عبدُ الرّحيم أبو حسين ينسف الرّواية التقليدية لتاريخ لبنان
التّمرّدُ الدّرْزيُّ على العثمانيّين ودورُه في ظهور الفكرة اللّبنانيّة
يُعتَبر البروفسور عبد الرحيم أبو حسين من المؤرّخين اللّامعين الذين تابعوا مدرسة المرحوم كمال الصّليبي في نقد التّاريخ اللّبنانيّ وأعمال المؤرّخين اللّبنانيين ولاسيّما الموارنة الذين أخذوا ومنذ عهد البطريرك أسطفان الدّويهي ترتيب وقائع التّاريخ اللّبنانيّ بالصّورة الأنسب لخدمة مصالح المشروع السياسيّ المسيحيّ، وقد درس أبو حسين على يد الصّليبي وعمل معه لسنوات وهو مثل الصّليبيّ لجأ بصورة وافية إلى الأرشيف العثمانيّ والوثائق العثمانيّة بهدف تحقيق الوقائع المزعومة والرّوايات المساعدة بالتّالي على التّمييز في التأريخ للبنان بين الحقائق التّاريخيّة وبين الخيال أو الأساطير.
وكان كمال الصّليبيّ أحد أبرز المؤرّخين الذين تفرّغوا للتّدقيق في الرّواية المارونيّة لتاريخ لبنان وقد أوصله عمله المستمرّ وتنقيبه في الوثائق العثمانيّة والأوروبيّة إلى كشف النّقاب عن حجم الهوى والإنتقائيّة المُغرِضة في أسلوب تناول معظم المؤرّخين الموارنة لتاريخ لبنان، وعرض الصّليبيّ نقده للكتابة المتحيّزة للتّاريخ اللّبنانيّ في كتابه الشهير “بيت بمنازل كثيرة” وأحدث الكتاب صدمة حقيقيّة لدى أولئك الذين اعتادوا على الرّواية المركّبة لتاريخ لبنان دون سؤال أو فحص نقديّ، لكنه كما يبدو ساعد كثيراً في إعادة النّظر في الكثير من المَقولات والمسلّمات التاريخيّة وزعزعة صدقيّة الرّواية العامّة التي هيمنت على كتابة التاريخ في لبنان أو تدريسه في المدارس والمعاهد أو تعميمه في الكتب والرّوايات والإعلام.
في هذه الورقة التي أعدّها البروفسور عبد الرحيم أبو حسين حول الموضوع نفسه (أي تمحيص الرّواية المارونية لتاريخ لبنان) ما يمكن أن يصدم أيضاً بسبب المراجعة الجذريّة التي يقوم بها لفترة أساسيّة من تاريخ لبنان وكذلك بسبب الاستنتاجات التي يقدمّها نتيجة أبحاثه الطّويلة (المستندة بجزء مهم منها إلى الأرشيف العثمانيّ) حول مواضيع حسّاسة مثل العوامل التي أدّت إلى بروز فكرة “الكيان اللّبناني” والتقيّيم الواقعيّ لمسيرة الأمير فخر الدّين الثّاني بعيداً عن الفولكلور اللبنانيّ والرّوايات المُتخيَّلة، لكن أحد أبرز المواضيع التي تهمّنا في هذا البحث هو التوثيق غير المسبوق لتاريخ العلاقة الصّعبة بين الدروز وبين الدولة العثمانية ودور ما يسميه المؤلّف “التمرّد الدرزيّ الطّويل” في المخاض العسير والطّويل الذي قاد أخيراً وفي الظّروف التي تلت إنهيار الدولة العثمانية في العام 1918 إلى بروز فكرة الكيان السياسيّ اللبنانيّ.
المسألة الأساسية التي يتناولها البروفسور عبد الرحيم أبو حسين في ورقته 1 المهمّة هي أنّ الفكرة اللبنانية كانت النتيجة غير المباشرة لما يسمّيه “التمرُّد الدّرزيّ الطّويل” الذي استمرّ ما يقارب القرنين وبدأ بعد قليل من فتح العثمانيّين لبلاد الشام واستمرّ حتى نهاية الحكم المعنيّ ومجيء الشّهابيين السنّة إلى سدّة حكم الجبل. ويقدّم أبو حسين البراهين القويّة، بالاستناد إلى الوثائق العثمانية، على أنّه وعلى عكس الفكرة التي رُسمت عن علاقة وثيقة بين الدّروز والسّلطنة العثمانيّة فإن الدّروز دخلوا ومنذ العهود المبكّرة للحكم العثماني لبلاد الشام في نزاعات متواصلة مع السّلطنة، وأنّهم كانوا لفترة طويلة في نظر العثمانييّن قوّة التمرّد الأكثر خطورة على وجودهم في ما كان يعرف إداريّاً بإسم سنجق صيدا-بيروت والذي كان يضم الشّريط السّاحلي الممتدّ بطول ستين كيلو متراً تقريباً، من خليج المعاملتين شمال مدينة جونية إلى وادي الزّهراني جنوب صيدا، ويشتمل على النّواحي الجبليّة المتاخمة للسّاحل وهي نواحي إقليم الخرّوب والشّوف والغرب والجرد والمتن وكسروان.
يوضح البروفسور أبوحسين في مقدمة بحثه أنه عمل خلال تاريخ عمله الأكاديميّ لأكثر من ثلاثين سنة على جوانب مختلفة من التّاريخ اللبنانيّ، واستعمل مصادر لم يسبق استعمالها من قبل، حتى الآن، وبشكلّ خاص مواد الأرشيف العثمانيّ، ولذا فهو يحاول، بناء على ما يتوافر له من معلومات وفيرة غير معروفة من قبل، تقديم قراءته الخاصّة لكيفيّة تشكُّل لبنان، وهي كما سنرى قراءة تختلف في نهجها التّحليلي وفي استنتاجاتها الجوهريّة عمّا يمكن اعتباره قراءات التّاريخ اللبنانيّ المتداولة بين أكثر المؤرّخين والمستقرّة في ذهن الرأي العام.
يبدأ المؤرّخ بتصويب أساسي للفكرة التي ربطت نشوء لبنان الكبير في الأوّل من أيلول 1920 بجهود الموارنة ولاسيما كنيستهم القويّة فيقول: ” من المؤكّد أنّ الدّور الفرنسيّ والدّور المارونيّ كانا حاسمين في ولادة لبنان المعاصر بحدوده الحالية المعترف بها دولياً في أعقاب الحرب العالميّة الأولى، ولكنّ لبنان هذا كان آخذاً في التّشكل وفقاً لعوامل محلّية وإقليميّة ودولية، على الأقل، منذ العقود الأخيرة للقرن السّابع عشر، وما أنوي القيام به في هذا البحث هو أن أسلّط الضّوء على التّطورات المحليّة لعملية التّشكُّل هذه. وأعني بذلك تطوّرات الأوضاع السّياسيّة والمواقف العمليّة لبعض الجماعات التي أدّت إلى نشوء الكيان السّياسيّ الذي قام حوله لبنان المعاصر”.
فلبنان الحديث حسب أبو حسين لم ينشأ بقرار من الجنرال غورو ولا هو كان نتيجة لـ “نضال لبناني” استقلاليّ ضد العثمانيين، والكتّاب اللبنانيّون أو واضعو الكتب المدرسيّة والمقالات والمسرحيات الذين يمجّدون تلك المقاومة المفترضة (مثل القول بأن “اللبنانيين” قاوموا العثمانيّين – أو التّرك- مدّة أربعمائة سنة) فإنّهم لم يقدّموا أيّ دليل على تلك المقاومة وأي أمثلة أو حالات ملموسة عليها.1 ويضيف أبوحسين: إنّ اللبنانيين قد يكونون أحقّ من جيرانّهم العرب بهذا الإدّعاء، إلّا أنّ الطّائفة اللبنانيّة (الموارنة) الأكثر إدّعاءً لهذه المقاومة لم تكن قائدها الرّئيسي، ولا المشارك الأساسي فيها، فهذه المقاومة التي اتّخذت شكلّ ما يسمّيه الباحث “التّمرّد الطّويل”، (وهو تمرد درزي في الغالب وقاده الدّروز) هو الذي أنتج عن غير قصد، ما يمكن أن نصفه ببداية تشكّل نوع من الكيان “اللبنانيّ” ظهرت بواكيره مع قيام متصرّفيّة جبل لبنان (1861) المتمتّعة بالحكم الذّاتي والإعتراف والضّمان الدّوليين، وهذه “المقاومة” (الدّرزية) هي حسب أبو حسين التي أنتجت للبنانيّين أبطالهم الوطنييّن التّاريخيين ونضالهم القوميّ “البطوليّ” وهي التي أدّت إلى خلق الشّروط المادّيّة لقيام الكيان السّياسيّ الذي ظهر في وقت لاحق.


التّمرّد الطّويل
يطلق البروفسور أبو حسين إسم “التمرّد الدّرزي الطّويل” على سلسلة الإنتفاضات وأعمال العِصيان والثّورة التي خاضها الدّروز في فترات متقطّعة في بلاد الشام ولبنان ضد الحكم العثمانيّ، وهو يعتبر أن التمرّد الدّرزيّ حصلت فصوله على امتداد القرنين السّادس عشر والسابع عشر وبالتّحديد ما بين العامين 1516 و1697. وهذه الحقائق تخالف في نظره تماماً الإنطباع الذي روّج له التّاريخ اللبنانيّ التّقليديّ عن علاقات إيجابيّة مديدة بين الدولة العثمانية وبين الأمراء والقادة الدروز. وفي هذا السّياق يقدم أبو حسين إحدى الرّوايات المستقرّة حول علاقة الولاء الدّرزيّ للسّلطنة، وهي رواية استقبال السلطان سليم الأول للأمير فخر الدّين المعنيّ (الأول) ومنحه لقب “سلطان البرّ” فيثبت أن الأمير فخر الدين الأول لم يرَ السّلطان سليم لأنه مات قبل فتح دمشق بنحو عشر سنوات. ويعتبر أبو حسين الرّواية الملفّقة عن بداية علاقة المعنيين بالعثمانيين في ذلك اللقاء المزعوم والكلمة المؤثرة التي ألقاها فخر الدين الأول بين يدي السلطان سليم الأول جزءاً من التأريخ المارونيّ الذي تبنّى فخر الدّين وكان يهمّه تعزيز مكانة الأمير والمعنييّن وإعطاء حكمهم شرعيّة تاريخيّة تبدأ قبل وقت طويل من صعود فخر الدين الثاني الكبير.
يضع المؤرخ أبو حسين التمرّد الدّرزي في سياق مجموعة التّحديات التي واجهت الدّولة العثمانيّة وهو يعتبر أنّ التمرّد الذي قاده علي باشا جانبولاد كان تحدّياً جدِّياً أضيفت إليه تحديات أقلّ شأناً تمثّلت بهجمات محدودة للقبائل البدوية الواقعة على طول طريق الحجّ إلى الحجاز، أو في مناطق أخرى من صحراء بلاد الشّام. إلّا أنّ مثل هذه القلاقل لم تمثّل تهديداً طويل الأمد لدولة السّلطنة بدليل أنّها نجحت في قمعها دون صعوبة، واستعادت في وقت قصير سيطرتها على المناطق المتمرّدة أو مناطق العصاة.
لكن الوضع لم يكن على هذا النّحو في المناطق الدّرزيّة في لبنان، فقد انفجر التمرّد مراراً و تكراراً ما بين العامين 1518 (أي بعد سنتين من فتح العثمانيين لبلاد الشام) و1697م (تاريخ وفاة الأمير أحمد المعني آخر الأمراء المعنيين من دون عقب) وكانت تلك الانتفاضات مبعث انشغال وقلق دائمين للسّلطات العثمانيّة الإقليميّة والمركزية لسببين أساسييّن: الأوّل هو القوّة القتالية للدّروز وتسليحهم والجماعات اللبنانيّة التي كانت تعاضدهم كالموارنة في جبل لبنان والشيعة في جنوب لبنان وصفد. أمّا السبب الثّاني فهو وجود الثّقل الدرزيّ السياسيّ والعسكريّ بالقرب من السواحل وهي البوابات البحرية الإستراتيجية لبلاد الشام والعمق الجغرافيّ للدّولة، وقد أشارت كثير من الرسائل العثمانيّة إلى أهميّة القرب الدّرزيّ من السّواحل للتّأكيد على خطورة تمرّدهم وامتلاكهم لكمٍّ كبير من الأسلحة، ولهذه الأسباب فإنّ الدّولة العثمانية وجدت نفسها مضطرّة مراراً وتكراراً لتوجيه الحملات ضدّ “المتمرّدين الدّروز” أو اللّجوء إلى اتّخاذ ترتيبات إداريّة جديدة لمعالجة الوضع.
رغم أهمّية الإنتفاضات الدّرزية المتكرّرة على الحكم العثماني يلاحظ أبو حسين كيف إنّ الدّراسات الحديثة حول تاريخ المنطقة لا تشير إليها، وباستثناء النّزاعات المتأخِّرة المتكرّرة بين الأمير فخر الدّين المعنيّ (الثّاني) والسّلطات العثمانيّة في النّصف الأوّل من القرن السّابع عشر تصوّر هذه الدّراسات العلاقات الدّرزيّة- العثمانيّة عامّة على أنّها علاقات يسودها الوئام. ويعثر أبو حسين على ما يعتبره السبب الأهمّ وراء هذا التجاهل وهو أنّ الكتابات عن هذا الموضوع كانت تعتمد على مصدر واحد يعكس هوى صاحبه، وهذا المصدر الوحيد هو تاريخ البطريرك المارونيّ إسطفان الدّويهي الذي تربّع على السدّة البطريركية من 1668 إلى 1704م.
يقول المؤرخ أبو حسين: “لأسباب عديدة فإنّ الدّويهي يصمت صمتاً مُريباً عن معظم مجريات هذا التّمرّد، ولا يشير إلى الهجمات العثمانيّة المبكّرة على المناطق الدّرزيّة ، كما إنّ الأكثر أهميّة بالنّسبة إليه كانت التّغطية على أيّ دور أوروبي كاثوليكيّ في التّمرّد. فالدّويهي حسب أبو حسين، وبسبب موقعه الكهنوتيّ، لا بدّ أنه كان على علم بالعلاقات بين البابا وآخرين من القوى الأوروبية الكاثوليكية مع القيادات الدرزيّة، ولكن لم يكن من مصلحة طائفته، ولا من مصلحة أصدقائه من القادة الدّروز أن يشير إلى مثل هذه العلاقات.2 ويحدّد أبو حسين هدف دراسته بمحاولة الإجابة على الأسئلة التّالية:
1. متى وكيف ولماذا بدأ العداء بين الدّروز والعثمانيّين؟
2. كيف ظهر هذا العداء في المرحلة التي نحن في صدد دراستها؟
3. وما الأثر الذي تركه على الأحداث التي تلته في لبنان؟
يتّضح من الدراسة المفصّلة مجموعة من العوامل التي لعبت دوراً في النّزاع الدّرزيّ العثمانيّ الذي امتدّ على مدى قرنين من الزّمن.


1. الهيمنة السّياسيّة للدّروز: من أهمّ هذه العوامل أنّ الدروز كانوا هم القوّة السّياسيّة المهيمنة على الجبل نزولاً حتى المدن الساحليّة وخصوصاً بيروت، وكان من الطّبيعيّ رغم علاقة التّعايش (النّفعيّ) التي كانت تربطهم بالدّولة العليّة أن يحرِص الدّروز على حماية وضعهم والردّ على محاولة الدّولة تأكيد وجودها في مناطقهم (لأغراض جباية الضّرائب الأميريّة أو ضبط السّلاح أو حفظ الأمن ومصالح الدّولة)، وقد نشأ عن هذا الوضع ما يمكن اعتباره علاقة “تحالف صراعيّ” حيث تحرص الدّولة مقابل منح الإلتزام للأمير الدرزي أن تَحوُل دون نمو قوّته وقوّة جماعته إلى حدّ يجعل منه خطراً مُحتَملاً على مصالحها، بينما يسعى الأمير الدّرزيّ والمجتمع الدّرزيّ عموماً للقيام بدور الحليف المخلص للدولة لكنْ مع الانتباه دوماً للاحتفاظ بعوامل القوّة الكافية للدّفاع عن الوجود في حال تبدّلت الأحوال أو نشأ تهديد مفاجئ لمصالح الجماعة المعروفيّة. من أجل ذلك ومن أجل حماية مصالحهم من مطامع الآخرين فقد كان على أمراء الدّروز أن يخوضوا على الدوام مواجهات ومعارك ضدّ المنافسين الكثر من العائلات السياسية والمقاطعجيين الآخرين، كما كان عليهم عند الحاجة أن يتصدَّوْا للولاة العثمانيّين الذين يسعَوْن لإخضاعهم أو لإبتزازهم، وقد كان النّظام الإداريّ للدّولة العثمانيّة يعطي للوُلاة صلاحيّات كبيرة وهامشاً واسعاً من الحركةِ فكان الكثير من أعمالهم لا ينطبق بالضرورة مع مصالح الدّولة المنشغلة بحروبها الخاصّة وبالدّفاع عن جبهاتها المختلفة. في هذا الإطار برز موضوعان شكّلا على الدّوام جبهتيّ النّزاع الأهمّ بين الدّروز والعثمانيّين وهما موضوعا السّلاح والضرائب.
2. موضوع السلاح: كان هذا الموضوع سبب الصدامات الدائمة بين الدّروز والعثمانيّين، لأن الأمراء الدّروز كانوا يعتبرون امتلاكهم للأسلحة بكميّات كافية بل زائدة عن الحاجة المباشرة أهمّ عنصر لبناء جيش قادر على تأكيد سطوتهم تجاه المنافسين وفي الوقت نفسه قادر على حماية المجتمع الدرزيّ الجبليّ من غوائل الزّمان والحكام. في المقابل فإن الدّولة العثمانية كانت تقرّ بأهمية وجود السلاح في تصرّف حكّام الجبل الذين يعملون بإسمها لكنّها كانت تتوجّس دوماً من زيادة قوة الأمير والأسلحة المتوافرة لجماعته وتخشى أن يساعده ذلك على شقّ عصا الطاعة أو عقد تحالفات مع أعداء الدّولة العليّة قد تهدد ملكها في جبهات معينة، وكان هاجس عصيان الأمراء وحكام المناطق حقيقيّاً في اسطنبول لأنّ الدّولة كانت رغم قوّتها محاصرة وعرضة دائماً للهجمات من الدول والممالك المحيطة ولاسيّما الممالك الأوروبيّة المسيحيّة وروسيا والدّولة الصّفويّة. وكانت محاولة علي باشا جانبولاد الإنشقاق عن الدّولة وتأسيس إمارة في حلب وسوريا تهديداً خطيراً كان يمكن أن يحدث أضراراً كبرى بالدولة الناشئة وقد تمت محاولة جانبولاد بدعم من الدّول الأوروبيّة المسيحيّة المتربّصة بالدّولة العثمانيّة، وربما عززت تلك المحاولة التي قمعت بشدة مخاوف الدّولة العثمانيّة من أطماع الملتزمين والمتولّين ومخادعتهم وعزّزت النّزعة المركزية في التّعامل مع الأطراف.
يورد المؤرّخ أبو حسين تفاصيل طريفة في موضوع السّلاح يستقيها من مواد الأرشيف العثماني (دفتر الأمور المهمّة) وقد وَرَد فيها “أن الدّروز امتلكوا كميات كبيرة من الأسلحة النّارية ورفضوا الإنصياع للأمرالسّلطانيّ بتجريدهم منها، ليعلنوا التّمرّد بدلاً من الانصياع” لذلك وحسب الوثيقة العثمانية فقد “صدر أمر جديد لوالي دمشق بأن يُهاجِم الدّروز، ويجرّدهم من السّلاح، مع تزويده بقوات عسكرية إضافيّة من الولايات المجاورة لتساعده في الحملة.3 وتضيف الوثيقة تفصيلاً أكثر أهميّة من ذلك إذ توضّح أنّ الدّروز في منطقة الجُرد فقط كانوا يمتلكون ثلاثة إلى أربعة آلاف بندقيّة وصفت بأنّها طويلة وتستطيع إطلاق سبع أو ثماني طلقات متتابعة وتتفوّق على البنادق التي يستعملها الجنود العثمانيّون.4 وتضيف الوثيقة في مكان آخر وعند الحديث عن تمرد درزي في منطقة المتن “أنّ معظم أهالي هذه النّاحية -المتن- كانوا مدرّبين جيداً على استعمال البنادق، وأنّه كان بحوزتهم أكثر من ألف بندقيّة. وتتابع فتحذّر من الوضع الخطر بسبب وجود هذا العدد الكبير من الأسلحة النّارية بأيدي أناس متمرّدين يعيشون “قريباً من السّاحل”.5
وحسب الوثائق العثمانيّة فإنّ عدد البنادق التي كانت الحكومة تطالب بتسليمها كان كبيراً جداً، وقد فُرض مثلاً على كلّ ربّ منزل أن يسلّم بندقيّتين (وهو ما يدل في حد ذاته على كثافة التّسليح الدّرزي) بينما كان على ابن معن، وابن شهاب، وقايتبايّ أن يسلّم كلّ منهم ألف بندقيّة، وإضافةً إلى هؤلاء فقد طُلِب من منصور عسّاف تسليم ألفي بندقيّة إذ كان من المعروف أنّه حصل في وقت سابق على عدد كبير من الأسلحة النّاريّة من قبرص، كما طلب الأمر السّلطانيّ من حاكم دمشق أن يؤدّب “الجماعة العاصية” وأعلمه أنّ المساندة العسكريّة لهذا الغرض سوف تقدّم له من قبل حكّام ولايات ديار بكر وحلب وذوالقدرية.6
3. مصادرُ السّلاح: يلقي بحث المؤرّخ البروفسور أبو حسين ضوءاً على موضوع مهمّ آخر يساعد على فَهم العلاقة الملتبَسة والصّعبة بين العثمانيّين والدّروز، إذ يكشف ليس فقط عن التسليح الكثيف للدروز وتفوّق أسلحتهم أحياناً على أسلحة الجيش العثماني، بل إن المصدر الأساس لتسليحهم كان الدّول الأوروبيّة ممثلة لفترة بدوقيّة البندقية (Venice) ثم بدوقيّة توسكانا. وكان قسم كبير من التّسليح يتم عبر جزيرة قبرص المواجهة للسّواحل اللبنانيّة التي كانت ما زالت خارج سيطرة الدولة العليّة. وفي مكان آخر يورد أبو حسين نقلاً عن الأرشيف العثمانيّ أن الدروز كانوا أيضاً يحصلون على السّلاح من السّوق السوداء في بلاد الشام نفسها ويدلّ على ذلك نصّ رسالة في الأرشيف العثمانيّ موجّهة من قاضي دمشق السّابق إلى الدّيوان الهمايوني (ديوان السّلطان) تفيد بأنّ “المدعو أبو بكر بن رزق الله المقيم في منطقة الصّالحية في دمشق له العديد من الاتّصالات والمعاملات مع الدّروز حيث يقوم بتزويدهم بالبنادق والبارود والرّصاص”، وتتّهم رسالة القاضي المشار إليها أبو بكر هذا بأنّه يتاجر أيضاً مع سفن الفرنجة، إذ يزوّدهم بالقمح، بالإضافة إلى تورّطه في أعمال أخرى ذات صلة بما سبق”، وقد صدر الأمر من الدّيوان الهمايوني بنفيه إلى جزيرة رودس.7
وقد كان من الطبيعيّ أن يبحث الدّروز عن السّلاح في أي مصادر تتوافر لهم لأنّ السلاح كان بالنسبة إليهم ضمانة حماية وضعهم وكرامتهم تجاه الدّولة المركزيّة أوّلاً وكذلك تجاه الطامعين الآخرين. لكنّ وفرة السّلاح الذي كان الدّروز يحصلون عليه من الدّول الأوروبيّة يوحي بأن تلك الدّول اعتقدت بإمكان الاعتماد عليهم لإضعاف الدّولة العثمانيّة أو لتحقيق مكاسب معيّنة على حسابها. ورغم أنّ الدروز لم يكونوا في الواقع معنيّين بهذه الخطط بل بحماية أنفسهم بالدرجة الأولى فإنّ العلاقات التي نسجوها مع الممالك الأوروبية في ذلك الوقت (خصوصاً في عهد فخر الدّين الثاني) وتدفّق السلاح عليهم من تلك الممالك كانت من العوامل التي زعزعت الثّقة بهم من قبل الدولة وسرّعت بالتالي في حصول المواجهة الحاسمة ونهاية الإمارة الدّرزية ومجيء السُّنّة الشهابيّين.


4. موضوع الضّرائب: من أهمّ نقاط التّصادم بين الأمراء والمقاطعجيّين الدّروز وبين السّلطنة العثمانيّة (بعد موضوع السّلاح) كان ولا شكّ موضوع الضّرائب التي لم يكن تعيّينها وجبايتها يخضعان لنظام واضح، وكان الدّروز ينظرون إليها غالباً كتكليفات تفوق قدرة مجتمعهم الزّراعي البسيط على الاحتمال وكأداة إفقار وإضعاف لشوكتهم لأن المداخيل المحقّقة من الأملاك كانت تمثّل عنصر قوة المجتمع وتمكن الأمير من تعبئة الجيش وتوفير الأسلحة واستخدام الأنصار والاحتفاظ بجهوزيّته لمواجهة التّحديّات الطارئة. لم يكن صدفة لذلك أن تكون الإنتفاضات الدّرزية ترافقت دوماً بإمتناع عموم الدّروز، مقاطعجيّين وفلاحين، عن دفع الضّرائب المتوجّبة عليهم للدّولة، والتي كانت تعتبر المناطق الدّرزيّة في حالة تمرّد متواصلة تقريباً نتيجة لذلك ولإصرار الدروز على الإحتفاظ بالسّلاح.
وهكذا وفي عام 1565م، حسب “دفتر الأمور المهمّة”، فإنّ أهالي عين داره في منطقة الجرد، وقادتهم المحليين الدّروز”رفضوا أن يدفعوا الضّرائب، وكانوا قد قاموا قبل ذلك بالهجوم على مقرّ إقامة السّباهي الذي كان مسؤولاً عن جمع الضّرائب. وسرعان ما انضمّت قرى أخرى مثل المتين (في اقليم المتن المجاور) وقيادات درزيّة أخرى الى هذا التّمرّد”.
ويذكر أبو حسين أن تمرّد المناطق الدرزية على دفع الضرائب وصل إلى حد امتناع أيّ من النّاس عن التّقدم لنيل إلتّزام هذه المناطق لجباية ضرائبها، ولذا اضطرّت الدّولة إلى تعيين “أمناء” (مفردها أمين) emin 8 لجباية الضّرائب، إلّا أنّ هؤلاء لم يحظوا بالطّاعة أو الإحترام من قبل الدّروز الذين كانوا يتذرعون بأنّهم دفعوا ضرائبهم حسب السّجل القديم (defteri Atik) أو أنّ مزارعهم غير منتجة، أو أنّها غير مسكونة، ولكنّهم كانوا يرفضون السّماح للقاضي أن يحقّق في صحة تلك الادّعاءات. وبإختصار فقد كان من غير الممكن أن يتواجد أيّ نوع من الحضور الرّسمي للدّولة في هذه المناطق، ولذا فقد توالت الأوامر لحكّام الأقاليم مطالبة بإعتقال مقدّمي الدّروز ومعاقبتهم9. وقد اتّسع التّمرّد بعد سنوات إلى خارج منطقة جبل لبنان ليشمل الدّروز والشّيعة في سنجق صفد إلى الجنوب، وبدأ هؤلاء يتعاونون مع الدّروز في الشّمال، وحذوْا حذوهم في الامتناع عن دفع الضّرائب المترتّبة عليهم وقاموا في الوقت نفسه بالإشتراك في أعمال تمرّد وعصيان أخرى.
5. إشكاليّة الأمير القويّ: بالنّظر لتركيبة لبنان المستندة إلى تنوّع مذهبي ومناطق جغرافيّة حصينة فإن سياسة إيجاد مقاطعجيّين أو ملتزمين كثر، وإن كانت تحدّ من خطر وجود الأمير القوي، إلا أنها لم تكن مفيدة لأن الحصيلة كانت تشرذم وجود الدولة تجاه التهديدات الخارجية الدائمة وغياب متولٍّ كبير يمكنه أن يفرض طاعة الدّولة على الجميع ويمدّ الخزانة العثمانيّة بما كانت تحتاجه لتأمين إنفاقها الكبير. لذلك قبلت الدّولة العثمانيّة بمخاطرة تأمير أسرة مثل المعنيّين كملتزمين2 للجبل باعتباره “شرّاً لا بدّ منه” لكنها عملت دوماً على مراقبتهم ومحاولة تحجيم دورهم ومتابعة تحركاتهم ومن ذلك محاولة تجريدهم وأتباعهم من السّلاح بين الفينة والأخرى، وهو ما كان الدّروز يقاومونه بضراوة. بل على العكس بالنظر إلى توجّس الدروز من إمكان تجريدهم من السلاح عبر شنّ الحملات المتكرّرة عليهم فقد أصبح هؤلاء أكثر حرصاً على التسلّح وكانوا من المقاتلين الأشدّاء، كما إنّ زعماءهم كانوا من الثّراء بحيث يمكنهم شراءالسّلاح حيث يجدونه ثم خزنه في مخابئ يصعب على الجيش العثمانيّ العثور عليها. ولهذا فقد كانت الدولة تعالج موضوع السّلاح بأن تفرض على الأمراء الدّروز وغيرهم من الملتزمين أن يسلّم كلٌّ منهم عدداً معيّناً من البنادق والذّخيرة أو أن تفرض الأمر نفسه على كل بيت درزيّ.
6. دور الدّروز في توسيع نطاق التمرّد على الدّولة العثمانيّة: بالنّظر لقوّتهم السّياسيّة والعسكريّة فقد كانت للتمرّد الدّرزيّ آثارٌ تتجاوز الدّروز أنفسهم إلى العديد من المناطق والجماعات التي تجاورهم في كنف الدولة العثمانيّة خصوصاً في نطاق جبل لبنان وشمال فلسطين. وقد رأت الدّولة العثمانيّة أنّ الدّروز وحدَهم يمكنهم إشهار التّحدّي لسياساتها بل لجيشها حاملين بذلك خطر نقل العدوى إلى غيرهم من رعايا الدّولة، وكان هذا الواقع سبباً إضافيّاًً في العنف الذي جرّدته الدّولة على الدّروز في حملات متوالية عبر القرنين السادس عشر والسّابع عشر، وقد تميزت الحملات العثمانيّة على مناطق الدّروز بالعنف والقسوة كما لو أنّ الدّولة أرادت أن تجعل من “العصاة” عبرة لغيرهم، وقد زاد هذا النّهج وأعمال القتل وحرق القرى التي لجأ إليها العثمانيّون من غضب الدّروز فوسّع ذلك بصورة فادحة الهوة بينهم وبين الدّولة. في الوقت نفسه فإنّ الأوامر التي استمرّت في الصّدور من اسطنبول إلى حكّام ولايات بلاد الشام تفيد بأنّ الدّروز استمرّوا في كونهم العصب الرّئيسي للعصيان وفي طليعة قيادته أو نظر إليهم على أنّهم المتمرّدون الأساسيون ضدّ السّلطة العثمانيّة 10، وأنّ التّمرّد انتشر على نطاق واسع ليشمل كلّ المناطق الدّرزيّة وأنّه ينبغي بالتالي تجريد الدّروز من السّلاح. وهكذا في أيلول عام 1574م كانت الخطة قد أعدّت وصدر الأمر إلى قوّات من الأسطول العثمانيّ بالتّعاون مع القوات العسكريّة المتوفّرة في ولاية دمشق لتنفيذ هجوم واسع مشترك لقمع التّمرّد.11 وحسب أبو حسين فإن هذا الهجوم ربما لم يحصل لكنّ المراسلات العثمانيّة بشأنه تبين أنّ المشكلّة استمرت قائمة لأنّ الأوامر المتتالية من اسطنبول لحكام ولايات بلاد الشّام تواصلت مطالبة إيّاهم بتجريد الدّروز من السّلاح.
7. عامل الخصوصية: رغم تكوينها كإمبراطورية متعددة الأعراق والأديان والمذاهب فإنّ الرابط الدّينيّ بل العصبية الدينية كان لها دور كبير في مجتمع السّلطنة العثمانيّة، ومن هذا المنظور فإنّ الأمراء الدّروز رغم ما كان يرى من انتمائهم إلى مذهب إسلاميّ خاص حافظوا على دورهم السياسيّ والعسكريّ المهم في حماية السّلطنة، وكان ذلك استمراراً للدور الذي لعبه أسلافهم في ظل الممالك الإسلاميّة المتعاقبة منذ استيطان القبائل العربية الأولى لبنان لذلك الغرض بتشجيع من الدّولة الإسلامية. وقد أظهر الدروز كفاءة كبيرة واحترافاً في قيامهم بهذا الدّور لكنّهم أثبتوا مع ذلك (بدليل التمرّدات المستمرّة التي ميزت علاقتهم بالسّلطنة) أنّهم حليف صعب المِراس وأنهم يتوقّعون مقابل دورهم التّاريخيّ وتضحياتهم درجة عالية من الحكم الذّاتي واحترام خصوصيّتهم السياسيّة والثقافيّة، وهذا التّمايز الدّرزيّ أو تلك الخصوصيّة الإيمانيّة وجدت في الإدارة العثمانيّة أو في الأوساط الدّينيّة الرسميّة من يعتبرها سبباً كافياً للتّشكيك بولاء الموحّدين الدّروز ، بينما وجدت بعض أوساط الدّولة في هذا التّمايز فرصة للتّحريض الطّائفي كأسلوب مناسب لتأليب الرأي العام وتبرير الحملات الإنتقاميّة على الدّروز “العصاة” ومحاولة إخضاع مناطقهم. ويعتقد أبو حسين أنّ التّحريض الطّائفي الذي كان يظهر أحياناً ضدّ الدّروز في الأوساط العثمانيّة ربّما ولّد لديهم الشّعور بالغربة وانعدام الأمان مما جعلهم ميّالين للتمرّد ضدّ العثمانيّين كلّما سنحت الفرصة لذلك”. في المقابل فإنّ الاعتقاد الأوروبيّ الخاطئ، ولكن الشّائع حينذاك، بأنّ الدروز يتحدّرون من سلالة صليبية جعل البنادقة يرَوْنَ فيهم الحلفاء المثاليّين لهم في بلاد الشّام.12
8. دور العامل الاقتصادي: يبينّ المؤرخ أبو حسين في بحثه أنّ التّمرّد الدّرزي لم يكن يدور فقط حول مسائل “وجوديّة” مثل السّلاح والضّرائب بل كانت له أسباب اقتصاديّة مهمّة تتعلّق بالمصالح الكبيرة التي كانت للدّروز في التجارة والموانئ ومدن ساحليّة، مثل بيروت، إبّان العهد المملوكي السابق، وقد كان الفتح العثمانيّ لبلاد الشّام ومصر ( 1516-1517م) كارثة على مصالح البنادقة التجاريّة إذ حرمهم من أحد مصادر الإمداد أو الاستيراد الأساسيّة ومن أحد أسواقهم الهامّة كذلك. ومن المهم أن نتذكّر أيضاً أنّ الخسارة جرّاء ذلك لا بدّ أنّها قد لحقت كذلك بشركائهم التجاريّين المحليين في بلاد الشّام ومن بينهم زعماء الدّروز وتجّارهم وذلك نتيجة للقيود العثمانيّة على استيراد وتصدير العديد من الموادّ والسلع . وقد كان الزّعماء الدّروز، والطّائفة عموماً، الشّركاء المحليين للبنادقة في هذه التّجارة المربحة. ولذا فليس من المُستغرب أن يشترك البحتريّون والمعنيّون في تمرّد 1518م ضدّ العثمانيّين. هذا التّمرّد – كما تمت الإشارة سابقاً- بحيث يُعتقد أنّه كان محاولة لإعادة سلطة المماليك التي تمتّع في ظلها البنادقة، عمليّاً، بإحتكار التّجارة مع بلاد الشّام. ويَعتقد أبو حسين أنّ تلك الخسائر تركت أثراً سيّئاً للغاية على شركاء البنادقة المحليين خصوصاً الدّروز، الأمر الذي قد يكون ولّد لديهم الرّغبة والإستعداد للإتفاق مع البنادقة، ليس فقط في مجال تهريب المواد الممنوعة واستيرادها فحسب، بل في أن يكونوا جزءاً من الحرب السّريّة، وأحياناً الحرب العلنيّة التي كان البنادقة يخوضونها ضدّ العثمانيّين. وفي سياق هذا الصّراع، يمكن ربط هجوم عام 1520م على ميناء بيروت بمحاولة البندقيّة اليائسة للسّيطرة على أحد الموانئ الأكثر حيويّة لتجارتها مع بلاد الشّام.


مواجهات مُبكّرة
يذكر المؤرخ أبو حسين نقلاً عن المصادر التّاريخيّة أنّ أوّل حادثة تمرّد شهدت تورّطاً لزعماء من الدّروز حصلت بعد الفتح العثمانيّ لبلاد الشّام بسنتين. وفي هذا الصّدد يروي المؤرّخ الدّرزي ابن سباط (توفي 1520) أنّه في عام 1518م ألقي القبض على أربعة من الأمراء الدّروز كان أحدهم من البحتريين، أمّا الثّلاثة الآخرون فقد كانوا من المعنيّين، لإشتراكهم في عصيان قاده ناصر الدّين محمد ابن الحنش ضدّ السّلطان سليم الأوّل، وكان ناصر الدّين هذا زعيماً بدويّاً سنّياً من سهل البقاع، وقد اعتبر هذا العصيان الأوّل بمثابة انتفاضة للعناصر الموالية للدّولة المملوكيّة البائدة ضدّ الدّولة العثمانيّة الحديثة العهد في المنطقة. وعلى أيّ حال كان ابن الحنش المتمرّد الرّئيسي، وقد اعتُقل في ما بعد، وأُعدم عقاباً له، أمّا الأمراء الدّروز فقد كانت عقوبتهم مخفّفة إذ اقتصرت على غرامة باهظة دفعها كلّ منهم 13.
بعد سنتين من تمرّد ابن الحنش، حصلت في 12 تشرين الأول 1520 حادثة اعتبرها العثمانيّون أكثر خطورة تمثلت في غزو مفاجئ لأسطول صغير من سفن الفرنجة لمرفأ بيروت في محاولة للإستيلاء عليه وعلى المدينة واستخدامه قاعدة لحملات عسكرية تالية ضد الأراضي العثمانية. يروي إبن طولون، المؤرّخ الدّمشقي الذي عاصر الحدث أنّ الحامية العثمانية تنبهت للهجوم فدارت معركة كبيرة قُتل فيها نحو 100 من المسلمين ونحو 400 من الفرنجة الذين أرسلت رؤوس قسم من قتلاهم إلى دمشق وتمّ عرضها في أحياء مختلفة من المدينة.
ثم يذكر إبن طولون الذي شهد الحدث الأوّل أنّه وبعد ثلاث سنوات من الإغارة الفرنجيّة أي في العام 1523 هاجم حاكم دمشق خُرّم باشا منطقة الشّوف الحيطي وقتل كثيراً من الخلق وعاد إلى دمشق في موكب النصر وقد حدّد إبن طولون المنطقة الدّرزيّة التي تعرضت لهذا الهجوم على أنّها شوف سليمان بن معن (أو الشّوف الحيطي). وعلم الدّين سليمان هذا كان من بين الزّعماء المعنيين الذين انتفضوا ضدّ العثمانيّين عام 1518م.
يعتقد المؤرخ عبد الرحيم أبو حسين الواسع الإطّلاع على الوثائق العثمانية أنّ هذا العمل الهجوميّ للعثمانيّين قد يبدو مفتقراً إلى مبرّر مباشر لكنّه عند التمعًّن بتلك الفترة يمكن اعتباره ردّاً على دور للزّعماء المعنيين في تمرّد ابن الحنش عام 1518م، والاحتمال الأكثر ترجيحاً هو أنّ الهجوم كان ناجماً عن الشّكّ في تواطؤ بعض أمرائهم مع البنادقة في الهجوم على ميناء بيروت عام 1520م. ويضيف أبو حسين أنّه و”مهما يكن سبب تلك الحملة العثمانيّة فإنّ الجدير بالملاحظة هو أنّ الهجمات اللّاحقة على الدّروز اعتُبرت دائما ردّاً على “عِصيانهم” كما يرد في الوثائق العثمانيّة والكتابات الشّامية المحليّة.14
لكنّ الدّروز في ما يبدو استمرّوا في التّحدّي، وقتلوا الصّوباشي ورجاله الذين عيّنهم خرّم باشا لتطبيق القانون والمحافظة على النّظام. ومرّة ثانية قاد خرّم باشا جيشه إلى مناطق درزيّة أخرى وأعمل فيها تنكيلاً وحسب إبن طولون فإنّ “أكثر من ثلاثين قرية أُحرقت، ونُهبت قرى كثيرة أخرى”. ويورد مصدر دمشقيّ متأخّر أنّ خُرّم باشا أحرق في هجومه الثّاني هذا ثلاثاً وأربعين قرية منها قرية الباروك مقرّ قرقماز بن معن.
ويعرض المؤرّخ أبو حسين لوثيقة عثمانيّة تشير إلى امتداد التمرد المسلّح إلى سنجق صفد الذي كان أصبح تحت سيطرة الأمير قرقماز بن معن وجاء في الوثيقة أنّ أمير لواء صفد بالتّعاون مع السّباهية في اللواء وآغا الانكشارية على رأس خمسماية من جنوده قاموا بقتال الدّروز في مدينة صفد وريفها واعتقلوا زعيمهم ابن منذر و بعض رجاله ثمّ قتلوهم، وأرغم بقيّة المتمرّدين على تسليم 600 بندقيّة، وعلى التّعهُّد بدفع الضّرائب المتأخّرة المترتبة عليهم.15 ويرد في وثيقة أخرى أنّ دروز صفد وبدوها يشكلّون العناصر الأساسيّة في التّمرّد. وتوضح هذه الوثيقة أنّ السّكان المحلّيين وأرباب الزّعامات والتّيمار قد اشتكَوْا ضدّ المتمرّدين
و أشاروا في شكواهم إلى أنّ البدو والدّروز انتهزوا فرصة غياب أمراء الألوية والعساكر الذين كانوا في عداد المشاركين في السّفر الهمايوني (الحرب الخارجيّة) وقاموا بتمرّد مسلّح، وهكذا لم يكن من الممكن أن يجمع ولو مقدار أقجة واحدة من ضرائب تلك المنطقة، نظراً إلى أنّ عدد البنادق في سنجق صفد وحده قد وصل إلى سبعة آلاف بندقيّة. وتختم الوثيقة بالأمر باعتقال زعماء التّمرّد وإرسالهم مع السلاح المصادر إلى اسطنبول، وأن تتمّ معاقبة مستحقّي العقاب فوراً. 16
بذلك، بقي دروز لبنان أبرز أهداف النّقمة العثمانيّة وخصوصاً زعيمهم الأوّل قرقماز بن معن، الذي وسّع نطاق سيطرته، على ما يبدو، ليشتمل على سنجق صفد، ونظراً إلى ذلك فقد صدر الأمر إلى والي طرابلس بتقديم العون إلى والي دمشق للتّخلص منه.17
إلّا أنّ الجهود لإنهاء التّمرّد الدّرزي استمرت في التّعثر، وبقي الدّروز في حالة من التّمرّد المعلن في كلّ ولايات بلاد الشّام التي يتواجدون فيها في الأعوام 1583 و 1584 و 1585.18 ومرّة أخرى نُظِر إلى قرقماز بن معن على أنّه أكثر زعماء الدّروز خطراً و إلى الدّروز إجمالاً على أنّهم أكثر الجماعات تمرّداً، وطُلب إلى والي دمشق وطرابلس أن يوحدا قواتهما لمحاربتهم.19
حملةُ الحسم
وفي عام 1585م إنطلقت حملة تأديبية عثمانيّة كبيرة ضدّ الدّروز بإمرّة القائد إبراهيم باشا الذي قاد القوّات التي تجمّعت من مختلف ولايات بلاد الشّام والأناضول. وكان حجم الحملة يدلّ على مدى خطورة الوضع، وعلى أن القوات العثمانيّة الموجودة في ولايات بلاد الشّام لم تكن قادرة وحدها على القيام بما هو مطلوب.
وحسب مؤرّخ محلي فإنّ وقع هذا العرض الجبّار للقوّة العثمانيّة على السّكان المحليّين كان بالغاً لدرجة أن “ارتعب منه كلّ بلاد العرب”.20 وحسب المصادر والوثائق العثمانيّة، ومثلها العربية، كانت العمليّة العسكريّة ناجحة. إذ تمكّن إبراهيم باشا من تجريد الدّروز من السّلاح، وصادر آلاف البنادق، بالإضافة إلى الكثير من الأسلحة الأخرى، كما جمع مبالغ كبيرة من المال- التي يرجّح أن تكون ضرائب متأخّرة.21 ويبدو أن الحملة العثمانيّة الهائلة حققت أغراضها في فرض وضع حدّ للتمرد وفرض هيبة الدولة، يدلّ على ذلك غياب أيّ إشارة في الوثائق العثمانيّة والمصادر المحليّة إلى قيام الدّروز بأيّ اضطرابات أخرى حتى القرن السّابع عشر.
يلاحظ المؤرّخ أبو حسين بإستغراب أنّ المصادر المتوفّرة حول شؤون بلاد الشّام والدّروز لا تغطي أحداث تلك الحقبة المهمّة من الصّراع العثمانيّ – الدّرزي المبكّر مضيفاً: ”إنّ المصادر التي يمكن وصفها بـ”اللبنانيّة” لا تأتي حتى على ذكر تلك الحوادث وتصمت صمتاً كاملاً ومثيراً للرّيبة عن الشّؤون الدّرزيّة منذ بداية الفتح العثمانيّ إلى عام 1585م، وهي الفترة التي شهدت تطوّرات مهمّة تدلّ على استمرار التّمرّد الدّرزي من جهة والرّد العثمانيّ القمعيّ عليه من جهة أخرى”.
يبدو أنّ الحملة العثمانيّة ضدّ الدّروز عام 1585م كانت آخر حملة في القرن السّادس عشر، إذ لا تذكر الوثائق العثمانيّة أو الكتابات المحليّة، أيّ تمرّد درزيّ أو أيّة أعمال إنتقامية عثمانيّة مضادّة. وكما أشرنا سابقاً، ربّما كان هذا الهدوء عائداً إلى نجاح الحملة العثمانيّة، وإلى الضّعف الذي اعترى البندقيّة كقوّة بحريّة وتجاريّة في البحر الأبيض المتوسط.22 هذا علاوة على أنّ العثمانيّين أتبعوا نصرهم العسكريّ بإجراءات إداريّة تضمّنت إنشاء ولاية الدّروز.23
ولكنّ “ولاية الدّروز” هذه لم تعمّر طويلاً. وعوضاً عن ذلك، نقل العثمانيّون سنجق صيدا-بيروت من التّابعيّة لسلطة ولاية دمشق إلى تابعيّة سلطة ولاية طرابلس وبالعكس مراراً. وقد اتُّخذ هذا الإجراء، في ما يبدو، أملاً في أن تصبح المنطقة تحت سيطرة أكثر حزماً وربما أكثر ولاءً.24 إلّا أنّ هذا الإجراء أيضاً لم يعمّر كما يظهر من الإنتقال المتكرر للسّنجق ولم يؤت الثمار المرجوّة، فقد تجدّد التّمرّد الدّرزيّ مع بداية القرن السّابع عشر، هذا القرن الذي سيشهد صعود فخر الدين الثاني وتوسيع سلطانه بصورة لم يحققها من قبل أي أمير محلي. لكن هذا الصعود المبهر للزّعيم الدّرزي ما لبث أن اصطدم بالحقائق السّياسيّة الأساسيّة وكلّفه في النهاية ملكه ثم حياته. ومنذ ذلك الوقت أصبح فخر الدّين بتأثير الرّوايات اللبنانية لتلك الفترة القلقة بطل الفكرة اللبنانية ومؤسّس الكيان اللبناني الذي تكرّس بإعلان الجنرال الفرنسي غورو في العام 1920.


بناء على ملخص هذا البحث المهم لأحد أبرز مؤرّخي الحقبة العثمانية في لبنان وسوريا يمكن الخروج بنتائج جديّة ومهمة تقلب الكثير من المسلّمات والأفكار المتداولة بين كتّاب التاريخ اللّبنانيّ ولاسيّما التأريخ المارونيّ للبنان: ومن أهمّ هذه النتائج:
1. إنّ العنصر الحاسم تاريخيّاً في تشكّل فكرة لبنان كما تبلورت في أواسط القرن التّاسع عشر ومطلع العشرين ليس أيّ “مقاومة لبنانيّة” فلا يوجد أيّ دليل تاريخي على حدوثها بل “التمرّد الدّرزيّ الطّويل” على العثمانيّين والذي بدأ بعد سنتين من دخول السّلطان سليم الأوّل واستمر حتى نهاية العهد المعنيّ، إذ ساهمت نزعة الدّروز الاستقلاليّة عن العثمانيين وتمسّكهم بحماية وضعهم الخاص بما في ذلك حقهم في امتلاك السلاح ومقاومتهم للضّرائب والولاة العثمانيّين فضلاً عن وعورة مناطق تواجدهم وكفاءتهم القتالية، ساهم كل ذلك في إنتاج إحدى الإمارات القليلة التي لم تكن ولاية عثمانيّة محكومة مباشرة من السلطنة وغذّت بالتالي ديناميكيّة سياسيّة ومجتمعيّة كانت فكرة الكيان اللبناني إحدى ثمارها الطبيعيّة.
2. إنّ التّمرّد الدّرزيّ ضدّ العثمانيّين حتى عام 1633م، وربما حتى النّهاية في 1697، كان يستفيد إلى حد كبير من المخطّطات الأوروبيّة السّياسيّة والتجاريّة والدينيّة المرسومة لبلاد الشّام، وقد تصدّت البندقيّة لأخذ زمام القيادة في هذه المخطّطات الأوروبيّة في المرحلة الأولى للتمرّد خلال القرن السّادس عشر. أمّا في المرحلة الثّانية في القرن السّابع عشر، فقد حلّت قوى حديثة الصّعود كتوسكانا محلّ الدّول الكبرى، كالبندقيّة، لا كمجرد قوى قرصنة في شرق البحر الأبيض المتوسّط كما أشار بروديل،25 بل إلى ما هو أكبر من ذلك، كصاحبة مشاريع أكثر جرأة وطموحاً، كما تشير إلى ذلك حالات التّمرّد التي قام بها علي جانبولاد والأمراء المعنيون.
3. أمّا على المستوى المحلّي، فقد أتاح هذا التّمرّد الطّويل الفرصة لتأسيس إمارة الشّهابيين السّنّة، التي كانت تدبيراً اتُّخذ بمبادرة درزيّة ووجد العثمانيّون-الذين تخلّصوا في النّهاية من المعنيين – فيه مصلحة لهم، خاصّة حيث تضاءلت مقدرتهم على الإكراه وفرض الطّاعة بشكل ملحوظ، ليس فقط بسبب “التّمرّد الطّويل” السّابق الذّكر، ولكن أيضاً بسبب حربهم المستمرّة على الجبهة النّمساوية وهزيمتهم فيها. وقد أعطى هذا التّدبير الذي شمل أواسط جبل لبنان وجنوبه، من عام 1697 حتى عام 1841م لهذا الكيان طابع “الإمارة” الوراثيّة. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشّهابيين يتحدّرون من السّلالة المعنيّة عن طريق النّساء؛ ذلك أنّ السّلالة المعنيّة، عن طريق الذّكور، قد انقرضت بوفاة أحمد بن معن 1697م دون أبناء.26
4. هذا التّطوّر السّياسيّ الهامّ ما كان ليحدث لولا “التّمرّد الطّويل” الذي صنع “للبنان” و “اللبنانيين” بطلهم الوطنيّ، وسلالتهم المؤسّسة. وهكذا فإنّه بالرّغم من الخلافات الجذريّة العميقة بين المؤرّخين اللبنانيّين التي أشرنا إليها أعلاه في ما يتّصل بطبيعة لبنان وتاريخيته، وفي سياق المرحلة العثمانيّة، فقد تبلور لدى هؤلاء المؤرّخين موقف مشترك يقف من فخر الدّين المعنيّ (توفيّ 1635) موقف إجلال، وكذلك من أفراد آخرين من السّلالة المعنيّة كأبطال مؤسّسين لشيء ما. بالنّسبة للقوميين العرب فإنّ ظاهرة فخر الدّين كانت تعبيراً مبكّراً عن القوميّة العربيّة، حيث مثّلت صداماته مع الدّولة العثمانيّة انتفاضات قوميّة عربيّة ضدّ الطّغيان التّركيّ. أمّا بالنّسبة للقائلين بخصوصيّة لبنان، فإنّ فخر الدّين هذا في حدّ ذاته بطل قوميّ لبنانيّ حارب الأتراك كما فعل أسلافه من قبله. وبالنّسبة للبنانيّين خصوصاً، فقد كان فخر الدّين هذا بطلاً وطنيّاً يحارب التّرك، كما فعل السّلف من قبله، وكما سيفعل الخلف من بعده. إلّا أنّ فخر الدّين يتميّز عن سلفه وخلفه، في النّظرة إليه، كمؤسّس للبنان الحديث. وقد اتّخذت وجهة النّظر الثّانية هذه صبغة شبه رسميّة – إن لم تكن رسميّة- في لبنان. ذلك أنّ هذا ما يرد في الكتب المدرسيّة اللّبنانيّة في المراحل الابتدائيّة والإعداديّة والثّانويّة في كافّة أنحاء البلاد.
5. ويمكن القول إنّ المعنيين كسلالة احتلّوا -عموماَ- مرتبة الشّرف في الرّواية الوطنيّة اللبنانيّة. فهم إمّا أبطال النّضال ضدّ العثمانيّين، أو ضحايا ظلمهم ومزاجيّتهم أو كلا الأمرين معاً. فهذه هي الصّورة التي تقدّمها الأعمال البحثيّة، والكتب المدرسيّة، وأكثر أشكال التّعبير التّاريخيّة شعبيّة، مثل المقالات الصّحفيّة والمسرحيّات والأفلام.. إلخ تجمع على هذه الرّواية القوميّة لـ “تاريخ لبنان” في المرحلة العثمانيّة كما تمّ شرحها أعلاه. كانت كتب التّاريخ التي تُدرّس في المدارس اللبنانيّة، وما زالت، إحدى نقاط الخلاف الكثيرة بين مختلف القادة السّياسيين، أو الدّينيين، أو كليهما معاً. وقد حصل الإجماع في اتفاق الطّائف الذي وضع حدّاً للحرب الأهليّة الأخيرة على تشكيل لجنة تمثّل كلّ الأطراف للنّظر في التّاريخ في المنهاج المدرسيّ، وذلك لإعادة كتابته ليكون مقبولاً لدى جميع الأطراف، ولتنمية الشّعور بالإنتماء إلى لبنان ليحلّ هذا الشّعور محلّ الانتماءات الطّائفية، إلّا أنّ كافّة الجهود في هذا الاتجاه لم تثمر حتى الآن وما زالتّ الرّواية القوميّة المتعلّقة بفخر الدّين والمعنيّين الجزء الوحيد من رواية اللّبنانيّين لتاريخهم، التي مازالت تلقى شبه إجماع. دَعونا نتفحّص كيف قدّمت هذه الرّواية القوميّة، وكيف جرى بناؤها.
في العدد القادم : فخرُ الدّين المعنيّ
الهوامش
1. الاستثناء الهام الوحيد لذلك هو الدور الذي لعبه فخر الدين والذي يعتبره المؤرخون اللبنانيون والعرب صفحة مجيدة في مقاومة الطغيان العثماني.
2. حول الدويهي كمؤرخ لبلاد الشام العثمانية ومحاباته للمعنيين انظر A. Abu-Husayn, “Duwayhi as a Historian of Ottoman Syria”, Bulletin of the Royal Institute for Inter-Faith Studies 1, no. 1 (Spring 1999), 1-13; A. Abu-Husayn, “The Korkmaz Question: A Maronite Historian’s Plea for Ma‘nid Legitimacy”, Al-Abhath 34 (1986), 3-11.
3. دفتر المهمة العثماني (يرد في ما بعد د. م.) 26، رقم 101 بتاريخ حزيران 1546.
4. د. م. 5 رقم 565.
5. د. م. 5 رقم 1091، بتاريخ 1564- 1565 ؛ التشديد مضاف
6. د. م. 5 رقم 488 بتاريخ 28 اب 1574.
7. د. م. 42 رقم 273 بتاريخ 25 تموز 1581، د. م. 49 رقم 443 بتاريخ 10 تموز 1583.
8. الأمين (Emin) هو الموظف المكلف بتحصيل الضريبة لقاء راتب.
9. د. م. 29 رقم 70 بتاريخ 16 كانون الأول 1576.
10. د. م. 27 رقم 70 بتاريخ 23 شباط 1576.
11. د. م. 5 رقم 614 بتاريخ 18 أيلول 1576.
12. بقي فخر الدين، حتى أيامه الأخيرة في بلاد الشام حجر الزاوية في المشاريع الكاثوليكية لاحتلال جزيرة قبرص والأراضي المقدسة. استمر البابا والدوق الأكبر لتوسكانا في التفكير بهذه المشاريع حتى عام 1633 قبيل القاء القبض على فخر الدين، ففي احدى رسائله الى فخر الدين يتوجه اليه البابا كحفيد لـ Godefroy de Bouillon ويعبر عن أمله بأن فخر الدين سيعود في النهاية الى ديانة أجداده العظام، انظر بولس قر ألي فخر الدين المعني الثاني: حاكم لبنان ودولة توسكانا، بيروت 1992 (يرد في ما بعد قر ألي)، 272، 349-350. وقد عبر عدد من مبعوثي الباباوات والحكام الزمنيين عن هذه النظرة الى فخر الدين ففي رسالة وجهها فخر الدين الى السفير الفرنسي لدى البلاط الباباوي أثناء اقامة الأول في ايطاليا يدعي فيها أن عائلته تتحدر من القائد الصليبي Godefroy de Bouillon.
13. انظر A. Abu-Husayn, Provincial Leaderships in Syria, 1575-1650 (Beirut, 1985), 68-69; hereafter, Abu-Husayn, Provincial.
14. إعلام، 241.
15. د. م. 46 رقم 30 ب بتاريخ 1581- 1582.
16. د. م. 46 رقم 518 بتاريخ 1581- 1582.
17. د. م. 46 رقم 30 ب بتاريخ 1581- 1582.
18. د. م. 49 رقم 110 بتاريخ 27 نيسان 1583، د. م. 52 رقم 969 بتاريخ 26 نيسان 1584، د. م. 53 رقم 724 بتاريخ 12 شباط 1585، د. م.. 58 رقم 635 بتاريخ 31 آب 1585.
19. د. م. 53 رقم 724 بتاريخ 12 شباط 1585.
20. أسطفان الدويهي، تاريخ الأزمنة، حرره الأب فردينان توتل بيروت 1951، 284؛ يرد في ما بعد الدويهي.
21. د. م. 58 رقم 636 بتاريخ أواخر آب الى أوائل أيلول 1585؛ الحسن البوريني، تراجم الأعيان من أبناء الزمان، حرره صلاح الدين المنجد (دمشق 1959- 1963) يرد في ما بعد البوريني، الجزء الأول، 324. G. Minadoi, Historia Della Guerra fra Turchi e Persiani (Venice, 1594) (hereafter, Minadoi), 295; M. Selaniki, Tarihi Selaniki (Istanbul, 1281 H), 194. صدرت طبعة من هذا العمل محررة باللغة التركية الحديثة. البطريرك والمؤرخ الماروني الدويهي يشرح أن سبب هذه الحملة هو حادثة نهب الخزينة المصرية التي حصلت في شمال الساحل اللبناني ويضيف بأن قرقماز بن معن والدروز قد اتهموا زوراً بالمسؤولية عن هذه الحادثة. كما إنه يضيف أن ابراهيم باشا قد قتل، خلال هذه الحملة ما لا يقل عن خمسمائة من المشايخ الدروز. للمزيد من التفاصيل حول هذه الحملة انظرA. Abu-Husayn, “The Ottoman Invasion of the Shuf in 1585: A Reconsideration”, Al-Abhath 33 (1985), 13-21.
22. حول ذلك أنظر Alberto Teneti, Piracy and the Decline of Venice, 1580-1615 (Berkeley and Los Angeles, 1967), xii-xiv.
23. د. م. 50 رقم 123، بتاريخ 1585.
24. حول هذا الانتقال المتكرر بين سنجق صيدا- بيروت وولايتي طرابلس ودمشق انظر Abu-Husayn, “Problems.”
25. Braudel, 865.
26. حول خلافة آل شهاب، انظر For a detailed discussion of the Shihab succession, see A. Abu-Husayn, “The Shihab Succession: A Reconsideration”, Archive Orientalni, Supplementa VIII, 1998, 9-16.