الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

تاريخ الموحِّدين الدروز والموارنة

تاريخ الموحِّدين الدروز والموارنة

في ضوء مؤلفاتهم القديمة

(القسم الثاني)

تاريخ بيروت لصالح بن يحيىإن صالح بن يحيى هو من الأمراء البحتريين التنوخيين. تاريخ ولادته وتاريخ وفاته مجهولان، إمَّا لأنه لم يقيّض له من يسجّلهما، أو أن هذين الأمرين دُوِّنا في أحد المستندات التي لم تصل إلينا. عُرف عنه توقُّفه عن الكتابة سنة 840هـ (1453م) مما يحمل على الربط بين ذلك وبين تاريخ وفاته، فيجعلها بعد هذه السنة بقليل.
سمّى صالح بن يحيى مخطوطه “أخبار السلف”، وشاءه في الأصل تذكرة نسب لأسرته جعلها “وقفاً على البيت لا يخرج عن الخلف، ولا تُعار لغيرهم، لأنه كتاب لا ينتفع به غير أربابها”، لذا كان ما كتبه لا يفيد، في رأيه، غير أسرته البحترية التنوخية، لكنه خرج من أيديها ليصبح تاريخاً يستفيد منه الجميع دون أسرته التي اندثرت مع الأيام بسبب قلة مواليدها وكثرة قتلاها في الحروب، حتى إن الذين يحملون شهرة “التنوخي” انقرضوا في المجزرة التي أجراها بهم الأمير علي علم الدين اليمني، في عبيه، سنة 1633، والذين بقوا منهم غيَّروا شهرتهم فأصبحت بأسماء الجدود والآباء الأقربين.
إن مخطوط صالح بن يحيى، المدوَّن بلغة عصر الانحطاط، يشتمل على أغلاط لغوية، وألفاظ وجمل أشبه بلهجة العامية حالت دون نشر المستشرقين له حين صمَّموا على ذلك، ولكن هذا الشكل غير السليم لغويّاً حوى مضموناً تاريخيّاً سليماً ودقيقاً وموضوعياً، ذلك أن صالح كتب بأمانة كلّية، معتمداً على ما عند البحتريين من مناشير أولي الأمر لأمرائهم، ومن أوراق أخرى ومستندات، ومعتمداً أيضاً على ما سمعه من الأقوال والروايات الصحيحة عن أسلافه بعد التدقيق فيها، وعلى ما شاهده وما قام به شخصيّاً. وإضافة إلى ذلك كتب العديد من الصفحات استناداً إلى المصادر التاريخية التي اطَّلع عليها.
كما عُثر على مخطوط كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” في مكتبة بلدية روان الفرنسية، هكذا عُثر على مخطوط صالح بن يحيى في مكتبة باريس العمومية، وهذا مما يدلُّ على أن الكثير من الأصول التاريخية المتعلِّقة بنا موجودة عند غيرنا، ولا سيما في مكتبات مدن الدول الأوروبية، وأن غيرنا حريص عليها أكثر منا، ولولا حرصه على مخطوط صالح بن يحيى لضاع، وضاع معه معظم تاريخ البحتريين التنوخيين وتاريخ “الغرب”. وقد عَثر على هذا المخطوط الأب لويس شيخو اليسوعي (1858-1927) في سنة 1894، فعمد إلى نقله ونشره تباعاً في مجلة “المشرق” في سنتَي 1898و1899، ثم أصدره كتاباً في سنة 1902، أُعيد طبعه في سنة 1927، وهو بعنوان “تاريخ بيروت وأخبار الأمراء البحتريين من بني الغرب”.
لكن تحقيق الأب لويس شيخو للمخطوط تضمَّن أخطاء كثيرة، وحُذفت منه مقاطع عديدة بما فيها معظم المقاطع الشعرية، لصعوبة قراءتها، وكان يتطلَّب المزيد من الإيضاحات والتفسيرات، مما استدعى إعادة تحقيقه من قبل الأب فرنسيس هورس اليسوعي الذي تعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، والأستاذ أنطوان مدوّر، والسيد بيار روكالف، والسيد أنطوان كوتان، والنقيب يوسف وهبه، وصدر الكتاب في سنة 1967 بعنوان “تاريخ بيروت وهو أخبار السلف من ذرّيَّة بحتر بن علي أمير الغرب”، وهذا الكتاب سنعتمد عليه.
وبما أن نسخ الكتاب من التحقيقَين فُقدت، ونظراً الى الطلب عليه بسبب أهميته كأحد المصادر التاريخية المهمة، قامت دار الفكر الحديث للطباعة والنشر سنة 1990 بإعادة طبع الكتاب الذي حقّقه الأب لويس شيخو، وقامت مؤسسة التراث الدرزي سنة 2015 بإعادة طبع الكتاب الذي حقَّقه الأب فرنسيس هورس اليسوعي بالتعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، وفي هذين الأمرين دليل إضافي على أهمّيّة هذا المصدر.

تاريخ مدينة بيروت إنّ الذين حقَّقوا مخطوط صالح بن يحيى، المسمَّى عنده أخبار السلف، أعطوه اسم “تاريخ بيروت”، وأضافوا إليه أخبار السلف، وما ذلك إلاَّ لأن صالح بن يحيى بدأ مخطوطه بالكلام عن بيروت وتحدَّث عنها في صفحات بلغت 31 صفحة في الكتاب المحقَّق للمرة الثانية، فقال: “ولما كان المكان متقدّماً على المتمكّن، فوجب المبتدى بذكر الوطن وإن كان الساكن أفضل من المسكن1.
تحدَّث صالح بن يحيى في 11 فصلاً عن بيروت، فذكر قدمها وإطارها الجغرافي وأخبارها ومشاهيرها وقواعدها وفتوحها الثلاثة، وهي فتح المسلمين الأول لها وأخذها من البيزنطيين سنة 636م عند فتحهم الشام، ثم أخذ الفرنجة لها من المسلمين، وفتح المسلمين لها للمرة الثانية سنة 1187م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي ثم عودة الفرنجة إليها، وفتح المسلمين لها للمرة الثالثة سنة 1291م عند طردهم للفرنجة نهائيّاً من الشرق.
اعتمد صالح بن يحيى في ما كتبه عن بيروت على ما وصله من أخبار أسرته عن المشاركة في الدفاع عنها، والإسهام في إعمارها، كما اعتمد في كتابة سائر نواحي تاريخها وناحية آثارها على المؤرخين والجغرافيين العرب وهم: المسعودي، وياقوت الحموي، وأبو الفداء، والنويري، وابن سعيد، وأبو شامة المقدسي، وأحمد بن شاكر الكتبي. وبناءً على هذا، استطاع أن يكتب الأخبار الصحيحة، كما استطاع بالاعتماد على الجغرافيين أن يحدِّد طول بيروت وعرضها بدقة.
من الحوادث التي يذكرها صالح بن يحيى هجوم التعميرة الجنوية على بيروت بعد هجومها على صيدا في العشر الأول من جمادى الآخر سنة 784هـ (آب 1382م)، وتصدِّي والد صالح (الأمير سيف الدين يحيى) ومعه جماعة من المسلمين للمهاجمين من الفرنجة ونزعهم السنجق الذي ركّزه أحد قادتهم، وإنزال الهزيمة بهم. ومن الحوادث أيضاً هجوم الفرنجة على بيروت في 20 محرم من سنة 806هـ (آب فرنسيس هورس اليسوعي الذي تعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، والأستاذ أنطوان مدوّر، والسيد بيار روكالف، والسيد أنطوان كوتان، والنقيب يوسف وهبه، وصدر الكتاب في سنة 1967 بعنوان “تاريخ بيروت وهو أخبار السلف من ذرّيَّة بحتر بن علي أمير الغرب”، وهذا الكتاب سنعتمد عليه.
وبما أن نسخ الكتاب من التحقيقَين فُقدت، ونظراً الى الطلب عليه بسبب أهميته كأحد المصادر التاريخية المهمة، قامت دار الفكر الحديث للطباعة والنشر سنة 1990 بإعادة طبع الكتاب الذي حقّقه الأب لويس شيخو، وقامت مؤسسة التراث الدرزي سنة 2015 بإعادة طبع الكتاب الذي حقَّقه الأب فرنسيس هورس اليسوعي بالتعاون مع الدكتور كمال سليمان الصليبي، وفي هذين الأمرين دليل إضافي على أهمّيّة هذا المصدر.

شن-المماليك-حملات-على-إمارة-الغرب-وأوقعوا-فيها-خسائر-كبيرة(1)
شن-المماليك-حملات-على-إمارة-الغرب-وأوقعوا-فيها-خسائر-كبيرة)

تاريخ مدينة بيروت
إنّ الذين حقَّقوا مخطوط صالح بن يحيى، المسمَّى عنده أخبار السلف، أعطوه اسم “تاريخ بيروت”، وأضافوا إليه أخبار السلف، وما ذلك إلاَّ لأن صالح بن يحيى بدأ مخطوطه بالكلام عن بيروت وتحدَّث عنها في صفحات بلغت 31 صفحة في الكتاب المحقَّق للمرة الثانية، فقال: “ولما كان المكان متقدّماً على المتمكّن، فوجب المبتدى بذكر الوطن وإن كان الساكن أفضل من المسكن1.
تحدَّث صالح بن يحيى في 11 فصلاً عن بيروت، فذكر قدمها وإطارها الجغرافي وأخبارها ومشاهيرها وقواعدها وفتوحها الثلاثة، وهي فتح المسلمين الأول لها وأخذها من البيزنطيين سنة 636م عند فتحهم الشام، ثم أخذ الفرنجة لها من المسلمين، وفتح المسلمين لها للمرة الثانية سنة 1187م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي ثم عودة الفرنجة إليها، وفتح المسلمين لها للمرة الثالثة سنة 1291م عند طردهم للفرنجة نهائيّاً من الشرق.
اعتمد صالح بن يحيى في ما كتبه عن بيروت على ما وصله من أخبار أسرته عن المشاركة في الدفاع عنها، والإسهام في إعمارها، كما اعتمد في كتابة سائر نواحي تاريخها وناحية آثارها على المؤرخين والجغرافيين العرب وهم: المسعودي، وياقوت الحموي، وأبو الفداء، والنويري، وابن سعيد، وأبو شامة المقدسي، وأحمد بن شاكر الكتبي. وبناءً على هذا، استطاع أن يكتب الأخبار الصحيحة، كما استطاع بالاعتماد على الجغرافيين أن يحدِّد طول بيروت وعرضها بدقة.
من الحوادث التي يذكرها صالح بن يحيى هجوم التعميرة الجنوية على بيروت بعد هجومها على صيدا في العشر الأول من جمادى الآخر سنة 784هـ (آب 1382م)، وتصدِّي والد صالح (الأمير سيف الدين يحيى) ومعه جماعة من المسلمين للمهاجمين من الفرنجة ونزعهم السنجق الذي ركّزه أحد قادتهم، وإنزال الهزيمة بهم. ومن الحوادث أيضاً هجوم الفرنجة على بيروت في 20 محرم من سنة 806هـ (آب 1403م)، واشتغال أهل بيروت بترحيل الحريم والأولاد، وخُلوِّ المدينة من المقاتلين سوى بعض أمراء “الغرب” ومعهم بعض جماعتهم، فتملَّك الفرنجة بيروت وأحرقوا الدار التي يملكها والد صالح بن يحيى والسوق القريبة من الميناء.
ويذكر صالح بن يحيى طريقة إعلام المثاغرين في بيروت للجند الموجود في دمشق كي يهبَّ إلى الدفاع عن بيروت عند حصول أيّ غزو لها، وهذه الطريقة هي إشعال النار ليلاً من ظاهر بيروت، فتجاوبها نار في رأس بيروت العتيقة (بيت مري) ومنه إلى جبل بوارش (جبل الكنيسة) ومنه إلى جبل يبوس ومنه إلى جبل الصالحية (جبل قاسيون) ومنه إلى قلعة دمشق.

نسب البحتريين التنوخيين
من الأمور المهمّة التي أوردها صالح بن يحيى سلسلةُ نسب أجداده إلى الأمير بحتر المتحدِّر من الأمير تنوخ، المتحدِّر من الأمير تميم ابن الملك النعمان (أبو قابوس) اللخمي. وبهذا يكون التنوخيون كالأرسلانيين وبني فوارس وآل عبد الله لخميَّين، يلتقون معاً عند الملك النعمان (أبو قابوس)، وفي هذا أحد الأدلَّة على أن تنوخيِّي لبنان مناذرة ينتمون إلى الأمير تنوخ المنذريّ اللخميّ، ولا علاقة لهم بالتنوخيين الذين ينتسبون إلى قبيلة تنوخ أو حلف تنوخ، بحسب ما جاء عند الكثير من المؤرِّخين الذين خلطوا بين التنوخيين هؤلاء والتنوخيين أولئك. وكما ذكر صالح بن يحيى أن أسرته البحترية التنوخية لخمية منذريّة كالأرسلانيِّين، هكذا ذكر السجلّ الأرسلاني، وجعلهم الأمير شكيب أرسلان الذي قال: “إن الأمراء التنوخيين اللبنانيِّين والأمراء الأرسلانيّين من أصل واحد هو لخم ولا علاقة لهم بقبيلة تنوخ”2.
إن ما ورد عند صالح بن يحيى عن الأصل المنذريّ اللخمي للبحتريين التنوخيين، يؤكِّده ما جاء في وصية أحد أمرائهم، الأمير السيد عبد الله (قدَّس الله سرَّه) المدوَّنة في سنة 820هـ (1417م)، وهو التعريف به بأنه من نسل الأمير “جمال الدين حجى ابن أمير الغرب التنوخي الجميهري اللخمي”، كما يؤكِّده كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” المدوَّن في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وفيه إشارة إلى “الأمير ناصر الدين الجميهري اللخمي”، ويؤكِّده أول إثبات للسجل الأرسلاني بتاريخ 141هـ (758م).

ترجمة الأمراء البحتريين التنوخيين
خصَّص صالح بن يحيى معظم كتابه للحديث عن أسرته البحترية التنوخية، فترجم لأكثر من 60 أميراً منها، وأتى في ترجمتهم على ذكر الكثير من القادة وولاة الأمور وسائر من تعاطى معهم. وأورد حرفيّاً المناشير المرسلة إلى أمراء “الغرب” منهم، الذين لهم الأمرية الكبرى. وهذه المناشير تحدِّد إقطاعهم، والقرى التي يتضمَّنها والتي يمكن اعتبارها مع القرى والمزارع التي أقام فيها التنوخيون أطلساً تاريخيّاً جغرافياً لقسم من جبل لبنان.
ذكر صالح بن يحيى ولادات ووفَيات وزيجات الأمراء البحتريين التنوخيين، وذكر مراكز إقاماتهم وعلاقاتهم مع بعضهم بعضاً، وعلاقاتهم مع الآخرين، وما يتخلّل ذلك من نزاعات. وبالرغم من اتِّصافه بالموضوعيّة، فإنه كان مُحابياً لأبناء أسرته أحياناً، وذلك بمهاجمته لأخصامهم مثل بني أبي الجيش أو بني سعدان – وهم الأمراء الأرسلانيون- لأن هؤلاء يبغضون البحتريين وقد وشَوْا، بحسب ما ذكر، عليهم. وكان يمتدح محبِّي أسرته مثل آل علم الدين الذين هم أصلاً من آل عبد الله، لكنه ألحقهم بالنسب بالبحتريين التنوخيين، فيما الحقيقة أنهم اعتبروا من هؤلاء بالمصاهرة لا بالنسب3.
لم يقتصر صالح بن يحيى في ترجمته للأمراء البحتريِّين التنوخيين على ذكر النواحي السياسية والعسكرية والجهادية، بل إنه تطرَّق أيضاً إلى إلمامهم بالصناعة والحِرف على مختلف وجوهها المعروفة آنذاك كصناعة الأسلحة والحليّ، وإلمامهم بفنِّ الكتابة وتعلّمهم قواعد الخط الجميل، وتوصَّل أحدهم الأمير عزّ الدين جواد بن علم الدين سليمان الرمطوني إلى كتابة آية الكرسي على حبّة الأرز، وفعل ذلك مراراً وتكراراً حتى في اليوم الواحد. وقد ذكر صالح بن يحيى أنه كان للأمراء من أسرته اهتمام بالتجارة، ولبعضهم حوانيت في أسواق بيروت وأن هؤلاء الأمراء اهتمُّوا بالعمران فأنشأوا الأبنية في قاعدتهم عبيه، ومنهم الأمير ناصر الدين الحسين الذي أنشأ العليات، وجرَّ المياه بقناة الى الحمّام الذي أنشأه.
وتطرَّق صالح بن يحيى إلى النواحي الأدبيّة، فذكر الشعراء من التنوخيين، وأورد ما نظموه من قصائد كما ذكر ما قاله الشعراء في مدح التنوخيين، وهو في ذكره لصفات الأمراء ومناقبهم تكلَّم عن تقوى العديدين منهم وحِفظِهم للكتاب وانصرافهم إلى العبادة، مما يوحي أن بينهم كبار شيوخ الدين من الموحِّدين الدروز إضافة إلى كبار الرؤساء السياسيِّين4.

الإمارة البحتريّة التنوخيّة
ذكر السجلّ الأرسلاني ثلاث إمارات منذريّة لخميّة هي الإمارة الأرسلانيّة، وإمارة بني فوارس بأمير واحد، وإمارة آل عبد الله بأمير واحد أيضاً خلفه أمير أرسلانيّ انتهت به الإمارة الأرسلانيَّة. أمَّا الإمارة البحتريَّة التنوخيّة التي خلفت الإمارة الأرسلانيَّة، فقد توسَّع صالح بن يحيى في الحديث عنها وعن الأمراء البحتريِّين، وقد سميت بهذا الاسم نسبةً إلى مؤسِّسها الأمير بحتر المتحدِّر من الأمير تنوخ، وهي تُدعَى اختصاراً الإمارة التنوخيَّة

قبر-شمون-في-منطقة-الغرب
قبر-شمون-في-منطقة-الغرب

.بدأت الإمارة البحتريّة التنوخيَّة مع الأمير بحتر سنة 1137م، وتوطَّدَت دعائمها مع ابنه الأمير كرامة الذي أتاه مرسومان من الملك العادل نور الدين محمود زنكي، الأول بتاريخ 14 ربيع الأوّل سنة 552هـ (26 نيسان سنة 1157م)، وهو يخاطبه بالعبارات التالية: “مفيد الملك أمير الغرب”، ويسمِّيه “مملوكنا وصاحبنا” ويقول: “مَن أطاعه فقد أطاعنا، ومَن عاوَنه في جهاد الكفّار [الفرنجة] فقد عمل برضانا وكان مشكوراً منَّا. ومن خالفه في هذا الأمر وعصاه فقد خالف أمرنا واستحقَّ المقابلة والسياسة على العصيان”5. والمرسوم الثاني بتاريخ 17 رجب سنة 556هـ (12 تموز سنة 1161م)، وهو يقطعه إضافة إلى قرى “الغرب” القنيطرة في سورية اليوم وضهر الأحمر من وادي التيم، وثعلبايا من البقاع، وبرجا وبعاصر من صيدا، والمعاصر الفوقا من الشوف، والدامور من ساحل “الغرب”، وشارون ومجدل بعنا من الجرد6.
إن هذين المرسومَين سَمَّيا الأمير كرامة “أمير الغرب” وسيُسمَّى أبناؤه وأحفاده الذين تعاقبوا على الأمرية الكبرى “أمراء الغرب”. وكما أُقطِع هو قرى خارج الغرب سيُقطع بعضهم كذلك مثله، وقد أظهر صالح بن يحيى، وبكثير من التفصيل، علاقات هذه الإمارة مع الدولة الإسلاميَّة الحاكمة لبلاد الشام، أو التي كانت تدير شؤون هذه البلاد من القاهرة عبر ولاتها في بلاد الشام، وهي كسائر علاقات حكام الأطراف مع المركز.
تَوارَث الأمراء البحتريون إمارة الغرب بحسب ما يذكر صالح بن يحيى، واستغلُّوا ما لهم من حقوق في هذه الإمارة، وحين عدّل المماليك النظام الإقطاعي، وأحدثوا جند الحلقة، دخل الأمراء البحتريون التنوخيون فيه، وحافظوا على إقطاعهم مقابل تقديم أعداد محدَّدة من الرّجال لِتولِّي درك بيروت وطريق الساحل.
واجه البحتريون التنوخيون صعوبات عدة للحفاظ على إمارتهم، ومرُّوا بأزمات استطاعوا أن يتخطَّوها بحسن السياسة، وبالتضحيات الجسيمة، وخصوصاً في مواجهة الفرنجة، وهذا موجز للأزمات بحسب تسلسلها الزمني.
في سنة 1255م انتصر البحتريون التنوخيون في عيتات على حملة أيُّوبيّة مرسلة لإخضاعهم. وفي سنة 1260م تداولت أربع قوى حكم بلاد الشام، هي الأيّوبيون بقيادة الملك الناصر يوسف، والمماليك البحرية بقيادة السلطان قطز، وكانوا قد أسَّسوا دولتهم في مصر سنة 1250م، والمماليك البحرية بقيادة السلطان بيبرس، والتتار (المغول) الذين وصلوا إلى دمشق بقيادة هولاكو واحتلُّوها، ثم عاد منها هولاكو تاركاً الحكم إلى أحد كبار قادته كتبغا. وانعكس

صراع هذه القوى على التنوخيين الذين كان عليهم أن يحفظوا إمارتهم خلاله، ويذكر صالح بن يحيى أن الأمير زين الدين صالح بن علي بن بحتر اتفق مع ابن عمّه الأمير جمال الدين حجى بن محمد بن حجى، خلال الصراع بين المغول والمماليك، على اتخاذ موقف مزدوج بين الملك قطز صاحب مصر وبين قائد المغول كتبغا، وذلك بأن يكون جمال الدين حجى مع معسكر المغول، وأن يكون زين الدين مع المعسكر المصري الزاحف إلى قتال المغول والذي سيشتبك معه وينتصر عليه في معركة عين جالوت “ليكون أي من انتصر من الفريقين كان أحدهما معه فيسدّ خلة رفيقه وخلّة البلاد قصداً بذلك إصلاح الحال”7.
وفي سنة 1278م توجَّهَت حملة مملوكيّة إلى “الغرب” للانتقام من قتلة قطب الدين السعدي الذي أقطعه المماليك قرية كفرعميه، ولإخضاع “الغرب” لإشراف المماليك المباشر وقد أنزلت هذه الحملة، التي اشترك فيها العساكر والعشران من ولاية بعلبك والبقاع البعلبكي والبقاع العزيزي وصيدا وبيروت، ما لم تنزله أية غزوة أخرى في الغرب”8.
وفي سنة 1305م اشترك التنوخيون بالحملة المملوكيَّة المرسلة لإخضاع كسروان، وخاضوا المواقع ضد الكسروانيِّين، وقُتل منهم في إحداها، التي جرت بالقرب من نابيه في 28 تموز، أميران و23 نفرًا، وما كان بمقدورهم ألاَّ يشتركوا في هذه الحملة كي لا يستهدفهم المماليك بغزوة أخرى.
وبعد سنة 1305م ولَّى المماليك الأمراء التركمان على كسروان، وصار هؤلاء مشتركين مع التنوخيين في الدفاع عن بيروت والساحل، لكنهم غزَوا “الغرب” إبَّان غياب أمرائه التنوخيين عنه لمساعدة السلطان برقوق على إخماد الحركة المنطاشية التي قامت ضدّه، فهدم التركمان العديد من قرى “الغرب” ونكبوه بمثل ما نكبه به المماليك والفرنجة.

المشاركة في الجهاد الإسلامي
بدأ صالح بن يحيى حديثه عن أخبار السلف من أسرته بالافتخار بهم، فقال: “مناقبهم موصوفة ومآثرهم معروفة كما قيل آثارهم تُنبيك عن أخبارهم حتى كأنك بالعيان تراهم. تالله لا يأتي الزمان بمثلهم ولا يحمي الثغور سواهم”. ولم يكن مبالِغاً في كلامه لأن هناك الأدلة العديدة التي تثبت ذلك والتي أعطى بعضها.
ارتبط نشوء واستمرار الإمارة البحترية التنوخية بالجهاد ضدّ الفرنجة تحت لواء الأتابكة والأيوبيين والمماليك كما ارتبط من قبل نشوء واستمرار الإمارة الأرسلانية بالجهاد ضد الروم البيزنطيين تحت لواء الخلافة العباسية.
بعد أن ولَّى الملك العادل نور الدين كرامة بن بحتر على “الغرب” أبدى كرامة الاستعداد للخدمة والجهاد تحت لوائه، وانتقل إلى حصن سرحمور (سرحمول) ليتحصَّن فيه ضد هجمات فرنجة سنيوريتَيْ بيروت وصيدا، وليواصل الجهاد ضدهم. لكن سنيور بيروت اندرونيكوس كومنينوس دبَّر مكيدة له بأن دعا أبناءه الثلاثة إلى عرس ابنه في بيروت، وحين حضروا غدر بهم، وهاجم في اليوم التالي حصن سرحمور بغتة. ويذكر صالح بن يحيى أن ذلك جرى في أواخر دولة الملك العادل، أي في حدود سنة 1173م التي توفي فيها وقد هدم الفرنجة الحصن وأحرقوا القرى وأسروا من تخلّف عن الهرب9. وأشار إلى هذه الحادثة مؤرِّخ كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” كما وردت الإشارة. وأيضاً، كما أشار صالح بن يحيى، إلى مكافأة السلطان صلاح الدين لابن كرامة الرابع الذي نجا من المكيدة.
عهد المماليك إلى الأمراء التنوخيين درك بيروت والساحل، ولصعوبة هذه المهمَّة تعبوا من الركوب ليلاً ونهاراً كما يذكر صالح بن يحيى، وذلك لقلة عددهم قياساً الى الأمراء التركمان الكثيري العدد الذين شاركوهم هذه المهمة، ثم عرضوا أنفسهم ليكونوا البدائل عنهم.
ومن فصول الجهاد التنوخي اشتراك صالح بن يحيى نفسه مع مائة رجل في غزوة قبرص الأولى سنة 1425م، وقد ذكر ذلك تحت عنوان “لمع من فتوح قبرص” وهو لم يشترك في غزوة قبرص الثانية سنة 1426م، لكنه وصفها وصفاً دقيقاً وأسهب في وصف الاحتفال الذي جرى في القاهرة عندما جيء بملك قبرص أسيراً وسار في شوارع القاهرة وسط مظاهر الخضوع والإهانة، فيما كان المسلمون يحتفلون بالنصر وسط مظاهر الزينة.
ومما يذكره صالح بن يحيى هو أنه أثناء عودته من مصر عن طريق البقاع، حذر من أمير حاج، وحاد عن طريق البقاع إلى صغبين الواقعة في اللحف الشرقي لجبل نيحا، وكان سبق لهذا الأمير أن نزل إلى بيروت وكبس من فيها، وقتل متولِّيها الأمير عزّ الدين صدقة البحتري التنوخي وجماعة من رجاله لكن أمير حاج لم يجرؤ على مهاجمة صالح بن يحيى في صغبين، لأنه حضر إلى هضابها “جماعة كثيرة من الشوف لملاقاته حتى خاف مَن بِصغبين من اجتماع الناس حولها”10.

لم يُسمِّ صالح بن يحيى أيًّا من أفراد جماعة الشوف الذين أنجدوه، ولا أية قرية من قراه، لكننا نرجِّح أن يكونوا، من القرى الواقعة في بداية اللحف الغربي لجبل نيحا، أي قرى مرستي وجباع ونيحا، وقد يكون معهم أيضًا أفراد من قرى المعاصر وبعذران والخريبة وهذا يدل على نصرة الدروز لبعضهم وتعاضدهم المتبادل، وخصوصًا أن مَن ينصرونه آنذاك هو أمير تنوخي.

تاريخ ابن سباط
ابن سباط وتاريخه
ابن سباط هو أحد أبناء أسرة “سباط” واسمها هذا تصحيف للفظة “شباط”، وأصلها من بلدة عيحا في وادي التيم. وابن سباط هو حمزة ابن الفقيه أحمد بن سباط بن عمر بن صالح بن سلطان بن أبي المواهب. لا يُعرف تاريخ ولادته وإنما من المرجَّح أنه من مواليد أواسط القرن الخامس عشر الميلادي ولا يُعرف بالضبط تاريخ وفاته وإن كان البعض يجعله في سنة 1523م، بعد توقّفه عن الكتابة في سنة1520.
كان أحمد معلِّماً وإماماً في جامع عبيه، ومن تلاميذ الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق). وقد عُرف بـــ “ابن سباط”، وبهذا عُرف أيضاً ابنه المؤرِّخ حمزة، كما عُرف حمزة أيضاً بالغربي نسبة إلى بلاد “الغرب” التي عاش فيها، وفي إحدى بلداتها عبيه. ولقّبه البعض بـ”العاليهي” نسبة إلى عاليه التي سكنها بعد سنة 1493، وكان سبق له أن أقام في عبيه وظل فيها حتى وفاة والدَيه سنة887هـ (1482م)، ولربما حتى وفاة آخر أخوته سنة 899هـ (1493م). انتقل إلى دمشق سنة 909ه(1503/1504م). ولا يُعرف مدى إقامته فيها.
عمل ابن سباط كاتباً عند الأمراء البحتريين التنوخيين، وكان موالياً لهم، وهذا ما جعله على صلة بهم، وعلى اطّلاع على ما كتبه المؤرِّخ صالح بن يحيى. مال إلى الأدب، ونظم الشعر لكنه لم يبرع فيه، وله في رثاء الأمير السيد (ق) ستّ مَراثٍ لتاثُّره بوفاته، كما له مَراثٍ في غيره من الأمراء التنوخيين وكان عنده ميل إلى الآثار وإلى الكتابة عن المواقع الجغرافية، فألَّف كتاباً اسمه “نزهة المشتاق في بعض جوانب المعمور من الآفاق”، فُقِد ولم يبق منه سوى بضع صفحات. أمَّا ميله الرئيس، فكان إلى التاريخ، وقد كتب فيه مؤلَّفَه الذي سمَّاه “صدق الأخبار” لكنه اشتهر باسمه “تاريخ ابن سباط”.
أول من اعتمد على تاريخ ابن سباط، وهو مخطوط، البطريرك اسطفان الدويهي (1630-1704) في كتابه “تاريخ الأزمنة”، فالأمير حيدر الشهابي، المتوفَّى سنة 1835، في كتابه “الغرر الحسان في تواريخ حوادث الزمان”، فالشيخ طنّوس الشدياق، المتوفَّى سنة 1861، في كتابه “أخبار الأعيان في جبل لبنان”. فُقِدت النسخة الأصلية من المخطوط وبقيت بضع نسخ منقولة عنه، هي نسخة الشيخ نادر بن نوفل الخازن المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، ونسخة مصوّرة ونسخة أخرى خطّيّة في مكتبة الجامعة الأميركية ببيروت، ونسخة في دار الكتب الوطنية ببيروت، ونسختان في مكتبة الفاتيكان، ونسخة كتبها الشيخ ناصيف اليازجي موجودة في كلية اللاهوت للشرق الأدنى ببيروت.
ضاع المخطوط الأصلي، وما جرى نسخه هو جزء منه، وما فُقد يتعلَّق بتاريخ تنوخ ولخم، وتاريخ العهود التي سبقت العهدين: الزنكي والأيُّوبي، وهو الأبواب الستّة الأُولى وبعض الباب السابع، فيما بقي جزء من الباب السابع والأبواب الأربعة الأخرى التي تنتهي بالباب الحادي عشر، وهذا يعني أن ما فُقِد هو أكثر مما وُجد.
حقَّقت الدكتورة نائلة تقي الدين قائد بيه الباب العاشر والباب الحادي عشر، وصدر في سنة 1989 بعنوان “تاريخ الدروز في آخر عهد المماليك” على اعتبار أن ما حقَّقَته يتعلَّق بأواخر العهد المملوكي وبداية العهد العثماني، ثم حقَّق الدكتور عمر عبد السلام تدمري كل المخطوط، بعنوان “صدق الأخبار. تاريخ ابن سباط”، وصدر في جزءَين في سنة 1993.
اعتمد ابن سباط على مجموعة من المصادر الإسلامية، ذكرها وذكر مؤلِّفيها. ومن المرجَّح أن يكون معظمها موجوداً في مكتبته وفي مكتبات الأمراء البحتريين التنوخيين. ولرُبَّما اعتمد على المصادر الموجودة في مكتبات دمشق عند ذهابه إليها. لم ينقل حرفيّاً عن المصادر، باستثناء الضروري منها، مثل نقله عن صالح بن يحيى في كتابته عن البحتريين التنوخيين. ولم يتوسَّع إلا عند الضرورة وكان أسلوبه في الاجتزاء وعدم الإطالة بدافع الاقتصار على الفكرة والمغزى، وقد أوضح ذلك بقوله عند الاستشهاد بأحد المصادر ما يلي:
“اقتصرنا على ذكر شرحه خوف الإطالة لأنّ الغرض في هذا الكتاب الاختصار…وأن نذكر من كل شيء جزءاً يفهم اللبيب الحادق، والعلم بالبعض خير من الجهل بالكل”11.
وهو لم يذكر في تاريخه مراثِيه الستّ في الأمير السيد عبد الله (ق) خوف الإطالة بحسبما ذكر.

التاريخ العامّ
أرَّخ ابن سباط للأمم والخلفاء والسلاطين والملوك، وتكلَّم عن مجريات الأمور في دول العالم الإسلامي، وبين هذه الدُّول

المطران القلاعي كتب تاريخه زجلا ويعتبره الكثيرون بمثابة أحد رواد الزجل اللبناني
المطران القلاعي كتب تاريخه زجلا ويعتبره الكثيرون بمثابة أحد رواد الزجل اللبناني

والفرنجة. واعتمد أسلوب الحوليَّات، أي كتابة ما يجري في كل سنة هجرية، بادئاً بسنة 526هـ (1131/1132م)، وبذكر أول حوادثها، وهو الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، منتهياً بسنة 926هـ (1520م)، وذكر انقراض دولة المماليك. وبهذا تناول بعض ما جرى في فترة انتقال بلاد الشام من سلطة المماليك إلى سلطة العثمانيين، وقد بلغ مجموع سنوات المرحلة التي أرَّخ لها 388 سنة ميلادية، لكن حوليّاته لم تكن متعاقبة.
في حديثه عن مجريات التاريخ العام، يتناول ابن سباط ما جرى في المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدروز) وما جرى مع الفئات المجاورة لهم. ففي حديثه، مثلاً، عن الحملات المملوكية الثلاث على كسروان بين سنتَي 1292و1305م، يذكر مشاركة الأمراء التنوخيِّين فيها، معتمداً على معرفته بتاريخ هؤلاء وعلى ما نقله عن صالح بن يحيى، لكنه لا يكتفي بما جاء عند صالح بن يحيى بل إنه يضيف إليه ما ورد عند المؤرِّخين عن هذه الحملات، وينفرد عن سائر المؤرِّخين فيذكر أن العسكر المملوكي أحرق 4 قرى في بلاد الجرد هي عين صوفر وشمليخ وعين زونيه (العزّونيّه) وبحطوش وغيرها من بلاد الجرد.
وفي حديثه عن فتح قلعة الشقيف يتوسَّع ابن سباط في ذلك، فيصف كيفية فتح الملك الظاهر بيبرس لها، ثم يصفها وصف شاهد عيان، إذ إنه كان يتنقل في ربوع الشوف، وقد وصل إلى هذه القلعة التي يميز بينها وبين قلعة شقيف أرنون في جنوب لبنان، فيسمِّيها قلعة شقيف تيرون “الواقعة في بلاد جزِّين” والمجاورة لقرية نيحا، ولها عين كانت جارية إليها من أعلى الجبل، وهو لم يذكر ذلك نقلاً عن الكتب وإنما بناءً على مشاهداته، التي تظهر ميله إلى الجغرافيا الموازي لميله إلى التاريخ. فالقلعة بيوت مبنيّة وسط صخر شاهق، لا يمكن الوصول إليها من فوق ولا التسلُّق إليها من تحت. ومما قاله فيها ما يلي:
“ولما ملكها الظاهر بيبرس بنى لها برجاً –كما ذكرنا- على الباب، والباب في الصخر ليس بالبرج. وركن البرج قريب الباب، وعلى البرج صورة سبعَيْن مُتقابِلَيْن زنك [شعار] الملك الظاهر وهي بين صيدا ودمشق. وتحت القلعة المذكورة مروج، وبها أثر عماير عظيمة وأقبية وأعمدة عظيمة جدًّا بين نهرَي جزِّين وصيدا، بمكان يقال له مرج بسراء”12.
والمقصود عند ابن سباط بمرج بسراء: مرج بسري، والمقصود بالعماير والأقبية فيه الهيكل الروماني الذي لم يبقَ ظاهراً منه إلى اليوم سوى أربعة أعمدة.
لا يخفي ابن سباط ميوله أحياناً، فقد أبدى، مثلاً تعاطفه مع ابن بشاره حاكم بلاد بشاره في الجنوب اللبناني، وذلك عند وصفه لتصدِّي هذا الحاكم لابن الحنش أمير البقاع، كما إنه تكلَّم عن الملك العادل نور الدين محمود زنكي في أربع صفحات. وامتدحه وذكر ما كتبه عنه المؤرِّخ شمس الدين الجزري القرشي في “تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفَيات الأكابر والأعيان من أبنائه” وميله إلى الملك العادل مشابه لميل مؤلِّف كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” الذي أشرنا إليه، وهو لم يأت من صلاح هذا الملك فقط، بل أتى أيضاً من علاقته الحسنة مع الأمراء البحتريين التنوخيين، وإقراره لكرامة بن بحتر على إقطاعه وزيادته، وميل كرامة له بالمقابل، ووقوفه معه في صراعه ضد الفرنجة.

تاريخ التنوخيين
بدأ ابن سباط الحديث عن التنوخيين في معرض الحوادث التي جرت في سنة 542هـ (سنة 1147م)، مشيراً إلى أنه تكلَّم عنهم في الجزء الأول ذاكراً آل تنوخ ولخم وتحالفهما13، وقد وردت الإشارة إلى أن هذا الجزء فُقِد مع غيره من الأجزاء أو الفصول ولو لم يُفقد لكان ابن سباط أضاء على تاريخ التنوخيين غير اللبنانيين وعلاقتهم بالمناذرة اللخميين ملوك الحيرة، ولكان، في رأينا، أوضح العديد من الإشكاليّات التاريخية حولهما، لأنه أشار إلى تكلُّمه في الجزء المفقود عن جذيمة الأبرش ملك الحيرة14.
نقل ابن سباط ما كتبه صالح بن يحيى عن التنوخيين وأورد ذلك في 29 حاشية في معرض حديثه عن الحوادث وأُولِي الأمر، التي جرت في السنوات التي أرَّخ لها. وكان أوضحَ من صالح بن يحيى في تنسيب آل علم الدين – وهم من آل عبد الله- إلى التنوخيين، إذ قال إنهم صاروا مع التنوخيين واحداً بالزواج، أي بالتصاهر المتبادل في ما بينهم ولا حاجة لذكر ما كتبه ابن سباط عن التنوخيين لأننا تكلَّمنا عن ذلك في معرض الحديث عن صالح بن يحيى، وإنما لا بد من القول إن صالح بن يحيى لم يكتب عن الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق) المعاصر له، لكن ابن سباط استفاض في الحديث عنه، فبلغ مجموع الصفحات التي تناوله فيها أكثر من 22 صفحة، أخذها عن كاتب سيرته، الشيخ سليمان بن حسين بن نصر. وقد تحدَّث عن نشأته ونسبه وصفاته، وانشغاله بالعلم، وحفظه للكتاب العزيز، واهتمامه بعمارة المساجد، وتشدّده في تطبيق مفاهيم المعتقد، وتعليمه للتلامذة المقبلين على الاستفادة منه، وأحكامه ونواهيه وامتثال الناس لها، وعنايته بأخبار الزّهّاد، ووفاته ومأتمه.
أرَّخ ابن سباط للأمراء البحتريِّين التنوخيين الذين عاشوا في زمنه، وتحديداً بعد سنة 1453 التي توقَّف فيها صالح بن يحيى عن الكتابة، وذكر وفَيات معظمهم، وهم: زين الدين عمر، وسيف الدين يحيى بن عثمان، وعلم الدين سليمان بن أحمد، وبدر الدين حسين، وسيف الدين زنكي بن صدقة بن عيسى، وسيف الدين عبد الخالق ووالده الأمير السيد عبد الله (ق) الذي سبق الحديث عنه، وصالح بن يحيى (المؤرِّخ) لكنه لم يذكر وفاته، وشرف الدين  والفرنجة. واعتمد أسلوب الحوليَّات، أي كتابة ما يجري في كل سنة هجرية، بادئاً بسنة 526هـ (1131/1132م)، وبذكر أول حوادثها، وهو الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر، منتهياً بسنة 926هـ (1520م)، وذكر انقراض دولة المماليك. وبهذا تناول بعض ما جرى في فترة انتقال بلاد الشام من سلطة المماليك إلى سلطة العثمانيين، وقد بلغ مجموع سنوات المرحلة التي أرَّخ لها 388 سنة ميلادية، لكن حوليّاته لم تكن متعاقبة.
في حديثه عن مجريات التاريخ العام، يتناول ابن سباط ما جرى في المناطق المأهولة بالموحِّدين (الدروز) وما جرى مع الفئات المجاورة لهم. ففي حديثه، مثلاً، عن الحملات المملوكية الثلاث على كسروان بين سنتَي 1292و1305م، يذكر مشاركة الأمراء التنوخيِّين فيها، معتمداً على معرفته بتاريخ هؤلاء وعلى ما نقله عن صالح بن يحيى، لكنه لا يكتفي بما جاء عند صالح بن يحيى بل إنه يضيف إليه ما ورد عند المؤرِّخين عن هذه الحملات، وينفرد عن سائر المؤرِّخين فيذكر أن العسكر المملوكي أحرق 4 قرى في بلاد الجرد هي عين صوفر وشمليخ وعين زونيه (العزّونيّه) وبحطوش وغيرها من بلاد الجرد.
وفي حديثه عن فتح قلعة الشقيف يتوسَّع ابن سباط في ذلك، فيصف كيفية فتح الملك الظاهر بيبرس لها، ثم يصفها وصف شاهد عيان، إذ إنه كان يتنقل في ربوع الشوف، وقد وصل إلى هذه القلعة التي يميز بينها وبين قلعة شقيف أرنون في جنوب لبنان، فيسمِّيها قلعة شقيف تيرون “الواقعة في بلاد جزِّين” والمجاورة لقرية نيحا، ولها عين كانت جارية إليها من أعلى الجبل، وهو لم يذكر ذلك نقلاً عن الكتب وإنما بناءً على مشاهداته، التي تظهر ميله إلى الجغرافيا الموازي لميله إلى التاريخ. فالقلعة بيوت مبنيّة وسط صخر شاهق، لا يمكن الوصول إليها من فوق ولا التسلُّق إليها من تحت. ومما قاله فيها ما يلي:
“ولما ملكها الظاهر بيبرس بنى لها برجاً –كما ذكرنا- على الباب، والباب في الصخر ليس بالبرج. وركن البرج قريب الباب، وعلى البرج صورة سبعَيْن مُتقابِلَيْن زنك [شعار] الملك الظاهر وهي بين صيدا ودمشق. وتحت القلعة المذكورة مروج، وبها أثر عماير عظيمة وأقبية وأعمدة عظيمة جدًّا بين نهرَي جزِّين وصيدا، بمكان يقال له مرج بسراء”12.
والمقصود عند ابن سباط بمرج بسراء: مرج بسري، والمقصود بالعماير والأقبية فيه الهيكل الروماني الذي لم يبقَ ظاهراً منه إلى اليوم سوى أربعة أعمدة.
لا يخفي ابن سباط ميوله أحياناً، فقد أبدى، مثلاً تعاطفه مع ابن بشاره حاكم بلاد بشاره في الجنوب اللبناني، وذلك عند وصفه لتصدِّي هذا الحاكم لابن الحنش أمير البقاع، كما إنه تكلَّم عن الملك العادل نور الدين محمود زنكي في أربع صفحات. وامتدحه وذكر ما كتبه عنه المؤرِّخ شمس الدين الجزري القرشي في “تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفَيات الأكابر والأعيان من أبنائه” وميله إلى الملك العادل مشابه لميل مؤلِّف كتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب” الذي أشرنا إليه، وهو لم يأت من صلاح هذا الملك فقط، بل أتى أيضاً من علاقته الحسنة مع الأمراء البحتريين التنوخيين، وإقراره لكرامة بن بحتر على إقطاعه وزيادته، وميل كرامة له بالمقابل، ووقوفه معه في صراعه ضد الفرنجة.

تاريخ التنوخيين
بدأ ابن سباط الحديث عن التنوخيين في معرض الحوادث التي جرت في سنة 542هـ (سنة 1147م)، مشيراً إلى أنه تكلَّم عنهم في الجزء الأول ذاكراً آل تنوخ ولخم وتحالفهما13، وقد وردت الإشارة إلى أن هذا الجزء فُقِد مع غيره من الأجزاء أو الفصول ولو لم يُفقد لكان ابن سباط أضاء على تاريخ التنوخيين غير اللبنانيين وعلاقتهم بالمناذرة اللخميين ملوك الحيرة، ولكان، في رأينا، أوضح العديد من الإشكاليّات التاريخية حولهما، لأنه أشار إلى تكلُّمه في الجزء المفقود عن جذيمة الأبرش ملك الحيرة14.
نقل ابن سباط ما كتبه صالح بن يحيى عن التنوخيين وأورد ذلك في 29 حاشية في معرض حديثه عن الحوادث وأُولِي الأمر، التي جرت في السنوات التي أرَّخ لها. وكان أوضحَ من صالح بن يحيى في تنسيب آل علم الدين – وهم من آل عبد الله- إلى التنوخيين، إذ قال إنهم صاروا مع التنوخيين واحداً بالزواج، أي بالتصاهر المتبادل في ما بينهم ولا حاجة لذكر ما كتبه ابن سباط عن التنوخيين لأننا تكلَّمنا عن ذلك في معرض الحديث عن صالح بن يحيى، وإنما لا بد من القول إن صالح بن يحيى لم يكتب عن الأمير السيد عبد الله التنوخي (ق) المعاصر له، لكن ابن سباط استفاض في الحديث عنه، فبلغ مجموع الصفحات التي تناوله فيها أكثر من 22 صفحة، أخذها عن كاتب سيرته، الشيخ سليمان بن حسين بن نصر. وقد تحدَّث عن نشأته ونسبه وصفاته، وانشغاله بالعلم، وحفظه للكتاب العزيز، واهتمامه بعمارة المساجد، وتشدّده في تطبيق مفاهيم المعتقد، وتعليمه للتلامذة المقبلين على الاستفادة منه، وأحكامه ونواهيه وامتثال الناس لها، وعنايته بأخبار الزّهّاد، ووفاته ومأتمه.
أرَّخ ابن سباط للأمراء البحتريِّين التنوخيين الذين عاشوا في زمنه، وتحديداً بعد سنة 1453 التي توقَّف فيها صالح بن يحيى عن الكتابة، وذكر وفَيات معظمهم، وهم: زين الدين عمر، وسيف الدين يحيى بن عثمان، وعلم الدين سليمان بن أحمد، وبدر الدين حسين، وسيف الدين زنكي بن صدقة بن عيسى، وسيف الدين عبد الخالق ووالده الأمير السيد عبد الله (ق) الذي سبق الحديث عنه، وصالح بن يحيى (المؤرِّخ) لكنه لم يذكر وفاته، وشرف الدين تاريخ أواخر العهد المملوكي
وبداية العهد العثماني
تناول ابن سباط هذه المرحلة وتكلَّم عن سلاطين المماليك بدءاً بـ”الملك الظاهر جقمق” وانتهاء بـ”الملك طومان باي” الذي هو التاسع والأربعون من سلاطين المماليك بالديار المصرية. وتكلَّم عن السلطان سليم العثماني الذي انتصر على السلطان قانصوه الغوري المملوكي في معركة مرج دابق سنة 1516، وملك الديار الشاميّة والديار المصرية، كما تكلَّم عن خير بك أمير الديار المصرية وجان بردي الغزالي أمير الديار الشاميّة، وما قاما به في هذه المرحلة الانتقالية.
وتوسَّع ابن سباط، خلال تناوله هذه المرحلة، في الحديث عن الأمير شرف الدين يحيى ابن الأمير سيف الدين أبو بكر التنوخي، فذكر إقدامه أمام “الملك الأشرف قانصوه الغوري” بقلعة الجبل بمصر، وحضوره على “الملك المظفَّر سليم شاه”، كما ذكر ما يُستشفّ منه استمرار موالاة التنوخيين للمماليك، وذلك حين قبض جان بردي الغزالي على الأمير المذكور بعد إخماده “عصيان الأمير ناصر الدين محمد بن الحنش صاحب صيدا والبقاعين على الملك المظفّر سليم شاه”، وقبض أيضاً على الأمير زين الدين والأمير قرقماس والأمير علم الدين سليمان أولاد معن ووضعهم في السجن، ثم أطلق سراحهم بعد مقتل الأمير ناصر الدين بن الحنش. وذكر ابن سباط أيضاً تقرب الأمير شرف الدين يحيى التنوخي، بعد إطلاق سراحه، من جان بردي الغزالي الذي كتب له المناشير على جهات إقطاعه السابقة، كما ذكر سوء الأوضاع الاقتصادية الحاصلة في البلاد عموماً وفي مناطق التنوخيين تحديداً، جرَّاء الفتن والحوادث المذكورة.
وأرَّخ ابن سباط لبعض أعيان الموحِّدين (الدروز) من غير التنوخيين، وذكر بعض الظاهرات البشرية الغريبة، والفتن، والغلاء، والسيول والفيضانات في بلاد الشام. وقد ساعده على ذلك كتابته بأسلوب الحوليات. وأبرز ما ذكره الفناء العظيم الذي حصل في سنة 897هـ (سنة 1487/1488م) والوباء في بيروت سنة 904هـ (سنة 1498م)، وعمارة جسر الدامور سنة 863هـ (سنة 1459م) وحصول الفيضانات والسيول في بلاد الشام سنة 909هـ (سنة 1503م) وفيضان نهري الصفا والكلب في هذه السنة، والفتنة بين أهل صحنايا والأشرفية وبين أهل داريّا، والفتنة في قرية بتاتر.
وأبرز ما ذكره ابن سباط عن الأعيان ووفَيَاتهم هو مقتل علم الدين الصوَّاف ووفاة ابنه، ووفاة شيخ المختارة وقاضيها، ووفاة شيخ جديدة الشوف وابنه، والقبض على الأمير فخر الدين عثمان المعني وموته، ووفاة شيخين من كفرا (الغرب)، ووفاة الأمير يونس المعني.

الدكتور كمال الصليبي ساهم مع فريق مؤرخين بإصدار نسخة عن تاريخ بيروت بتاريخ 1967 صححت العديد من الأخطاء التي تضمنها كتاب الأب
الدكتور كمال الصليبي ساهم مع فريق مؤرخين بإصدار نسخة عن تاريخ بيروت بتاريخ 1967 صححت العديد من الأخطاء التي تضمنها كتاب الأب

زجليَّات ابن القلاعي
ابن القلاعي وبيئته
إن ابن القلاعي هو جبرائيل بن بطرس اللحفدي الماروني. وُلد في قرية لحفد من بلاد جبيل في حدود سنة 1447م، ولُقِّب بابن القلاعي لأنه كان لوالديه بيت مبنيّ بين القلاع في مزرعة من أرض لحفد اسمها “غوريا”. انضمَّ سنة 1470 إلى الرهبان الفرنسيسكان العاملين في الشرق (بيروت والقدس) باسم “أخويَّة الأرض المقدسة”، وكان أحد ثلاثة شبّان أُرسلوا سنة 1471 من القدس إلى مدرسة الرهبان الفرنسيسكان في روما للتعلُّم فيها، وعاش، بعد تلقِّيهِ العلوم، في الأديرة التابعة لهم، وعاد إلى لبنان سنة 1492 حيث عمل لمدة في خدمة البطريرك الماروني كمستشار له، ثم عُيِّن أسقفاً (مطراناً) في نيقوسيا على أبرشية قبرص المارونية، وظل هناك إلى أن توفِّي سنة 1516. وكان بعض الموارنة قد لجأوا إلى جزيرة قبرص القريبة من لبنان “مفضِّلين اللحاق بالفرنجة المنهزمين، رابطين مصيرهم بهم”15وتكاثروا فيها، وبنَوا القرى والأديرة.
عاش ابن القلاعي في زمن أولَتْ فيه البابويّة اهتماماً بالموارنة، بعد عقدها مجمع فلورنسا سنة 1438م، وإخفاقها في تقريب الكنيسة البيزنطية إليها، إذ أعطى البابا تعليمات خاصة لرعاية الكنيسة المارونية، وصار غريفون أحد رهبان “أخوية الأرض المقدسة” مستشاراً مقيماً لدى البطريرك الماروني من سنة 1450 إلى سنة 1475، وهو الذي أرسل ابن القلاعي والشابَّين المارونيَّين الآخرَين إلى روما.
بلغ اهتمام البابويّة بالموارنة حدَّا كبيراً ففي سنة 1456 تلقَّى البطريرك الماروني بياناً من البابا يخاطبه فيه – ولأول مرة في تاريخ البطريركية المارونية- بلقب “بطريرك أنطاكية” وهو لقب كان محصوراً برؤساء الكنيسة الملكية في أنطاكية. وفي سنة 1510 استهلّ البابا ليون العاشر كلامه للبطريرك الماروني بطرس الحدثي بشكر العناية الإلهية لأنها شاءت أن تستمرّ في رعاية الشعب الماروني في أحلك الظروف “وهو المزروع بين أهل الكفر والانشقاق والبدع كما في حقل من الأخطاء” فتحفظه متألِّقاً في بيئته “كالسوسنة بين الشوك”16، فكان هذا اعترافاً من البابويّة بشرعيّة البطريرك الماروني كبطريرك على كرسي أنطاكية وسائر المشرق، كما كان تكريساً جديداً لالتحاق هذه البطريركية بالكرسي البابوي، على أساس الإيمان بالطبيعتين والمشيئتين للسيد المسيح.
إن توجُّه البابويّة نحو الموارنة وسعيها لاحتضانهم، قابلهما الموارنة بتوطيد علاقتهم بها، وبمزيد من التأكيد على تبعيتهم لها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن القلاعي المرسل للتعلُّم في روما بهذه الأجواء، فيؤكد في أدبيّاته (زجليّاته) على قِدَم علاقة الموارنة بالكرسي البابوي في روما، وعلى أن الموارنة ليسوا من أصحاب الطبيعة الواحدة للمسيح، وهم بخلاف ما اتَّهَمهم به أساتذته وزملاؤه، ليسوا من أصحاب المشيئة الواحدة. وقد أظهر تميُّز الموارنة عن سائر مسيحيِّي الشرق وخصوصيّتهم، كما إنه أظهرهُم في أدبياته التاريخية وكأنهم شعب الله المختار الذي يدافع عن عقيدته إزاء العقائد المسيحية المخالفة لها، وخصوصاً إزاء أفكار “الهرطقة اليعقوبية” القائلة بالطبيعة الواحدة، ويدافع أيضاً عن بلاده (جبل لبنان) ضد هجمات المسلمين.

كتاب-تاريخ-بيوت-كما-حققه-الأب-لويس-شيخو-اليسوعي-وقد-نشر-في-العام
كتاب-تاريخ-بيوت-كما-حققه-الأب-لويس-شيخو-اليسوعي-وقد-نشر-في-العام

زجليَّات ابن القلاعي التاريخية
تُعتبر زجليّات ابن القلاعي أُولى الزجليّات اللبنانية التي وصلت إلينا، وقد نظمها في مواضيع مختلفة، هي التاريخ والدين والعلوم والقصص وغير ذلك، وبلغ عدد المصنَّفات التي تركها 26 مصنَّفاً17، إلا أن ما يعنينا هنا هو الزجليَّات التاريخية المعروفة بأسماء عدة، أشهرها “مديحة على جبل لبنان”. أما الأسماء الأخرى، فهي حروب المقدّمين- مديحة كسروان- مؤلّف من كتاب التواريخ– على النصارى.
بلغ عدد نُسَخ مخطوطة “مديحة على جبل لبنان” ستّة، هي البورجاني العربي- الفاتيكاني السرياني- مخطوطة المكتبة الشرقية- مخطوطة دير مار ضومط (فيطرون)- مخطوطة البطريركية المارونية في بكركي- مخطوطة دير الكريم (غوسطا). وأول من نشر هذه المخطوطة هو المؤرِّخ بولس قرألي، وكان ذلك في المجلة البطريركية، ثم شرحها المؤرِّخ كمال سليمان الصليبي، ونشرها مؤخراً كاملةً بطرس الجميل.
إن “مديحة على جبل لبنان” منظومة كسائر زجليَّات ابن القلاعي بالشِّعر العامِّي، على وزن القرّادي”، عدد أبياتها الشعرية 590 بيتاً، وعدد رباعيّاتها 295 رباعيّة ليست فيها عناوين، ولا تسلسل واضح. بعض أبياتها، كما سائر الأبيات العامّيَّة، يتضمّن المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وقد اضطرّ ابن القلاعي من أجل توضيح مقاصده، استعمال عبارة “جبل لبنان” 16 مرَّة لذا لا يمكن شرحها، ولا يمكن الحديث عن كل المواضيع التي تتناولها، وعن جميع أمراء الموارنة (المقدّمين)، ومعاصريهم من الملوك والسلاطين، في مرحلة زمنية تمتد ستة قرون، وتتضمّن أحداثاً كثيرة، وإنما يمكن التحدّث عن أبرز المضامين والمحطّات والأفكار، وعن قصد ابن القلاعي منها وخلفيّته، مع الإشارة قبل الحديث عن ذلك إلى أنها أولى المحاولات لكتابة تاريخ الموارنة، تلَتْها بعد ما يقارب القرن ونصف القرن كتابة البطريرك اسطفان الدويهي لهذا التاريخ.

تاريخ الموارنة في جبل لبنان
بدأ ابن القلاعي زجليَّاته التاريخية في سنة 1494، وقال إنها كتبت عن ستمائة عام من تاريخ الموارنة في جبل لبنان، وبهذا يعيد وجودهم إلى حدود سنة 900م فيما هو في الحقيقة قبل ذلك، أي في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي. ويذكر ابن القلاعي أن سبب قدوم الموارنة إلى جبل لبنان هو تهجير المسلمين لهم من وادي العاصي، فيما الحقيقة أنهم انتقلوا منه على دفعتين، أولاهما في سنة 669م بسبب نزاعهم مع اليعاقبة وتغلُّب هؤلاء عليهم، وثانيتهما في سنة 685م جرَّاء اضطهاد الروم البيزنطيين لهم، كما وردت الإشارة إلى ذلك.
لم يستعمل ابن القلاعي لفظة “المردة” بل استعمل لفظة “الموارنة”، والموارنة عنده هم أتباع القديس مارون، وهم شعب الله، وجبل لبنان الذي أقاموا فيه هو “جبل الله” لأن الله “كان ساكناً معهم يحمي القرايا والمواطن”، وقد سكنوا في المنطقة الممتدة من الدريب (عكَّار) إلى بلاد الشوف، وكانت حدودها الجنوبية تصل إلى بيروت العتيقة (بيت مري) وإلى زرعون وترشيش، وتُجاور تبعاً لذلك المنطقة المسكونة بالموحِّدين (الدروز)، وكان عندهم العديد من القواعد، وعليهم البطريرك، والمطارنة الذين يبلغ عددهم 40 مطراناً، وعليهم – بحسب أقوال ابن القلاعي- “أمراء وحكَّام وملوك” وهم الذين عُرفوا بـ”المقدّمين” وقد لُقِّبت منطقة كسروان باسم أحدهم كسرى.
اتَّخذ الموارنة من جبل لبنان، في نظر ابن القلاعي موطناً خالصاً لهم، وملاذاً للمؤمنين بعقيدتهم، وعاشوا عصرهم الذهبي فيه يوم كان خالياً من المسلم والهرطقي، ومن اليهودي الذي إذا وُجد تكشف الغربان قبره بحسب تعبيره الذي يقول:
وهــرطيــــــــــــــــــــقي ليـــــــس يـــــــوجـــــــد فيـــــــه ولا مســـــــلم كـــــــــــــــان يـــــــــــوجـــــــد فيه
يهـــــــــــــــــــــــــــودي إن كــــــــان يوجــــــــــــــــــد فيـــــــه قبـــــــــــــــــــــــره تكشــــــــــــــــــــــــفه الغــــــربــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان18

أمَّا جيران الموارنة: (الدروز)، فبعضهم كتبة حروز، أي كتبة التعاويذ والطلسمانات، كما يصف ابن القلاعي أحدهم المسمَّى “جوكان الدرزي”:
ابــــــــــــــــن جوكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان الــــــــدرزي كــــــــــــــــــــــــاتب ســــــــــــــــاحر الحــــــــــــــــــــــــــــــــــــرزي19
ويذكر ابن القلاعي أن الموارنة استطاعوا بسيف الإيمان أن يحموا حدود جبل لبنان من المسلمين وأن يرموا الخوف والوسواس في نفوس الدروز، وقد أقاموا للدفاع عن بلادهم قلعة في أنطلياس سمَّوها “القلعة الحجرية”، وقلعة أخرى في بحرصاف التي جعلوها كرسياً للمطران، وهي واقعة بالقرب من بكفيا، وقلعة ثالثة عند نهر الكلب. ومن الأماكن التي أقاموا فيها يُسمِّي ابن القلاعي ما يقارب الخمسين قرية ومكاناً، هي اليوم مسكونةٌ بهم، بعد أن تركوا بعضها على أثر الحملات المملوكيّة على كسروان، ثم عادوا إليها، كما إن معظمها يشتمل على أديرة كبيرة.
إن اسم جبل لبنان قديم جدًّا يعود إلى أربعة آلاف سنة، ويشمل المنطقة الجبلية الممتدة من النهر الكبير شمالاً إلى نهر الليطاني جنوبًا وهو قسمان رئيسان: جبل لبنان الشمالي حيث نزل الموارنة، وجبل لبنان الجنوبي حيث نزل الموحِّدون (الدروز) وأعطَوه لتكاثرهم فيه اسمهم (جبل الدروز)، لكن جبل لبنان، بحسب ما يُستنتج من زجليَّات ابن القلاعي، يمتدّ من جهات بشرِّي شمالاً إلى نهر الجعماني (نهر بيروت) جنوبًا. وقد جانب بعض المؤرِّخين الحقيقة حين قالوا إن اسم “جبل لبنان” أُطلق على جهات بشرِّي والبترون وجبيل حيث أقام الموارنة بعد تركهم لكسروان، وإن هؤلاء حملوا معهم هذا الاسم إلى جبل لبنان الجنوبي بعد انتقالهم إليه في القرن السابع عشر.
إن تاريخ الموارنة في جبل لبنان حافل عند ابن القلاعي بالصراعات بين الموارنة والمسلمين، وبصراعات الموارنة الداخلية بين المتبعين منهم للإيمان الحقيقي، والمتأثِّرين بالأفكار الهرطقية، وكثيرًا ما تتقاطع الصراعات الأولى مع الثانية وحوادث هذا التاريخ ونتائجها مرتبطة بالإيمان وبعدمه.

حروب الموارنة
من الأسماء العديدة التي أُعطيَت لزجليَّات ابن القلاعي التاريخية اسم “حروب المقدّمين” لأن قادة الموارنة الزمنيِّين عُرفوا بـ”المقدّمين”، وقد وردت لفظة “المقدَّم” عند ابن القلاعي كلقب للحاكم الذي كان يقود جماعته في الحروب مع المسلمين ومع الدروز، إذ كان على كل قرية أو أكثر مقدّم، وقد استطاع معظم هؤلاء المقدّمين أن يحموا بلادهم – بحسب ما يذكر- من هذين الفريقين.
صاغ ابن القلاعي زجليَّاته بأسلوب ملحمي، وبعاطفة جيَّاشة آلَت به إلى المبالغة أحيانًا، كسائر شعراء الزَّجَل الذين تضجّ قصائدهم بقرقعة السيوف، وصهيل الخيول، ونخوة المقاتلين، لذا يصعب تلمُّس بعض الحقائق التاريخية من التعابير الإنشائيّة والوجدانيّة التي تحفل بها زجليّاته، والتي يصف بها الحروب.
من حروب الموارنة هجوم أمير منهم على البقاع، لا يذكر ابن القلاعي اسمه ولا تاريخ هجومه، لأنه لا يذكر أيًّا من تواريخ الحوادث، لكن اسمه عند المؤرِّخ البطريرك اسطفان الدويهي هو يوحنا20، وعند المؤرِّخ حيدر الشهابي هو الياس21. وقد دُفن في المكان الذي قُتل فيه، وأصبح اسم هذا المكان قبر الياس، أي قب الياس حاليًّا. أما تاريخ هجومه فهو في حدود سنة 752م. وقد تابع ابن أخته الأمير سمعان الحرب ضد المسلمين ثلاث سنين وانتصر عليهم وهاجم بعض أمراء الموارنة بعلبك من جهات بشرِّي والبترون وجبيل، وهاجم بعضهم الآخر وسط البقاع من جهات كسروان.
ومن حروب الموارنة اجتماع أمرائهم على دقّ النواقيس، بعد سقوط طرابلس وجبيل بِيَد المماليك، وكان اجتماعهم في المدفون وفيدار ولحفد، وهاجموا بثلاثين ألف رجل أعداءهم، واقتسم الأمراء (المقدّمون) الغنائم تحت نظر البطريرك، وأخذ كلٌّ منهم حقّه ما عدا مقدَّم بشري الساقط في الضلال والذي كان سبب هزيمة سابقة للموارنة. ومن مواقع الموارنة ما جرى لهم في كسروان إذ إن الله غضب عليهم بسبب سقوط راهبَين مارونيَّين في البدع والضلال، أحدهما من يانوح والآخَر من دير نبوح، فسمع بذلك الملك برقوق (سلطان المماليك) وأرسل عساكره إلى كسروان فأحرقته وخربته. وهذه الحوادث معروفة في التاريخ باسم الحملات المملوكية على كسروان التي استهدفت معاقبة الكسروانيِّين على مساعدتهم للفرنجة، وما كان الكسروانيون موارنة فقط، بل مجموعة من الأقليات أكثريّتها من الشيعة آنذاك، الذين لجأوا إلى مناطق أخوانهم وخصوصًا منطقتَي بعلبك وجزِّين22.
وما ورد ذكره في السِّجلّ الأرسلاني من مواقع بين الأرسلانيِّين والمردة، يرد مضمونه أيضًا عند ابن القلاعي بقوله إن الموارنة زرعوا الخوف في نفوس الدروز، وإنهم بنَوا للدفاع عن بلادهم ضدّ هجمات هؤلاء قلاعًا وردت الإشارة إليها.
وكما كانت هناك محطَّات من العداء والحروب بين أهل جبل لبنان، أي الموارنة، وبين الحكم الإسلامي الممثَّل أحيانًا بما سمَّاه ابن القلاعي “حكم حمدان، وحكم أحمد”، كانت هناك محطة من السلام أَرسَلَت فيها العناية الإلهية مقدَّمًا لبشري مطيعًا للبطريرك، وحاكمًا مسلمًا هو السلطان قلاوون الذي استضافه في فترة خلعه عن السلطنة، راهب ماروني في وادي قاديشا، فكافأ السلطان الموارنة بعد استعادته عرشه، بتقديم المال لهم لبناء أديرة الوادي.

رسالة إلى الموارنة
رأى ابن القلاعي أن الموارنة عاشوا في عزٍّ وطمأنينة وسلام وقوة، أيام اتِّحاد البطريرك مع الحاكم، وأيام كان البطريرك صاحب سطوة، والحاكم صاحب نخوة، وهما مثل الأخوة، وأيام الثبات على صخرة الإيمان وخُلوِّ مناطقهم من أي معتنق لمذهب مخالف لمذهبهم. ومن الأمراء الذين احترموا البطريرك وحافظوا على الإيمان وحقَّقوا الانتصارات، وثبّتوا الوجود: سمعان الذي وردت الإشارة إليه والذي تثبت على الخارجة أي على كسروان ببركة البطريرك ومساعدة ملك جبيل الذي لم يسمِّهِ ابن القلاعي، والأمير كسرى الذي كان صديقًا لملك جبيل وكريمًا في عين ملك الروم في القسطنطينية، والأمير نقولا الذي تتجسَّد فيه صورة البطل المدافع عن الحق والإيمان.
وبالمقابل، رأى ابن القلاعي أن ما حلَّ بالموارنة من نكبات يعود إلى عصيانهم أوامر الله، وعدم طاعة أمرائهم (مقدَّميهم) له، وظلمهم، ويعود أيضًا إلى السماح للهراطقة بالتواجد بينهم. وعلى سبيل المثال إن الأمير الذي هاجم البقاع خسر المعركة وقُتل لأنه عصى أوامر الله فشرب وسكر وشهد رقصًا خالعًا، وإن كسروان نُكبت بسبب الراهبَين اللذَين سقطا في الضلال والبدع، وإن المسلمين استفادوا من انشقاقات الموارنة فكرّروا الهجوم على لبنان وإن الموارنة ضعفوا لأخذ بعضهم بالبدع، ومنهم البطريرك لوقا البنهراني الذي نافس إرميا الدملصاوي، وقد ذهب الأخير إلى روما، وقدّم خضوعه للبابا فنصَّبه بطريركًا على جبل لبنان، وبعد عودته انضوى الجميع بإمرته تحت راية الإيمان الحقيقي، كما رأى ابن القلاعي أن طرابلس وجبيل سقطتا بيد المسلمين لأن الأمير سالم لم يكن تقيًّا وعادلاً، ولأن الله غضب على الشعب، وأن الشيطان يعود من حين إلى آخر فيوسوس في نفوس الموارنة فيتبع بعضهم الضلالة وينقسمون على أنفسهم، وقد حصل مثل ذلك حين اتّهم الضَّالُّون البطريرك جبرائيل بأبشع التهم، فاقتيد سنة 1367 إلى طرابلس بأمر من نائبها المملوكي، وأُحرق بالنار مظلومًا عند جامع طينال، وهو الملقب بجبرائيل الحجولاوي نسبة إلى حجولا من بلاد جبيل.
إن الرسالة المهمَّة للموارنة هي تلك التي قصد ابن القلاعي توجيهها إلى أهل بشري الذين جرى النزاع بينهم وبين أهل الضنّيّة المجاورين. وعن هذا الموضوع يذكر البطريرك اسطفان الدويهي أن الضّنية كانت منذ الفتح الإسلامي بِيَد السُّنّة، وأن هؤلاء خرَّبوا أديرتها وكنائسها وطردوا منها النصارى، وراموا فعل ذلك مع نصارى جبة بشري فهاجموها. وحين استنجد هؤلاء بمقدَّمهم خذلهم، فما كان منهم إلاَّ أن اتَّحدوا وأقسموا على الصمود وانقسموا إلى أربع فرق، ونجحوا في صدّ هجوم أهل الضنية23.
انطلق ابن القلاعي من هذا ليوجِّه رسالة إلى مقدَّم بشري في زمنة عبد المنعم أيوب، الذي كان أبرز مثل عن الحكَّام الظالمين، وأشدّهم شرًّا، وأبرزهم في حماية الضَّالِّين والهراطقة اليعقوبيِّين، وليحذِّره من أنه إذا لم يسلك الطريق القويم، ويتخلَّص من اليعاقبة الذين يبلبلون أفكار الموارنة، فإن الأمير أحمد كامنٌ له ولبشري بالمرصاد، منتظراً الفرصة للانقضاض على بشري وتدميرها، وهذا الأمير المسمَّى بأحمد ليس سوى شخصية وهميَّة القصدُ منها العدوُّ المتربِّض شرًّا ببشرِّي وأهلها. وقد كرَّر ابن القلاعي مناشدته لبشرّي أن تستفيق، وأن تتخلَّص نهائيًّا من اليعاقبة، وأن تبني من جديد على صخرة الإيمان الصلبة.
كتب ابن القلاعي زجليَّاته تلك بالدُّموع حسبما جاء في آخر أبياتها، ورمى منها عبر المشاهد التي رسمها عن ستمائة عام من تاريخ الموارنة في جبل لبنان، إبلاغ رسالة دينية سياسية إلى الموارنة بضرورة بقائهم مجتمعًا مغلقًا بوجه المذاهب والبدع الدينية وبوجه المسلمين، وبضرورة الثبات على الإيمان، والابتعاد عن البدع، وطاعة الحاكم للبطريرك وتعاونهما، وتوجَّه البطريرك نحو الكرسي الرسولي في روما لتقديم الخضوع، وطلب التثبيت، وحلّ خطايا رعيته.
إن زجليَّات ابن القلاعي تعبير واضح عن وجدان الموارنة التاريخي وخصوصيّتهم، وتباهيهم بانتصاراتهم وصمودهم في جبل لبنان، وهي ليست تاريخًا بالمعنى المعروف بل هي، بحسب ما جاء عند محقِّقها بطرس الجميِّل: “قصة شعب من زاوية دينية محضة، وهي أشبه بقصة الكتاب المقدّس منها بتاريخ مستند إلى البراهين والإحصاءات، غايته: كتابة تاريخ شعب الله (الموارنة بنظره) في ضوء الأحداث التاريخية”24.

الخلاصة
بعد الحديث عن المصادر الخمسة التي تؤرِّخ للموحِّدين (الدروز) والموارنة يمكن القول إن السِّجلَّ الأرسلاني، وكتاب “قواعد الآداب حفظ الأنساب”، وتاريخ بيروت لصالح بن يحيى، وتاريخ ابن سباط، هي سجلٌّ درزي، وإن زجليَّات ابن القلاعي هي سجلٌّ ماروني، وإن كلاًّ من السِّجلَّيْن يفيد عن منحى فكري، ومنطلق تاريخي، وموقع سياسي مختلف عن الآخر. فالمؤلَّفات الأربعة الأولى تندرج في إطار التاريخ العربي والإسلامي، ذلك أن الموحِّدين (الدروز) هم في المعتقد أحد المذاهب المتفرِّعة من الإسلام، وهم في الواقع السياسي والمسيرة التاريخية من أبرز الجماعات التي جاهدت تحت لواء الإسلام، وأسَّسَت إماراتها في ظلّ الدول الإسلامية الحاكمة، فجاءت الكتابات عنهم ترجمة لمبادئهم ومفاهيمهم، وتصويرًا لسلوكهم.
أما المؤلَّف الخامس، أي زجليَّات ابن القلاعي، فهو يندرج في إطار التاريخ الخاص، المكتوب بخلفية فئوية ومناطقية، لأنه يتكلم عن الموارنة كجماعة دينية لهم معتقد مختلف عن معتقدات سائر المسيحيين المساكنين لهم، يحرصون على صونه بتحصينه إزاء هذه المعتقدات، وبالتبعيّة إلى الكرسي البابوي في روما، كما لهم وطن مقدّس خاصّ بهم هو جبل لبنان الشمالي، يدافعون عنه، ويعملون على صونه من غزوات المسلمين باتحاد القيادة الدينية مع القيادة السياسية، وبالثبات على الإيمان، وبالتعاون أحيانًا مع الروم البيزنطيين أعداء المسلمين.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي