الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, نيسان 4, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الصفحة الأخيرة

الصفحة الأخيرة

يا زمان الجاهلية

العالم من حولنا بغربه وشرقه يسير ويتقدم، بينما نتقهقر نحن من سيىء إلى أسوأ؟ العالم بدوله وشعوبه منهمك في العمل لتنمية الاقتصاد والعلوم وإيجاد فرص العمل وتوفير الأمن والرفاه للمواطنين، وقد انضوت أكثر تلك البلدان في شتى أنواع التكتلات الاقتصادية والإقليمية وتناست ماضياً طويلاً من الحروب والمآسي بعد أن أدركت أن الحروب، وبغض النظر عن الشعارات النبيلة التي تخاض باسمها أحياناً، لا يأتي منها إلا الأحزان والتخلّف والدمار والبؤس الإنساني.

عندما تنقسم الشعوب هناك فحول الحياة وليس حول الموت، حول المستقبل (مستقبل الإنسان) وليس حول الماضي، وهي تنقسم حول الخيارات الاقتصادية أو حول مسائل أساسية مثل الحريّات أو الإفتئات عليها أو حول خيارات كبرى تهمّ الجميع وتعنيهم، وكل هذه المسائل يتم التداول فيها عبر الحوار السياسي المفتوح أو في وسائل الإعلام وأشكال العمل السياسي الحرّ الأخرى، وعند الحاجة للحسم فعبر قرارات سياسية أو عبر الإنتخابات..
لا يُتصوَّر في العالم المتحضر أن يثير أي اختلاف في تلك البلدان نزاعاً أهلياً أو أزمة وجودية…بصورة خاصة لم يعدّ وارداً لتلك الشعوب المتقدمة في ميادين العلوم والاقتصاد والتعليم والثقافة أن تنقسم حول شأن ديني أو اعتقادي، لأن الدين أصبح بالممارسة، وبحكم القانون، متعلقاً بالحرية الشخصية وحرية الاعتقاد، أما المواطنية فواحدة. ولم يعد مسموحاً بالتالي للنظام السياسي أن يتخذ لنفسه ديناً أو مذهباً لأن “الدين لله والوطن (أي الدولة) للجميع” وفق الشعار الذي رفعته الثورة السورية الكبرى في عشرينيات القرن الماضي..
لاحظوا معنا أن الديانات الثلاث السماوية الموسوية والنصرانية والإسلام انطلقت من منطقة الشرق الأوسط لتصبح ديانات عالمية تعيش في معظم دول آسيا أو في دول أوروبية راقية في سلام، وإذا كنا نشاهد في تلك المجتمعات توتراً أو مظاهر عنف معزولة فإنما ذلك بسبب هستيريا العنف والتدمير المتبادل التي ننهمك فيها نحن في أرض الرسالات، فنحن مرضى بالعنف لكننا نضيف إلى ذلك القدرة على تصديره أو نقل فيروساته وتوزيعها في كل مكان، وإنها فعلاً لمأثرة نتفرد فيها في هذا الجزء التعيس من العالم.
نحن ورثة الوحي والأنبياء والرسل، لكننا لم نستطع تجاوز ثارات ونزاعات الجاهلية الأولى، وهذه المنطقة مصابة بالعنف الديني والاقتتال باسم العقائد منذ أن ظهر بنو إسرائيل ثم من بعدهم الكنائس النصرانية المختلفة ثم الفرق الإسلامية. وعلى عكس الشعوب الأوروبية التي تجاوزت ماضي الحروب والتنازع الديني أو القومي وانطلقت في بناء مجتمعات مزدهرة يعيش فها الجميع بسلام وكرامة، فإننا ما زلنا وبعد ألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف سنة نرفض أن نتصالح، وأن نتحابّ، أو أن نتعاون في بناء حياة كريمة للجميع، ونفضل، على خيار الفطرة الإنسانية السليمة، خيار الحروب الجاهلية الباهظة التكلفة ولا نتردد في إنفاق جلّ مواردنا على أسلحة الدمار وفي تمويل عمليات سفك الدماء البريئة والتدمير الانتحاري لتاريخنا وعمراننا ومدننا الزاهرة في أتون النزاعات البدائية، ولا يوجد في الحقيقة نوع من أنواع التناقض أو التضادّ أو التكاره أو التفرّق السياسي أو الديني إلا وحافظنا عليه كما لو أنه مبرر وجودنا بحيث لا يمكننا العيش من دونه، بل إننا زدنا عليه تفرقاً ضمن التفرق وعداوات ضمن العداوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الدول التي قد نعتبرها صديقة تتفرج علينا وهي حائرة فعلاً في أمرنا وفي ما نبذُّره من موارد عزيزة وأرواح وفرص في هذا النزف العقيم، أما الذين يتربصون الدوائر بالمنطقة وشعوبها ونفطها ومصالحها فإنهم يبذلون أقصى جهدهم لكي يستمر هذا التقاتل العقيم حتى يستنزف الجميع وتسقط الطريدة بسهولة في يد الصياد.
لقد بعثنا برسالات المحبة والمغفرة والرحمة إلى العالم فصدّقها وقبلها وعمل بموجبها، لكننا نحن أصحاب القضية نفعل العكس، إذ نحوّل رسالات الرحمة والسلام إلى سيوف نقتتل بها، ويبيِّن ذلك أن المشكلة ليست في الأديان بل في نكوص أهلها عنها إلى ما كانوا عليه من جاهليات ونزاعات وتخلف.
فكروا أيها المتقاتلون وأنتم تهزجون بالانتصارات أو تطلقون شعارات الكراهية ضد بعضكم بعضاً: من الذي يراقب هذا المنظر وهو لا يكاد يصدق حظه.. فكروا من هو المالك الحقيقي لبيدر العنف هذا ثم انتبهوا فإن موعد الحصاد قد لا يكون بعيداً.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي