الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

جلال الدين الرّومي المتصوّف والفيلسوف

ولد محمّد بن محمّد بن حسين بهاء الدّين الخطيبي البلخي (المعروف بجلال الدين الرّومي) يوم 6 ربيع الأول سنة (604 ه-الموافق 30 سبتمبر 1207م) في مدينة بلخ في أفغانستان.

كان والده بهاء الدين ولد أحد علماء المذهب الفقهي الحنفي، وقد لقّب لمكانته العلميّة وجراءته في قول الحقّ، والإنكار على العلماء الظلمة «بسلطان العلماء». اضطرّت عائلة الرّومي، أن ترحل عن البلد الأم نظراً لهجمات المغول الشّرسة والمدمّرة، وتتنقّل في عددٍ من المدن مثل بغداد، ومكّة المكرمة وغيرها، ولكن استقرّت في نهاية المطاف في قونية- تركيا، عام 623ه، في عهد دولة السّلاجقة. وكان لمحمّد الإبن من العمر أربع سنوات.

أهمّ أساتذته والده بهاء الدين، وبرهان الدّين التّرمذي، لكنّ أهمّ أساتذته وصاحبه المقرّب إلى روحه، كان شمس الدين التّبريزي الّذي عاش معه لسنوات طويلة في بيت واحد، وكان له الأثر الكبير في تغيير الكثير من عادات الرّومي، نذكر منها المولويّة، وتحوّله من الفقه إلى التّصوف الفلسفي. عبّر الرّومي في معظم كتبه عن هذه العلاقة الوثيقة بمعلّمه شمس الدّين التّبريزي، حيث وجد نفسه معه وأدرك حقيقته في رباعيّات الرّومي؛ حيث قال: «عندما اشتعلت نيران الحبّ في قلبي، أحرق لهيبها كلّ ما كان في قلبي، فازدريت العقل الدّقيق والمدرسة والكتاب، وعملت على صناعة الشّعر، وتعلّمت النّظم».

يقول عبد السلام كفافي: «والمحقّق-على أيّة حال – أنّ التّبريزي قد أثّر في حياة شاعرنا أعمق الأثر إلى حدّ أنّه صرفه عن تلاميذه صرفاً كاملاً، وجعله يُعرض عن الوعظ، وينصرف إلى حياة التّأمّل الصّوفي، وينطلق في التّفسير عن حياته الجديدة بفيضٍ غامر من الشّعر، بلغ أسمى درجات العبقرية «. انكشف للرّومي مع التّبريزي عالمٌ جديد من الحقائق والأذواق حيث قال: «إنّ «شمسًا» هو الّذي أراني طريق الحقيقة، وهو الّذي أدين له في إيماني ويقيني».

رأى جلال الدّين الرّومي أنّ شمس الدين قبسٌ من نور الإله على الأرض، لهذا كان وجدُه وحبُّه له لا يقدّر بثمن، فكان إذا غاب «شمسٌ» أو رحل عن «قونية» شعر جلال الدّين بإكتئابٍ شديد. وعندما فقده هتف من أعماق قلبه قائلاً: «من ذا الذي قال إنّ شمسَ الرّوح الخالدة قد ماتت؟»
من الّذي يتجرّأ على القول بأنّ شمس الأمل قد تولّت؟
إنّ هذا ليس إلاّ عدوٌّ للشّمس وقف تحت سقف وعصب كلتَا عينيه ثمّ صاح، ها هي الشّمس تموت».
يرى الرّومي، في الإيمان فريضة كلّ وقت، ويدعو الإيمان إلى الصّلاة، مع العلم أنّ الإيمان ينفع بلا صلاة، أمّا الصلاة فلا تنفع بلا إيمان. يقول الرّومي: «وللإيمان فضل آخر على الصلاة، وهو أنّ الإيمان لا يسقط بأيّ عذر ولا يرخّص تأخيره، والإيمان ينفع بلا صلاة، ولا تنفع الصّلاة بلا إيمان كصلاة المنافقين. والصّلاة في كلّ دين تتنوّع، لكنّ الإيمان لا يتبدّل مع كلّ دين، ولا تتبدّل أحواله وقِبلته».

يرى الرّومي أنّ الإيمان يُدخل الرّاحة إلى الذّات، وهذه الرّاحة تحقّق الانسجام مع الذّات، وبالتّالي الانسجام مع المحيط. الإيمان بالله يدفع المرء للتحلّي بالخصال الحميدة، والابتعاد عن الأخلاق الذّميمة الفاسدة. جعل الرّومي مثاله الله في الخلق السّليم حيث قال: «تخلّقوا بأخلاق الله «، ثمّ بعد الإيمان بالله، يأتي الإيمان بالرّسل والأنبياء لأنّهم القدوة الصّالحة لكلّ النّاس. إذن الإيمان من أهمّ أركان الدّين والأخلاق.
يرى الرّومي في كتابه المجالس السّبعة، أنّ الله من فيض حبّه ورحمته للعارفين نبّههم من المعاصي، وشملهم بعطفه وحبّه، وألهمهم ذكره، وقدّرهم على الصبرفي الشّدائد قال الرّومي: «الحمد لله الذي صيَّر نفوس العارفين طائرةً في مطار امتثال أمره، وزجرها بنهيه عن المعاصي فانزجرت عنها بزجره، وسقى قلوب العاشقين محبّته فما صحت من سكره، ألهمها إدامة ذكره، فما تفتر عن ذكره، وأرى المبتلى جزيل ثواب صبره، ونصب للغني علم إحسانه إليه وإنعامه عليه، ليستدلّ به على وجوب حمده وشكره».

طلب الرّومي من الإنسان أن يتخلّق بأخلاق الله، وبهذا يكون ناجياً من الشّرور، ومن شرك الشّيطان، والنّفس الأمّارة بالسّوء، كما يعتبر الرّومي أنّ الله قد أعطى الإنسان الكثير من الكمالات والمنازل الرّفيعة، حيث خلقه في أحسن تقويم، وهو يعيش في عالمه الصّغير ناسياً أنّه عالمٌ كبير، وإذا كان حظّه مميّزاً، وعكس الصّفات الإلهية فيه كان «أَسطُرْلاب» الصّفات الإلهية. قال الرومي:
«وجود الآدمي، إذ يقول الحقّ «ولقد كرّمنا بني آدم» أسطرلاب الحق، عندما يجعل الحقّ تعالى الإنسان عالماً به عارفاً له.
فإنّه يرى بأسطرلاب وجوده تجلّي الحق وجماله الّذي لا يوصف لحظةً لحظةً ولمحةً لمحة، وأنّ ذلك الجمال لا يغيب عن مرآته».

قسّم الرّومي النّفس إلى سبع درجات أو سبع منازل؛ وهي: النّفس الأمّارة بالسّوء، وهي أدنى الدّرجات، تليها النّفس اللّوّامة، ثمّ المُلهمة، ثمّ المطمئنّة، النّفس الرّاضية، ثمّ المَرضيّة، وأخيراً النّفس الكاملة. لكن في كلّ مرحلة من هذه المراحل يجب جهادها ومراقبتها حتّى تستقيم وتصبح طوع الإرادة، بحيث يصل المؤمن الى مرحلة التّسليم الكامل له تعالى، فيعلم أنّه لا يريد إلّا ما يريده الله، وأنّ الحقّ هو الذي يخطّ الأقدار، ويسيّرجميع أمور هذا العالم بدقّة وانتظام، في هذه الحال يعرف العبد نعمة التّوكّل الكاملة وأهميّة وجود الله في حياته. هكذا سلك الرّومي طريقه برضى وتسليم متوكّلاً عليه حقّ التّوكُّل: «لا يمكن أن نفهم هذه الحركة الشّاملة لمبدأ النّفس طالما بقيت مغلقةً، وبعد فتح النّافذة، ومشاركة النّفس الرّبّانيّة فقط ستحسّ أنّ المؤمنين، رغم انفصالهم بعوائق الوجود الجسدي، متحدون في النّفس، ويهتزّون في إيقاع واحد. ولا اختلاف باقٍ بين أنفس الأولياء الّذين هم نفس واحدة، «ويموت كلّ منهم في عشق الآخر».

يميّز الرّومي بين العقل الجزئي أو المكتسب، والعقل الكلّي، والفكر. يعتبر الرّومي العقل الجزئي العقل الواهم والّذي يمكن أن يضلّ، وغير قادر على التّخطي والتّجاوز وصولاً الى الأنوار الحقيقية، وهذا العقل يكون مشغولاً بكلّ المتابعات والدّراسات العلميّة، لكنّه غير قادر على تلقي الإلهام، ولا ينبغي الإعتماد عليه كثيراً، لأنّه يؤدّي إلى الطّريق المسدود، ولا يستطيع هذا العقل المكتسب أن يُبدع إن لم يتصل بالعقل الكلّي.

يرى الرّومي، أنّ العقل الإيماني هو عقل مهمّ جدّاً لأنّه يحمي الإنسان من الإنزلاق والتّهور، يمنعه من اقتراف الفواحش والمنكرات، فهو حارس وحاكم لمدينة «القلب «. قال الرّومي:
«والعقل الإيماني كالشّرطيّ العادل، فهو حارس لمدينة القلب، حاكم عليها.

يكون كالقط يقظ اللّب، يبقى اللّص قابعًا في حجره كالفأر».
كما هو معروف عن الصّوفية أنّهم رفعوا مقام القلب على العقل، واعتبروا أنّ القلب أسمى الأجزاء، لأنه كرسيّ العشق، وأتباعه هم العشّاق والسّالكون الصّادقون.

هذا القلب هو عرش الله الّذي أنزل بشأنه التّعبير القرآني (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)1، وهو منطق الحقّ، وكلّ من له قلب صادق لديه مرآة تعكس جهات العالم، بحيث إنّ الحق سبحانه، يرى هذا العالم في قلب الإنسان. هذا القلب في شوق وهيام دائمَين لله تعالى، فهو يهجر الجسم ويلحق بالمعشوق أينما كان: «صحت: «أين يمضي قلبي الثّمل؟ «قال الملك:»صه، يمضي الى جنابي!»
وإذ يكون تائهاً في بحر العشق، فإنّه يضيء الأعين، وهكذا فإنّ نور العين من نور القلوب».

هكذا أجمع الصّوفيون على أنّ الكنز الإلهي محفوظ في قلب الإنسان، وهو أداة إدراك الحق المطلق، والحقيقة تُدرك بالقلب (في القلب وبالقلب) تعني العضو المحبّ، عضو إدراك المعرفة، وفي المعنى الباطني هو مستودع الإلهيّات الّذي يتضمّن الحقيقة المطلقة. علامات الحقّ في القلب، وما هي خارج القلب، لذلك اعتبرالقلب عرش الرّحمن، الأولياء هم الّذين اكتشفوا هذا الكنز، لأنّهم أقرّوا واعترفوا وسلّموا تسليماً كاملاً له، فاستحقّوا المنازل الرّفيعة والإشراق المبين: «ولمّا كان الصّوفيّة قد تحابّوا في الله، فإنّهم في هذا المقام قد دخلوا في طاعة الله جميعاً عن طواعيّة لأمر المحبّة ولأمر الله فيها، وليس عن رهبة، ولهذا المعنى الكريم كانت صحبة الصّوفية مؤثّرة من البعض في البعض، ولأنّهم لمّا تحابّوا في الله تواصَوا وسلكوا محاسن الأخلاق».

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي