الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الاستشراق

تغيّرت النِّظرة إلى الإستشراق ومقاربته كثيراً منذ أن كتب المفكّر المصري أنور عبد الملك عن أزمته(١) في العام 1963 (الأخلاقيّة في المقام الأوّل بسبب الصّلة بالاستعمار)، ثم أتى مؤتمر المستشرقين التاسع والعشرين المنعقد في باريس في العام 1973 ليُعلن عن «وفاته» وحلول مباحث العلوم الإنسانية المُنشغلة بالشّرق مكانه. ومن ثمّ نشر اِدوار سعيد عمله الكبير «الاستشراق» (1978)، مثابة مضبطة اتّهام، ليُظهِر كيفيّة إنشاء الغرب لِشَرقٍ مُتَخيَّل، ساعد في «تحديد صورة أوروبا (والغرب) باعتباره الصّورة المضادّة». ما نرومه في هذه الصفحات القليلة إظهار بعض الشكوك على مؤسسة الاستشراق سيِّئة الصيّت.

[الاستشراق هو] «اشتغال نفر من العلماء الغربييِّن بأحوال الشرق»

د. عمر فرّوخ

بحسب ما جرى الاصطلاح عليه يُعرّف الاستشراق (Orientalisme) بأنّه دراسة كافّة البنى الثّقافيّة للشّرق من وجهة نظر غربيّة. ويكون المستشرق (Orientaliste) ذلك العالم المُتضلّع في معرفة الشرق وثقافته وآدابه، أمّا أدوار سعيد (1935- 2003)، صاحب الباع الطويل في تفنيد الاستشراق، فيرى أنّ المستشرق «كلَّ من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات خاصة بالشرق»(٢) ويُجمل أحد الباحثين العرب دلالات هذا المفهوم في ثلاثة:

أوّلاً: الدلالة الأكاديمية، أي كون الاستشراق بحثاً جامعيّاً هدفه معرفة الآخرين.

ثانياً: دلالة كونه أسلوباً فكريّاً يقوم على تمايُزَين أساسَين، وجودي ومعرفي، بين غرب يدّعي أنّه يعرف نفسه تماماً (بنفسه) وشرق قابل للمعرفة وعاجز ذاتيّاً عن معرفة نفسه.

وثالثاً: في كون الاستشراق متداخلاً مع بنى الدولة الحديثة في الغرب ومتشابكاً مع توجّهات المجتمع المدني فيه، ما حوّله إلى مؤسسة مُشتركة للتعامل مع الشرق(٣).

الاشتغال بأحوال الشّرق
جوستاف فلوبير، كاتب فرنسي (١٨٢١ – ١٨٨٠).

ويتحدّد الاستشراق في رأي الباحث اللبناني د. عمر فرّوخ (1906 – 1987) في كونه «اشتغال نفر من العلماء الغربييِّن بأحوال الشرق»، ويربط نشوءه بعوامل سياسية أمْلَتها الحروب الصليبيّة، ومن ثم بعوامل دينية بغرض التبشير، وعنده أنّ المُعجبين بأدب العرب المخلصين هم قلة(٤)، وهو يميّز بين طبقتين من المستشرقين: طبقة المستشرقين في الدّول الكبيرة (انجلترا، فرنسا، هولندا)، التي لها مُستعمرات، وبقيّة الدول التي لا تملك مستعمرات. وكان الغالب على المستشرقين في الدول الاستعمارية قلّة الأمانة في البحوث المشرقيّة (والدينية والثقافية منها خاصّة)(٥)، وفي تمييزه يحاول صاحب «العلوم عند العرب» إنصاف المُستشرقين (عموماً) ليذهب إلى القول إنّ الاستشراق ليس عدوّاً للإسلام واللّغة العربية، ويُقدّر أنّه يجب النظر في أعمالهم لا في أسمائهم ودينهم، فبينهم كان هناك يهود ونصارى من الكاثوليك والبروتستانت، فيتمُّ النظر إلى المحسنيّن منهم كما إلى المسيئين(٦).

وكان سبق للعلّامة الأمير شكيب أرسلان (1869 – 1946)، كاتب «لماذا تأخّر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ (1930) أن انتقد المستشرقين فقال»… فليس مرغليوث(٧) (David Samuel Margoliouth) ولا مُستشرقَة الأفرنج هم الذين يقدرون أن يعقّبوا على أئمة اللّسان العربي وأنْ يُصلحوا خطأهم، ولا سيّما في المسائل اللغويّة البحتة»(٨)، كما أنَّ أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) هاجم المستشرقين الإنجليز خصوصاً، في كتابه الساق على الساق في معرفة الفارياق (طبع في باريس عام 1852)، متَّهماً إيّاهم بجهل اللغة العربية، وبالترقيع «حين يجهلون معاني الكلام»(٩).

إنتاج الصُّوَر والتَّوهُّمات

بدوره لم يجعل د. خليل أحمد خليل كلّ عمل استشراقي مرادفاً للمركزيّة الأوروبية(١٠)، وهو أخذ على أكثرهم «توهُّمَهم»، فكانت معرفتهم مخالفة للمعرفة التاريخيّة العادية، ما جعل «الاستشراق يغدو مُشكلة ذهنيّة، مشكلة فلسفية ونفسانيّة، فكيف يسمح عارف لنفسه بأن لا يكون عقلانياً – وهو قادر على ذلك – فيلجأ إلى توهّمات عن الآخر، وغايته إنكاره لا معرفته كما هو، فينتج مفاهيم شائعة وابتسارات وأحكاماً منحرفة، بدلاً من إنتاجه وعياً طبيعيّاً لمجتمعات تاريخية وواقعية»(١١) في زعمه. وقد يكون سبب هذه التوهّمات أو التخيّلات نمط من الانسحار بالشرق بداية، بالأندلس وبغداد على صورة ألف ليلة وليلة(١٢) وفاقاً للمفكّر العراقي الراحل عبد الأمير الأعسم (1940 – 2019).

ومن ثم أتت الغلَبة بعد نهضة أوروبا، وهذه كانت «المُمَهِّد الحقيقي للاستعمار في القرن التاسع عشر وبعض القرن العشرين»(١٣)، وما صاغته من صور جديدة عن هذا الشرق. وهنا استقرّ في وعينا أنّ الاستشراق في تاريخنا الحديث كان قريناً للاستعمار ومرآةً للتبشير. وآية ذك أنّ الكُتّاب الفرنسييِّن في القرن التاسع عشر، على سبيل المثل، لم يجدوا إلّا الشرق أرضاً خصبة لمخيالهم، بعد أن جرى التحضير لذلك عبر ترجمات النصوص الشرقية الدينية والأدبية وكتابة السِّيَر والرحلات، وقد أدّت ألف ليلة وليلة (التي ترجمها غالان Galland عام 1704) دوراً مُعْتَبَراً في تحفيز المُخيّلة الغربية.
وكما قال الكاتب الفرنسي فيكتور هيجو V. Hugo (1802 – 1885) في مؤلَّفه «الشرقيون Les Orientales» (1829): «في ظلّ حكم لويس الرابع عشر (Louis XIV) كنا هِلِّينييّن (helléniste)، الآن نحن مُسْتَشرقون (orientalistes)». ما ساعدهم كَكُتاب على تخطِّي واقعهم والمباشَرة في كتابة جديدة(١٤)، ومن مصادرهم الثريّة فِكرة النساء في الشرق، وما تستثيره من مواقف وصور غير معهودة في الغرب، ويكفي قول شاتوبريان (1768 – 1848) (Chateaubriand) «سأذهب للبحث عن صور»(١٥)، إذ القراءة والسماع لم تَعُد كافية، بل يجب النّظر وضبط الرؤية.

ولعلّ رحلة الكاتب الفرنسي فلوبير G. Flaubert (1821 – 1880) إلى الشرق، (بدأها في العام 1849 وأنهاها في العام 1851) مُنتدَباً لجمع المعلومات، لا مجرّد رحالة، وانبهار صاحب «مدام بوفاري» (1856) بــ «الأميرة الصغيرة» إنما كانت بوصفه السيّد المسيطر، صاحب الأمر، هي في نظر أدوار سعيد: نموذج للعلاقة بين الشرق والغرب، وهي علاقة القوي المسيطر بالضعيف المغلوب على أمره، وفي زعم كاتب الاستشراق، أنّ فلوبير ليس مسؤولاً عن صورة المرأة الشرقيّة، لكن» هذه المرأة لم تتحدث مطلقاً عن نفسها، ولم تصوّر قط مشاعرها أو تعبر عن وجودها أو تاريخها، بل إنّه هو الذي تحدّث باسمها وصوّرها»(١٦).

وإذا راجعنا اللوحات الفنيّة المصوَّرة من الفنانين الأوروبييِّن في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، لرأينا كيف يُرسَم العالم العربي كمكان غرائبي وغامض، من الرمال والصحراء والخِيَم والقصور، ما يعكس تاريخاً مديداً من الفنتازيا الشرقية التي ما تزال تفعل فعلها إلى اليوم في الأذهان، وقد تحكّمت الصّورة النمطيّة للحريم في أنماط تمثيل نساء الشرق الأوسط وأفريقيا في القرن التاسع عشر، وكما عبّرت بدقّة وبعمق، الباحثة الإنجليزية المُهتمة بتفكيك الخطاب الكولونيالي، داليا غبريال D. Gebrial (١٧).
وقد تصدّى الباحث الجزائري مالك علوله (Malek Alloula) (1937 – 2015) لهذه المقولة في كتابه «Colonial Harem»(١٨)، إذ ركّز في نقده لمسألة «البطاقات البريدية لنساء جزائريات» أيام الاستعمار الفرنسي، والتي كانت تُرسَل إلى المركز، إلى الأفراد بداية ثم يُعاد إنتاجها كصوَر تمثّل الجزائر، استناداً إلى الخلفيّات والنِّظرة النّمطيّة المُسبقة عن نساء الشرق.

نَصُّ الغلَبة

ومن المَطاعن على النَّص الاستشراقي ادّعاؤه المَعرفي، في هيئة مشروع ثقافي وجهد بحثي أكاديمي، وهذا في عرف الباحث العراقي، كامل يوسف حسين، «مجرّد أقنعة»(١٩)، وشاهده على ذلك المستشرق الأميركي، برنار لويس B.Lewis. واستناداً إلى طروحات هذا الأخير، يرسم حسين خمس سمات
للنص الاستشراقي في وضعيّة النزاع:

  • مُهاجمة الخصم وعدم التردّد في الكذب والتشكيك(٢٠)،
  • يعمل هذا النّص في عالم مُغلَق «لا يُفضي إلّا إلى ذاته…، ولا يؤشّر إلى عالم رحب يأخذ ويعطي، يؤثّر ويتأثّر»،
  • ولا يُقْدِم النّص على المقارعة العقلية والصراع المنطقي، وإنّما «من طريق سلب وجود هذا الآخر نهائيّاً، وبكلمة نفي هذا الوجود»،
  • يحرص النص الاستشراقي «على فصل المُعْطى الفكري عن سياقه التاريخي، من ناحية، ونسيجه السياسي والاجتماعي من ناحية أُخرى»(٢١)،
  • ادّعاء النّص التنكُّب لمشروع فكري ومعرفي فحسب، إذ يدَّعي صفة الحقيقة ويريد «فرضها على الآخرين»(٢٢).

والحال، كثيرة هي الشكوك على الاستشراق، ولا سيّما منذ تَحوُّله إلى «مؤسّسة» سبقت وواكبت وبرَّرت مرحلة الاستعمار التي شملت كثرة من البلدان في آسيا وأفريقيا والمشرق، ونجحت في إنتاج خطاب غير علمي في الأعمّ (حول الأعراق والبنى والذهنيّات والثقافة)، ولكنّه تَقَنُّع بالجهد الأكاديمي والعمل البحثي الصّرف، وقد عبّر هذا الخطاب عن مواقع الهيمنة والتسلّط التي وصل إليها الغرب، فترجمت القوة معرفة تلبّست لبوس الكونية. والتواطؤ بين الاستشراق والاستعمار تنامى، بحيث كان «من المُحال فصل هذه المصالح من طرف واحد عن السيّاق الإمبريالي العام الذي بدأ مرحلته العالمية الحديثة في العام 1798»(٢٣)، كما يقول سعيد، ولم يجد تناقُضاً في الانشغالين «ففي وسع المرء أن يكون مُستشرقاً إمبرياليّاً وكاتباً عظيماً»(٢٤).


المراجع

  1. أنور عبد الملك، «الاستشراق في أزمة»، نُشر النص أول مرّة في باريس في فصليّة Diogène، في العام 1963، وهي المجلّة الدوليّة للعلوم الإنسانية تصدُر برعاية اليونسكو، ثم نشر البحث باللغة العربية في مجلة الفكر العربي (لبنان)، عام 1983، في العدد 31 ، كانون الثاني – آذار، المُخصص للاستشراق.
  2. أدوار سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة د. محمّد عناني (القاهرة، رؤية للنشر، 2008)، في 553 صفحة. ص 44. وهذه الطبعة الجديدة المترجمة تستند إلى الطبعة الإنجليزية المنقحة والمزيدة في العام 1995. وقد سبق للنص الأصلي الأول الذي حمل عنوان: الاستشراق: المعرفة، السلطة، الإنشاء أن صدر في بيروت في العام 1980، في طبعات عدة، عن مؤسسة الأبحاث العربية، بترجمة كمال أبو ديب. في 368 صفحة.
  3. نقلاً عن محمّد رضا وصفي، «مراجعة الاستشراق في مجلة»، مجلّة آفاق الحضارة الإسلامية، العدد 6. المقالة منشورة على الشبكة .
  4. د. عمر فروخ، «المستشرقون: ما لهم وما عليهم»، مجلة الاستشراق، العدد الأول، (بغداد)، 1987. ص 54.
  5. المصدر نفسه، ص 56.
  6. المصدر نفسه، ص 57.
  7. مستشرق انجليزي (1858 – 1940)، تحوّل من اليهودية إلى الأنجليكانية، ودرس اللغة العربية في جامعة أوكسفورد من عام 189 الى العام 1937.
  8. شكيب أرسلان، من مقدَّمة النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي لمحمد أحمد الغمراوي، القاهرة، 1929. مذكور عند د. ميشال جحا، «موقف العرب من المستعربين»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، ص 36.
  9. المصدر نفسه. ص 36.
  10. د. خليل أحمد خليل، «الاستشراق مُشكلة معرفة أم مشكلة اعتراف بالآخر؟»، مجلة الفكر العربي (لبنان)، صدرت عن مركز الإنماء العربي، العدد 31، العام 1983. ص 55.
  11. المصدر نفسه، ص 58.
  12. د. عبد الأمير الأعسم، «الاستشراق من منظور فلسفي عربي معاصر»، مجلّة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، كانون الثاني، 1987. ص 18.
  13. عبد الأمير الأعسم، «الاستشراق من منظور فلسفي عربي معاصر»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الأول، كانون الثاني، 1987. ص 18.
  14. Colette Julliard ,”Imaginaire et Orientalisme chez les ecrivains français du 19 èm siècle “, Revue Confluences, Hiver 1995 – 1996, P118.
  15. المصدر السابق نفسه، ص 184.
  16. أدوار سعيد، الاستشراق، المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة د. محمّد عناني (القاهرة، رؤية للنشر، 2008)، في 553 صفحة. ص 49.
  17. داليا غابرييل، «سياسات الحب»، والمقال الأصلي هو بعنوان:
    «Decolonising Desire: The Politics of Love» ترجمة عبدالله البياري، 13 شباط/ فبراير 2017. المقال متوافر على الشبكة.
  18. Malek Alloula, Le Harem colonial, images d’un sous-érotisme, essai illustré (Paris, Genève, Slatkine éditeur, 1981 ; Séguier, 2001)
  19. كامل يوسف حسين، ترجمة وإعداد «خصائص النص الاستشراقي في وضعية النزاع: ملاحظات أولية حول سجال برنارد لويس وإدوار سعيد»، مجلة الاستشراق (بغداد)، العدد الثاني، شباط، 1987. ص 114.
  20. المصدر نفسه، ص 114.
  21. المصدر نفسه، ص 115.
  22. المصدر نفسه، ص 116.
  23. أدوار سعيد، الاستشراق، تذيييل العام 1995، مصدر مذكور، ص 507. ويمكن التوسع في نظرة سعيد في كتابه المهم: الثقافة والإمبريالية..(1993)، وقد ترجمه كمال أبو ديب إلى اللّغة العربية (بيروت، دار الآداب، 1997)، في 425 صفحة. وصدر الكتاب في عدة طبعات (الطبعة الرابعة عام 2014).
  24. أدوار سعيد، السلطة والسياسة والثقافة (حوارات مع أدوار سعيد) (2001)، (بيروت، دار الآداب، 2008)، في 496 صفحة . إعداد وتقديم غاوري فسوا ناثان، وترجمة د. نائلة قلقيلي حجازي. ص 234.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي