ذَكَرَتْ بَعْضُ الْمُدَوَّناتِ التَّوْحِيدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ ما اسْتَخْلَصَهُ وَاعْتَمَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الْأُصُولِ الْإِسْلَامِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ الْكِنَانِيُّ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَماءِ وَالزُّهَّادِ…»، وَأَنَّهُ ذَهَبَ بِعَقْلٍ رَجِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسِنِينَ مَذْهَبًا مُتَبَرِّئًا مِنْ تَوْسِيطِ الْأَوْثَانِ وَسِيلَةَ عِبَادَةٍ كَمَا فَعَلَتِ الْقَبائِلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ.
وَالْغِفَارِيُّونَ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ غِفَارَ مِنْ كِنَانَةَ، أَهْلُ بَادِيَةٍ، سَكَنُوا فِي مَنْطِقَةٍ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِيمَا بَعْدُ) وَوَادِي الصَّفْرَاءِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْحِجَازِ. وَكَانُوا عَلَى تَمَاسٍّ مَعَ خَطِّ سَيْرِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الطُّرُقِ التِّجَارِيَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانُوا «يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ» (ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ). عُرِفُوا بِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَدَأْبِهِمْ عَلَى مُنَاكَفَةِ بَعْضِ الْقَوَافِلِ الْمَكِّيَّةِ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهَا دُونَ الْتِزَامٍ بِأَعْرَافِ الْأَمَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتِّجَارَةِ، مَا يَعْنِي قِلَّةَ اكْتِرَاثٍ بِغَضَبِ قُرَيْشٍ عُمُومًا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لِابْنِ أَخِيهِ كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ: «… صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي اللَّهُ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَر،ِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُونِيَ الشَّمْسُ»، كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِحَالِهِ بَعْدَ طُولِ الْمُجَاهَدَةِ فِي سَكِينَةِ اللَّيْلِ تَعَبُّدًا، فَكَأَنَّهُ ثَوْبٌ بَالٍ مُلْقًى مِنْ أَثَرِ اسْتِشْعَارِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَخُشُوعِهِ.
وَأَبْطَأَ أَخُوهُ أُنَيْسٌ فِي مَكَّةَ ذَاتَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: «مَا حَبَسَكَ؟»، قَالَ: «لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ». فَقَالَ: «اكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ». وَجَاءَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَشَهَّدَ وَرَأَى الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي». فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ»، أَرَادَ بِذَلِكَ الْوُقُوفَ أَمَامَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَى الرَّسُولِ دَعْوَتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُنَادِيًا بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِالشَّهَادَةِ، فَغَاظَهُمْ وَقَابَلُوهُ بِعُنْفٍ حَتَّى أَدْمَوْهُ وَأَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارَ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارَتِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟»، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا… فَـ«أَثَارَ غَضَبَ الْمُشْرِكِينَ» فَآذَوْهُ «حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ» كَمَا وَرَدَ بِمَعْنَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لَهُ: «فَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي خَرَجْتُ فَأْتِنِي» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)
يَجْمَعُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي «حِلِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ» فِي اِسْتِهْلَالِهِ الْحَدِيثِ عَنِ أَبِي ذَرٍّ الْمَنَاقِبَ الْأَثِيلَةَ الَّتِي مَيَّزَتْ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ الْفَذَّ، قَالَ: «الْعَابِدُ الزَّاهِدُ، الْقَانِتُ الْوَحِيدُ، رَابِعُ الْإِسْلَامِ، وَرَافِضُ الْأَزْلَامِ، قَبِلَ نُزُولَ الشَّرْعِ وَالْأَحْكَامِ، تَعَبَّدَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ بِالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ حَيَّا الرَّسُولَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَائِمَةُ الْلُوَّامِ، وَلا تُفْزِعُهُ سَطْوَةُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي عِلْمِ الْبَقَاءِ، وَثَبَتَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ، وَحَفِظَ الْعُهُودَ وَالْوَصَايَا، وَصَبَرَ عَلَى الْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَاعْتَزَلَ مُخَالَطَةَ الْبَرَايَا إِلَى أَنْ حَلَّ بِسَاحَةِ الْمَنَايَا، أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَدَمَ الرَّسُولَ، وَتَعَلَّمَ الْأُصُولَ، وَنَبَذَ الْفُضُولَ».
فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ
أَقْبَلَ أَبُو ذَرٍّ يَسْأَلُ عَنِ الرَّسُولِ «وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو مُتَخَفِّيًا» (الذَهَبِيُّ)، وَكَانَ «أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ»، وَأَصَابَ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ «رابِعُ الْإِسْلَامِ» لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَهُ «إِلَّا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ» (الطَّبْرِيُّ – وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّهُ كَانَ الْخَامِسَ). وَبَاتَ أَبُو ذَرٍّ «رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلاَزِمًا وَجَلِيسًا، وَعَلَى مُسَاءَلَتِهِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْهُ حَرِيصًا…» (حلية الأولياء). وَسَمِعَ مِنْهُ طَلَبَ الْعَوْدَةِ إِلَى دِيَارِهِ، فَعَادَ لِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْهُدَى، وَاسْتَجَابَ الْكَثِيرُ فِي الْبِدَايَاتِ، وَتَبِعَهُمْ الْبَاقُونَ لَاحِقًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غِفَارُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهَا» (الذَهَبِيُّ وَغَيْرُهُ).
وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى يَثْرِبَ، هَاجَرَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ وَلَازَمَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ (الذَهَبِيُّ). وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ شَارَكَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنَ الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوَاجَهَةِ زَحْفِ قَبِيلَتَيِ هَوْزَنَ وَثَقِيفَ نَحْوَ مَكَّةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ حَامِلَ رَايَةِ غِفَارَ» يَوْمَ ذَلِكَ.
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ فِي الْلِحَاقِ بِالرَّسُولِ إِلَى تَبُوكَ بَعْدَ أَنْ «أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ… فَأَخَذَ مُتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ مَاشِيًا…». وَحِينَ لَاحَ لِبَعْضِهِمْ قُدُومُهُ قَالَ الرَّسُولُ: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ!»، فَقَالُوا: «هُوَ أَبُو ذَرٍّ». فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» (الطَّبْرِيُّ). وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ مَضَى إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ لِمُوَاجَهَةِ الْجَيْشِ الْبِيزَنْطِيِّ، وَقَدِ ارْتَبَكَتْ تَحَالُفَاتُهُ وَاسْتُنزِفَتْ مَوَارِدُهُ فَتَرَاجَعَ دُونَ صِدَامٍ، وَكَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ الْغَزَوَاتِ.
كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْنَسُ بِأَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَرِمُهُ وَيُقَدِّرُهُ حَتَّى أَنَّهُ «كَانَ يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ» (حَدِيثٌ مَسْنُدٌ عَنِ أَبِي الدَّرْدَاء). وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ…». وَكَانَ ثَمَّةَ أَلْفَةٌ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِيدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَنَحْنُ نَتَمَاشَى جَمِيعًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ…» وَالْحَدِيثُ دَائِرٌ عَنْ «صُنْعِ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ، الْعَلِيمِ بِخَلْقِهِ» (الطَّبْرِيُّ). وَقَالَ فِي «الْحِلِيَّةِ» إِنَّهُ «كَانَ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ سُؤَالًا». وَلِأَبِي ذَرٍّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَرَدَتْ عَدِيدَةٌ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.
فِي عَهْدِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَة لِلْهِجْرَةِ
مَا إِنْ شَاعَ خَبَرُ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَدَاعَى بَعْضُهُمْ إِلَى «سَقِيفَةِ بِنِي سَعْدَةَ» وَكَانَ لِلْأَنْصَارِ رَأْيٌ فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَكَثُرَ الْلَغْطُ (الطَّبْرِيُّ). غَيْرَ أَنَّ الْأُمُورَ آلتْ إِلَى مُبَاَيَعَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ حُضُورِهِ وَمُؤَازَرَةِ عُمَرَ لَهُ. وَيَذْكُرُ الْيَعْقُوبِيُّ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الَّذِينَ «تَحَفَّظُوا» عَلَى الْأَمْرِ وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَمَحَطُّ مَوْقِفِهِمْ هُوَ غِيَابُ كِبَارٍ مِنْ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِمْ. غَيْرَ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ، وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّ الْأَمْرَ حَصَلَ قَبْلَ ذَلِكَ
وَكَانَ لِأَبِي ذَرٍّ مَقَامُ الْمُحَدِّثِ الصَّادِقِ، وَالْعَالِمِ الزَّاهِدِ الثَّابِتِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ. وَثَبَتَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ الرِّسَالَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْعَظِيمَةِ. وَيُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ سُلُوكِهِ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ، وَأَخْرَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، جَاءَ فِيهِ:
«أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.»
فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ
فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، «فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ… وَفَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ (مَا فَرَضَهُ)، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، وَأَبَا ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ…» (الطَّبَرِي).
لَمْ يَشْهَدْ أَبُو ذَرٍّ بَدْرًا إِذْ كَانَ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ (وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ مِنْ مَعَارِكِ الْإِسْلَامِ الْفَاصِلَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُشْرِكِينَ). إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِأَهْلِ بَدْرٍ فِي الْعَطَايَا مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ دَلَالَةٌ عَلَى رِفْعَةِ قَدْرِهِ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَهُ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّ عُمَرَ «أَلْحَقَهُ مَعَ الْقُرَّاءِ»، وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَالْإِخْلَاصِ.. وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ مَالًا، وَيَصْدَعُ بِالْحَقِّ».
يُورِدُ الطُّبَرِيُّ فِي مُجْرَيَاتِ أَحْدَاثِ السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ خَبَرَ «فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». وَيَذْكُرُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ، وَرَآهُ بِهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ». وَكَانَتْ لِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ سَابِقَةٌ فِي «فَتْحِ الْجَابِيَةِ» بَعْدَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ فِي الْيَرْمُوكِ
وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ غَزَا مُعَاوِيَةُ (وَكَانَ آنَذَاكَ أَمِيرَ الشَّامِ) الصَّائِفَةَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ (الطَّبَرِي).
وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ تَمَّ «فَتْحُ قُبْرُسَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، غَزَاهَا بِأَمْرِ عُثْمَانَ (هُوَ عُثْمَانُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.. كَمَا وَرَدَ فِي الطَّبَرِي، وَلِلْوَاقِدِيِّ تَدْوِينٌ مُخْتَلِفٌ فِي تَحْدِيدِ السَّنَةِ). وَثَمَّةَ اتِّفَاقٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْوَاقِدِيِّ وَالطُّبَرِيِّ عَلَى مُشَارَكَةِ «جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ…» فِي هَذَا الْغَزْوِ الْبَحْرِيِّ.
فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – حَتَّى وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ
إِنَّهَا حُقْبَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ أَنْ تَرَى مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَبَائِلِ – كَانَ الْعَالَمُ بِمُعْظَمِهِ مِنْ حَوْلِهَا بَوَادٍ وَقِفَار – أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى اجْتِيَاحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَعَلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْفَارِسِيَّةِ السَّاسَانِيَّةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَأَبْوَابِ إِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومِ الْبِيزَنْطِيِّينَ (الرُّومَانِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ) بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْيَرْمُوكِ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّه خِلَالَ مَا يُقَارِبُ رُبْعَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ.
وَكَانَ بِإِمْكَانِ الْخَلِيفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنْ يَرَى دَوْلَتَهُ بِحَجْمِ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ تَمْتَدُّ آفَاقُ جُغْرَافِيَّتِهَا وَإِمْكَانُ اتِّسَاعِهَا الْجَارِي مِنْ مِصْرَ وَالْمَدَى الْأَفْرِيقِيِّ الْمَفْتُوحِ إِلَى سَوَاحِلِ الْأَطْلَسِيِّ غَرْبًا، إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَالْمَدَى الْمَفْتُوحِ إِلَى أَقَاصِي الشَّرْقِ شَرْقًا.
«الْفُتُوحُ لَمْ تَقِفْ أَيَّامَ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا مَضَتْ فِي طَرِيقِهَا عَازِمَةً حَازِمَةً غَيْرَ مُتَرَدِّدَةٍ… وَكَانَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنَائِمِ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْفَاتِحُونَ مُسْتَقِرُّونَ فِي أَمْصَارِهِمْ، لَا يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ إِلَى الثَّغْرِ الَّذِي يَلِيهِ إِلَّا مَرَّةً كُلَّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ… فَهَذِهِ الْغَنَائِمُ إِذَنْ، وَفِيهَا الرَّقِيقُ، كَانَتْ تَثُوبُ مَعَ أَصْحَابِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، فَكَانَ عَدَدُ الرَّقِيقِ فِي ازْدِيَادٍ مُتَّصِلٍ… فَظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ طَبَقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ النَّاسِ، هِيَ طَبَقَةُ الْبْلُوتُوقْرَاطِيَّةِ، الَّتِي تَمْتَازُ إِلَى أَرِسْتُوقْرَاطِيَّتِهَا الَّتِي تَأْتِيهَا مِنَ الْمَوْلِدِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَضَخَامَةِ الثَّرَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ أَيْضًا…» (طَهْ حُسَيْن، الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى، عُثْمَان).
وَاسْتِخْدَامُ تَعْبِيرِ «بْلُوتُوقْرَاطِيَّا» مِنْ أَزْهَرِيٍّ قَدِيمٍ فِيهِ دَلَالَةٌ شَدِيدَةُ الْإِيحَاءِ عَلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ ذَاتُهُ «الِانْقِلَابَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْجَذْرِيَّ» الَّذِي حَدَثَ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَعْنِي «حُكْمَ أَصْحَابِ الثَّرَوَاتِ». وَقَدْ ذَكَرَ الْكَثِيرَ مِنَ التَّفَاصِيلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالثَّرَوَاتِ الْهَائِلَةِ الَّتِي حَقَّقَهَا بَعْضُ الْقَادَةِ وَغَيْرُهُمْ خِلَالَ تِلْكَ السِّنِينَ، وَتَرَتَّبَ عَنْهَا وُجُودُ «الْإِقْطَاعَاتِ الْكَبِيرَةِ الضَّخْمَةِ وَالضِّيَاعِ الْوَاسِعَةِ الْعَرِيضَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَنَشَأَ عَنْ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ جُلِبَتِ الْحَضَارَةُ جَلْبًا إِلَى الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، فَكَانَ التَّرَفُ…»، فِيمَا «عَاشَتْ طَبَقَةٌ أُخْرَى مِنَ الْعَرَبِ الْبَادِينَ الْمَحْرُومِينَ لَمْ تَمْلِكْ قَطُّ أَرْضًا…» .
كانَ عُثْمانُ قدْ أمَرَ أبا ذَرٍّ بأنْ «يَرْتَحِلَ إلى الشَّامِ فَيَلْحَقَ بِمُعاوِيَةَ» (الذَّهَبِيّ). وَيَتَبَيَّنُ مِمَّا وَرَدَ آنِفًا حُضُورُهُ في مَيادينِ وَقْعاتٍ تَأْرِيخِيَّةٍ خاضَتْها جُيُوشُ المُسْلِمِينَ. فَما كانَ أبو ذَرٍّ مُنْكَفِئًا في «وِعاءِ عِلْمِهِ وَزُهْدِهِ»، بَلْ كانَ شُجاعًا مُقْدامًا حَتّى أَنَّهُ خاضَ البَحْرَ في أَوَّلِ وُلُوجٍ لِلْمُسْلِمِينَ في عُبابِ الماءِ إلى قُبْرُصَ.
لَكِنَّ مَناقِبَ أَبي ذَرٍّ بَقِيَتْ راسِخَةً في ثَباتِ قَلْبِهِ عَلى ما هُوَ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَقَدْ كانَ – كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في «الاسْتِيعابِ»: «مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ الْمُبَرَّزِينَ في الزُّهْدِ وَالوَرَعِ وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ…». وَكانَ «يُحَدِّثُ بِالشَّامِ، فَاسْتَهْوى قُلُوبَ الرِّجالِ»، «فَإِذا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اجْتَمَعَ النّاسُ عَلَيْهِ، فَقالُوا: حَدِّثْنا…» (الذَّهَبِيّ).
وَمَعَ تَفاقُمِ مَشاهِدِ التَّداعِياتِ النّاتِجَةِ عَنِ «الانْقِلابِ الاجْتِماعِيِّ» في أَوْساطِ الْمُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ آنَذاكَ، اشْتَدَّتْ حِدَّةُ لَهْجَتِهِ حينَ رَأى انْغِماسًا في نَوافِلِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِما يَتَجاوَزُ الْحُدودَ الَّتي ما قامَتِ الشَّريعَةُ إِلّا لِتَرْسيخِها وَتَعْلِيمِها وَالأَخْذِ بِها، وَبِالأَخَصِّ مِنْها الاسْتِقامَةُ سَبيلًا إلى العَدْلِ الاجْتِماعِيِّ: ﴿كونوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ (النِّساء ١٣٥)، ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ﴾ (النَّحْل ٩٠)… وَتَحَقَّقَ بِيَقِينِهِ أَنَّ اسْتِشْراءَ تَراكُمِ الثَّرَوَاتِ في الظُّرُوفِ الَّتي يَشْهَدُها هُوَ سَبَبٌ أَساسيٌّ في تَعْميقِ الْهُوَّةِ الاجْتِماعِيَّةِ في زَمَنِ الْمَعْنَى الأَثِيلِ لِمَفْهُومِ «بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمِينَ» (بَيْتُ مالِ اللهِ – كَما كانَ يُسَمِّيهِ أبو ذَرٍّ) وَمَقاصِدِ عِلَّةِ وُجُودِهِ.
وَلافَ الصَّحابِيُّ الْجَليلُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ آياتِ اللهِ الَّتي حَقَّقَ مَعانيها في قَلْبِهِ، فَباتَ يُسَدِّدُ الْقَوْلَ بَلا مَجازٍ مُسْتَعينًا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ﴾.
سَأَلَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ أبا ذَرٍّ (لاحِقًا) قالَ: ما أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنا وَمُعاوِيَةُ في الآيَةِ ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ…﴾، وَقالَ مُعاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ الْكِتابِ، قالَ: فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فينا وَفيهِم. بَعْدَ ذَلِكَ، كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى عُثْمانَ: إنَّ أبا ذَرٍّ قَدْ أَعْضَلَ بِي… (بِمَعْنى ضاقَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْحِيَلُ)… فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمانُ: … جَهِّزْ أبا ذَرٍّ إلَيَّ… فَأَتى إلَيْهِ وَقالَ: مالُ اللهِ، وَلا يَنْبَغي لِلْأَغْنِياءِ أَنْ يَقْتَنُوا مالًا… فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ، عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ ما عَلَيَّ، وَآخُذَ ما عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَلا أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ… فَاسْتَأْذَنَهُ، وَقالَ: فَإنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ لِي بِدارٍ؟… فَخَرَجَ حتّى نَزَلَ الرَّبَذَةَ، فَخَطَّ بِها مَسْجِدًا… (ابْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرِيّ).
وَتَخْتَلِطُ الْأَخْبارُ في الْمَصادِرِ بَيْنَ أَنَّ الْأَمْرَ كانَ خِيارَ أَبي ذَرٍّ وَبَيْنَ أَنَّهُ كانَ النَّفْيَ. في كُلِّ حالٍ، كانَتِ الرَّبَذَةُ «مُسْتَوْطَنَةً صَحْراوِيَّةً مَعْزُولَةً تَبْعُدُ حَوالَيْ ١٢٥ ميلًا شَمالَ شَرْقِ مَكَّةَ. وَكانَ الْخَليفَةُ يَعْلَمُ أَنَّ الظُّرُوفَ في هذا الْمَنْفَى الْكَئِيبِ سَتَكُونُ صَعْبَةً، فَأَرْسَلَ لَهُ عُمُلاتٍ ذَهَبِيَّةً… فَأَعادَها أبو ذَرٍّ عَلَى الْفَوْرِ…» (Baker: Justice in Islam). وَيَجْعَلُ بَيْكَرْ مِنْ هذا الْأَمْرِ مِثالًا عَلَى «مَوْقِفٍ لاعُنْفِيٍّ»، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ في الرُّوحِ يُقَدِّمُها الإسْلامُ أَمْثُولَةً لِتَفَوُّقِ مَفْهُومِ «الْقِيَمِ» عَلى أَيِّ أَمْرٍ آخَرَ.
مَضى أَبو ذَرٍّ إلى الرَّبَذَةِ وَلِسانُ حالِهِ ما قالَهُ أَمامَهُمْ: «لا حاجَةَ لي في دُنْياكُمْ» (ابْنُ سَعْدٍ)، وَقالَ: «دُنْياكُمْ فَاعْذِمُوها، وَدَعُونا وَرَبَّنا» (الذَّهَبِيّ). وَالْمَعْنى الْأَقْرَبُ إلى رُوحِيَّةِ الْعِبارَةِ هُوَ: «خُذُوا دُنْياكُمْ بِالْعَضِّ وَالْأَكْلِ بِجَفاءٍ – وَهُوَ مَعْنى «الْعَذْمِ» -، وَدَعُونا نَخْلُو إلى سَكِينَةِ الْمَعْنى في مَكْنُونِ الآياتِ».
وَقَدْ قالَ عَلِيٌّ (ع) عَنْ أَبي ذَرٍّ: إنَّهُ «وَعى عِلْمًا عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ». وَكانَ أبو ذَرٍّ – كَما كانَ يُحَدِّثُ -: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَلَما ساغَ لَكُمُ الطَّعامُ وَالشَّرابُ…»، «يا أَيُّهَا النّاسُ إنِّي لَكُمْ ناصِحٌ، إنِّي عَلَيْكُمْ شَفيقٌ». وَقِيلَ عَنْ أَبي ذَرٍّ إنَّهُ «أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ في عِلْمِ الْبَقاءِ وَالْفَناءِ»، وَالْبَقاءُ عِنْدَهُ هُوَ التَّحَقُّقُ في مَعاني الرِّسالَةِ الإِلَهِيَّةِ اسْتِشْعارًا وَسُلُوكًا وَمَوْقِفًا في الْحَياةِ، فَأَمَّا الْفَناءُ فَهُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ نُورِ الْهُدى وَاسْتِهْلاكُ النَّفْسِ في جائِحاتِ الْهَوى.
كانَتِ الرَّبَذَةُ لِأَبي ذَرٍّ فُرْصَةً لِوَحْدَةٍ أَحَبَّها لِأَنَّها تَصِلُهُ بِإشاراتِ الحَقِّ. وَكانَ ابْنُ مَسْعودٍ ذاتَ يَوْمٍ مُقْبِلًا مِنَ الْمَدينَةِ إلى الْكُوفَةِ، فَدُعِيَ إلى الصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَنْ هذا؟ قيلَ: أَبو ذَرٍّ. فَبَكَى طَويلًا، وَقالَ: أَخي وَخَليلي، عاشَ وَحْدَهُ، وَماتَ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، طُوبى لَهُ.
وَكانَتْ وَفاتُهُ بِالرَّبَذَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثينَ، وَصَلّى عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ).