الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

العمل البلدي وأهميته في التنمية المستدامة

لم يعد العمل البلدي والاختياري في لبنان مجرّد محطة عابرة كلّ ستّ سنوات، إنّما بدأ يتّخذ مقاربة واعدة تتمثّل بشعورٍ عارمٍ لدى غالبيّة المواطنين، بأهميّة الانخراط في مسار العمل التّنموي. فقد أدّى تصاعد حدّة الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة في لبنان- ناهيك عن تداعيات انفجار مرفأ بيروت والحرب الإسرائيليّة الأخيرة- إلى تحفيز الحسّ بالمسؤوليّة وبضرورة المبادرة ولعب دورٍ محوريّ في صناعة التّغيير وتحقيق التّقدم المنشود في مختلف القرى والبلدات والمدن اللّبنانية.

وقد جسّدت الانتخابات البلديّة والاختياريّة مؤخّرًا فرصة لاحتضان الطّاقات الشّبابيّة والنّسائيّة وذوي الاحتياجات الخاصّة ومختلف فئات المجتمع، من أجل تضافر الجهود وابتكار الحلول النّاجعة لمواجهة التّحديات وإدخال مفاهيم الحوكمة الرّشيدة والشّفافيّة والتّخطيط التّشاركي إلى منهجيّة العمل البلدي. الأمر الّذي يساهم في بناء مستقبل أفضل من خلال تنمية حقيقيّة تقوم على تحسين الخدمات، وتلبية الحاجات الملحّة، وتطوير البنى التّحتيّة، وخلق فرص عمل، وحماية الموارد الطّبيعية والبيئيّة، وبالتّالي تنفيذ مشاريع نموذجيّة، تُحدث الفرق في حياة الأهالي والأجيال المتعاقبة.

البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية المستدامة وقيادة التّغيير

وفي حديثه لمجلة «الضّحى»، يرى رئيس منظمة «اليد الخضراء» ومؤسّس «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley»، زاهر رضوان، أنّ «البلديّات هي المحرّك الأساسي للتّنمية من البنية التّحتيّة إلى بناء المجتمعات والاقتصاد المحلي»، ويقول: «لم تعد البلديّات مجرّد جهة تُعنى بالبنية التّحتيّة والخدمات اليوميّة، بل أصبحت في قلب النّقاش التّنموي، تُؤدّي دورًا محوريًّا في قيادة التّغيير وتحقيق التّنمية المستدامة. فالبلديّة اليوم، عندما تتحوّل من جهة تنفيذية إلى جهة تخطيط وتوجيه، تصبح الرّافعة الّتي تدفع بالمجتمع نحو النّمو، ليس فقط عبر الطّرق والمياه، بل من خلال تمكين الإنسان، حماية البيئة، تنشيط الاقتصاد المحلي، وتطوير سبل العيش». ويضيف: «تملك البلديّات الموقع الأفضل لفهم حاجات مجتمعاتها والتّواصل مع الفئات كافّة، من مزارعين وحرفيّين وشباب ونساء، وبالتّالي فهي الأقدر على بناء رؤية محليّة شاملة، تُعزّز التّماسك الاجتماعي وتُحفّز الاقتصاد الأخضر، وتعيد توزيع الموارد بعدالة. من هنا، تصبح البلديّات أكثر من إدارة محلية؛ تصبح محرّكًا للبيئة والتّنمية والاقتصاد معًا».

ويتابع رضوان: «ظهر هذا الدّور جليًّا في نموذج قضاء عاليه، من خلال تجربة «استراتيجيّة عاليه الأصيلة»، الّتي شكّلت تحوّلًا نوعيًّا في فهم التّنمية وأدواتها. هذه الاستراتيجيّة لم تكتفِ بالخطط، بل أنشأت مشاريع فعليّة ومؤسّسات حيويّة تركت أثرًا ملموسًا، أبرزها؛ «مركز الحرف عاليه الأصيلة» الّذي يسعى إلى إحياء الموروث الحرفي وربطه بالأسواق الحديثة، «دائرة السّياحة عاليه الأصيلة» الّتي تخطّط لترويج الهويّة الثّقافيّة والطّبيعيّة للمنطقة، «مركز التّعبئة والتّوضيب الرّيادي لدعم المنتجات المحليّة»، «منشأة الإنتاج الغذائي لتوفير فرص عمل وتمكين المرأة»، ومشاريع أخرى مثل «منشأة FDA لدعم التّصدير إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة».

هذا، وأثمرت «استراتيجيّة عاليه الأصيلة – Authentic Aley» في تحقيق العديد من الشّراكات الدّوليّة، مثل مشروع الاتّحاد الأوروبي المتعلّق بإدارة مصادر المياه الصّحيّة ومشروع «فرحة» بالتّعاون مع الوكالة الألمانيّة للتّعاون الدّولي (GIZ)، وفق قول رئيس منظمة «اليد الخضراء» الّذي يتحدّث عمّا قدّمته هذه المشاريع الرّياديّة من «نموذجٍ فعليّ لتكامل الأدوار بين البلديّات والمجتمع المدني، والشّركاء الدوليّين لخدمة كلّ فئات المجتمع، من المزارعين إلى المنتجين والحرفيّين. إذ يُثبت هذا النّموذج أنّ اللاّمركزية التّنموية ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ البلديّات حين تملك الرّؤية والدّعم تستطيع أن تكون حجر الزّاوية في إعادة بناء الاقتصاد المحلّي، وتعزيز العدالة الاجتماعيّة وتحقيق التّماسك بين المجتمع المُضيف والمجتمعات المتنوّعة الأخرى». ويوجّه رضوان «دعوة صريحة إلى صانعي القرار، ووكالات الأمم المتّحدة، والسّفارات والمنظّمات الدّوليّة، لدعم هذا النّموذج المحلّي النّاجح وتعزيزه وتكراره في مختلف المناطق اللّبنانيّة والدّول العربيّة، لأنّ التّنمية الحقيقية تبدأ من الأرض، من المواطنين، ومن البلديّات الّتي تعرف تمامًا كيف تُترجم الطّموحات إلى إنجازات».

الظّروف السّياسيّة والاقتصادية ساهمت بتحفيز المشاركة بالشّأن العام

ويشدّد مؤسّس «حركة السّلام الدائم» ورئيس حزب «الخضر اللّبناني»، فادي أبي علام، على أنّ «البلديّات هي المسؤولة الأولى عن مسار التّنمية، في حال إلمامها بمفاهيم التّنمية المستدامة ومصطلحاتها، ما يمكّنها من الارتقاء بالبلدة أو المدينة إلى مصاف القرى، والمدن النّموذجيّة الحضاريّة. كما يمكن أن يلعب المواطنون والمؤسّسات أدوارًا تنمويّة، غير أنّ البلدية قادرة على تحقيق تكامل هذه الأدوار واستمراريّة الأنشطة، والدفع نحو مشاريع وبرامج طويلة الأمد. السّلطات المحليّة عبارة عن حكومة محليّة، وهنا تبرز كفاءتها من خلال تميّزها بتوظيف إمكاناتها المتواضعة في المسارات التّنموية، وبالتّالي تعزيز التّعاون مع المجتمع المحلي والمؤسّسات من جمعيّات وتعاونيّات ونقابات وقطاع خاص ومغتربين، وفق خطة واضحة وشفافة لآليّة صرف الأموال والمساعدات».
ويضيف في حديثه لمجلة «الضّحى»: «الإنسان يفرح دائمًا مرّتين؛ عندما يأخذ ما يريد، وعندما يعطي ما لديه». كلّ شخص لديه ما يعطيه، ويندرج ضمن إطار المصادر الّتي تُغني العمل البلدي، إلى جانب الدّعم الّذي تقدّمه الجهات المانحة. لكن للأسف، أغلب ممثلي البلديّات لا يتقنون مهارات التّعامل مع الجهات المانحة وتقديم العروض لاستقطاب المشاريع النّموذجيّة أو أنّهم لا يبادرون بل ينتظرون حصول بلداتهم على المساعدات. ويرى أبو علام أنّ «اتّخاذ المنافسة في بعض البلديّات طابعًا طائفيًّا وحزبيًّا وعائليًّا وغيره من الانقسامات الضيّقة، يعيد طرح التّساؤلات حول موقع التّنمية. إذ نجد مرشّحين يخوضون المعركة الانتخابيّة ومن ثمّ يختفون ولا ينفّذون أيّ عمل تنموي، ويعودون للترشّح في الدّورة المقبلة. كما أنّ معظم البلديّات يقتصر العمل فيها على رئيس البلديّة وعناصر الشّرطة، في حين تغيب أدوار أعضاء المجلس البلدي واللّجان البلديّة أو أي عمل تشاركي مع المجتمع المحلي».

ويتحدّث رئيس حزب «الخضر اللبناني» عن سلسلة ورش عمل تمّ تنظيمها متخصّصة في أكثر من منطقة لبنانية، بهدف «توعية المواطنين حول ماهيّة التّنمية المستدامة وصلاحيات المجالس البلديّة وآليّة عملها، وأهميّة المشاركة في الانتخابات والإلمام بالقضايا الحيويّة، والاطّلاع على الخطط العربيّة والعالميّة، مثل رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030، خصوصًا أنّ المرشّحين بمعظمهم لا يضعون برنامجًا واضحًا، أو أنّهم يكتفون ببرنامجٍ لا يوافق المعايير العالميّة». وإذ يؤكّد أهميّة امتلاك المرشّح الرّغبة والطّموح والقدرات والمهارات اللاّزمة إلى جانب معرفة الواقع. يُبدي أبو علام إعجابه بـاندفاع الشّباب والنّساء للمشاركة في الدّورة الانتخابيّة هذه السّنة، ما يعكس تأثير الجوّ السّياسي العام من انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية، وتشكيل حكومة جديدة، والأمل بتدفّق الأموال لصناديق البلديّات، بالإضافة إلى مسار التّوعية والتّمكين ومشاريع الجمعيّات والأحزاب، والدّور القيادي للمرأة والشّباب الّذي برز كثيرًا عقب الأزمة الاقتصاديّة في العام 2019. إنّه دليل صحّة وتقدّم وعافية يشير إلى تحسّن الظروف السّياسيّة والاقتصاديّة في البلاد وجهوزيّة أكبر لدى الشّباب والنّساء للتّعامل مع القضايا العامّة ودخول الشّأن العام، وكذلك لانخراط كلّ مكوّنات المجتمع في دورٍ منتجٍٍ فاعل. وقد حرصنا على تشجيع مشاركة الأشخاص المعوّقين، من خلال التّعاون مع جمعية «مؤشرات تنمويّة»؛ وهي مجموعة لبنانيّة تضمّ عددًا من الأشخاص المعوّقين حركيًّا، بهدف تكريس حقّهم بالمشاركة المجتمعيّة، إن على الصعيد المحليّ أو الوطني.

دعوات لصياغة قانون عصري خاص بالبلديات

وفي محافظة جبل لبنان على سبيل المثال، سجّلت الانتخابات البلديّة زيادة في عدد المرشحين بنسبة 4.6%، في حين شكّلت النّساء نسبة 10.8% من التّرشيح أي 783 امرأة مقابل نسبة 7.8% في العام 2016 أي 528 مرشحة، وفق إحصاءات الشّركة الدّوليّة للمعلومات. كما تبيّن أنّ 529 بلديّة في لبنان، أي نصف البلديّات، تقلّ حصّتها عن 250 مليون ليرة لبنانية، ما يحتّم دمج البلديّات، بحيث يزداد دخلها وتشترك بالكهرباء والمياه والطّرقات والمدارس والتّنظيم المدني، رؤيةً وموازنات. وهذا يستدعي اعتماد النّظام النّسبي في الانتخابات البلديّة وتحديد سقف إنفاق، ما يعني أنّنا بحاجة لقانون بلدي جديد.

وكانت المديرة التّنفيذيّة للجمعيّة اللّبنانيّة من أجل ديمقراطيّة الانتخابات (LADE)، ديانا البابا، أوضحت في حديث تلفزيوني، أنّ «الانتخابات البلديّة والاختياريّة جاءت بعد تأجيل ثلاث سنوات، وهي تشكّل اليوم خطوة أولى باتجاه المسار الصّحيح، وعودة انتظام الحياة الدّستوريّة، رغم الفروقات المختلفة، والجوّ العام المختلف بين المحافظات اللبنانيّة». ورأت أنّ «الانتخابات البلديّة تؤثّر على الانتخابات النّيابيّة المقبلة، ولو أنّ طابعها مختلف. لذلك، يجب وضع قانون عصري خاصّ بالانتخابات البلديّة غير مرتبط بالانتخابات النّيابيّة».

اللّجنة الثّقافية تثمّن أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في المجالس المحليّة

وفي السّياق، نظّمت اللّجنة الثّقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحّدين الدّروز، بتاريخ 19/4/2025، ندوة بعنوان «دور الشّباب في المجالس المحليّة والتّنمية المستدامة»، حيث تحدّث عضو اللّجنة الثّقافية الدكتور فراس زيدان، عن دور الشّباب في العمل الإنمائي والاجتماعي والسّياسي، كونهم الأكثر قدرة على التّغيير والتّفاعل الإيجابي مع القضايا المهمّة، وإحداث الفرق الحقيقي في مجتمعاتهم. ولفت إلى أنّ العمل البلدي هو العمود الفقري للتّنمية المحليّة، ويُعدّ الوسيط الأهمّ بين المواطن والدّولة، إذ يترجم السّياسات العامّة إلى مشاريع وخدمات ملموسة على أرض الواقع. من هنا أهميّة اختيار أشخاص صادقين يعملون بضمير لإنماء منطقته.

أمّا عضو اللّجنة الثّقافية الدكتورة فريال زهر الدّين، فتطرّقت إلى دور المرأة في العمل البلدي والتّنمية المحليّة، واعتبرت أنّ التنمية المحليّة تسعى إلى تحسين حياة الأفراد والارتقاء بها اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، وأنّ تحقيق هذا التقدّم النّوعي يتطلّب تكافل كل أبناء المجتمع، من النّساء والرّجال. غير أنّ المرأة تواجه تحديّات عديدة تعيق عملها في الشّأن العام، منها العوائق الاجتماعيّة والثّقافيّة والسّياسيّة، الضّغوط العائليّة والمجتمعيّة وغياب القوانين الّتي تكرّس التّمثيل النّسائي. لذلك، لا زالت مشاركة المرأة في المجالس البلديّة ضعيفة جدًّا، رغم أنّ التّجارب أثبتت أنّها عندما تُمنح الفرصة تقدّم دورًا فاعلًا في التّنمية المحليّة.

بدوره، تحدّث رئيس بلدية مزرعة الشّوف ورئيس اتحاد بلديّات الشّوف السّويجاني، المهندس يحيى أبو كروم، عن تجربته الشّبابية الرّائدة في العمل البلدي واتّحاد البلديات. وقال: العمل البلدي لا يقتصر على الخدمات، إنّما يشمل التّنمية المستدامة المتكاملة، إن على الصّعيد الاقتصادي أو البيئي أو التّربوي، فهو أكثر التصاقًا بحاجات النّاس وهمومهم، كما يبقى الدّور الأساسي للعمل النّهضوي، والتميّز بالعمل الإنمائي. وأكّد أهمية مشاركة الشّباب والمرأة في العمل البلدي والشّأن العام، ما يساهم في إحداث الفرق، ويعكس ما تحمله هذه الشّريحة من طموحٍ وعنفوان، وقدرة على الابتكار والرّيادة وخدمة المجتمع. لكن الأهم وجود ذهنيّة وروحيّة الشّباب في المجالس البلديّة، بغضّ النظر عن أعمارهم، بحيث يحملون رؤية الشّباب ويعبّرون عن همومهم وتطلّعاتهم لمواجهة التّحديات الجسيمة.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي