الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

خنفساء الصنوبر تهدد غابات لبنان

خنفساء الصنوبر
تهدد غابات لبنان

تراجع تساقطات الأمطار والتقليم الجائر والتلوث البيئي
وفّرت الظروف المثلى لانتشار مرض يباس الصنوبر

مطلوب تحرك من البلديات لإزالة الأشجار المصابة
وتوفير الإرشاد ووسائل المكافحة لمالكي الغابات

أشجار صنوبر أصابها اليباس بسبب الخنفساء
أشجار صنوبر أصابها اليباس بسبب الخنفساء

يعتبر لبنان مركزاً هاماً للتنوع الحيوي Biodiversity كونه يجمع بين بيئات متعددة جبلية وساحلية وداخلية وتتعايش فيه عشرات بل مئات الأصناف من الأشجار والأزهار والنباتات البرية المتنوعة وذلك جنباً إلى جنب مع الزراعات التقليدية للزيتون والتين والكروم والفاكهة فضلاً عن الزراعات والأصناف التي أدخلت لاحقاً مع تزايد عمليات التبادل الزراعي مع الدول الأوروبية والآسيوية. لكن وسط هذه التغييرات التي نشهدها في المجال الزراعي بقي هناك ثابت أساسي يتميز به لبنان هو غابات الصنوبر التي تزين قممه وسفوحه منذ مئات السنين مع فارق أساسي هو أن الثروة الصنوبرية باتت تشكل مورداً اقتصادياً مهماً جداً لأصحابها بسبب ارتفاع أسعار الصنوبر البلدي وزيادة الطلب عليه، لذلك، فإن الأنباء المتزايدة عن انتشار حالات يباس في أشجار الصنوبر وظهور آفات لم تكن موجودة سابقاً مثل خنفساء الصنوبر يثير قلق المالكين كما يواجه الدولة وخصوصاً وزارة الزراعة بتحد جديد يتمثل في كيفية حماية هذه الثروة الحرجية وهذا المورد الاقتصادي للبنان. وبسبب تزايد انتشار حالات يباس الصنوبر فإن الحاجة باتت ماسة لوضع استراتيجية مكافحة فعالة وسياسات وقائية تحول دون عودة الآفات الحالية، وإلا فإن لبنان مهدّد بخسارة مساحات خضراء شاسعة، ومرفق اقتصادي مهم ومكون أساسي من مكونات البيئة اللبنانية الفريدة.
تشير مراكز الأبحاث البيئية في لبنان إلى أن لبنان يحتوي على 125 نوعاً من الحشرات، وهي نسبة تركز جغرافي عالية ، إذ إن بلداً مثل السويد تقدر مساحته بنحو 450,000 كلم2 يحتوي على 120 نوعاً فقط، لكن هذا الفارق طبيعي بسبب اختلاف المناخ إذ إن السويد تقع في القسم الشمالي النائي والبارد من الكرة الأرضية وهي تتمتع بمناخ قارس جداً في الشتاء وبارد عموماً على مدار السنة، بينما ينتمي لبنان إلى منطقة المناخ المعتدل المائل إلى الحرارة في الصيف، وهذا المناخ يولّد عوامل مشجعة لانتشار الكائنات الحشرية والطفيلية. لكن يجب القول إن عوامل حديثة تتعلق بانتشار العمران وانحسار المساحات الخضراء والاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية أدت إلى تراجع مناعة البيئة الطبيعية وانتشار الحشرات والطفيليات والآفات المقاومة للمكافحة الكيميائية، وهذا هو التفسير الأهم لتزايد هجمات الطفيليات والآفات والتي باتت تصيب أكثر المحاصيل اللبنانية، وها هي شجرة الصنوبر تأخذ قسطها من هذا التدهور في البيئة الطبيعية والزراعية اللبنانية.

نموذج للضرر الفادح الذي تسببه يرقات خنفساء الصنوبر
نموذج للضرر الفادح الذي تسببه يرقات خنفساء الصنوبر

آفات لم تكن معروفة
تمثّل أشجار الصنوبر نظاماً إيكولوجياً فريداً كان على العموم وحتى وقت قريب بمنأى عن الآفات، حتى دودة الصندل لم تكن معروفة بسبب وجود الأعداء الطبيعيين في بعض أنواع الطيور مثل السفاري، لكن تراجع أعداد تلك الطيور بسبب الصيد الجائر أدى إلى اختفائها تقريباً الأمر الذي سمح لدود الصندل بالتحول إلى وباء حقيقي يرهق المزارعين ويتطلب سنوياً جهوداً كبيرة للمكافحة وتنقية الأحراج الصنوبرية، وقد بدأت أعشاش دودة الصندل مثلاً ترى على أشجار الصنوبر المثمر (وليس أشجار الصنوبر البري – اليرز- فقط) وهذا في حد ذاته مؤشر إضافي على تراجع صحة البيئة الحرجية وتزايد ضغط الآفات وقدرتها على مقاومة عمليات المكافحة. ومن الآفات التي تصيب الصنوبر المثمر حشرة Leptoglossus occidentalis التي تصيب الأكواز (الثمار)، أما أخطرها وهي المتسببة في يباس أشجار الصنوبر فهي حشرة Tomicus Destruens التي بدأت تعاني منها غابات الصنوبر المثمر وتعتبر الأضرار الكبيرة التي أوقعتها تلك الحشرة في صنوبر حرج بيروت الذي بات منتزهاً ومتنفساً أساسياً لسكان العاصمة مثالاً واضحاً على خطورة هذه الآفة والحاجة الماسة للتصدي لها، وقد شملت عمليات مكافحة آفة خنفساء الصنوبر في تلك البقعة الجميلة من العاصمة إزالة ما يزيد على 700 شجرة مصابة من أصل 4500 شجرة أي حوالي 15 في المئة من الأشجار وهذه نسبة كارثية، لأن نسبة 5 في المئة هي من دواعي التدخل، كما تم استخدام المبيد المعروف باسم Lambda-Cyhalothrin مرة كل 15 يوماً، فضلاً عن توزيع المصائد الفيرومونية طول فترة الصيف حتى بداية تشرين الأول، وتقول مصادر الخبراء إن حرج بيروت دخل نتيجة لذلك التدخل الواسع مرحلة التعافي ، لكن المسؤولين مستمرون في عمليات المرافقة.

دورة حياة خنفساء الصنوبر
يقول الخبراء إن حشرة Tomicus موجودة في لبنان منذ زمن بعيد، إلا أن خطرها وحالات الإصابة بها بدأت تتزايد في أواخر القرن الماضي ومطلع القرن الحالي، وتعتبر الحشرة من “الخشبيات” أي أنها تقطن خشب الأشجار، وتتغذى يرقاتها في المنطقة من اللحاء والخلايا الوعائية المسؤولة عن نقل المياه من التربة والغذاء من الأوراق التي تسمى xylem، وهي تتغذى عليه، وفي الحالات الطبيعية لا تؤثر على الأشجار، كون الأشجار الصحيحة لديها مناعة كافية للقضاء عليها، إنما عندما تكثر هذه اليرقات بصورة كبيرة كما يحصل الآن أو عندما تنخفض مناعة الشجرة نتيجة عوامل طبيعية مثل الجفاف أو التغييرات المناخية غير الملائمة فإن في إمكان هذه الحشرات أن تتكاثر بسرعة وتقضي على الشجرة بالجوع والعطش، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى حالات اليباس.

صنوبرة مصابة
صنوبرة مصابة

راقبوا صنوبركم في آذار
وتبدأ دودة خنفساء الـ Tomicus دورة حياتها في آذار بمجرد ارتفاع حرارة الجو وقد يتأخر نشاطها إلى مطلع أيار في حالات الشتاء البارد وتأخر الجو الدافئ، وتبدأ الحشرة بالتزاوج في شهر أيار ثم تبدأ بالتغذي على لحاء الأغصان، ولاسيما المجموعات الطرية أو النموّات الجديدة، ويقدر الخبراء أن الشجرة المصابة تأوي عادة نحو 3000 حشرة بالغة نصفها من الإناث كحد أدنى، وهذه الحشرات تضع بيضها في لحاء الشجرة، ويبلغ عدد البيوض لكل منها ما بين 100 و120 بيضة، تفقس معظمها وتبدأ بالتغذي على اللحاء، أي أننا في نهاية الدورة نصل إلى ما يزيد على 150 ألف حشرة بالغة، ستعود لتبيض، وتعيد الدورة، وبعد نفاذ الغذاء، أي يباس الشجرة، ستنتقل إلى شجرة جديدة وهكذا، في السنة الأولى قد تصاب شجرة، لتصاب عدة أشجار أخرى في جوارها، وبعدها تنتقل الآفة لتصاب عشرات الأشجار في الموقع الحرجي. وبالنظر إلى التوارد التصاعدي أو التضاعفي لهذه الشجرة exponential فإن الحشرة تعطي 100 والـ 100 نصفها أي الإناث ستعطي مئة فلا غرابة أن يصل عددها في وقت قصير إلى الملايين!
ولحسن الحظ فإن دورة حياة خنفساء الصنوبر قصيرة لا تتعدى سنة واحدة وبعدها تنفق، وإلا فإن الكارثة ستكون أسرع، لكن في المقابل فإن خطر هذه الحشرة يتضاعف بسبب عدم وجود أعداء طبيعيين سوى نقار الخشب وهو نادر للغاية في بلادنا، كما إن الحالة لا تصيب الصنوبر فحسب، وإن كانت تفضلها، بل تصيب كل شجرة تحتوي جذعاً خشبياً، وغاباتنا فيها 12.700 هكتار صنوبر مثمر، و14 ألف هكتار صنوبر بري (يرز) وليست كلها مهددة بنفس الدرجة لأن المرض يزداد احتماله كلما انخفض الارتفاع عن سطح البحر وقلّت رطوبة التربة (الجفاف)..لهذا فإن من الممكن أن نربط بين تزايد حالات يباس الصنوبر بسبب عمل الخنفساء وبين تراجع معدل هطول الأمطار في موسم الشتاء وتعرض أحراج الصنوبر لحالات جفاف لسنوات عدة متتالية، وهذا التغيير غير المسبوق يرتبط بدوره بظاهرة التغير المناخي والتقلبات المتزايدة في طقس لبنان؛ وهذا المناخ هو الأكثر ملاءمة لتكاثر الحشرات المهاجمة لخشب الأشجار كما إن التقليم الجائر يزيد من ضعف الشجرة لأن الشجرة تفرز مواد تربنتينية تجذب الحشرات، لذا فإن من المفضل عدم القيام بعمليات تقليم لأية أشجار في حال وجود إصابات بهذه الآفة.

الخنفساء
الخنفساء

أهمية التبليغ عن الإصابات
نتيجة لانتشار حالات الإصابة بحشرة الـ Ponticus فقد نصح الخبراء بنشر أكبر قدر من التوعية بشأن هذه الآفة الخطرة وسط المزارعين إلى حد الإعلان عن “حالة طوارئ” والطلب من المواطنين التبليغ عن كل حالة يباس في أشجار الصنوبر وذلك لكي يتمكن المعنيون من اتخاذ الإجراءات اللازمة قبل استفحال الأضرار وانتشار العدوى إلى مناطق جديدة، ومن ضمن الإجراءات التي تم اتخاذها تسريع وزارة الزراعة في إعطاء التراخيص بقطع الأشجار المصابة أو اقتلاعها، وكذلك تطبيق تقنيات معالجة سريعة مثل نزع اللحاء المصاب، وتعريض داخل الشجرة للشمس والهواء لتنفق اليرقات، أو لف الجذوع بالنايلون لخنقها، خصوصاً في الأماكن التي من الصعب نقل الأشجار فيها أو رش الشجرة المقطوعة بالزيوت الصيفية أو الشتوية لعزل اليرقات وخنقها.
ويؤكد الخبراء على ضرورة أن تتم المعالجة قبل آخر أيار أي قبل أن تصل الحشرة إلى أعالي الشجر وتعمل على قضم لحاء الأغصان والتزاوج، وتتطلب المعالجة في هذه الفترة من العام مصائد خاصة تشبه جذع الشجرة، تجلب من تركيا، ومادة فيرومونية موجودة لدى وزارة الزراعة، وهي مادة alpha-Pinene ومادة – Pinene beta ممزوجة مع مادة الإيثانول، ويبلغ سعرها مع العلاج أقل من 10 دولارات، وتدوم فعاليتها أكثر من 10 سنوات علماً أن من الضروري إعادة وضع المادة الفيرومونية الجاذبة داخل المصائد كل ستة أسابيع خلال فترة الإصابة.
ويذكر أن 85 % من الغابات في لبنان أملاك خاصة، مما يرتب على هؤلاء العناية بأشجارهم، علماً أن عدم قيامهم بقطع الأشجار المصاب يحملها مسؤولية معنوية (وفي بلدان أخرى مسؤولية قانونية) لأنهم بذلك يساهمون في انتشار الوباء إلى مناطق مجاورة لهم واستفحال التهديد للثروة الصنوبرية، وأن قانون الغابات الموجود منذ العام 1949 يفرض على المالكين أن يقوموا بتفريد الأشجار وإزالة اليابسة منها ابتداء من آذار من كل عام.

حشرة-أكواز-الصنوبر-بدأت-تصيب-بصورة-متزايدة-صنوبر-لبنان-2
حشرة-أكواز-الصنوبر-بدأت-تصيب-بصورة-متزايدة-صنوبر-لبنان-2

شبح كارثة حقيقية
على سبيل الاستنتاج، فإن من المهم أن يعي المزارعون وأصحاب الأملاك الحرجية والصنوبرية أننا نواجه شبح كارثة طبيعية حقيقية قد تؤدي إلى إزالة غابات بكاملها وتعرية قمم وأودية لبنانية هي اليوم عنوان جمال الطبيعة اللبنانية وقيمتها الاقتصادية، وأن على البلديات واتحادات البلديات بصورة خاصة التحرّك بسرعة وتنظيم حملات التوعية وتزويد أصحاب الأملاك بالتعاون مع وزارة الزراعة بكافة وسائل المكافحة وعمليات الإرشاد، وعلى البلديات أن تشرف بنفسها على قطع الأشجار المصابة وإزالتها من الغابات وعزلها وعلى جلب المصائد وتوزيعها، وإلا فإن حالات يباس أشجار الصنوبر ستزداد سنة بعد سنة بسبب تفاقم أعداد الحشرات، فالتحدي كبير ولا بدّ أن نكون على قدر التحدي، مواطنين وحكومة وبلديات وجمعيات.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي