الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة مظلّة الإصلاح والإنقاذ

مقدمة

كما عوّدت مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدّروز في لبنان اللبنانيّين على الدّوام، كانت النّدوة الثّقافيّة التي انعقدت في قاعة بلدة شانيه، جبل لبنان، بتاريخ 21/5/2025 مناسبة روحيّة/ثقافيّة/وطنيّة جامعة، تحت رعاية مزدوجة من سماحة شيخ العقل الشّيخ الدكتور سامي أبي المنى، ووزير الثّقافة الدكتور غسّان سلامي، مدماكاً جديداً متميّزاً في البنيان اللّبناني الوطني الواحد.

كانت عناصر النّدوة، من العنوان (الشّراكة الرّوحية الوطنيّة) إلى المشتركين فيها (رؤساء جامعات لبنانيّة محترمة) ورعاية وحضور وزير الثّقافة، وبإدارة العميد الدّكتور رياض شيّا، وبحضور ديني، ورسمي، وشعبي لافت، تدلّ جميعها إلى المعنى المزدوج الّذي يستبطن موضوع النّدوة: حاجة البلاد في هذه اللّحظة بالذّات إلى شراكة روحيّة بين العائلات الرّوحيّة الّتي تؤلّف مجتمعنا وبلدنا من جهة، وإبراز الطّابع الوطني للشّراكة الرّوحية تلك من جهة أخرى.

لم يكن اختيار الميزتين أعلاه، وربطهما، فعل صدفة عابرة، وإنّما كان اختياراً، هدف من خلاله سماحة شيخ العقل أن يضع اللّبنانيّين جميعاً، روحيّين ورسميّين وسياسيّين وقادة رأي أمام مخاطر؛ أن لا تجمعنا الشّراكة التّامة في اللّحظة الحرجة الّتي يمرّ بها شرقناووطننا، – ولأسباب ما عادت خافية على أحد بعد الانفجار اليميني العنصري غير المسبوق الّذي أصاب العقل الإسرائيلي منذ بضع سنوات، والّذي آنس في الإدارات الحاكمة في عواصم القرار الغربية. والمطلب الملح بالتّالي هو أن تتجسّد الشّراكة الرّوحية منعة لوطننا، وحافزاً لوحدة الصّف والموقف والخطاب، لا لدى المرجعيّات الرّوحية فقط، بل لدى قادة الرّأي في البلد في أطيافهم وميادينهم كافّة.

وكانت الإسهامات الفكريّة/الرّوحيّة والرّسميّة الّتي قدّمت من على منبر النّدوة – والّتي تعرضها الضّحى كما هي من دون أي تدّخل أو تعليق – خير معبّر عن مخاطر اللّحظة الّتي يعيشها بلدنا والشّرق عموماً من جهة، وخارطة طريق تفصيليّة لأولي الشّأن الرّوحي والثّقافي والرّسمي في كيفية وصل ما انقطع، أو يكاد، بين المكوّنات اللّبنانيّة الاجتماعيّة، وكيفيّة تعميق جذور المشترك هذا، وتوسعة مساحته، والمنخرطين بنيّة طيّبة فيه، ما يقي بلدنا ومجتمعنا مخاطر المؤامرات الخارجيّة المتربّصة بنا، وكذلك مخاطر الغلوّ والتّطرف والخطب العاليّة السّقف، الحادّة المواقف، الأحاديّة الجانب، الجزئيّة، والمتفرّدة.

ندوة «الشّراكة الرّوحية الوطنيّة»، كانت بحقّ مظلّة يمكن الاحتماء بها وتوسعتها، وسط صخب الأمواج وهدير الرّعود، وشرر البروق المحدقة ببلدنا ومنطقتنا.


كلمة سماحة شيخ العقل الشّيخ الدّكتور سامي أبي المنى
الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة، هذا العنوانُ الّذي أطلقناه من دار طائفة الموحّدين الدّروز، ومن دار الفتوى ومن المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى، والّذي توافقنا عليه معَ بكركي من قبلُ ومن بعد، وأكّدناه منذ أيّامٍ من القصر الجمهوري، وبالأمس من مقرِّ الرّئاسة الثّانية، وبتفاهمٍ مع رئاسة الحكومة، إنَّما هو العنوانُ الأشملُ الّذي نراهُ لبناء الدّولة واستعادةِ الأمل، والشعارُ الأرقى الّذي يُجسِّدُ معنى وجودِ لبنان، كوطنِ التّنوُّع والشّراكة؛ وطنِ التّنوُّع في الوحدة، والشّراكةِ في العمل، وطنِ المؤمنين باللّه وبالعيش الواحد المشترَك:
العيشُ مشترَكٌ،  بل واحدٌ أبدا
وحبُّ  لبنانَ  عهدٌ  بيننا   عُهِدا
الدّينُ  يَجمعُنا  والحقُّ  مَرجِعُنا
شُقُّوا القلوبَ تلاقوا الواحدَ الأحدا
إنَّ لبنانَ مختبَرُ إيمانٍ وتفاعلٍ وطنيّ رائع؛ علمنةٌ روحانيّة، ومدنيّةٌ مؤمنة، وتنوُّعُ مكوِّناتٍ حضاريّة تَجعلُه متميِّزاً بين بلدان هذا الشّرق، شعبُه واحدٌ بالرّغم من تعدُّد أديانه ومذاهبه وثقافاته، جذورُه متينةٌ وصَلبة، وأغصانُه وزهورُه مُتعدّدةُ الألوان والأحجام والاتّجاهات، لكنَّها متفرِّعةٌ من جَذعٍ تاريخيٍّ وعربيٍّ ووطنيٍّ متين، وكأنّها ترسمُ لوحةً جميلةً رائعةً كطبيعته الخلَّابة، والشّعبُ اللّبنانيّ الأصيلُ كتلك الطبيعةِ الخالدة عصيٌّ على التّفكُّك والانكسار والزّوال، لما يُوجَدُ بين أبنائه من روابطَ روحيةٍ ووطنيّة متينة، وتلك لَعمري هي مِظلَّةُ الإصلاح والإنقاذ، الّتي تجمعُنا دائماً تحت فيئها وأمنِها وأمانها.
وإذا كان القولُ المأثور صحيحاً: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه»، وهو كذلك، وإذا كان الدّستورُ اللّبناني قد عزَّز دورَ مجلس الوزراء بما أعطاه من صلاحيّاتٍ كسلطةٍ تنفيذيّة راعيةٍ ومسؤولة، إلَّا أنَّ رعايةَ رئيسِ الجمهورية هي الأعلى بما تكتسبُ من قوّةٍ معنويَّة لا يضاهيه فيها أحدٌ ولا ينازعُه عليها قائدٌ أو مسؤول، متى عَرف كيف يجمعُ حوله جميعَ المكوِّنات والقوى الوطنية، ليكونَ الرئيسَ القويَّ بقوّة الجمع والثّبات والتمسُّك بروح الشّراكة، لا بقوّة المواجهة والتحدّي وتنازع الحصص.
من هذا المنطلق أطلقنا فكرةَ الشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة، وبتقديرنا الكبير لمعالي وزير الثّقافة لما يتمتَّعُ به من عميق فكرٍ وسَعةِ تجربة، أردنا أن نفتتَحَ سلسلةَ النّدوات حول هذا الموضوع برعايته ومشاركته، وقد عقدنا العزمَ على أن نَنشرَ تلك الثّقافة، وأن نجمعَ حولَها المداخلاتِ القيِّمةَ في أكثرَ من ندوةٍ ومعَ أكثرَ من رأيٍ من نخبة القوم، علَّنا نختتمُ هذه النّدواتِ بمؤتمرٍ وطنيٍّ روحيّ يرعاه فخامةُ الرّئيس، وتُطرَحُ فيه خلاصاتُ الأفكار والمواقف، بَدءاً ممَّا سيُقدَّمُ اليومَ من قِبل الأساتذة المحاضرين الأثرياءِ بفكرِهم، والقادمين من منابرَ جامعيّةٍ مرموقة، هي الأَولى بالإضاءة على تلك الثّقافة، وبتعزيز هذا التّفاعل، وبنشر الوعي بين أبناء الوطن.
إنّ هذه الندوةَ اليومَ تتوازى مع اليوم العالمي للتنوُّع الثّقافي من أجل الحوار والتّنمية، وهو ما يتماهى معَ طرحِنا بأن يكونَ التنوُّعُ الثّقافي والدّيني القائم في لبنان مغذّياً للشّراكةِ الرّوحية الوطنيّة التي تُصبح بدورها سبيلاً للتنميّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة المستدامة الّتي نسعى إليها من خلال بناءِ جسور الحوار الدّائم، مدركين أن هذا البناءَ الوطنيَّ والإنساني لا يعني هدمَ البناء الخاصّ بكل عائلةٍ روحيّة، فالتمسكُ بالهُويّة  الرّوحيّة الخاصّة لا يتعارضُ معَ الانفتاح والحوار والعيش الواحد، ومع المصالح العليا للوطن، لأنّنا جميعنا مرتبطون بتراثنا الثّقافي وهويّتنا الرّوحيّة، ومتمسّكون بخصوصيّاتنا، مع الرّغبة في السّعي نحو الاندماج  والتّكامل معَ شركائنا في الوطن؛ وهنا يكمن التحدّي المزدوج، الأوّل في تثقيفِ الشّباب وتربيتهم على التّمسُّك بالجذور والأصول، والثّاني في الانفتاح على المعرفة والتّطوُّر الدّائم.
لقد كنَّا معاً وغبطةُ البطريرك الرّاعي في لقاء الشّوف الجامع في بعقلين، وفي لقاء حمَّانا حول الاغتراب والتّنمية، وكنَّا معاً والرّؤساءُ الرّوحيّون جميعُهم في القمَّة الرّوحيّة، وفي أكثرَ من لقاء، فأكَّدنا أنّنا مستمرُّون في تلاقينا لتعزيز الثّقة في مجتمعنا، وإنعاش الأمل في قلوب أبنائنا، بالرّوح الطيّبة والكلمة الطيِّبة وبالعمل الطيِّب. كيف لا؟ ونحن أبناءُ التّوحيدِ، والمحبةُ هي لُبُّ التّوحيد، والتّوحيدُ جامعٌ مشترَك فوقَ المظاهر والطّقوس، وقد عبَّرنا عن ذلك شعراً منذ زمنٍ، فقلنا:
تعمَّقتُ في ديني الحنيفِ فقادني
إلى  غيرِه،  لو أنّ ذاك  مُغايِرُ
وأدركتُ أنَّ الحقَّ  أصلٌ،  وكلُّنا
فروعٌ    وأغصانٌ   له   وأزاهرُ
إذا   فرَّقَتْ  بينَ  الأنامِ  عبادةٌ
فتجمعُهم فوقَ الطقوسِ الجواهرُ
إنَّ الوطنَ تاريخٌ، والتّاريخُ لا يُمحى بحادثةٍ هنا ومواجَهةٍ هناك، وتراثٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ لا يتبدَّلُ بخطأٍ من هذه الجهةِ أو خطيئةٍ من تلك. الوطنُ سيرةُ أبطالٍ قادةٍ نُجباء وفلَّاحين أُخوةٍ شرفاء، هو كهفُ تعبُّدٍ وصومعةُ نُسكٍ وساحةُ جَمعٍ في الأفراح والأتراح، هو مَيدانُ عملٍ وشراكةٍ ولقاء، كرَمٌ وكرْم، سيفٌ وضَيف، نسمةٌ وبسمة، فيه وُلِدنا وفيه نعيشُ وفيه نموتُ وفيه نُبعَثُ من جديد، ومعاً نُعليه فوق الخلاف والاختلاف لنجعلَه النّموذجَ الحيَّ للإنسان، ولكلِّ الأوطان.

من هذا المنطلَق الوجداني والواقعي أطلقنا عنوانَ الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة كمشروعِ تفاعلٍ وطنيٍّ يبدأ بالثّقافة والتّربية، ولا ينتهي بالتّنمية والاقتصاد وبالسّياسة، وفي كلِّ ذلك هناك ميادينُ عملٍ تنتظرُنا للقيام بالمبادرات، وإن كنَّا اعتدنا أن ننتظرَ الخارجَ ليبادرَ ولِيرسُمَ لنا سبيلَ الخروج من الأزمات، لكنَّ الواجبَ يدعونا لكي نبدأَ أوّلاً، ومن ثُمَّ نستعينُ بالأخوة والأصدقاء، أمَّا دورُنا كمرجعياتٍ روحيّة، فإنّنا نراهُ دوراً إنسانيّاً وأخلاقيَّاً يشكِّلُ مِظلَّةً روحيّة تتلاقى مع مظلّةٍ وطنيّةٍ كبرى تتمثَّل برئاسة الجمهوريّة، لتشكِّل معاً مظلَّة الشّراكة الرّوحيّة الوطنيّة الجامعة الّتي هي حاضنةُ الإصلاح والإنقاذ، وضمانةُ التّلاقي السّياسيِّ الوطنيِّ المنشود.


كلمة العميد الدّكتور رياض شيّا
«الشّراكةُ الرّوحيةُ الوطنيّة: مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ» – عنوانُ ندوتِنا الفكريّةِ اليوم، تُعقدُ في هذا الصّرحِ وفي هذه البلدةِ المضيافة، هو عنوانٌ أطلقَه صاحبُ السّماحة ليكونَ مظلّةً للإصلاحِ والإنقاذ، والوطن على أبواب مرحلةٍ جديدة. فلبنان، منذ تأسيسه كدولة في العام 1920، وتحديداً منذ استقلالِه في العام 1943، شكّل نموذجًا فريدًا للتّعدّدية الدّينيّة والثّقافيّة، لكنّه أيضًا عانى مرارًا من توتّرات طائفيّة تحوّلت في مراحل عديدة إلى صراعات دمويّة، كان أبرزها الحرب الأهليّة بين العامين 1975 و1990. وقد خلّف هذا التّاريخ جراحًا عميقة وانعدامَ ثقةٍ بين مكوّنات المجتمع اللّبناني، ورسّخ نظامًا سياسيًّا طائفيًّا هشًّا قائمًا على المحاصصة، ما أعاق بناءَ دولةٍ مدنيّة عادلة وقويّة.من هنا، فالمفردات الّتي اختيرت بعناية عنواناً للنّدوة جاءت لتقول إنّ الشّراكة بين الطّوائف اللّبنانيّة اليوم هي البديل عن صراعات وانقسامات الماضي، والسّبيل لإصلاح مستقبل الوطن. ثمّ إنّ اختيارَ عبارة «الشّراكة الرّوحيّة» بحدّ ذاتها تستبطنُ أمراً في غاية الأهميّة لا بدّ من التّطرق إليه، وهو ضرورة التّمييز بين الدّين والطّائفيّة.

فوسطَ ما يشهده العالم من تحوّلات وتغييرات اجتماعيّة وسياسيّة، يبدو أنّ هناك التباساً عميقاً بين مفهومَي «الدّين» و»الطّائفيّة»، ما أدّى بالكثيرين، عن جهلٍ أو عن سوءِ نيّة، إلى الخلط بين الرّسالة السّماويّة الّتي تدعو إلى السّموِّ والرّحمة الّتي يمثّلها الدّين، وبين التّعصب والانغلاق الّذي تمثّله الطّائفيّة. وهذا الخلط لا يقتصر على المفاهيم، بل يتعداها إلى الممارسة، حين يُستغلّ الدّين لتحقيق غايات لا تمتّ إلى جوهره بصلة. لذا من الضّروري الوقوفُ عند الفرق بين الدّينِ والطّائفيّةِ والتّمييز بينهما، وفضحُ صور استغلال الدّين في غير مقاصده.

إنّ الدّين هو منظومةٌ متكاملة من العقائد والعبادات والأخلاق، تهدفُ بمجموعِها إلى تنظيم العلاقة بين الإنسانِ وخالقِه، والى علاقتِه بنفسِه، وبمجتمعهِ. في جوهرهِ، يرمي الدينُ إلى بناء إنسانٍ فاضل، ومجتمعٍ عادل، قائمِ على الرّحمة، والصّدق، والعدالة والمساواة، والتّكافل، والحريّةِ المسؤولة. الأديانُ السماوية، وعلى رأسِها المسيحيّةُ والإسلام، جاءت لتُخرِجَ الناسَ من ظلماتِ الجهلِ والظّلم إلى نور المعرفة والعدل، ولتدعوَ إلى السّلام، وتحضَّ على الرّحمة، وتَنهَى عن الفتنةِ والبغي.
والدينُ، بهذا المعنى، هو قوّةُ توحيد، تربطُ البشرَ بقيمٍ روحيّةٍ عليا، وتتجاوزُ الانتماءاتِ الضّيّقة، لتؤسّسَ لوحدةٍ إنسانيّة تقومُ على كرامةِ الإنسانِ وحريته.

في المقابل، الطّائفيةُ تحزّبٌ ضمنَ إطارٍ مذهبيٍّ ضيّق، يقوم على الانتماءِ لجماعةٍ أو عصبيّةٍ معيّنة، ورفضِ الآخر المختلف، والنّظرِ إليه كخصمٍ أو حتّى كعدوّ. إنّها حالةٌ من الانغلاقِ العقلي والنّفسي، تُغذَّى بالتّعصّب والكراهيّة، وتنتهي غالبًا إلى العنف، والتّمييز، وتقسيمِ المجتمعات.

الطّائفيةُ لا تعبّرُ عن جوهرِ الدّين، بل هي تشويهٌ له، لأنّها تختزلُ الدّينَ في هويةٍ فرعيّة، وتوظّفُ المقدسَ لخدمةِ المصالحِ الدّنيويّة. حينَ تسودُ الطّائفيّةُ، تُستبعدُ القيمُ الكبرى للدّين، وتُستبدلُ بولاءاتٍ ضيّقة، تُقسّمُ النّاس إلى «نحن» و «هم»، وتهدمُ جسورَ التّعايش.

وهكذا، فإنّ الدّينَ يبني والطّائفيةَ تهدم، الدينُ يوحّد والطّائفيةُ تفرّق، الدّينُ محبّةٌ ورحمةٌ وتسامحٌ، في حين إنّ الطائفيةَ تعصبٌ أعمى.
إنّ أخطرَ ما يواجه الدّينَ اليوم، هو استخدامُه وسيلةً لتّحقيقِ أهدافٍ دنيويّة، سواءَ كانت سياسيّةً أو اقتصاديّةً أو سلطويّة. فحينَ نُعيدُ للدّين رسالتَه الرّوحيّة، ونفصلُ بين المقدّسِ واستغلالِه، نكونُ قد خَطَونا خطوةً نحوَ مجتمعاتٍ أكثرَ وعيًا وإنصافًا، وأكثرَ قدرةً على العيشِ المشترك.

من هنا تبرزُ الحاجةُ إلى مبادراتٍ جامعة تتجاوزُ الانقساماتِ الطّائفيّة والمصالح الفئويّة. ومن بين هذه المبادرات، تبرزُ «الشّراكةُ الرّوحيّة» كإطارٍ جامعٍ بين المرجعيّاتِ الدّينية المختلفة في البلاد، تحملُ في طيّاتِها أملًا حقيقيًّا بالإصلاحِ والإنقاذ.

تقومُ الشّراكةُ الرّوحيّةُ على مبدأ التّعاون بين القيادات الدّينيّة من مختلف الطّوائف اللّبنانيّة، ليس فقط من أجل تعزيزِ العيشِ المشترك، بل أيضًا للتّصدي للأزمات الوطنيّة بروحِ المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. فالدّينُ في لبنان لم يكن يومًا مجردَ شعائر، بل كان دائمًا عنصرًا فاعلًا في الحراكِ الاجتماعي والسّياسي. واليوم، تتّجهُ الأنظارُ إلى هذه المرجعيّات لإحداثِ تأثيرٍ إيجابي يدفعُ باتجاهِ محاسبةِ الفاسدين، والدّعوة إلى قيامِ دولةٍ عادلةٍ ومؤسّسات قويّة.

إنّ لبنان، الّذي عاش طويلاً في ظلِّ الاصطفافاتِ الطّائفية، يحتاجُ اليومَ إلى مظلّةٍ جامعة من القيمِ والإيمان، تقودُ مسيرةَ الإنقاذِ الوطني بضميرٍ حي، ونَفَسٍ جامع. إنّ مظلّةَ الشّراكةِ الرّوحيّة، حينَ تتوحّد، تملكُ القوةَ المعنويّة لتقويمِ الأداءِ العام، ولإعادةِ بثِّ الثّقة بين النّاس ومؤسّسات الدّولة. فحين يتكلّمُ صوتُ الإيمانِ والضّمير، يصعبُ تجاهُله، لا من قبلِ السّياسيّين، ولا من قبل المجتمعِ الدّولي.
من هنا، يمكنُ القول إنّ الشّراكةَ الرّوحيّةَ في لبنان لم تَعُد خيارًا، بل ضرورةً وطنيّة وأخلاقيّة، تمثّلُ بارقةَ أملٍ في نفقٍ طويل من الأزمات. وعلى اللّبنانيّين أن يدعَموها، لأنّها قد تشّكلُ بدايةَ طريقِ الخلاص.

لكن، من المهمِّ التّأكيد، وبوضوح، أنّ الشّراكةَ الرّوحيّة ليست بديلاً عن الدّولة، لكنّها تمثلُ قوّةً أخلاقيّة ووطنيّة جامعة، تضعُ ضميرَ المجتمع أمامَ مسؤوليّاتِه، وتدفعُ باتجاهِ إصلاحٍ حقيقي ينقذُ لبنانَ من أزماتِه المتفاقمة.

ومن هذا المنطلق، تأتي ندوتُنا اليوم في توقيتٍ دقيقٍ يمرُّ فيه وطنُنا بأزمات متشابكة، تتطلّبُ استجاباتٍ غير تقليديّة ومساراتٍ جامعة. واجتماعُنا اليوم، برعايةِ الفكرِ والعلمِ، وبحضورِ نخبةٍ من قادةِ التّعليمِ العالي في لبنان، يؤكدُ أن الجامعات ليست فقط مناراتٍ للمعرفة، بل هي أيضاً منابرُ حيّة للحوار، ومصانعُ للوعي الوطني، ولصناعةِ جيلٍ لبناني يؤمنُ بالتّعدّدية، يعملُ من أجل الوطن، لا الطّائفة.

سنستمعُ اليوم إلى رؤى قيّمة من أصحاب الاختصاص والخبرة، ونأملُ أن يثمرَ لقاؤنا اليوم توجيهاتٍ واقعيّة تسهمُ في بناء مسارٍ إنقاذيّ حقيقي، يضعُ الإنسانَ في صلبِ أيّ مشروعٍ وطني.
أجدّدُ الترحيبَ بكم جميعاً، وأتمنّى لنا ندوةً بنّاءة، وحوارًا غنيًّا بالأفكار والمبادرات.


كلمة رئيس الجامعة الإسلامية معالي الدّكتور حسن اللّقيس

إنّهُ لَشَرَفٌ كبيرٌ أنْ نكونَ في رُبوعِ الجبلِ الشّامخِ الّذي اعتادَ جَمْعَ فُسَيْفِساءَ الوطنِ بالمحبّةِ، وما هذا اللقاءُ الثقافيُّ العابرُ لكلِّ الحدودِ الجغرافيّةِ والطائفيّةِ والمَذْهَبِيَّةِ والمناطِقِيَّةِ تحْتَ عباءَةِ مَشْيَخَةِ العقْلِ الموقّرة، ومعالي وزيرِ الثّقافةِ العزيز، وبِحُضورِ الرّؤساء الأفاضلِ لكُبْرى الجامعاتِ في لبنان، عَنَيْتُ بِهِم الأبَ حبيقة الموقّرَ، والدكتور غزيري المحترم إلّا خيرُ دليلٍ على روحِ الجمْعِ والوحدةِ والتّآخي الوطنيِّ.

يقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى في كتابِهِ العزيز: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَى وَجَعَلنَكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ). فلا نبالغُ القولَ لو قُلْنا إنَّ التّلاقي فريضةٌ؛ ولأنَّ لبنانَ وطنُ التّآخي والتّآلف، كانَ هذا اللقاءُ مرآةَ التّلاقي، وهذا ما انعكَسَ في عنوانِهِ الموسومِ بـ: «الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ – مظلّةُ الإصلاحِ والإنقاذ».

ما الشّراكةُ الرّوحيّةُ؟ أَهِيَ أنْ يتقاطعَ اثنانِ في مصيرٍ واحد؟ أم تُراها تلكَ الحالةَ الوجدانيّةَ الّتي تجتاحُنا عندَما يُصابُ أخٌ لنا في الوطنِ بمكروهٍ، فنشعرُ بأنّنا نشاطرُهُ الألم. إنّها سموُّ الإنسانِ في وطنِهِ كريمًا معزّزًا تحتَ خيمَةِ الوطن. ومن فيْءِ خيمةِ الوطنِ يأتي دورُ البيوتاتِ الأصيلةِ والعائلاتِ الرّوحيّةِ، وهمْ نِعْمَةُ الوطنِ الّتي تَحُولُ دونَ تَحْويلِ خلافاتِ السّياسةِ إلى لَوْثَةِ الخلافِ المذهبيّ- الطائفيِّ القاتل.

لماذا العائلاتُ الرّوحيّةُ «روحيّةٌ»؟ لأنّها هيَ الّتي تُهَنْدِسُ الخطابَ وتُمَنْهِجُهُ ليواكِبَ روحَ التّآخي في الوطن، روحُ الوطنِ في هذه العائلاتِ، وهيَ حتمًا السّدُّ المنيعُ الّذي يمنعُ الكراهيةَ وينبذُ العنفَ، ذلكَ كلُّه في سبيلِ الوطن. وفي السّياقِ ذاته، لا تغيبُ بيوتاتنا الشريفةُ هذهِ عندَ أزماتِ العيشِ وشَظَفِهِ، فتراها سبّاقَةً للنجْدَةِ الإنسانيّة.

والعائلاتُ الرّوحيّةُ سياجُ المجتمع، وهوَ ملعبُها وميدانُها، فهيَ كالشّرطيِّ في أيّامِنا هذه، تحفظُ الوطنَ وأبناءَه، في ظلِّ خطرِ الأفكارِ المعلّبةِ والمستوردة، فتكونُ هيَ ضمانُ الأصالةِ، عندما يحلُّ الخطر.

ولمْ يفتْ أهلُ الشّراكةِ والرّوحيّة الوطنيّة أنْ يصبّوا اهتمامَهُم على التّربية، وهوَ أكثرُ ما يعْنينا بصفتِنا رؤساءَ جامعاتٍ مشاركينَ في هذهِ النّدوةِ القيّمة، إذْ تتَنَكّبُ أوساطُنا الرّوحيّة عناءَ الاهتمامِ بالتّعليمِ العالي، فتُشيّدُ صروحَ التّعليمِ، وتسهر على ضبطِ المناهِجِ البنّاءةِ، على أساسِ حفظِ أجيالِنا وخدمةِ الإنسانِ والوطن. ولِعَمْري إنّنا جميعًا تقاطَعْنا على لازمةٍ شريفةٍ أمامَ طلّابِنا، وقلْنا عنِ الإنسان إنّه إمّا أخٌ لكَ في الدّين أوْ نظيرٌ لكَ في الخلق، فإنّني منْ على هذا المنبرِ الكريم، أدْعو إلى تعزيزِ الشّراكةِ بينَ هذهِ الجامعاتِ بإشرافِ العائلاتِ الرّوحيّةِ، فلنُواظِبْ أيّها الأخوةُ على عقْدِ هكذا لقاءاتٍ، علّها تؤسّس إلى مدماكٍ يبني طودَ الوحدةِ بشموخٍ وافتخار، على قاعدةِ لبنان: الوطن النّهائيُّ لجميعِ أبنائِه.

ونَحنُ في الجامعةِ الإسلاميّةِ في لبنان، جامعةٌ لكلِّ الوطن، نعتَمِدُ في منهجِنا الدّراسيِّ مادةً إلزاميّةً تحتَ عنوان «ثقافةُ أخلاقٍ وأديان» لنلتزم بذلك وصيّةَ إمامِنا المؤسّسِ السّيدِ موسى الصدر، إمامُ الوحدةِ الوطنيّةِ والعيشِ المشتركِ، وما لهفةُ المستمعينَ الكرامِ عنْدما يُذْكَرُ أمامهُمْ هذا الرجلُ إلّا خيرُ دليلٍ حيّ… فمنذُ عودةِ الإمامُ الصدرِ إلى أرضِ أجدادِه في لبنان، وهو يسهر على صونِ الوحدةِ الوطنيّةِ، ونبذِ الطائفيّةِ، وكثيرَةٌ هي نداءات الإمامِ، وغنيّةٌ عنِ التّعريفِ، إذْ رامَ أنْ يجعلَ أبناءَ الوطنِ الواحدِ كالبنيانِ المرصوص. فهوَ الذي حوّلَ أزمةَ الجنوبِ إلى مدعاةِ وحدةٍ وتلاقٍ، فأسّسَ هيئةَ نصرةِ الجنوب عام 1969 بحُسْبانِها مبادرةً دينيّةً وطنيّةً مدنيّةً جامعة، في ظلِّ غيابِ السّلطةِ، آنَذاك، عنْ همومِ الجنوبيّينَ، وهكذا جابَهَ الإمامُ الصدرَ العدوَّ الصهيونيَّ، وجابهَ الطّائفيّةَ في بوتقةٍ وحدة. كما كانَ لِلْقِمَمِ الرّوحيّةِ حينَها الدورُ الأبرزُ في الشّراكةِ الوطنيّةِ انطلاقاً مِنَ الشّراكةِ الرّوحيّةِ، والرّغبةِ الإصلاحيّةِ الإنقاذيّة، والّتي كانتْ تجمعُ إلى جانبِ الإمامِ الصدر، الشّيخَ محمد أبو شقرا، والشيخَ حسن خالد، والبطريرك مارْ أنطونيوس بطرس خريش، والمطران جورج خضر، والبطريرك ماكسيموس الخامس حكيم… وكانتْ هذهِ القممُ الرّوحيّةُ تدعو إلى الحفاظِ على السّلمِ الأهليِّ، والتّمسُّكِ بالعيشِ المشتركِ ورفضِ الفتنِ الطّائفيّةِ والمذهبيّة.

وفي هذا السّياقِ، يقولُ راعي حفلِنا الشّيخُ الدكتور سامي أبي المنى، في مؤتمرِ «كلمةٌ سواء» الحادي عشر «اجتَمَعْنا مِنْ أجلِ الإنسان» (الإمامُ موسى الصدر، رغمَ كونِهِ فقيهًا شيعيًّا، كانَ يسعى إلى تجاوزِ حدودِ طائفتِه) ويضيفُ (إنَّ البعضَ شبّهَ الإمامَ الصدرِ بالفكرِ التّقدميِّ للمعلّمِ كمال جنبلاط، الّذي كان يسعى أيضًا إلى أُفُقٍ إنسانيٍّ أوسع) مؤكدًا أهمّيّةَ الفكرِ المعتدلِ، والانفتاحِ على الآخرِ في بناءِ وطنٍ موحّدٍ ومتقدّم.

وهذا ما يؤكّدُهُ الإمام الصّدر بنفْسِهِ عندما يقولُ: «كمال جنبلاط رجلٌ استثنائيٌّ، كانَ يرى في الوحدةِ الوطنيَّةِ قداسةً لا تقلُّ عنْ قداسةِ الإيمان». ليُقابِلَه المعلِّمَ الودَّ الروحيَّ الوطنيَّ قائلًا: «الإمامُ موسى الصدر رجلٌ يحملُ روحًا رساليّة…» وعلى سيرةِ الآباءِ كانَ الأبناء، فهذا الرّئيس نبيه برّي رجّعَ الصّدى الأصيلَ قائلًا في وليد جنبلاط: «وليد جنبلاط هوَ وريثُ علاقةٍ تاريخيّةٍ أرساها كمال جنبلاط معَ الإمامِ الصدر. نحافظُ عليْها كأمانةٍ في ضميرِ الوطن.»

ومنْ هذهِ الأمانةِ الّتي نَحْمِلُها، أُجَدِّدُ شكريَ للمُلْتَقى الثّقافيِّ والاجتماعيِّ لجُرْدِ عاليْه والجوار على هذهِ النّدوةِ القيِّمَةِ، وإلى المنتدين الكرام، رعاة النّدوة، والزّملاء الأعزَّاء والحضور الكريم … دامَتِ الشّراكةُ الرّوحيّةُ الوطنيّةُ شامخةً بشموخِ الجبلِ الأشمّ. والسّلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ وبركاتِهِ.


كلمة رئيس جامعة المقاصد الدّكتور حسّان غزيري

نجتمع اليوم لنتدارس موضوعاً في غاية الأهميّة، ألا وهو»الشّراكة الرّوحيّة: مظلّة الإنقاذ والإصلاح».

سنتناول في كلمتنا اليوم بعض المحاور لمفهوم الشّراكة الرّوحيّة، مستعرضين أبعادها المختلفة وتجليّاتها في واقعنا اللّبنانيّ، ومبيّنين كيف يمكن لهذه الشّراكة أن تكون مظلّة إنقاذ للوطن وأداة إصلاح للمجتمع في آن واحد.

مفهوم الشّراكة الرّوحيّة

الشّراكة الرّوحيّة هي صيغة من التّعاون والتّفاعل بين الأفراد أو الجماعات أو المؤسّسات تقوم على أسس غير مادّيّة، مثل القيم، والمبادئ الأخلاقيّة، والرّوابط الإيمانيّة، والمشاعر الإنسانيّة العميقة، وذلك بهدف خدمة الصّالح العام، أو تحقيق أهداف سامية تتجاوز المصالح الشّخصيّة أو الفئويّة أو الماديّة.

على عكس الشّراكات الّتي تُبنى على العقود أو المنافع المتبادلة، تقوم الشّراكة الرّوحيّة على الإيمان المشترك بغاية إنسانيّة أو أخلاقيّة أو دينيّة، وعلى الالتزام الدّاخلي الصّادق بمبدأ العطاء، والتّسامح، وخدمة الآخر.

جذور الأزمة: من الانتماء إلى الاصطفاف

غير أنّ تطبيق هذا المفهوم في الواقع اللّبنانيّ يواجه تحدّيات جمّة، أبرزها هيمنة الولاءات الطّائفيّة الضّيقة على حساب الانتماء الوطني، وغلبة المصالح السّياسيّة والاقتصاديّة الآنيّة على المصلحة العامّة، فضلاً عن التّدخّلات الخارجيّة الّتي تعمّق الانقسامات الدّاخليّة.

منذ نشأة دولة الاستقلال، فإنّ المسالة الرّئيسيّة الّتي واجهها صنّاع الاستقلال اللّبناني وبناة الدّولة، هي المسألة الطّائفيّة. وما زلنا إلى يومنا هذا نسعى بدون كلل ولا ملل، ودون جدوى أيضًا، لتجاوز الطّائفيّة، وتخفيف آثارها السّلبيّة على الدّولة اللّبنانيّة.

سأتلو عليكم ما ورد في البيان الوزاري للرّئيس رياض الصّلح في العام 1945:
«ومن أسس الاصلاح الّتي تقتضيها مصلحة لبنان العليا معالجة الطّائفية، والقضاء على مساوئها. فإنّ هذه القاعدة تقيّد التّقدم الوطني من جهة، وتشوّه سمعة لبنان من جهة أخرى، فضلاً عن أنّها تسمّم روح العلاقات بين الجماعات الرّوحيّة المتعدّدة التي يتألّف منها الشّعب اللّبنانيّ.
إنّ السّاعة الّتي يمكن فيها إلغاء الطّائفيّة هي ساعة يقظة وطنيّة شاملة مباركة في تاريخ لبنان»

كما حاول الرّئيس فؤاد شهاب بعد ربع قرن بناء دولة المؤسّسات الحقيقيّة والفعليّة، مستندًا إلى الجيش في الدّاخل، ووضع معادلة إقليميّة َمرنة تسمح بحماية نظام حكمه من التّدخلات الخارجيّة. لكنّه أيقن لاحقًا أّنّ منطق المحاصصة «السّهل» والمغري أقوى من منطق المؤسّسات الصّارم، فآثر الابتعاد رافضًا بنحو قاطع الاستجابة لدعوات التّجديد له.

 

لذلك تبقى الدّولة عقدة اللّبنانيّ، وفريسة السّياسيّين، وضالة اللّبنانيّين.

ولعلّ الأزمة الرّاهنة الّتي يعيشها لبنان تمثّل اختباراً حقيقيّاً لقدرة اللّبنانيّين على تجسيد مفهوم الشّراكة الرّوحيّة، والارتقاء من حالة التّعايش السّلبي إلى مستوى التّكامل الإيجابي، الّذي يحفظ التّنوّع ويحقّق الوحدة في آنٍ معاً.

تجربتان لمعالجة مسألة الطّائفيّة

ميشال شيحا

أستعرض هنا تجربتَين لمعالجة مسألة الطّائفيّة في نظام الحكم اللّبناني؛ التجربة الأولى: هي تجربة ميشال شيحا. وأمّا التّجربة الثّانية فهي تجربة دولة الرّئيس حسين الحسيني الّتي تجسّدت في اتفاق الطّائف.

لم ينظر ميشال شيحا إلى الطّائفية كمشكلة أو كعائق أمام بناء الدّولة، بل على العكس، رأى فيها أحد أسس الهويّة اللبنانيّة، إذ اعتبر أنّ لبنان ليس دولة قوميّة تقليدية، بل كيان قائم على تعدّدية طوائفيّة متجذّرة في التّاريخ والجغرافيا.

إنّ ما يجعل فكر شيحا موضوعًا دائمًا للنّقاش هو الجدل المستمرّ بين رؤيته الواقعيّة للطّائفيّة بوصفها تنظيمًا للتّعدّد، وبين دعوات الحداثة والدّولة العلمانيّة على النّمط الغربي الّتي ترى في الطائفية عائقًا أمام بناء المواطنة والمساواة. فبينما يشيد البعض بشيحا بوصفه واضعًا لأسس التّعايش السّلمي، ينتقده آخرون باعتباره المُنظّر الأوّل للطّائفية السّياسيّة الّتي قادت لبنان إلى أزمات متكرّرة.

يمكن القول إنّ ميشال شيحا كان براغماتيًا في رؤيته للنّظام اللّبناني. فقد أدرك أنّ التّركيبة الطّائفيّة ليست عيبًا بل واقعًا يجب التّعامل معه بذكاء، فدعا إلى نظام يضمن التّمثيل العادل لكلّ الطّوائف ضمن إطار ديمقراطي توافقي لكنّه في الوقت ذاته كان يدرك مخاطر الطّائفيّة إذا تحوّلت إلى عصبيّة أو وسيلة للفوضى والانقسام، فدعا إلى تعزيز الحسّ الوطني والمواطنة، والعمل على تطوير النّظام تدريجيًّا نحو دولة حديثة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني: المواطنيّة الحاضنة للبعد الروحي

هذا ويشكّل اتّفاق الطّائف نقطة تحوّل جوهرية في مسار بناء الدّولة اللّبنانيّة الحديثة، وقد ارتكز في عمقه على مبدأ الانسجام بين الدّين والدّولة، لا على فصلهما، بل على تنظيم العلاقة بين القيم الرّوحيّة والبنية السّياسيّة بما يضمن وحدة الدّولة وتنوّع المجتمع. وقد تُرجمت هذه الرّؤية المتوازنة في مجموعة من البنود الإصلاحيّة الّتي تهدف إلى الخروج التّدريجي من النّظام الطّائفي، دون إنكار الهويّة الدّينية للمجتمع اللّبناني.

في هذا السّياق، نصّ الاتفاق بوضوح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف نهائي، على أن يتمّ ذلك ضمن آليّة توافقيّة، كما دعا الطّائف إلى إنشاء مجلس نيابي يُنتخب خارج القيد الطّائفي، ويرتكز على مبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية، بما يسمح بإعادة تكوين السّلطة التّشريعيّة على أسس وطنيّة لا فئويّة.

في موازاة ذلك، ولصون التّعدّدية وضمان تمثيل الهويّات الدّينيّة والثّقافيّة، اقترح الاتّفاق إنشاء مجلس شيوخ يمثّل العائلات الرّوحيّة اللّبنانيّة، ويكون بمثابة فضاء دستوري يُعبّر عن مبدأ الشّراكة الرّوحيّة ويُكرّس صيانة العيش المشترك . وبهذا يُصبح الطّائف ليس فقط اتفاقًا لوقف الحرب، بل مشروعًا لتأسيس دولة حديثة تقوم على المواطنة في الإطار المدني، والشّراكة في الإطار الروحي، انسجامًا مع هويّة لبنان كدولة ذات رسالة تعدّدية في الدّاخل ومنبر للحوار في الخارج.

وُقِّع هذا الاتفاق في عام 1989 بمدينة الطّائف بالمملكة العربيّة السّعوديّة، ليُشكِّل نقطة تحوّل أساسيّة أنهت حربًا أهليّة استمرّت خمسة عشر عامًا. وبالرّغم من نجاحه في وضع حدٍّ للعنف المسلّح، وإعادة هيكلة النّظام السّياسي، إلاّ أنّ تطبيقه الكامل لا يزال موضع جدل، إذ تعثَّر تنفيذ العديد من بنوده نتيجة لعوامل داخليّة وخارجيّة.

دولة الرّئيس حسين الحسيني

رغم النّص الواضح على إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة كهدف استراتيجي، لم تُنشأ الهيئة الوطنيّة المسؤولة عن ذلك، وظلّت الطّائفيّة عاملًا رئيسيًّا في تشكيل السّلطة. أدّى هذا إلى تعثّر الإصلاحات السّياسيّة المطلوبة، وإلى استمرار الانقسامات بين مختلف الطّوائف. ظلّ لبنان ساحة مفتوحة للتّدخّلات الإقليميّة والدّوليّة، حيث أثَّرت هذه التّدخّلات سلبًا على قدرة الأطراف اللّبنانيّة على تطبيق بنود الاتفاق بشكل كامل. ممّا دفع الرّئيس حسين الحسيني إلى تقديم استقالته من عضويّة مجلس النواب وقال في خطاب تاريخي:
لم أرَ في حياتي السّياسيّة الّتي تقارب النّصف قرن، في الحرب والسّلم، في الحكم والمعارضة، تناقضاً كهذا التّناقض.
لم أرَ في حياتي السّياسيّة تمزيقاً للدّستور كهذا التّمزيق، حيث ندفع بنصّ الدّستور إلى أن يكون استهزاءً بروحه.
إنّه لأمرٌ محزنٌ حقّاً أن يستمرّ هذا المشهد.
كأنّنا لم نتعلّم من تجارب الماضي،
كأنّنا نريد دولةً بلا مؤسّسات،
كأنّنا نريد وطناً بلا مواطنين.
وأمام هذه الحقيقة، حقيقة أنّ السّلطة قادرةٌ إذا أرادت، وحقيقة أنّها حتّى الآن لا تريد،
أجدني مضطرّاً إلى إعلان استقالتي من عضويّة هذا المجلس»

الواقع المأزوم

انطلاقا من الظّروف السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الرّاهنة نستطيع تشخيص الوضع على الوجه التّالي:
– إنّ العجز في تكوين السّلطات اللّبنانيّة كما نشهده اليوم، يوجب طرح مسألة فعاليّة النّظام السّياسي من حيث الالتزام بتطبيق الدّستور، ومن حيث تطوير أجهزه الدّولة ومؤسّساتها، وتأدية مهامّها تجاه المواطنين، وتأمين سيادة لبنان التّاريخيّة وتطلّعات اللبنانيّين المستقبليّة.
– إنّ التّوازن الطّائفي لم يعد يؤمِّن للدّولة إمكانيّة القيام بوظائفها، بل على العكس فقد بات عائقًا رئيسيًّا يحول دون قيام الدّوله بمهامّها، بدليل ما نشهده من انتهاكات يوميّة لأبسط حقوق المواطن اللّبنانيّ.
– إنّ الصّراعات داخل الطّبقة السّياسيّة اللّبنانيّة، والّتي تضع لبنان على شفير الهاوية، وتهدّد بتفجير العنف المسلح، ناتجة عن تناقض مأزقي كامل في بنية الدّولة اللّبنانية، ممّا يفرض ضرورة إحداث التّغيير في هذه البنية وتلك التّوازنات.

لقد فشلت الطّائفيّة السّياسيّة في تحقيق العدالة والتّنمية، وفشلت كذلك محاولات إلغاء الهويّة الدّينيّة أو قمعها. من هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الاستقطاب التّقليدي بين «الدّولة العلمانيّة» و«الدّولة الطّائفيّة»، وتُعيد تشكيل الهويّة اللّبنانيّة حول مفهومَي الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.

إنّ العيش المشترك في لبنان لا يمكن أن يُبنى فقط على المصالح السّياسيّة أو التّوازنات العدديّة، بل يجب أن يُدعَّم بـ»شراكة روحيّة» حقيقيّة بين المكوّنات اللّبنانيّة.
إذا ما هو الحلّ وما العمل؟؟
في ظلّ الانهيار الشّامل الّذي يطال المؤسّسات اللّبنانيّة – من الاقتصاد إلى القضاء، ومن التّعليم إلى الصّحة – يبرز سؤال جوهري: على أيّ أساس يمكن إعادة بناء الدّولة؟

ما الحل؟ ما العمل؟

لا أحد يمتلك الحلّ للمسائل اللّبنانيّة المعقّدة والمتعدّدة الأبعاد، ولا أحد يمتلك بمفرده القدرة على التّغيير بمعزل عن بقيّة مكوّنات الوطن. بل المقترح هو بلورة مشروع وطني جامع انطلاقاً من مجموعة من تفاهمات، هدفها إشراك عامة اللّبنانيّين في صياغة قواعد جديدة للحياة السّياسيّة في لبنان.

تكون هذه التّفاهمات تجسيداً لمسلّمات العيش المشترك في المجتمع اللّبنانيّ الواحد، الّتي تشتمل على أربعة مسلّمات تشكّل جوهر وجود لبنان، وصميم كيانه، ورسالته التّاريخيّة، وهي:
أوّلاً: الحرية.
ثانياً: تكافؤ الفرص، والمساواة أمام القانون.
ثالثاً: العيش الكريم.
رابعًا: التّكافل والتّضامن بالارتكاز على قاعدة مدنيّة روحيّة جامعة تضمن الإنسجام بين الدّين والدّولة من خلال مبدأ الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة.
الشّراكة الرّوحيّة أي التقاء القيم الإيمانيّة والضّميريّة في فضاء وطني جامع، تقوم على الاعتراف المتبادل والتّضامن.
المواطنة أي ممارسة فعليّة لحقوق متساوية تقوم على القانون والانتماء الوطنيّ الشّامل.
لبنان وطنٌ لا يُبنى إلّا إذا اجتمعت فيه روح المواطنة وعدالة الشّراكة.

إنّ اتفاق الطّائف، الذي أنهى الحرب الأهليّة اللّبنانيّة وأرسى أسس النّظام السّياسي الجديد، لا يمكن أن يُفهم أو يُحيا فقط كنص دستوري أو معادلة لتّوزيع السّلطات. فجوهر هذا الاتفاق يكمن في كونه تسوية أخلاقيّة وروحيّة قبل أن يكون عقدًا سياسيّاً، ولذلك فإنّ وضعه في إطار قيمي معنوي جامع يُعدّ ضرورة استراتيجيّة.

إنّ الشّراكة الرّوحية الوطنيّة هي الإطار الذي يمنح الطّائف معناه العميق: فهي تحصّنه من الخارج في وجه محاولات التّلاعب به كوثيقة نفوذ أو مصالح، وتحفّز الدّاخل على تطبيقه تطبيقًا كاملاً بوصفه التزامًا ضميريًّا جامعًا لا صفقة وقتيّة. وعندما يُستعاد الطّائف بهذه الرّوح، يتحوّل إلى ضمانة حقيقيّة لجميع المكوّنات اللّبنانيّة، لأنّه لا يعود أداة توازن قلق، بل إعلان نوايا صادقة للعيش الواحد والتّكامل المتعدّد.

وفي هذا السّياق، يتقاطع الطّائف مع رسالة لبنان التّاريخيّة. فلبنان ليس مجرد دولة، بل وطن يحمل مشروعًا حضاريًّا قائمًا على التّلاقي لا الصّراع، وعلى الجمع لا الاستبعاد. ووضع الطّائف ضمن هذا الإطار يعيد للبنان دوره كجسر حوار دولي، ونموذج للتّعدّديّة المستنيرة، ورسالة للعيش المشترك في عالم مضطرب. وتصبح الشّراكة الرّوحيّة الوعاء الّذي يستقرّ فيه اتفاق الطّائف، ويتمّ تنفيذ جميع بنوده بما فيها إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة، وإجراء انتخابات المجلس النّيابي خارج القيد الطّائفي، وإنشاء مجلس الشيوخ.

إنّ المشروع اللّبناني القائم على الشّراكة الرّوحيّة والمواطنة الجامعة، إذا ما تمّ إنجازه بصدق ووعي وجرأة، لا يُمثّل فقط فرصة لتحقيق الاستقرار والأمن والازدهار داخل لبنان، بل يتحوّل إلى نموذج حضاري فريد لهذا الشّرق الممزقّ .إنّه مشروع ينقض من أساسه كلّ المشاريع الّتي تقوم على التفوّق العرقي أو الاستئصال أو الاستبداد، وفي مقدّمتها المشروع الصّهيوني الّذي يُبنى على العنصريّة، والتّطهير العرقي، والإبادة، والتّجويع، والإقصاء .ففي حين يكرّس المشروع الصّهيوني منطق القوّة والهيمنة، يقدّم لبنان- متى استعاد روحه وقيمه التّأسيسيّة- صورة مضادة ؛ صورة دولة قائمة على الكرامة الإنسانيّة، التّعدد المنظَّم، والانتماء إلى الإنسان قبل الانتماء إلى أي عِرق أو طائفة.

وهنا لا بدّ من القول إنّ سقوط هذا النّموذج اللّبناني، أو إفشاله، لا يُعدّ خسارة وطنيّة فحسب، بل كارثة حضاريّة للبشريّة جمعاء. لأنّ العالم، في عصر الانغلاق والصّراعات الهويّاتيّة، يحتاج إلى شاهد حيّ على أنّ التّنوّع لا يفضي إلى حرب، بل يمكن أن يكون دعامة سلمٍ واستقرار. ولبنان، بهذا المعنى، ليس مجرد وطن، بل رسالة أخلاقيّة وروحيّة كبرى، تستحق أن تُحيا وتُحمى.

 


كلمة النّائبِ العام في الرَّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة والرّئيسِ الفخري لجامعةِ الرّوحِ القدس الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة

في القرن الرّابعِ قبل المسيح، كان فيلسوفُ الأجيال أرسطو يشدّدُ بقوة على أنّ الإنسانَ كائنٌ علائقي. يقوم جوهرُه على العلاقة مع الآخر، على الشّراكة غير المنقوصة معه. وتوّج تحليلاتِه المكثّفة لهذا المعطى الأساس في تكوين الإنسان بالتّحديد الذّائع الصيت «الإنسانُ حيوانٌ اجتماعي» Zoon Politikon. أي بتعبير آخر، العيشُ مع الآخر إنّما هو أساسُ وجوده. وإذا خرج الإنسانُ من هذه المعادلة الوجوديّة، انهار جوهرُه وتداعى كيانُه. فالإنسانُ يدرك جيّدًا أنّه آتٍ من الآخر. ولولا الآخرُ لما كان له وجودٌ. إنّه يفقهُ بعمق أنّه لم يكن في أساس وجوده. ولم يعمل شيئا ليستحقَّ الحياة. فهو يأخذُها من الآخر مجانًا.

في اللّغَة الألمانيّة نقعُ على مفردة غنيّة جدًّا لتحديد الكائن البشريّ Dasein، أي الكائنُ هنا. وهذا المصطلحُ يُفيدُ بأنَّ الكائنَ البشريَّ يعي ذاتَه مرميًّا في معادلةٍ كيانيّةٍ لم يخترها، وينطلقُ منها إلى تحقيقِ ذاتِه. مَن منّا اختار أباه أو أمَّه، أو بلدَه أو ثقافتَه أو لغتَه، أو حتّى دينَه؟ نستخلص ممّا سبق أنّ حياةَ الإنسان تقوم حصرًا على الشّراكة الوجوديّة مع الآخر. والجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الشّراكة تأخذ من الفرادة حقلًا خاصًّا لتمظهرها. كلُّ امرئ منا هو فريد من نوعه، لم ترَ البشريّةُ مثيلاً له من قبلُ، ولن ترَ نظيرًا له من بعدُ. يكفي مثالاً بليغًا على ذلك، بالإضافة إلى بصمة الأصابع، أن نعلم أنّ كلَّ عينٍ فريدةٌ من نوعها، ونحن مدينون بهذه الخصوصيّة جزئيًا للقُزَحِيَّة iris، الجزء الملوّن من العين. مع أليافها البالغِ عددُها ستَّةَ آلافٍ والّتي تتوزّع على شكل أشعة حول الحدقة، تختلف القزحيّةُ من عين إلى أخرى ومن شخص إلى آخر. في حالة القياسات الحيويّة للعين، يمكن لكلٍّ من شبكة العين والقزحيّة أن تساعدا في تحديد هويّة الفرد من خلال تركيبتهما الفريدتين. من هنا، لا شراكة وجوديّة خارج الاعتراف بفرادة الشّريك الوجودي. وهذا يستتبع حتمًا مرتكزات الفرادة من فكر وحرّيّة وإرادة.

إنّ الدّراسات القيّمة الّتي وضعها في نهاية القرن العشرين تشارلز تيلور Charles Taylor الفيلسوف الكنَدي والعالم في السّياسة في مؤلَّفه الشهير Multiculturalism and The Politics of Recognition التّعدّديّةُ الثّقافيّة وسياسة الاعتراف، تُظهرُ بشكل جليٍّ أهمّيّةَ الحنكةِ في إدارة التنوّع الثّقافي، والأنماطِ الحياتيّة، والتّباينات الطّبيعيّة بين البشر.

لا تستقيمُ الشّراكةُ الحياتيّة، إن روحيّة وإن وطنيّة، في الإلحاق أو الإخضاع أو الاختزال أو التّهميش أو الانصهار. إنَّ الانصهارَ الّذي تتناولُه وتُشدِّد عليه مرتين، بكلّ أسف، نصوصُ اتفاقيّة الطّائف، ويطفو كزبدٍ مَرَضيٍّ على سطح الخطب السّياسيّة، إنّما هو مصطلحٌ يُستعمَل، أصلاً وحصراً، للمعادن الّتي تدخل متنوّعةً إلى الأتّون لتخرج منه شكلاً واحدًا ولونًا واحدًا وتركيبًا كيميائيًّا واحدًا. فلبنان لم يعشْ قطُّ هذه الحالةَ الانصهارية المذوّبة لحقِّ الآخر في الاختلاف. تقومُ رسالةُ لبنان الاجتماعيّة والسّياسيّة على أنّه ليس مطلقاً مشروعَ انصهارٍ، بل دائماً مشروعُ وحدةٍ إنسانيّةٍ ووطنيّةٍ بين عائلاتٍ روحيّةٍ ومجموعاتٍ إثنيّة وثقافيّةٍ وحضاريّة، على شاكلة وحدة الجسد القائمةِ على التّكاملِ الوظيفي بين خلايا وأعضاء لا يجمعُها إلاّ الاختلافُ في التّآلف.

انطلاقًا من هذه المعطيات مجتمعة، ذهب العالم الهولندي ــ الأميركي الشّهير في العلوم السّياسيّة «أرند ليبهارت» Arend Lijphart إلى المناداة بالدّولة التّوافقيّة Consociational State المستندة إلى مبدأ تقاسم السّلطة تبعًا لمكوّنات المجتمع Cross-Community Power-sharing، لإدارة المجتمعات المتعدّدة دينيّا أو إثنيّا أو لغويّا، وتعزيز الشّراكة المجتمعيّة والوطنيّة. إنَّ بعضَ الباحثين يقيمُ مقارنة مفيدة للغاية بين فكرة الكوربوراتيّة الاقتصاديّة الّتي صُمّمت لتنظيم الصّراع الطبقي وتعطيل الانفجار المجتمعي، من جهة، ونظريّة الدّولة التّوافقيّة لإدارة التنوّع وتخصيبه والحؤول دون التصدّع المجتمعي على أسس دينيّة أو عرقيّة أو لغويّة، من جهة ثانية. بالنسبة لأرند ليبهارت، الدّيمقراطيّةُ العدديّة Majoritarian Democracy لا تصلحُ أبدًا لإدارة مجتمعاتٍ غيرِ متجانسةٍ، وتؤدّي حتمًا إلى حروب أهليّة. وخيرُ مثالٍ على ذلك ما حصل في إيرلندا الشّماليّة. ثلاثون سنةً من التّقاتل الدّاخلي بين أقلّيّة كاثوليكيّة كانت تعتبر نفسَها مهمّشة ومُبعدة عن الحكم وإدارات الدّولة، وأكثريّةٍ بروتستنتيةٍ حاكمةٍ ومستأثرةٍ بجميع مفاصل الدّولة من سنة 1968 إلى سنة 1998. وضع هذا الصّراعُ الداخليُّ الدّمويّ أوزارَه بعد إبرام اتفاقيّة الجمعة العظيمة Good Friday Agreement في 10 نيسان 1998، بفضل تدخّل الرّئيس «بيل كلنتون» ووساطة مبعوثه الخاصّ السّناتور الدّيمقراطي «جورج ميتشيل» George Mitchell. قد يكون مفيدًا أن نشيرَ هنا إلى أن والدة جورج ميتشيل هي ماري سعد من بكاسين وأباه الإيرلندي الأصل تبنّته عائلة لبنانيّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة. فنقل جورج ميتشيل إليهم مرتكزاتِ الشّراكة الوطنيّة بحسب الدّولة التّوافقيّة ومبدأ تقاسم السّلطة كما تنصّ عليه الصّيغةُ اللّبنانيّة، وحلَّ مشكلةَ إيرلندا الشّماليّة: رئيسُ الحكومة من الحزب الاتّحادي البروتستانتي، ونائبُ الرّئيس من الحزب الوطني الكاثوليكي، ويتمتّعان بالصّلاحيّات ذاتها، وتوافقُهما ممرٌ إلزامي لجميع قرارات الحكومة. حول هذه النّقاط البالغة الأهميّة، يكفي أن نعودَ إلى الباحث الإنكليزي «مايكل كير» Micheal R. Kerr في كتابه Imposing Power Sharing: Conflict and Coexistence in Northern Ireland and Lebanon «فرضُ تقاسُمِ السّلطة: صراعٌ وعيشٌ مشترك في إيرلندا الشّمالية ولبنان»، الصادر سنة 2006.

أمّا بالنسبة إلى الشّراكة الرّوحيّة، فهي مبنيّة حصرًا على مبدأ حرّيّة المعتقد. الإنسان حرّ في ما يؤمن به، طالما أنّ هذا الإيمان لا يهدّد السّلمَ الأهليّ ولا يمسُّ بمنظومة القيم الأساسيّة الّتي عليها تقوم المجتمعات البشريّة. في الشّراكة الرّوحيّة، نقبل بعضُنا البعضَ كما نحن، باحترام كامل ومحبّة غير منقوصة. في الشّراكة الروحيّة، لا ينبغي أن نفرض على الآخر كيف يجب أن يكون. على الإنسان أن يكوّن ذاتَه، لكي يكونَ مع الآخرين. هذا هو الشّرطُ الأساسُ للتّلاقي. هل من الممكن أن ألتقي بإنسان بدون أيِّ معتقد دينيّ ولا أيّ مخزون ثقافيّ ولا أيّ شيءٍ آخر ؟ هل يسعني أن ألتقي بإنسان صرف؟ هذا أمرٌ مُحال. فالقاسم المشترك بين المعتقدات الرّوحيّة إنّما هو السّيرُ معًا متمايزين، وكلٌّ على طريقته إلى هيكل الله الواحد. هذا لا يمنعني من أن أعتبر إيماني حقيقةً دينيةً مطلقةً موحاةً من الله. بيد أنّ هذا اليقينَ لا يجبُ أن يسمحَ لي البتَّة أن أنزلق إلى موقف تكفيري إزاء المعتقدات الدّينيّة المغايرة. فالمؤمن الحقيقي الّذي يعتبر ذاته متّحدًا بالذّات الإلهيّة، يختلجُ قلبُه تلقائيًا حبًّا واحترامًا وتقديرًا للآخر المختلف ضمن الشّراكة الإنسانيّة السُميا ومبدأ حرّيّةِ المعتقد. في الشّراكة الرّوحيّة، لا نحكمُ على بعضنا البعض، ولا نُدينُ بعضُنا البعض. من أنا حتى أحكمَ بالهلاك على من لا يقاسمُني الإيمانَ عينَه؟ في حكمي هذا، ألا أُنصّبُ نفسي ديّانًا للنّاس مكانَ الله عزَّ جلالُه؟ أليس هذا انتحالُ صفة وتعدٍّ سافر على مسؤوليّات الله؟ في سلوكي هذا، ألا أنسبُ إلى نفسي صفاتٍ معقودةً حصرًا للعزّة الإلهيّة؟ هل غاب عن ذِهننا هذا القولُ العظيمُ والمأثورُ في أريافنا الّتي تختزنُ حكمةً وجوديّة ولا أعمق: «كِلْ واحَدْ على دينو، الله بِعينو». هذا هو الإيمانُ الصّحيح، البعيدُ كلَّ البعدِ عن التبجّح والاعتداد بالنّفس والانتفاخ. أَنْ تؤمنَ هو أن تشعر بالعوز الرّوحي إلى رحمة الربِّ وعضده. الإيمانُ الحقيقي يدفع بنا إلى الخفر والتّواضع والخَشية. إنّ هذا الشّعورَ بالانسحاق أمام الله يؤهّلُني لاستقبال الآخر المختلف دينيًّا وثقافيًا بالتّرحاب والاحترام والمحبّة. لا شراكةَ روحيّةً حقَّة بدون محبّة.

في الكتاب المقدّس وفي القرآن الكريم تشديدٌ بيّنٌ على أنّ اللهَ الكليَّ القدرة إنّما هو في جوهره المطلق محبّةٌ ورحمة. سأل عالمٌ بالتّوراة يسوعَ المسيح ممتحنًا له: « يا معلّمُ، ما الوصيّةُ العظمى في التّوراة؟» قال يسوع: أحبب الربَّ إلهَك بكلِّ قلبِك، وكلِّ نفسِك، وكلِّ فكرِك. هذه هي الوصيّةُ العظمى والأولى. والثّانيةُ الّتي تُشبهُها، أَحبب قريبَك حُبّكَ نفسَك. وبهاتين الوصيّتين تُختصرُ التّوراةُ كلُّها والأنبياء» (متى 22: 35-40). وفي رسالة مار يوحنا الأولى، نقرأ ما يلي: « أيّها الأحبّاء، فلنحبَّ بعضُنا بعضًا، لأنّ المحبّةَ من الله. وكلُّ من يحبُّ هو مولودٌ من الله، ويعرفُ الله» (4: 7). «إن قال أحدٌ: إنّي أُحبّ الله، وهو يُبغضُ أخاه، كان كذّابًا. فمن لا يحبُّ أخاهُ الّذي يراه، لا يسعُه أن يُحبَّ اللهَ الذي لا يراه» (4: 20).

في الآية الأولى من سفر الفاتحة، «بسم الله الرّحمن الرّحيم»، الّتي تحدِّدُ بدقّة متناهيّة جوهرَ العزّة الإلهيّة، لا نجدُ غيرَ الرّحمة. إنّ اللهَ رحمانٌ رحيم. لا مكانَ فيه لقوّة أخرى. إنّ جبروتَه الإلهيَّ يسطعُ حصراً في كثرة الرّحمة وقوّة المحبّة وطاقة الشّفقة ومُكنة الغفران. من هنا العنفُ المقدّسُ يتنافى كلّيًّا مع كيان الله. فالعنفُ لا يمكن أن يكونَ مقدّسًا، وما هو مقدسٌ ليس بوسعه أن يُداني العنف. إنّ العنفَ باسم الله يتعارضُ كلّيًّا مع جوهر الله المحبّة والرّحمة، ويتناقضُ بشكل كامل مع الإيمان الصّحيح باللّه، ويُسقطُ بالتّالي أيَّ مشروعِ شّراكةٍ رّوحيّةٍ بين معتقداتٍ دينيّةٍ متمايزة.

في جهودِنا لترسيخ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة، كمِظلّة إصلاحٍ مستدام وإنقاذٍ مستمرّ للصّيغة اللّبنانيّة، المحفوفة أبدًا بالمخاطر، في كَنَفِ عَالمٍ مُتَصَدِّعٍ ومُتبدِّل، نسترشدُ بالقانون الّذي يتحكَّمُ في الوجود الحسّيّ بأكملِه، ألا وهو «قانونُ الجَهدِ المهدور» Law of wasted effort. جميعُ المخلوقاتِ تخضعُ لِهذا القانون. عَلى سبيل المثال لا الحصر، يحاولُ الأسَدُ مئةَ مرّةٍ اصطيادَ طريدة، سَدًّا لجوعه. فهو ينجحُ فقط في خمسٍ وَعشرينَ محاولةً، ولا يُحقِّقُ مُبتغاه في خمسٍ وسبعين. وهذه النّتيجةُ المتواضعةُ لا تدفعُ به أبدًا إلى الإحباط أو إلى الكفرِ بهذا الوجودِ التّاعِس. فالإنسانُ هو الكائنُ الوحيدُ الّذي ينتفضُ بعد أيّ انتكاسةٍ ويفكّرُ فورًا في الانسحاب من ساحةِ الكفاح. لهذا الإنسانِ الـمُحبَط، يقولُ العلماءُ الّذين اكتشفوا هذا القانونَ، عَليكَ أن تخضعَ أنت أيضًا لقانونِ الجَهدِ المهدور، لافتينَ نظرَه إلى الأمرِ التَّالي: «إنّنا نفشَلُ فقط عندما نوقِفُ المحاولات، وليس عندما لا ننجحُ في محاولاتنا». فلا فشلَ يوهنُ عزيمتَنا في متابعة السّعيِ الحثيثِ والعنيدِ إلى صُنعِ الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة في لبنان. بفضل الانتظاراتِ الجميلةِ الّتي تَستَوطِنُ عقولَنا وتُقيمُ في ربوعِ خيالِنا المـُنْعَتِقِ من أغلال الوَاقِعِيَّةِ الخانِقَةِ والمكبِّلَة، وتدفَعُ بنا بالتّالي إلى اليَقينِ الجازِمِ بأنَّ اليَومَ الأجمَلَ هو الآتي، بِفَضلِ هذهِ الانتظاراتِ الجَميلة، سنحوِّلُ هزائِمَنا المتلاحِقَةَ إلى مَدارجِ إقلاعٍ لمحاولاتٍ أُخرى مُتَقاطِرة، حتّى ننتهيَ جبرًا إلى استيلادِ لبنانٍ جديدٍ، وطنِ الإنسان، عاشِقِ السّلامِ ومـُدمِنِ ثَقافَةِ الحَياة التي تتمظهر بشكل بليغ في الشّراكة الرّوحيّة والوطنيّة.


كلمة معالي وزير الثّقافة الدّكتور غسّان سلامة

ختام النّدوة كانت كلمة للوزير غسّان سلامة، قائلاً:
«أحمل لكم أوّلًا تحيّات فخامة رئيس البلاد العماد جوزاف عون الّذي شرّفني وكلّفني بأن أكون معكم اليوم بهذا الاحتفال المهيب.
أمّا بعد، لقد عذّبني سماحة شيخ العقل، وطلب مني أن أستخلص بعض الملاحظات ممّا جاء به الزّملاء الأعزّاء فإنّي أعتبر نفسي أوّلاً أكاديميًّا مثلهم في ما جاء على لسانهم من أفكار قيّمة ومن طروحات جيّدة، وإن شئت الإيجاز، لأوجزت ملاحظاتي بكلمتَين، أمّا الأولى فهي التّنوع ، وفعلًا كما قال سماحة الشّيخ اليوم هو يوم التّنوع الثّقافي في العالم، وما لم يقله هو التّالي: لقد كان للبنان الدّور الأساسي لصياغة البند في هذه المعاهدة، لأنّ لبنان قاسى من سوء إدارة التّنوع فيه، واستفاد كثيرًا من وجود التّنوع بين أبنائه، لذلك كان عليماً بعظمة التّنوع، ولذلك قيل له أن يكون الصّائغ الأساسي لمعاهدة التّنوع الثقافي».

أضاف: «التّنوع الثّقافي كما قال المحاضرون يفرض الحوار، ولقد اعتاد النّاس على القول بأنّ الحوار هو نقيض الاقتتال، وفي يقيني أنّ هذه الفكرة غير صحيحة. إنّي أعتبر الحوار شكلًا من أشكال القتال، ذلك أنّ القتال هو قتال ضد الآخر، بينما الحوار هو قتال مع الذّات، مع النّفس لكي تقتنع بوجود الآخر، مع النّفس لكي تقبل باختلاف الآخر بعقيدته الدّينية أو في ثقافته أو في لغته أو في مذهبه. وقتال مع الذّات لكي تقبل بأن تتأثّر بفكر الآخر ولا تكتفي بمحاولة التّأثير عليه. لذلك فالحوار شكل من أشكال القتال إنّما هو قتال مع الذات. أما الكلمة الثّانية فهي كلمة الدّولة، في حال التّنوع تبقى الدّولة مجالاً رحبا ً لإدارة التّنوع، الدّولة هي صاحبة القرار السّياسي والاقتصادي، وإذا كان التّنوع في حال من التّناغم والتّناسب والتّناسق فإنّ الدّولة قادرة على الاستفادة منه لكي تتوجّه لمختلف مكوّنات المجتمع وتقتنص من كلّ مكوّن ما يفيد الوطن بأجمعه. لكنّ المكوّنات إذا كانت على تنافر، فإنّ الدّولة تبدو مشلولة عاجزة عن تجاوز هذا التّناغم من المكونات».

الدّكتور غسّان سلامة

وتابع: «نحن نستذكر اليوم بتواضع أنّنا عشنا 50 عاماً اختلط فيها التّنافر والتّقاتل مع المحاولات المتكرّرة للخروج من هذا التّنافر الى فضاء من التّواصل والتّكامل والتّفاعل. ذكرت اتفاق الطّائف، وكان محاولة عظيمة للانتقال من التّنافر للتّفاهم. هناك محاولات أخرى، ونحن اليوم على أبواب الإنقاذ والإصلاح، وقد اختارت الحكومة هاتين الكلمتين، لكنّ الحكومة أمام تحدٍّ حقيقي وهو أنّ 50 عامًا الّتي مرّت شهدت انحسارًا في نفوذ الدولة، ومن لا يعلم بذلك يكون على قدر من السّذاجة. لقد تراجع نفوذ الدولة، ولكنّ تراجع هذا النفوذ لم يحلّ مكانه الفضاء الخالي، لقد دخل أطراف عديدة لملء هذا الفراغ الّذي أحدثه انحباس قدرة الدولة».

وأردف: «لقد نشأت مصالح متجذّرة تدافع عن نفسها ضدّ الصالح العام، وعندما تأتي بفكرة الدّفاع عن الصّالح وهي مهمة الدّولة الأولى، فإنّها تصطدم بتجمّع متجذّر من المصالح. وفي العشرين أو الثّلاثين من السّنين الماضية تعدّدت هذه المصالح، ونراها في مختلف القطاعات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. لذلك، المطلوب من الدّولة أن تكون على قدر من الجرأة لمواجهة هذه المصالح المتجذّرة لأنّها مصالح فئوية لا تبغي الدفاع عن الصّالح العام بل عن مصالح ضيّقة شخصيّة. نحن أمام مصالح ضيّقة في المصارف، مصالح لمولّدات الكهرباء، مصالح ضيّقة في مجال القمامة، مصالح في كلّ نواحي الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة. عندما تبدأ عمليّة الإصلاح فإنّها تصطدم دومًا بهذه المصالح، لذلك على رغم قصر حياة هذه الحكومة، فإنّها التزمت بعدد من القرارات الّتي تحاول استعادة سلطة الدّولة إلى قلب الحياة اليوميّة في لبنان. أحيانًا في تبنّي هذه الإصلاحات نحتاج أحيانًا إلى كثير من الإقناع. لإقناع النّواب بها، ولإقناع اللبنانيّين في مختلف المجالات، لاستعادة الدّولة سيطرتها على الشّواطئ البحريّة، في قرار الدّولة لرفع السّرية المصرفيّة، لكي نتمكن من معرفة حقيقة وضع نحو 50 مصرفًا نعرف جميعًا أنّ بعضها في حالة صعبة. نحن بحاجة إلى إصلاحات أخرى أيضًا، ولقد أخذنا على أنفسنا محاولة تطبيق ما لم يطبّق أو طبّق بطريقة مشروطة عبر ميثاق الوفاق الوطني عام 1989، لكنّ هذا لا يكفي.

لقد اهتمّت الحكومات المتتالية منذ 50 عاماً بإعادة بناء البنى التّحتيّة، ونحن نعلم تمامًا أنّ هذا لا يكفي بتجنّب حروب جديدة ولتجنّب انحسار جديد في نفوسنا، بل أنّ الضّروري أيضًا هو إعادة بناء البنى الفوقيّة، بنى العقل والقلب، بُنى القيم المشتركة. ربّما أنّنا تنبّهنا لأهميّة إعادة البناء بعد الحرب الأهليّة، لكنّنا لم نتنبه بصورة كافية لضرورة استعادة إعمار بنى فوقيّة، ولبناء رقعة مشتركة بين مختلف مكوّنات هذا البلد، لذلك أرحّب بالشّراكة الوطنيّة، وأشعر بنفسي في مكاني معكم سماحة الشّيخ، لأنّ وظيفة الثّقافة بالذّات هي إعادة بناء البُنى الفوقية، أي بنى العقل، بنى الرّوح.

وتابع: «إنّنا نعيش في منطقة مضطربة، نعيش إلى جانب بلد جار شقيق هو سوريا يمرّ بتحوّلات ومصاعب عرفنا بعضها ونأمل لها أن تنتهي إلى نوع من الاستقرار، لأنّنا نعتبر أنّ استقرار الأوضاع في سوريا مفيدة لاستقرار الأوضاع في بلدنا. ونحن نعيش في منطقة تشهد نزاعًا دمويًّا لا مثيل له، في منطقة لا تتجاوز مساحتها 400 كلم مربعَا اسمها قطاع غزّة، والّتي يوجد فيها أكثر من 56 ألف قتيل الأكثريّة السّاحقة منهم من الأولاد والنّساء. هذا يجري على مرمى حجر من لبنان، وهذا سيبقى في ذاكرة الأطفال، وفي ذاكرة الّذين شهدوا هذه المجزرة غير المسبوقة في محيطنا، الّتي تجعل النّزاع بيننا وبين إسرائيل أكثر تعقيدًا من أيّ وقت مضى».

وختم سلامة: «على لبنان لا أن يجابه فقط المصالح المتجذّرة في الدّاخل، بل عليه أيضًا أن يواجه منطقة مضطربة أعطيت بعض الأمثلة عليها، لذلك فإنّ استقرارنا يساعد على مناعتنا. نحن بحاجة لتعزيز مناعتنا أمام الاضطرابات الإقليميّة والدوليّة، بحاجة الى مناعة داخليّة أكبر تجاه الأمور الشّعبويّة السّلبيّة في خطاب الدّول العظمى، مناعة أكبر بوجه النّزاع العربي-الإسرائيلي، بحاجة الى مناعة أكبر بوجه الاضطرابات الطّائفيّة في سوريا الشّقيقة، لذلك إنّ بناء هذه المناعة يتمّ طبعًا في تنفيذ القرارات الدّوليّة، وبإعادة إعمار ما هدمته الحرب على لبنان، وبالإصلاحات الضّرورية، لينهض لبنان من كبوته الماليّة والاقتصاديّة، ولكنّه يحتاج إلى إعادة بناء البنى الفوقيّة أي الذّات. فإلى شراكة روحيّة صادقة تعترف بأنّ الحوار قتال مع الذات».

 

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي