الإثنين, كانون الثاني 6, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الإثنين, كانون الثاني 6, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

اللُّبنانيّون في قلب الجَحيم الاجتماعي

عند حافّة الرّصيف في أحد شوارع العاصمة بيروت، يتّكئ رجلٌ ستّينيٌّ، باحثًا عن ظلّ يقيه أشعة الشمس الحارقة، ريثما يحين دوره لتعبئة سيارته بالوقود بعد طول انتظار. ومن صيدليةٍ إلى أخرى يتنقّل أبٌ محروقٌ على دواءٍ يُضمّد وجعَ ابنه، تلاقيه والدةٌ تلهث خلف علبة دواءٍ تبلسم جراح ابنتها، ليلقيا الجواب ذاته: «مقطوع وما في بديل».

وفي المقلب الآخر، حرقةُ أمّ على طفلٍ علا صراخه طلبًا للحليب، بعد أن بات «مادةً دسمة» دخلت بازار الاحتكار والبيع بأسعارٍ خياليّة يحدّدها سعر صرف الدولار الأميركي في السوق السوداء، ليُحرَم معها مئات الأطفال والرضّع من غذائهم الوحيد.

هي تفاصيل حياةٍ يوميّة، يقاسيها اللبنانيّون منذ ما يقارب العامين، من دون أيّ أفقٍ أو انفراجاتٍ تُذكر، ناهيك عمّا خلّفته جائحة كورونا من تداعياتٍ سلبية. فمنذ أواخر العام ٢٠١٩ والأزمات تتوالى لتشدّ معها خناق اللبنانيّين، منذرةً بالأسوأ، لا سيّما بعد رفع الدعم عن أكثر من سلعةٍ حيويّة.من أزمة الدولار إلى انقطاع أدويةٍ أساسيّة ومعداتٍ وأجهزةٍ طبية وفقدان المواد الغذائية والاستهلاكية بمعظمها، مرورًا بطوابير البنزين والأفران أو ما يُعرف بـ»طوابير الذلّ» وعمليّات التهريب، كما بتعطّل خدمات الإنترنت لساعاتٍ وانقطاع الكهرباء والمازوت وما قد يترتّب عنهما من انهيارٍ في شبكة المياه، وصولًا إلى الغلاء الفاحش الذي رافق الارتفاع الجنوني في سعر صرف الدولار والانهيار الكارثي للعملة اللبنانية.

فما كان يخطر ببال اللبنانيّين أن يتحوّل راتبهم إلى بضع ليراتٍ، بالكاد تكفي لشراء كميةٍ محدودةٍ من الطحين والأرز والسكر والملح وغيرها من المواد الغذائية الأساسية. ليراتٌ فقدت قيمتها بشكلٍ كليّ، ممّا قوّض أحلام المواطنين…

ففي عزّ الحروب والأزمات وعلى مرّ العقود والأعوام، لم يحدث أن صُنِّف لبنان ضمن الدول الأدنى أجرًا والأكثر مأساةً، بعد أن سجّل معدّلاتٍ مرتفعة من الفقر والبطالة. وطن الأرز الذي عُرف يومًا بـ «لبنان الرسالة»، لطالما كان مهد الحضارات والثقافات ونبراسًا للحقوق والحرّيات، كما مقصدًا للعِلم والاستشفاء، ووجهةً دائمة للسوّاح والمغتربين.
أمّا اليوم، فأين لبناننا؟ ما حال المسنّين والمرضى؟ كيف يقاوم آباؤنا وأمّهاتنا؟ كيف يصمد كلّ من شبابنا وشابّاتنا؟ كيف يعيش أطفالنا؟ أين نحن من حياةٍ تتعدّى غفوةً على رصيف الشارع، أو عند محطة الوقود؟ أين نحن من أمنياتٍ تتجاوز رغيف الخبز وكفاف يومنا، لتقفز بأحلامنا وطموحاتنا بما دون النجوم؟ أيُّ مستقبلٍ ينتظرنا وقلبنا يتوقّف مع كلّ دقيقةٍ وثانيةٍ، لندخل معه غرفة إنعاشٍ، معدّاتها معطّلة أو مفقودة، فتخذلنا لدى المحاولة الأولى.

يبقى الأمل بأن يصحو شعبنا يومًا على دولةٍ تقارب تطلّعاته وأهدافه، تحارب لأجل بقائه وخلاصه، تضمن له ولأبنائه مستقبلًا مشرقًا واعدًا، تكفل له منظومةً صحيّة اجتماعية متكاملة، وتضع مصلحته العليا فوق كل اعتبار. دولةٌ تكرّس جهودها لـ «سعادة المواطن»، «معالي الشعب» و»فخامة الوطن».

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي