يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنّاسِ تَأمُرونَ بِالمَعْروفِ وتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾ (آل عمران 110).
إذا تدبّرنا هذه الآية الكريمة نجد أنّها قد وضعت المفهوم الحقيقيّ للسّلوك الإنسانيّ القويم، إذ إنّها بيّنت لنا التّوصيف الدّقيق للإنسان الخيّر ﴿كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ﴾، واشترطت لبلوغ هذه المنزلة الرّفيعة شرطين أساس هما: الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، ثمّ اقترن ذلك كلّه بالإيمان بالله تعالى ﴿وَتُؤْمِنونَ بِالله﴾، فالإيمان بالحقيقة هو قول باللّسان وتصديق بالجَنان (القلب) وعمل بالأركان (الجوارح)؛ ولا يكون المؤمن آمرًا بالمعروف دون ائتمار، ولا ناهيًا عن المنكر دون انتهاء؛ أمّا المراد بالمعروف فهو كلّ ما أمر الله به، وبالمنكر كلّ ما نهى الله عنه، فبماذا أمر سبحانه وعَمَّ نهى؟ تجيبنا على هذه التّساؤلات الآية الكريمة ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُكُمْ بالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وإِيْتَاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ﴾ (النّحل 90)، والإحسان -هنا- هو فعل ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل، وقربة إلى الله، أمّا المنكر فهو كلّ ما أنكره الشّرع والعقل السّليم لفساده وضرره من المعتقدات والأقوال والأفعال.
يتّضح لنا ممّا سبق أنّ الخالق جلّ وعلا أمر عباده بأوامر وأوجب عليهم الائتمار بها، ونهاهم عن نواهٍ وأوجب عليهم الانتهاء عنها، ولا سبيل للمرء إلى «الائتمار بالأوامر والانتهاء عن النّواهي»، إلّا باعتماد قاعدة «الاجتناب الاكتساب»، اللّذين لا يصحّ أحدهما دون الآخر، فمن لا يجتنب تتراكم السّيّئات على قلبه فيكدر، وينآى به عن موارد الخير، ومن يجتنب ويقعد عن اكتساب الخيرات يكن كمن أفرغ كأسه من العَكَر، ثمّ لم يملأه بماء طاهر، فلا يرتوي أبدًا.
إذن علينا، لكي نطبّق الاجتناب أن نتعرّف على معناه وأهمّيّته …، وكذلك معرفة الاكتساب، وهذا ما سوف نتطرّق إلى عرضه في بحثنا -وبالله المستعان- …
الاجتناب
الاجتناب يعني الاحتراز من الشّيء والابتعاد عنه، فعلى المرء أن يبتعد عن كلّ فاسد في القول والفعل والمعتقد، وذلك بأن يطهّر قلبه من الآفات الباطنة كسوء النّيّة والحقد والحسد وحبّ الجاه … ويراقب أعمال الجوارح (أعضاء الجسم الّتي يكتسب بها الخير والشّرّ) ويرفّعها عن المنكرات والفواحش كالكذب والغيبة والنّميمة وفحش الكلام، وإيذاء النّاس بقول أو بفعل، والحرام في المال أو المأكل أو الملبس … فإذا فعل ذلك مع الإخلاص في النّيّة صفت نفسه، وأمِنَ ظُلمها﴿وَتِلْكَ حُدودُ اللهِ وَمَن يَّتَعَدَّ حُدودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾(الطّلاق 1)، وطاب عيشه.
وممّا يساعد على الاجتناب عدم الانصياع لشهوات النّفس ورغباتها ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف 53). كما يساعد على ذلك الاحتراز من كلّ ما يقرّب من تلك المفاسد الّتي ذكرناها، فلنحترز من مصادر الفساد ومواقعه، وها نحن نرى الأهل إذا خافوا على ولدهم السّوء حذّروه من المعشر السّوء، فليُحسن كلّ منّا اختيار البيئة المحيطة به، ثمّ إنّ مصادر الفساد قد تعاظمت في أيّامنا هذه، بانتشار بعض الإعلام غير المسؤول، وبوجود الهواتف الذّكيّة الّتي تفتح أمام روّادها أبواب الإفساد على أوسع مصاريعها، فلينتقِ المرء المواقع المفيدة ويحسن استعمال الآلة الّتي بين يديه لئلّا تجذبه إلى الوقوع فيما لا تحمد عقباه.
أهمّيّة الاجتناب
إنّ للأعمال تأثيرها في القلب وفي النّفس، فهي تطبع على القلب بالصّدأ والرّان ﴿كَلَّا بَلْ رَّان َعَلَى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبون﴾ (المطفّفين 14).
ثمّ إنّ في الإنسان قوّتين متضادّتين متصارعتين، وهما قوّة الخير وقوّة الشّرّ، وعلى المرء أن يعمل على تغذية قوى الخير، وإضعاف قوى الشّرّ، ولا يمكن إضعافها -بعد الاستعانة بالله عزّ وجلّ- إلّا بالاجتناب، فالمعصية تحفّز النّفس على تكرارها والاستمرار فيها، كما قيل: «إنّ المعصية تولّد المعصية»، فتبعد المرء عن ربّه، وتتعاظم قوى الشّرّ في نفسه، وفي ذلك حرمان من موارد الخيرات، وخير مثال على هذا خبر أخوة يوسف -عليه السّلام- الّذين عصوا ربّهم بحسدهم لأخيهم، فأساؤوا الظّنّ بأبيهم يعقوب النّبيّ -عليه السّلام-، ثمّ تمرّدوا على إرادة الله في اختيار أخيهم ليكون خليفة أبيه، وجرّهم ذلك إلى إضمار النّيّة على القتل، ثمّ ارتكبوا خطيئة رميه في الجبّ، ثمّ دفعتهم معصيتهم إلى الكذب للتّغطية على فعلتهم، فحرمهم الله تعالى نعمة التّوبة سنين كثيرة؛ هكذا نرى كيف أنّ معصية الحسد ولّدت وراءها سلسلة من المعاصي والذّنوب، أدّت إلى أن ران على قلوبهم فابتعدوا عن ربّهم وحُرموا النّعمة، ولا ننسى حال الذّلّ الّذي وقفوا موقفه أمام أهلهم وأمام أخيهم، ولا شكّ أمام أنفسهم. فإنّ المعاصي تورث الذّلّ … ولو أنّهم اجتنبوا شهوة نفوسهم ورغبتها بالجاه والسّلطان، واحترزوا من آفة الحسد لوفّروا عليهم كلّ ذلك؛ هذا مثال على الآفات الباطنة الّتي قد لا تختلف في نتائجها عن الآفات الظّاهرة الّتي هي شهوات جوارح البدن كالعين والأذن واليد … بل قد تكون مسبّبة لها دافعة إليها، فعصيان المرء لنفسه خير له من عصيانه لربّه، وكما قال مالك بن دينار -رضي الله عنه-:
رأيتُ الذّنوبَ تُميتُ القُلوبَ
وقــــد يـــورِثُ الــذُّلَّ إدمـــــــانُهـــا
وترْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلـــوبِ
وخيرٌ لِنـفـسِــــــــــكَ عِـصيـــانُهــــــا
ولا يفوتنا -ونحن بشر- أنّ كلّ ابن آدم خطّاء، وأنّنا لسنا معصومين عن الوقوع في معصية، ولكن على الإنسان أن ينوي الاجتناب ويسعى إليه، وأن يستعين بالله تعالى عليه «وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى» (رواه البخاري ومسلم)، ﴿وَأَنَّ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النّجم 39)، ثمّ أن يكون له من نفسه على نفسه رقيبًا؛ فإذا فعل ذلك أعانه الله خير معين، فلا يقع في المعاصي وكبائر الآثام، وإذا غلبته نفسه بعد ذاك وارتكب ذنبًا، فقد فتح الغفّار لنا من رحمته باب التّوبة، فلنتنبّه حينها ونقبل على ربّنا بصدق، تائبين مخلصين.
الاكتساب
الاكتساب يعني الكسب والرّبح، إلّا أنّه يحمل معنى الجدّ والاجتهاد في العمل للوصول إلى ما تريد كسبه، أمّا الاكتساب كمصطلح فهو يعني الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، فأيّ عمل يعمله المرء ليجتلب النّفع لنفسه أو لغيره هو اكتساب، وكذلك أيّ عمل يعمله لدفع ضرر أو ردّ أذى.
ولا سبيل إلى اكتساب الخيرات، إلّا بإنماء طبائع الخير المركوزة في النّفس، وذلك بتغذيتها بذكر الله سبحانه والاستعانة به، وتدبّر تعاليم دينه الحنيف، وتحقيق جانب الاجتناب.
ويكون الاكتساب بعمل القلب وبعمل الجوارح؛ فعمل القلب يتحقّق بطيب النّيّة وحسن الظّنّ، وتدبّر آيات الله، والسّعي إلى التّغذّي بحقائقها، لتكون الأساس الّذي تبنى عليه أعمال الجوارح؛ أمّا عمل الجوارح فهو استخدامها فيما خلقت له، وبالطّرق الّذي رُسمت لها، فاللّسان خُلق ليشتغل بذكر الله تعالى، ولقول الحقّ والصّدق والكلمة الطّيّبة، والعين خلقت لترى الجمال -دون خيانة- معتبرة مسبّحة الخالق العظيم، ولقراءة كلّ ما يعود على صاحبها بالخير والرّضى، واليد خلقت لتكون ممدودة للخير والإحسان، ولكسب الرّزق الحلال …
وبمقارنة ما قلناه مع مفهوم الإحسان، حيث «إنّ من معاني الإحسان أنّه فعلُ ما ينبغي فعله من الخير، والعمل بالفضائل»، نجد أنّ الاكتساب لا يبتعد كثيرًا عن معنى الإحسان، إذ إنّ فعل الإحسان يجتلب النّفع والخيرات، وما من محسن يحبّ الضّرر لنفسه أو لغيره، بل يسعى إلى دفع الضّرر والأذى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.