سلامٌ على شيخ الشّيوخ المعلّم
سلامٌ على زاكي الخصال المكرّمِ
أبو فارسٍ يُكنَى وميدانُ خيلِه
عزيزٌ وقد فاز التقيُّ بمغنَمِ
غنِمت من الكنزِ الثمين نفائسًا
علومًا وآدابًا وإشراقَ مُلهَم
وسرْتَ على نهجِ الثّقاتِ مسدّدًا
بصدقٍ وإخلاص وقلبٍ مسلِّم
فطوباك في سكنى الجِنانِ مخلّدًا
مع الآلِ والأشراف أهلِ المكارم
عينٌ من أعيانِ أهل زمانه، أرجُ الفضيلة والنّهى عابقٌ في بستانه، إن خطا نحو المعبد بخشوع وسكون، ترى النّاس على جوانب الطرقات شاخصةَ العيون، يعكس سرُّ هذا الوليّ الطاهر على قلوبها اطمئنانًا وسلامًا، فتدنو منه لتلتمسَ البركات شوقًا وهيامًا. إن حدّث ترى البلاغة ماءً ثَجَّاجًا يسير من سلسبيل فيهِه وأفكاره، وإن سكت تقتات يمنًا من استشعاره ووقاره، صاحب الكرامات الجليّة، والمواقف الجريئة الرّضية، سيّدنا الشيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط رحمة الله عليه ونفّعنا ببركاته. آمين.
قَدُمَ آل جنبلاط إلى حاصبيا حوالي سنة 1787 ميلادي، وكان أولّ القادمين منهم الشيخ علي جنبلاط، وله ابن اسمه سليم، والد الشيخ محمد، لهذا عرف بالشيخ أبو فارس محمد سليم نسبةً لوالده.
ولد الشيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط سنة 1856 في مدينة حاصبيا من جنوب لبنان. توفّي والداه وهو صغير، فربيَ يتيم الأب والأم، وخلفَ من بعده ولدًا وحيدًا أسماه «فارس».
نشأ الشيخ الجليل على محبة الصّالحين واقتفاء آثارهم، وتتبّع نهجهم ومسلكهم، فارتدى ثوب الوراعة والتّقى، وتحلّى بحلى الصّدق والإيمان والإخلاص، وتزيّن بزينة العلم والفهم، حتّى غدا مرجعًا في زمانه، وواعظًا ناصحًا بلسان حاله ولسانه.
وسنختار لهذه المقالة بعضًا من مناقبه الحميدة، ومواقفه السّديدة، ليتراءى من خلالها للقارئ مكانة هذا الشّيخ الجليل الدينيّة الأخلاقيّة والإجتماعيّة الرضيّة، وسنسطّر بعضًا من كراماته الدّالة على رفعته عند الله سبحانه وعلو منزلته.
من مناقبه
إنّ المرحوم الشّيخ الجليل ركّز فضيلة قراءة كتاب الله في المجلس الشّرقي في بلدة حاصبيا كلّ يوم جمعة ولم يزل هذا الخاطر الميمون ساري المفعول لتاريخنا هذا. وكان المرحوم عندما يخرج من بيته من حارة الشّميس إلى حاصبيا راجلًا قاصدًا المجلس المذكور، يمرّ في سوق حاصبيا، وكان موعد الشّيخ تعرفه النّاس وتنتظره. وحين مروره يُسارع النّاس لإقفال أبواب محلّاتهم ليرموا التّحية عليه، عند دخوله السّوق.
فمن سنّ سنة حسنة له أجرها وأجر من سار عليها إلى يوم القيامة. وأوحى الله تعالى لنبيّنا داود عليه السلام: من صادقني في سريرته صدقته عند المخلوقين في علانيّته.
طُلب «فارس» نجل الشّيخ الجليل للجيش التّركي، وكان فتى، وقد خدم فترة وتركوه، وطلبوا بعدها فديه 50 ليرة ذهب كي يُعفى من الخدمة نهائيّا، فــدفع الشّيخ أبــو فارس الفدية، وفي السّنة نفسها زرع صحراء «مقتة»، فردّت قيمة الفدية الّتي دفعت. وقد قال الله تعالى على لسان أحد أنبيائه: «أنا أسرع إلى نصرة عبيدي وأوليائي، وما تقرّب إليّ بشيء أفضل مما افترضته عليه، وما يزل يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحببته، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ولسانه الّذي ينطق به، وقلبه الّذي يعقل به، ويده الّتي يبطش بها، وإن دعاني أحببته، وإن سألني أعطيته».
قبل سنة 1925 م حصل هناك حادثة ببلدة حاصبيا بين عــائلة درزيّة مـن آل زويهد وأخرى نصرانيّة مـن آل حـداد، وهاتان العائلتان يحسب لهما حساب في حاصبيا، وقد حصل خلاف بين هاتين العائلتين على قطعة سلاح، وقطعة السّلاح هذه لآل حداد، وأخذها آل زويهد ظلمًا. وآل زويهد تربطهم قـرابة نساء مع الشّيخ الجـليل، واحتدم الخلاف بين العائلتيـن، وأصبح يخاف أن يحدث شرٌّ في حاصبيا جرّاء ذلك. وإنّ آل حداد شكوا أمرهم لقسم كبير من مشايخ ووجهاء حاصبيا، وعندما علم المشايخ والوجهاء أنّ المشكلة مع آل زويهد وقفوا عن حلّ المشكلة، حتى جاء أحد الأشخاص من آل حداد وقال: ما لكم إلاّ الشيخ أبو فارس. فأفكر آل حداد وقالوا: كلّ المشايخ ما حلّوها، وهذا الشيخ تربطه قرابة مع آل زويهد كيف يقدرعلى حلّها؟!، ولكنّهم قرّروا شكوى أمرهم إلى الشّيخ الجليل، لثقتهم بنزاهته، وتقواه. فقصدوه وعرضوا مشكلتهم عليه فأصغى إليهم، وأرسل إلى آل زويهد وتحقّق الأمر، فتبيّن الحق لآل حداد، فحكم على آل زويهد باسترجاع القطعة وحسم الخلاف ووقع الصّلح فيما بينهم. وترك هذا الأمر وقعًا كبيرًا عــلى آل حداد في نفوسهم. وعندما أتت فــرنسا سنة 1925، وأحرقت بيوتًا في حاصبيا، ذهب شباب من آل حداد، وحمُوا بيت الشّيخ ولم يسمحوا بحرقه. وقد قال أفلاطون الحكيم: «المواهب الإلهية أربعة: النّطق بالصدق، والحكم بالحق، والرّضا بالقضاء، والصّبر على البلاء؛ لأنّ من نطق بالصدق ارتفعت درجته، ومن حكم بالعدل حجّت النّاس إليه، ومن رضي بالقضاء فُتِحَت له أبواب الجنة، ومن صبر على البلاء أدخله الله إليها».
كان سيّدنا الشّيخ بو حسين محمود فرج يزور الشّيخ أبو فارس عند قدومه إلى البياضة ويزوره عند ذهابه منها، وفي إحدى المرّات، من بعد زيارة الشّيخ أبو فارس وتوجُّه سيدنا الشيخ إلى البيّاضة، قدم أحد الأشخاص إلى سيّدنا الشّيخ وقال له: «بالرّجعة بدك تمر على الشّيخ أبو فارس» فكان جواب سيدنا الشّيخ: «بدّها». وكان يقول سيّدنا الشيخ بو حسين محمود فرج نفعنا الله ببركاته عن الشّيخ أبي فارس محمد سليم جنبلاط: «الّذي ما يزور الشيخ أبو فارس، فزيارته للبيّاضة ناقصة».
المرحوم الشيخ أبو على محمد البتديني كان في البياضة يوما، وكان الشّيخ أبو حسين محمد فرج موجودًا، وقال: «في نية نزور الشّيخ أبو فارس» وأراد الشيخ أبو علي محمد البتديني الزيارة لأنّه لم يسبق له أن عرف الشّيخ أبا فارس من قبل، وعندما رآه ضرب بعصاه وقال: «شفنا أكثر ما اسمعنا، هون البيّاضة».
إنّ لأحفاد الشيخ أبـي فارس جيرانًا فــي منطقة اسمها «العوجة» وكان جيران أحفاد الشّيخ في هذه الأرض من النّصارى من آل رشيد « حاصبيا» فسأل الشّيخ حسان ـ حفيد سيّدنا الشيخ أبو فارس ـ ولدَ صاحب هذه الأرض النّصراني من قــبل إذا كانت هذه القطعة من الأرض للبيع. فقال النّصراني: أسأل أمّي أوّلًا. فكان الجواب بعد مرور أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، أنّ وصية والده لوالدته: «هذه الأرض لا تبيعوها لأنّ الشّيخ الجليل أبا فارس محمد سليم جنبلاط كان يجلس تحت الزّيتونة فيها بركة»، وبعد فترة من الزّمن على سؤال هذا النّصراني، أعاد الأخ حسّان تكرارالسّؤال نفسه على صاحب هذه الأرض النّصراني. فكان الجواب منه: إذا أردت أن تأكل جناها «مفوض» لكن هذه وصية والدي بألاّ نبيع هذه الأرض. أجابهم: « نحنا مش طمع بالجنى الله تعالى منعم».

من كراماته
أتى وفد من راشيا، ومرُّوا على الشّيخ أبي فارس الجليل وهو في حقلِه، وقرّروا زيارته في البيت، فعزمهم على العَشَاء، فوافقوا مع التّحريج بعدم وقوع الكلفة، وبعد انصراف المشايخ على أمل رجوعهم للعَشَاء مساء، قعد الشّيخ ومن معه من العمـال لتناول الطّعام، وعند تناولهم الطعام، جاء ديك حجل وقعد بينهم فأمسكوا به وبعث الشّيخ ديك الحجل للبيت، وقال: اذبحوه للمشايخ أرسله العزيز المنّان كرامة للمشايخ، وعند رجوع المشايخ لتناول العشاء، قالوا: «تكلّفت». قال لهم: «ها من عند الله الكريم المنّان» وروى لهم القصة.
كان على زمان الجيش التّركي أن خيَّم هذا الجيش في أرزاق النّاس فانزعج النّاس وخافوا. وتوجّه الناس إلى الشّيخ أبي فارس وشكوا له ذلك. فأجابهم: اصبروا اشتكينا عليهم. وفي اليوم التّالي راح الناس ولاقوا الجيش غير موجود، وهو تارك أغراضه على الأرض كالجيش المهزوم. ويقال إنّ الناس بقيت أيامًا تأخذ أغراضًا من وراء ما ترك هذا الجيش.
توفي الشّيخ أبو فارس محمد سليم جنبلاط سنة 1952 م عن عمر يناهز السّت وتسعين سنة تاركًا آثارًا ومناقب حميدة، ومواقف سديدة، وخلفًا ميمونًا من الصّالحين. رحمة الله تترى عليه إلى يوم الدّين.