التي تضرب المنطقة أشبه بيتيم ينتظر على قارعة الطريق أن يستيقظ أبواه من سكرات الموت، ويُعلناه كائناً قابلاً للحياة، والرغد، والفرح، والنمو، والمحبة، والسلام.
هذه الزيارة تعلن أنّ لبنان دوماً في قلب كلّ حدث، زمنيّ كان أم روحيّ، وتؤكد أنّ لبنان ليس بالمنسيّ…
هكذا هي هذه الزيارة المباركة التي أكّدت على الشراكة الروحية بين أطياف المجتمع اللبنانيّ كافة، وَصَلَّت للجميع من دون تفرقة أو تمييز.
هذه الشراكة الروحية كانت الكلمة الموضوع التي أطّرت لقاءات الحبر الأعظم بالمرجعيات الروحية بشكل خاص، والدعوة إلى الحوار البنّاء بين اللبنانيين، وتدعيم دور لبنان كمنصة تلاقٍ وتفاهمٍ بين الأديان. وهي المحور الذي انطلقت منه كذلك كلمة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى الذي شدد في استقباله الحبر الأعظم على أنّ النور لا بدّ أن يغلب الظلام، وأن لبنان لا بدّ أن يبقى متمسكاً بالشراكة الروحية بين أبنائه، حيث الوحدة ضمن التمايز والتنوّع- الشراكة الحقيقية التي تُبنى الأوطان على قاعدتها الأخلاقية ومفادها أنّ كل عائلة روحية تحمل مسؤولية الحفاظ على عائلتها الشريكة في الوطن.
من هنا، وضع صاحب السماحة زيارة البابا لاوون الرابع عشر في باب الدعوة «إلى ما هو أسمى»، الدعوة إلى فتح أبواب الرحمة والمحبة، الرحمة الإسلامية والمحبة المسيحية. وكأنّه بذلك يقول، في لبنان، إنّ الإسلام يعانق المسيحية، ويتكاملان، إذ لا رحمة من دون محبة، ولا محبة من دون رحمة. ولبنان لا يحيا في محبة بلا رحمة، ولا في رحمة بلا محبة. وصوت يبقى المحبة- كما عبّر صاحب السماحة- أقوى من أصوات الحروب والفتن.
«فلبنان يمكن أن يكون النموذج الأرقى للتنوّع في الوحدة، إذا ما أحسّنا فهمه، واستفدنا من غنى مكوّناته، وإذا ما احترمنا خصوصية بعضنا بعضاً… نحن على يقين بأنّ وطننا لا يُبنى إلاّ على قاعدة أخلاقية ذهبية تقضي بأن تُُحافظ كل عائلة روحيّة على شريكتها في الوطن، وبأنّ اجتماعنا معاً، مسلمين ومسيحيين، قادرٌ على إحداث بارقة أمل في هذا الجو القاتم من حولنا… .»
وبهذا اليقين الذي يؤكد هذه الوحدة التي يراها صاحب السماحة في الإنسان، والأديان، وقلب لبنان -جبل لبنان الذي قام بتآلف أبنائه، وعضدهم لبعضهم، وعزم إرادتهم، على الرغم من الصعوبات التي عرفها جبل لبنان عبر تاريخه- بهذا اليقين، وفي اللقاء الخاص الذي جمع بينهما، توجّه صاحب السماحة الشيخ الدكتور سامي أبي المنى لصاحب الغبطة البابا لاوون الرابع عشر، مؤكداً على الشراكة الروحية، وأهميتها في خضم المآسي الإنسانية التي تعصف بالمنطقة من غزة إلى سوريا ولبنان، وعلى دور الحبر الأعظم الحيوي والأساس في تدعيم السلام، ونصرة الإنسان.
كما شدّد سماحة شيخ العقل على هوية لبنان «التنوّع»، الذي فيه – والقول هنا لسماحته- «غنًى ورحمة».
وكأن سماحته بقوله هذا يصِلنا بقول الله في كتابه الحكيم: «جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» (الحجرات.١٣) حيث يتجلّى لبنان بهذا التمايز الغنيّ والألفة، التي لم تبددها الأحداث المختلفة، بل تتجلّى في وقوف اللبنانيين جنباً إلى جنب عند كل مفصل رغم الاختلافات.
من ناحية أخرى، وفي تأكيد على هذه الرؤية عند صاحب السماحة بما ومن يمثّل، عرّج سماحته في كلامه للحبر الأعظم على هذه العلاقة التاريخية بين الموحدين في جبل لبنان والمسيحيين، وقد أرسوا ركائز العيش المشترك يوم كان الموحدون أمراء الجبل ووَفَوا أمانةَ روما، وعندما وقعوا المصالحة بعد الحرب الأهلية ورَعُوها على المستوى السياسيّ والشعبيّ، في ترجمة تصبّ في «المصالحة» التي دعا إليها الحبر الأعظم.
بل ورأى سماحة شيخ العقل الشيخ الدكتور سامي أبي المنى أنّ هذه المصالحة إنّما تقوى وتنمو وتستمر بتحويلها من مصالحة روحية وشراكة، إلى شراكة وطنية واقتصادية تنموية، تخدم كلّ محتاج، وتثبّت اللبنانيّ في أرضه.
زيارة الحبر الأعظم البابا لاوون الرابع عشر ليست محطة عابرة، بل محطة فيصل أعادت للبنانيين عبقاً من أريج حريّة يتوقون إليها، وبرداً من سلام يشتاقون إليه، وأملاً من أمنٍ يتوقون له، و«مسحةً» من يدٍ بركةٍ تنقلُ لبنان من عهدٍ إلى عهد لا كفر فيه بل إيمان بوحدة الإنسان، حيث الصلاة حب يصدق فيها القلب…
«صلاتنا الحبُّ» عنوان لأبيات اختارها سماحته لتختصر رؤية مشيخة العقل والموحدين، وتكون هدية للحبر الأعظم بريشة من ذهب على جلد غزال…
صلاتنا الحب
صلاتُنا الحبُّ، إن نصدُقْ به، ارتفعتْ
بنا إلى رحمةٍ، لم تُخطِئِ الهَدفـا
أفي الكنيسةِ، أم في مسجدٍ صَدحتْ
أم لحنُها في خلوةِ التوحيد قد عُزِفا
لا فرقَ كيفَ عَلَتْ أو أين قد رُفعتْ
  وأيُّ قلبٍ بها قد فاضَ مُرتجِفــا
كلُّ القلوب تلاقـتْ عند خالِقهـا
أمّا الخلاصُ فبالإخلاصِ قـد قُطِفا
كلُّ   المذاهبِ نحوَ الحقِّ ذاهبــةٌ
فلنَتّـقِ اللهَ في إنسانِنـا، وكفـى

من النمو الاقتصادي الى التنمية المستدامة: دراسة مقارنة

تشغل مفاهيم النمو والتنمية بالإضافة الى التنمية المستدامة حيزاً واسعاً في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية، لما لهذه المفاهيم من أهمية في مسارات تطور الدول ورفاه شعوبها، ولا سيما منها الدول النامية التي تعاني شرائح واسعة من مجتمعاتها من الفقر والهشاشة الاقتصادية (Todaro & Smith, 2015). وقد هيمن، لفترة طويلة، مفهوم النموّ الاقتصادي ذو البعد الكمي على هذه الأدبيات، بوصفه المؤشّر الأساسي للتقدّم والتنمية الاقتصادية (Solow, 1956).

غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، وتداعيات النمو والتنمية على البيئة، أفضت إلى بروز مفهوم التنمية المستدامة باعتباره الإطار الأشمل (WCED, 1987)، لما يتضمنه من أبعاد متكاملة تشمل البعدَ البيئي، بالإضافة إلى الجوانبِ الاقتصادية، والاجتماعية، والتقنية، والثقافية. وعليه، لم يعد النمو الاقتصادي، بمقاييسه الكمية وحدها غاية بحد ذاتها، بل أضحى وسيلة ضمن مسار تنموي أوسع (Daly, 1996)، تُشكِل فيه التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً وأكثر شمولاً مقارنة بمفاهيم النمو والتنمية التقليدية.

 

مفهوم النمو الاقتصادي

يُعرَف النمو الاقتصادي (Economic Growth) بأنه الزيادة التراكمية في حجم الاستثمار الصافي، المقترنة بالتقدم التقني الناتج عن اعتماد الآلات والتقنيات الحديثة، إلى جانب تنمية مؤهلات اليد العاملة والارتقاء بكفاءتها. ويهدف إلى زيادة الإنتاجية والتوسع في القدرات الإنتاجية وزيادة إنتاج السلع والخدمات، خلال فترة زمنية معينة لتلبية احتياجات الأفراد في المجتمع (Romer, 1990).

وغالباً ما يتطلب النمو الاقتصادي استخدام موارد طبيعية في معظمها غير متجددة (Unrenewable resources)، ويستلزم أنشطة إنتاجية وخدماتية غير صديقة للبيئة، كما يخلّف مخرجات قد تترتّب عليها آثار سلبية بيئياً، الأمر الذي يرفع من كلفة النمو على المدى القصير، ويهدّد على المدى البعيد استدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة (Daly, 1996).
ويُستدل على تحقق النمو الاقتصادي في بلدٍ ما من خلال الزيادة التي تطرأ على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية الكمية (Quantitative Economic Indicators)، وفي مقدمتها الدخل القومي الإجمالي (PNB)، والناتج المحلي الإجمالي (PIB)، على أن يفوق معدل نموها معدلات النمو السكاني من ناحية والتضخم من ناحية ثانية، كي ينعكس تحسناً فعلياً في متوسط الدخل الفردي ومستوى المعيشة، وتخفيض معدلات البطالة (Kuznets, 1973).

ومن الناحية التاريخية، يُعد ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين بحثوا مسألة النمو في إطار تحليلي. ويُقاس النمو وفق رأيه بدرجة العمران، الذي يعتبره عملية تراكمية مركبة، تتفاعل فيها العوامل المتنوعة من اقتصادية واجتماعية وجغرافية وسياسية وأيضاً عقائدية. ويتغير دور هذه العوامل وفعاليتها من فترة إلى أخرى محدثة تسارعاً أو تباطؤاً في عملية النمو، ثم توقفها، ثم تدهورها، لتعود مرة أخرى محدثة تطوراً جديداً، وهكذا دواليك (Ibn Khaldun, 2004).

 

مفهوم التنمية الاقتصادية

التنمية الاقتصادية (Economic Development) هي عملية تهدف إلى تحويل الزيادة في النمو الاقتصادي إلى تطور ملموس على المستويين الاجتماعي والتقني. وفي المقابل، تؤدي التنمية، عند تحققها، دوراً محورياً في تعزيز النمو الاقتصادي، الذي ينعكس بدوره تقدماً في المجالات التقنية والاجتماعية (Seers, 1969; UNDP, 1990).

ويرتبط مفهومي النمو والتنمية بعلاقة تفاعلية تكاملية، إذ يركز كل منهما أساساً على البعد الاقتصادي، إلا أن مفهوم التنمية الاقتصادية هو أشمل لتضمنه التغيرات النوعية (Qualitative Changes)، بالإضافة إلى التغيرات الكمية والهيكلية.

وتسهم التنمية الاقتصادية في إعادة توزيع الثروة، الأمر الذي يُحدث تحوّلات ملموسة في الأنماط والعادات الاستهلاكية. كما تؤدي إلى خلق فرص عمل، مما يتيح إشراك شريحة أوسع من القوى العاملة في العملية الإنتاجية، كما تسهم في الحد من معدلات الفقر وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تطورت أهداف التنمية وتوسّع مفهومها من خلق الثروة المادية وإنتاج السلع لتلبية الاحتياجات الأساسية للبشر، لتشمل العوامل الاجتماعية والبشرية، وصولاً إلى النمو والازدهار الاقتصادي مع التركيز على إعادة توزيع الدخل لصالح الفقراء والفئات المهمشة.
ولا تقتصر التنمية على تعزيز الاستهلاك وزيادة القدرة الشرائية فقط، بل تشمل جميع الجوانب الاجتماعية التي تسهم في تحسين مستويات المعيشة ورفع مستوى رفاهية الأفراد. وتعكس قدرة الدولة على مواكبة متطلبات توسع القطاعات الإنتاجية وتوفير البنى التحتية والخدمات الأساسية، بما يُعَد مؤشراً عاماً على تحقيق التنمية وتحسن الأداء الاقتصادي الكلي (Seers,1969;UNDP,1990).

تُعبِر التنمية الاقتصادية عن قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق زيادات تراكمية في المؤشرات الاقتصادية الكلية بمعدلات تتجاوز الحد الأدنى اللازم لضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية وتجديد أدواتها الإنتاجية، وتُقدَّر عادةً هذه الزيادات بنسب تتراوح بين 2 و5 في المئة وما فوق.
وفيما تُحاكي نظريات النمو اهتمامات الدول المتقدمة، تُعنى نظريات التنمية بمعالجة المشكلات الاقتصادية المتعلقة بالدول النامية (Al-Eisawi ,2000).

وقد حدد مؤتمر الأمم المتحدة في العام 2000، الذي سُمي «قمة الألفية»، الهدف من التنمية في وثيقة حملت عنوان «الأهداف الإنمائية للألفية» (The Millennium Development Goals, MDGs)، والتي تضمنت ثمانية أهداف محددة وقابلة للقياس. وتشمل القضاء على الفقر المدقع والجوع، وتعميم التعليم الابتدائي، وتخفيض معدل وفيات الأطفال، وتعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، وتحسين صحة الأمهات، ومكافحة الأمراض، وضمان الاستدامة البيئية، وإقامة شراكة عالمية من أجل التنمية (United Nations, 2000).

 

مفهوم التنمية المستدامة

تُعدّ التنمية المستدامة مفهوماً حديثاً نسبياً في الفكر التنموي المعاصر، وتمثّل عملية متعددة الأبعاد (Multidimensional Process) تقوم على تحقيق التنمية التي تُلبّي احتياجات الأجيال الحالية، مع صون قدرة الأجيال القادمة على الوفاء باحتياجاتها، من خلال احترام حقوقها في الموارد والثروات الطبيعية. ويُشكّل هذا المبدأ البُعد القيمي والفلسفي الجوهري لمفهوم التنمية المستدامة (WCED, 1987).

تهدف التنمية المستدامة إلى إرساء تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة (Sachs, 2015)، تُعنى بتحسين نوعية الحياة الإنسانية، بالتوازي مع حماية النظم البيئية وترشيد استخدام الموارد الطبيعية، بما يضمن استمراريتها وإتاحتها للأجيال المقبلة. وبذلك، لا يقتصر قياس التنمية المستدامة على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل يشمل مؤشرات اجتماعية وثقافية وبيئية، الأمر الذي يجعلها أكثر شمولية وملاءمة من نماذج التنمية والنمو التقليدية التي سبقتها.
وتشكل التنمية المستدامة إطاراً ناظماً للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، إذ تهدف إلى المواءمة بين متطلبات النمو الاقتصادي والحد من آثاره البيئية السلبية، بما يكفل حماية الإنسان من المخاطر وصون استقراره وتحقيق رفاهيته، فضلاً عن تحسين نوعية حياته المادية والاجتماعية على المدى الطويل (OECD,2001).

كما تهدف التنمية المستدامة إلى الإسهام في بناء مجتمعات تتراجع فيها مظاهر الفقر واللامساواة، ويُحدّ فيها من الاستغلال غير الرشيد للموارد الطبيعية، فضلاً عن التخفيف من الآثار السلبية لانحرافات التقدم العلمي والتقني. ويتطلب تحقيق هذه الأهداف تفاعلاً وتكاملاً بين مختلف الجهات المعنية، من حكومات ومؤسسات رسمية ومنظمات المجتمع المدني، بما يعزز فرص تحقيق تنمية فعالة ومستدامة (Sen, 1999).

تشمل مؤشرات التنمية المستدامة أربعة محاور رئيسية تعكس أبعادها التنموية الشاملة، وهي: المؤشرات الاقتصادية، والمؤشرات الاجتماعية، والمؤشرات البيئية، فضلاً عن المؤشرات المؤسساتية (Institutional Indicators)، التي تُعدّ مجتمعة أدوات تحليلية أساسية لتقييم مستوى التقدم نحو تحقيق التنمية المستدامة (United Nations, 2007).

وتُقاس الاستدامة على الصعيد الاقتصادي من خلال مجموعة من المؤشرات التي تعكس قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو المستمر والمتوازن، من دون الإخلال بالموارد أو بالاستقرار المالي والاجتماعي. ومن أبرز هذه المؤشرات: معدل النمو الاقتصادي الحقيقي، ومستوى الاستثمار المنتج، وكفاءة استخدام الموارد، واستقرار المالية العامة، وتوزيع الدخل، إضافةً إلى معدلات التشغيل والإنتاجية. وتُستخدم هذه المؤشرات لتقييم مدى قدرة الاقتصاد على توليد الثروة بشكل مستدام وعادل.

أما على الصعيد الاجتماعي، فتُقاس الاستدامة الإجتماعية عبر مؤشرات تُعنى بتحسين نوعية الحياة وتعزيز العدالة الاجتماعية، من بينها معدلات الفقر والبطالة، ومستويات التعليم ونسب الالتحاق به، ومؤشرات الصحة العامة، والنمو السكاني، وتكافؤ الفرص بين الفئات الاجتماعية المختلفة. ويُعدّ «مؤشر التنمية الاجتماعية» أحد الأدوات الرئيسية في هذا المجال، إذ يوفّر إطاراً كمياً لقياس التقدم الاجتماعي ومدى شمولية ثمار التنمية.

وفيما يتعلق بالبُعد البيئي، تُقاس الاستدامة البيئية من خلال مؤشرات تهدف إلى تقييم الأثر البيئي للأنشطة الاقتصادية والتنموية، ومدى الحفاظ على النُظم البيئية والموارد الطبيعية. ويُعدّ «مؤشر البصمة الإيكولوجية» من أبرز هذه الأدوات، التي تسمح بتحديد مدى توافق أنماط الإنتاج والاستهلاك مع القدرة الاستيعابية للبيئة (Wackernagel & Rees, 1996).
أما المؤشرات المؤسساتية، فتُعنى بقياس كفاءة الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة، ومدى قدرة المؤسسات على دعم مسارات التنمية المستدامة. وتشمل هذه المؤشرات جودة التشريعات والسياسات العامة، ومستويات الشفافية والمساءلة، وفعالية الإدارة العامة، وسيادة القانون، ومشاركة المجتمع المدني في صنع القرار. وتُعدّ هذه المؤشرات عنصراً حاسماً في ضمان استدامة النتائج التنموية على المدى الطويل (World Bank, 1992).

وبالتالي، تُشكّل التنمية المستدامة نموذجاً أكثر شمولية وتكاملاً، إذ تقوم على تحقيق التقدم الاقتصادي بالتوازي مع العدالة الاجتماعية وحماية البيئة، مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة. وهي لا تكتفي بقياس النجاح بمعدلات النمو أو الدخل، بل تركز على نوعية الحياة، واستدامة الموارد، والتماسك الاجتماعي، والحوكمة الرشيدة.

 

لبنان والتنمية المستدامة

بناءً على ما تقدم، تكتسب التنمية المستدامة بالنسبة للبنان أهمية استثنائية في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والبيئية المتراكمة التي يعاني منها البلد. فالنمو الاقتصادي بمعناه التقليدي لم يعد كافياً لمعالجة الاختلالات البنيوية، ولا لتأمين العدالة الاجتماعية أو حماية الموارد الطبيعية المحدودة (ESCWA, 2020).

سيما وأن التنمية المستدامة تُتيح إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو إنتاجية مستدامة بدلاً من الريع والهدر، وتقوية الأطر المؤسساتية والحوكمة الرشيدة بما يُعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. كما تعزّز التنمية المستدامة العدالة الاجتماعية وتحد من الفقر والبطالة والهجرة من جهة، وتحمي الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه والطاقة والأراضي، من الاستنزاف والتدهور من جهة أخرى.

وعليه، تشكل التنمية المستدامة الإطار الأكثر ملاءمة لإخراج لبنان من أزماته المتعددة، وبناء مسار تنموي متوازن يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويحفظ حقوق الأجيال الحاضرة والمقبلة، ويعيد وصل النمو الاقتصادي بالتنمية الإنسانية الشاملة.

موجة الغلاء المستفحل تفتك بأحلام وحاضر ومستقبل اللبنانيين

فيما يواجه لبنان تحديات واستحقاقات خطيرة وسط المشهد السياسي المحموم، محليا، إقليميا ودوليا، يرزح اللبنانيون تحت عبء الواقع الإقتصادي والمعيشي، وهذا ليس بغريب مع ظروف الحرب الأخيرة وتداعياتها، وأيضا مع بقاء الفساد حاضرا في معظم مرافق ومؤسسات الدولة، وتلاشي وعود الإصلاح إلى حدود لا تسمن ولا تغني من جوع، ما يُبقي الأزمة حاضرة بسائر تجلياتها: تراجع فرص العمل، الغلاء، التضخم والبطالة، أموال المودعين المنهوبة، فضلا عن تكاليف الطبابة والاستشفاء، حتى بات لسان كثيرين من اللبنانيين «الله يستر الفقر بالعافية»، وليس ثمة مبالغة إذا علمنا مدى عجز وعدم قدرة اللبناني على توفير الدواء، دون أن ننسى الواقع التربوي المأزوم، مع غلاء الأقساط وتكاليف الدراسة، وما إلى ذلك من أمور أهمها ارتفاع الأسعار إلى مستويات كبيرة، حتى بات حلم الشريحة الأكبر من اللبنانيين تأمين رغيف الخبز.

وإذا كان العوز لا يفرق بين طائفة وأخرى أو مذهب وآخر، بمعنى أن ثمة أزمة اقتصادية ضاغطة تواجه جميع اللبنانيين، ومن بينهم أبناء طائفة الموحدين المسلمين الدروز، ونسلط الضوء على معاناة إجتماعية وإنسانية، فالمعاناة واحدة وبعض العائلات اللبنانية بدأ يعضها الجوع، ولا مبالغة في الأمر، إلا أن جُل اللبنانيين يواجهون العوز وضيق ذات اليد.

في هذا السياق، كان لـ «» جولة على مواطنين من أبناء هذه الطائفة المعروفية، رفعوا الصوت، وعرضوا لواقع صعب وظروف تقارب أن تكون ظروفا مأسوية.

 

أحلام مؤجلة وواقع قاسٍ

تروي هبة، وهي أم لعائلة مكونة من أربعة أفراد، فصول معاناتها اليومية في ظل الأزمة الراهنة. ورغم أن العائلة تسكن في منزل تملكه، إلا أن جدران البيت لم تعد كافية لحمايتهم من رياح الإنهيار الاقتصادي التي عصفت بأحلام أبنائها.

بحرقة الأم، تتحدث هبة عن ابنها الشاب الذي اضطر لترك مقاعد الدراسة الجامعية، فالتخصص الذي يعشقه «الأدلة الجنائية» غير معترف به في الجامعة التي تستطيع العائلة تحمّل تكاليفها، بينما تقف أقساط «الجامعة الأميركية» (حيث التخصص المعتمد) عائقاً لا يمكن تجاوزه، واليوم، يعمل الشاب في محل لبيع الهواتف براتب لا يكاد يغطي كلفة نقله وغدائه، أما الزوج، فيعاني من عدم استقرار دخله كونه يعمل في مجال المبيعات المرتبط بتقلبات السوق.

في محاولة منها لرفع هذا العبء، انضمت هبة لمشاريع تمكين النساء، لكن ثمار هذا الجهد لا تزال في إطار العمل التطوعي، حيث تقول: «أحاول المساعدة، لكن أقصى ما أؤمنه حالياً هو بعض «المونة» لمنزلي».

وسط هذا القلق، تبرز ابنة هبة، المنضوية في سلك المؤسسة العسكرية، كصمام أمان للعائلة، تقول هبة: «لولا وجود ابنتي في الجيش لكان وضعنا مأساويا، فقد خضعت لعدة عمليات جراحية كانت تكاليفها على عاتق الجيش». وتضيف متسائلة عن حال الآخرين: «لا أدري كيف يتدبر الناس أمور استشفائهم! فخلال فترة مرضها، كلفتنا مصاريف النقل ومواقف السيارات فقط نحو 4 آلاف دولار».

وعن تفاصيل حياتهم اليومية، تصف هبة سياسة «التقشف» التي تتبعها على مائدة الطعام: «أصبح فطورنا يعتمد بشكل أساسي على «اللبنة» لأنها تدوم لفترة أطول ويحبها جميع أفراد الأسرة، بينما قالب الجبنة قد ينتهي في وجبة واحدة». وتختم هبة حديثها بالإشارة إلى أنها باتت تلاحق «العروضات» وتبحث دائماً عن السلع الأقل ثمناً لتستطيع الموازنة بين الدخل المحدود ومتطلبات العيش.

 

بين سندان الأقساط ومطرقة الاستشفاء

تقطن غنوة مع عائلتها المكونة من أربعة أفراد في منزلهم الخاص ببيروت، محاولةً تطويع الظروف القاسية لتأمين حياة كريمة لطفليها (3 و7 سنوات)، كانت غنوة تعمل في دار للحضانة، لكنها اضطرت لترك عملها مؤخراً نتيجة حادث سير سابق أثر عليها، وتزامن ذلك مع مرض طفلها الصغير. تقول غنوة: «كان عملي متطلباً وراتبي لا يتجاوز 400 دولار، يذهب ربعها على المواصلات، لذا فضلت التفرغ لصحتنا».

ويعمل زوج غنوة في قطاع السفريات براتب 600 دولار شهرياً، وهو مبلغ بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، وتوضح غنوة عمق الأزمة: «وقعنا في عجز مالي هذا الشهر؛ فقد كنا نعتمد على دمج راتبينا لتسديد أقساط المدرسة. ولولا استخدام زوجي للدراجة النارية لنقل الأولاد، لكانت تكلفة المواصلات المدرسية عبئاً لا يُحتمل».

تصف غنوة معاناة الاستشفاء بـ «العذاب الحقيقي»، حيث واجهت تفاوتاً صادماً في المبالغ المطلوبة لدخول طفلها المستشفى، تراوحت بين 800 و1500 دولار في بيروت. وفي نهاية المطاف، قصدت مستشفى «عين وزين» حيث سددت مبلغاً تأمينياً رمزياً (50 دولاراً) لكنها تحملت 45% من إجمالي الفاتورة، وتضيف: «الضمان الاجتماعي عاد ليغطي نسبة تصل إلى 95%، لكنه لا يشمل كل شيء، وما زلنا نتحمل فروقات باهظة».

 

بين فكي رواتب مؤجلة ومسؤوليات لا تنتظر

بين نصيحة والد قديمة وواقع مرير، تجد نجاة نفسها عالقة في دوامة معيشية لا ترحم، تتذكر تماماً حين أنهت دراستها الثانوية وحلمت باختصاص مختلف، لكن والدها حسم الأمر قائلاً: «اختاري شهادة تستفيدين منها وقت الحاجة»، امتثلت نجاة لرغبته، وتخصصت في آداب اللغة الإنجليزية، وهي اليوم تستخدم هذه الشهادة وسنوات خبرتها الطويلة لتعمل بدوامين شاقين، من الثامنة صباحاً حتى الخامسة والنصف مساءً، لكن دون جدوى مادية ملموسة.

تصف نجاة معاناتها مع نظام التعاقد قائلة: «معاشي لا يكفيني، والأسوأ أنه مؤجل دائماً لأنني من فئة (المستعان بهم)، حيث لا أقبض راتبي إلا بشكل فصلي»، هذا التأخير في المستحقات يجعل من تدبير اليوميات معركة استنزاف مستمرة، خصوصا وأنها أم لثلاثة أطفال تتشارك مع زوجها عناء تأمين مصاريف تربيتهم في ظل ارتفاع جنوني للأسعار.

في ملف التعليم، تشير نجاة إلى أن أقساط المدارس قفزت بنسبة 30% هذا العام. وتوضح حجم الضغط المالي:» لقد سددنا المستحقات القديمة واشترينا الكتب والأساسيات، لكننا حتى اللحظة لم نستطع دفع أي ليرة من الأقساط الجديدة، فالرواتب – بحسب وصفها- «بقيت تراوح مكانها بينما حلّقت أسعار الغذاء والحاجيات الأساسية بعيداً عن متناول اليد».

تردد نجاة عبارة «يا رب استر الفقر بالعافية»، فالحوادث البسيطة أصبحت كوارث مالية في لبنان. وتروي تجربة قاسية مرّت بها الشهر الماضي: «دخول بسيط لابني إلى المستشفى بسبب كسر في يده، جعلنا ندرك حجم المأساة التي نعيشها كلبنانيين، ومدى عجزنا أمام أبسط المتطلبات الصحية».

لا تقتصر أزمة نجاة على الجانب المالي، بل تمتد لتطال الإستقرار النفسي والعائلي، فمع ضيق الأفق، يبرز خيار سفر زوجها للعمل في الخارج كحل وحيد ومرّ. تتساءل نجاة بحرقة: «هل أنا قادرة وحدي على حمل مسؤولية البيت والأطفال؟ وهل ترك لنا المسؤولون أي خيار آخر غير التشتت؟»

تختصر قصة نجاة واقع فئة كبيرة من المتعاقدين في لبنان، الذين يطحنهم الغلاء بين فكي الرواتب المؤجلة والمسؤوليات التي لا تنتظر.

 

تطوع الأزمات في «بيت القطايع»

في «بيت القطايع»، تعيش (ك.م) فصلاً جديداً من حياتها بدأ منذ انفصالها عن زوجها قبل أربع سنوات. كانت تعمل سكرتيرة تنفيذية في إحدى الشركات، لكنها اتخذت قراراً جريئاً بترك الوظيفة بعدما تآكل راتبها أمام تكاليف النقل، وفي ظل انعدام الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي.

لم تستسلم (ك.م) للواقع، بل انتقلت إلى مجال التصنيع الغذائي المنزلي، وأصبحت وجهاً مألوفاً في معارض «المونة» والمنتجات البيتية، وعن واقعها المادي تقول: «أعتمد على مدخرات أجمعها في ذروة المبيعات الصيفية، لكنها تتناقص تدريجياً مع مرور الأيام، مصروفي الشخصي يتراوح اليوم بين 200 و300 دولار بفعل الغلاء الجنوني».
ورغم ضيق حالها، تتساءل بحزن عن حال العائلات التي تعيل أطفالاً وتواجه مصاريف المدارس والطبابة: «كيف يستطيعون تدبير أمورهم في هذا الغلاء المستفحل للأسعار؟».

تروي (ك.م) تجربتها المريرة مع الوظيفة التي لم تراعِ التضخم ولم توفر لها غطاءً صحياً، مشيرة إلى أن تكلفة علاج أسنانها فقط بلغت حتى الآن نحو ألف دولار، وما زالت تحتاج المزيد. وبينما تعيش اليوم على ما ادخرته، تبدي قلقاً من المستقبل: «المستقبل يبدو قاتماً، ولا أعرف إلى متى سأصمد». وتنتقد غياب مشاريع الإنماء الوظيفية من قِبل سياسيي المنطقة، مقارنةً بما تقدمه طوائف أخرى لأبنائها، لافتةً إلى أن مساعدات شقيقها المغترب في المناسبات هي ما يسد بعض الثغرات المالية الكبيرة.

تختتم (ك.م) حديثها بمرارة حول الحقوق الضائعة، معتبرة أن وجود قانون عادل للميراث كان كفيلاً بتبديل واقعها المادي نحو الأفضل، ومع ذلك، لا تخفي امتنانها لعدم اضطرارها لدفع بدل إيجار سكن، قائلة: «الحمد لله أنني أسكن في ملك أهلي، وإلا لكان وضعي أسوأ بكثير مما هو عليه الآن».

 

بين «أمان» وإعاشات الشتاء.. قصة مكافح يواجه السكري بالعمل الشاق

في حياة «علم»، رب الأسرة الذي يعيل ثلاث بنات وصبياً، تحضر القناعة كمنهج حياة. ينتظر علم مولوداً جديداً، مؤمناً بيقين فطري بأن «الطفل يأتي وتأتي رزقته معه»، وهي القاعدة التي يسير بها شؤون عائلته الكبيرة.
من الزراعة وبيع الحطب إلى جمع علب «التنك»، ليؤمن مصاريف أطفاله الثلاثة في المدرسة الرسمية، والتي تبلغ تكلفتها الشهرية 90 دولاراً، بالإضافة إلى نحو 100 دولار كمصاريف يومية، يعتمد علم على أرضه لتأمين الخضار والفاكهة، بينما يشكل برنامج «أمان» التابع لوزارة الشؤون الاجتماعية ركيزة أساسية له، حيث يوفر لعائلته نحو 150 دولاراً شهرياً منذ عام تقريباً، وأبيع كيلو التنك بحوالي 20 ألف ليرة، ويتابع «هي ميزانية «تحت رحمة الله» !

تكتمل ميزانية الصمود لدى عائلة علم عبر قنوات إغاثية، حيث يشير إلى استلامه «إعاشة الملك سلمان» كل ثلاثة أشهر، وهي حصة غذائية تشمل الأساسيات كالرز والحمص والعدس والخبز، بالإضافة إلى كسوة الشتاء، أما بقية الملابس، فتتولى تأمينها إحدى الجمعيات، وما يتبقى من احتياجات يغطيه بعرقه وعمله اليومي.

بثقة لافتة، يتحدث علم عن ملف الصحة، معتبراً أن زوجته لا تواجه صعوبات في الولادة، وأطفاله ينعمون بصحة جيدة، أما هو، وبالرغم من إصابته بمرض السكري، فإنه يختار طريقاً مغايراً للعلاج، إذ يرفض تناول الأدوية ويعتمد على الحركة الدؤوبة، قائلا:» يبدأ يومي في الخامسة صباحاً ولا ينتهي قبل الثامنة مساءً، أعمل كثيراً وآكل ما يحلو لي، وصحتي جيدة للغاية».

يختم علم حديثه بنظرة تفاؤلية رغم قسوة الظروف، مؤكداً نيته إنجاب المزيد من الأطفال، متمسكاً بإيمانه العميق بأن «الرزق على الله» وأنه لن يحرم أطفاله من شيء ما دام قادراً على الكدح من فجر اليوم حتى ليله.

 

صحافية لبنانية خبرة سنوات تواجه «رواتب المبتدئين» وغياب الأمان

تختصر الصحافية (ع.ن) بمرارة واقع «مهنة المتاعب» في لبنان، حيث تجد نفسها اليوم تقاتل على جبهات عدة؛ كصحافية خذلها قطاع الإعلام، وكأب وأم في آن واحد لابنتها بعد طلاقها، وكابنة رعت والدتها الراحلة في ظل أزمة معيشية لا ترحم.
تتحدث (ع.ن) بحرقة عن تدهور قطاع الإعلام، حيث غاب تقدير الخبرة لصالح توظيف المبتدئين برواتب بخسة. وتقول»: المواقع الإخبارية اليوم تهرب من الخبرات لتتجنب الرواتب العادلة والتأمينات، وأغلبها يعمل خارج رقابة وزارتي الإعلام والعمل». وتوجه نقداً لاذعاً لنقابة الصحافة والمحررين، معتبرة أنها فشلت في حماية منتسبيها مقارنة بنقابات الأطباء والمحامين، مما جعل الصحافي عرضة للطرد التعسفي والاستبدال دون رادع قانوني.

تتفاقم معاناة (ع.ن) مع ابنتها في ظل غزو «الإعلانات المغرية» لوسائل التواصل الإجتماعي، ما يضع ضغطاً هائلاً على الأهل لتلبية متطلبات الجيل الجديد. توضح (ع.ن): «ابنتي في مرحلة نمو وتأثر بالموضة، ومصروفها وحده يتجاوز المئة دولار شهرياً، في وقت أصبحت فيه تكلفة المنزل والمدرسة والطبابة عبئاً لا يُطاق»، وتستذكر بحسرة زمناً مضى كان فيه العمل لسنتين يكفي لشراء منزل، بينما اليوم «نركض عشرين سنة ولا نؤمن حتى قسطاً شهرياً».

لم تجد الصحافية مفراً من دخول مجال المبيعات والترويج للمنتجات في المحلات الكبرى و»أونلاين». وتعلق على ذلك: «هذا العمل متعب جداً، لكنه يضع الطعام على المائدة». وبالأرقام، تسرد ميزانية صمودها: قسط مدرسة الابنة (المتفوقة): 1800 دولار سنوياً، بدل نقل ومصروف ابنتها وسيارتها: يتجاوز الـ 400 دولار شهرياً، مصروف المنزل: بين 150 و200 دولار شهرياً.

وبعد أن كان راتبها 1100 دولار، تراجع ليصل إلى 650 دولاراً، واليوم مع كل جهودها المضنية، بالكاد تجمع ما بين 400 و500 دولار شهرياً.

وتختم (ع.ن) حديثها لـ «» قائلة: «لولا مساعدة الأقارب والمساهمات غير المنتظمة من زوجي السابق لغرقت في الديون، لكنني سأستمر بكل قوتي لتأمين العيش الكريم لابنتي، رغم أن الوضع مأزوم للغاية».

 

بين الضغوط المالية والانحلال الأخلاقي: قراءة في أسباب ارتفاع نسب الطلاق

في قراءة قانونية واجتماعية لواقع العلاقات الزوجية في ظل الأزمة الراهنة، توضح المحامية الأستاذة سوزان إسماعيل أن الربط بين تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسب الطلاق هو ربط «جزئي» وليس كلياً.
وتشير إسماعيل إلى أن عدم استقرار الوضع المعيشي يخلق نوعاً من «المناحرات» اليومية، لكنه ليس السبب الجذري للطلاق في المجتمع، وترى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب القيم والبعد عن الروحانيات، لافتة بمرارة إلى تنامي ظاهرة «الانحلال الأخلاقي» وتفشي الخيانة الزوجية من قِبل الطرفين (الرجل والمرأة) بوتيرة غير مسبوقة، مما يؤدي إلى تفكك الأسرة وانهيار بنيانها.

وتشدّد إسماعيل على ضرورة إرساء ثقافة «الوعي الزوجي» للشباب المقبلين على هذه الخطوة، قائلة: «من الخطورة بمكان دخول هذه المؤسسة دون معرفة الحقوق والواجبات المتبادلة، فغياب استشعار المسؤولية يؤدي إلى عواقب وخيمة عند أول مواجهة مع ضغوط الحياة».

تربية الأبناء في زمن الشاشات: تحديات وفُرَص

في عصر تهيمن فيه الشاشات على تفاصيل حياتنا اليومية، يواجه الأهل تحديًا جديدًا في تربية أبنائهم. فالهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، ومنصّات التواصل الاجتماعي لم تعد أدوات ترفيه فحسب، بل أصبحت لاعبًا أساسيًا في تشكيل وعي الأطفال والمراهقين.
تأثير هذه التكنولوجيا على الأسرة يتراوح بين الفوائد التعليمية والترفيهية، وبين المخاطر النفسية والاجتماعية، ما يجعل مهمة الأهل أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

السيطرة على الوقت والإدمان الرقمي:

يقضي الكثير من الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات، أحيانًا على حساب الدراسة أو النوم أو اللعب. هذا الإفراط قد يؤدي إلى ضعف التركيز، والعصبية، والعزلة الاجتماعية. الأهل مدعوون لوضع قواعد زمنية واضحة، توازن بين حاجات الطفل للتعلم والترفيه وبين المحافظة على صحته النفسية والجسدية.

 

المحتوى غير المناسب وتأثيره على القيم:

لا تقتصر التحديات على الوقت فقط، فالمحتوى الذي يصل إلى الأطفال أحيانًا غير مناسب لأعمارهم أو لا يتوافق مع قيم الأسرة. هنا يلعب الحوار المفتوح مع الأبناء دورًا أساسيًا في بناء وعي نقدي، يمكنهم من التمييز بين الصواب والخطأ، والاختيار الواعي لما يشاهدونه أو يتفاعلون معه.

ضعف التواصل الأسري:

حلّت الشاشات مكان بعض الجلسات العائلية، ما أدى إلى فتور في التفاعل اليومي بين أفراد الأسرة. فالطفل الذي ينعزل في عالم افتراضي قد يفقد مهارات التعبير عن مشاعره، ويواجه صعوبة في بناء علاقات واقعية صحية.

دور الأب والأم كقدوة تربوية:

يلعب الأب والأم دورًا محوريًا في توجيه سلوك الأبناء. فالطفل يراقب ويقلّد، ويتعلم أكثر من الممارسة اليومية للأهل من أي نصيحة لفظية. الالتزام بالتوازن في استخدام التكنولوجيا، واحترام الوقت، والحوار المستمر، يجعل الأهل قدوة حيّة تُرسّخ القيم في نفوس أبنائهم. التعاون بين الأب والأم في وضع القواعد يعزز شعور الطفل بالأمان والانتماء، ويزيد وعيه بالحدود والتزامه بها.

 

الإفراط في استخدام الشاشات مرتبط بزيادة القلق، وتدنّي تقدير الذات، واضطرابات النوم، خاصة لدى المراهقين. لذلك، يحتاج الأطفال إلى دعم نفسي مستمر، ليشعروا بأن الأسرة هي الملاذ الآمن قبل أي عالم افتراضي.

تحويل التكنولوجيا إلى فرصة:

على الرغم من المخاطر، يمكن للتكنولوجيا أن تصبح أداة إيجابية إذا أُحسن استخدامها. فهي تتيح فرصًا للتعلم، وتنمية المواهب، وتوسيع المدارك، شرط أن يكون التوجيه واعيًا ومتوازنًا، بعيدًا عن المنع المطلق أو الإهمال.

تربية الأبناء في عصر الشاشات ليست صراعًا مع التكنولوجيا، بل شراكة ذكية معها. الأبناء يحتاجون أبًا وأمًا حاضرين، حوارًا صادقًا، وبيتًا يمنحهم الأمان والاحتواء، لا شاشات أكثر ذكاءً.

َ

مقالات - اجتماعيات

Untitled-112

تختلف القراءات التاريخية حول إعلان تأسيس لبنان الكبير في 1 أيلول/سبتمبر 1920، وأصل الفكرة وفصلها: هل هي فعلا مجرد خريطة رسمها سايكس …

Untitled-112

لم يكد دمع لبنان المنساب على المنازل المهدّمة بفعل الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه يبحث عن يد تمسح آلامه بفعل محبةٍ، تبعث فيه …

Untitled-112

تشغل مفاهيم النمو والتنمية بالإضافة الى التنمية المستدامة حيزاً واسعاً في الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية، لما لهذه المفاهيم من أهمية في مسارات تطور …

Untitled-1

فيما يواجه لبنان تحديات واستحقاقات خطيرة وسط المشهد السياسي المحموم، محليا، إقليميا ودوليا، يرزح اللبنانيون تحت عبء الواقع الإقتصادي والمعيشي، وهذا ليس …

1

في عصر تهيمن فيه الشاشات على تفاصيل حياتنا اليومية، يواجه الأهل تحديًا جديدًا في تربية أبنائهم. فالهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية، ومنصّات التواصل …

4

بين ضغط الشارع وضغط الموازنة، تعود أزمة الرواتب والأجور في لبنان إلى الواجهة، محملةً بقرارات حكومية تُعطي بيد لتأخذ باليد الأخرى. فهل …

Screenshot 2026-02-06 182223

ليست المرة الأولى التي تشهد فيها أسعار الذهب ارتفاعات حادّة، غير أنها المرة الأولى التي يُسجل فيها المعدن الأصفر مستويات قياسية غير …

WhatsApp-Image-2024-02-29-at-09.32.18

لطالما كانت مسألة تصحيح الرواتب والأجور في لبنان موضع تجاذب بين موظفي القطاع العام ونقابات العمال من جهة، والدولة من جهة أخرى، …

Untitled-1

الأُسرةُ لَيسَتْ مُجرَّدَ إطارٍ اجتماعيٍّ يَجمَعُ الأفرادَ في مَنزِلٍ واحِدٍ، بل هِي البِيئةُ الأُولى الَّتي يَتشكَّلُ فيها الوعي، وتُبنى فيها القِيَم، وتَتكوَّنُ …

Gemini_Generated_Image_6hc2dl6hc2dl6hc2

على مدى المسيرة المهنيّة الخاصّة الّتي امتدت لأكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال، تجمّعت لدينا بعض الأفكار حول العمل الإداري، وكيفيّة …

unnamed

لم يعد العمل البلدي والاختياري في لبنان مجرّد محطة عابرة كلّ ستّ سنوات، إنّما بدأ يتّخذ مقاربة واعدة تتمثّل بشعورٍ عارمٍ لدى …

أنواع-حقوق-الملكية-الفكرية

يشعر قارئ الكتب ومثيلاتها، والمستمع إلى الألحان وما شابهها، والمشاهد للشاشات على أنواعها. بأن ثمة تعدّ يصيب مثيلاتها بطريقة أو بأساليب أصبحت …