الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

عباس افندي المصفي

في عالم الصحافة والأدب، هناك أسماء كثيرة لامعة حفرت في ذاكرة الزمن بأقلامها التي سطرت ملامح الفكر والسياسة، ولكن هناك أيضًا شخصيات ساهمت بقدر كبير في تشكيل هذا العالم، وإن لم تحظَ بشهرة واسعة.

من هؤلاء الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الأدب والصحافة، رغم ما شاب مسيرتهم من غربة، عباس أفندي المصفي. وُلد في لبنان عام ١٨٨٢، وشق طريقه إلى مصر ليُصبح جزءًا من الحركة الثقافية والفكرية التي شكلت وجدان الأمة العربية في بداية القرن العشرين. لم يكن صوته عاليًا في الزمان والمكان، لكن مقالاته كانت أشبه بشُعلة ضوء في فجر جديد؛ تستحق الوقوف عندها وتحليلها، لأنها كانت تلامس نبض الأمة وتُحلل الواقع السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وحكمة عميقة.

كان عباس أفندي المصفي أحد المنارات التي أضاءت طريق الفكر في فترة كانت تعج بالأحداث التاريخية العاصفة، فكان قلمُه يُنير دروب الصحافة، ويغذي العقول بنكهة أدبية صادقة ورؤية سياسية نافذة.

الميلاد والنشأة:

وُلد عباس أفندي المصفي في بلدة بعقلين، تلك البلدة التي تأخذ من جبل لبنان حضنًا لها وتغذيها بعبق التاريخ، في عام ١٨٨٢. نشأ في قلب بيئة جبلية خلّابة، حيث تمازجت الرياح الطيبة مع التراب الندي، وامتزجت أصوات العصافير مع زقزقة الفكر. في تلك البيئة، ترعرع قلب عباس على حب العلم.

بدأ دراسته في مدارس بلدته، ليكمل بعد ذلك دراسته الثانوية في مدرسة “الداودية” في عبيه، وهي مدرسة عريقة كانت بمثابة مرشد فكري للأجيال التي خَلَت. لكن طموحاته الفكرية كانت أبعد من أسوار البلدة، فانتقل إلى دمشق، في خطوة نحو تأصيل معرفته القانونية، حيث التحق بمكتب الحقوق بدمشق، الذي أتاح له فرصة التعرف على تيارات فكرية غزيرة كانت تزدهر في تلك الفترة. كانت دمشق، حينها، قبلة العلماء والمفكرين، المكان الذي جَمعَ بين سحر الماضي وزخمه.

الهجرة إلى مصر:

ومع بزوغ شمس عام ١٩٠٤، قرر عباس أفندي المصفي أن يفتح لنفسه آفاقًا جديدة، فهاجر إلى مصر. مصر، التي كانت في تلك الفترة تعيش حالة من التنوع الثقافي والإنفتاح على مختلف التيارات الفكرية. وصل المصفي إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت بمثابة معبر بين الشرق والغرب، حيث الهوى المصري الأصيل يلتقي مع الرياح الأوروبية العاتية. في هذه المدينة، وجد المصفي ضالته، فانتقل إلى الصحافة والأدب، وراح ينقش بأقلامه خواطره وتحليلاته السياسية.

الصحافة والأدب:

انغمس عباس أفندي المصفي في عوالم الصحافة سريعًا، فبدأ العمل في “الإيجيبيشيان جازيت”، تلك الجريدة التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية في الإسكندرية، وجاءت اللغة الإنجليزية التي كان يتقنها جسرًا له ليعبر عبره إلى الصحافة الأوروبية. لكن علاقته مع الصحافة لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت رحلة فكريّة فلسفية. كان يكتب، ليس فقط بما يراه، بل بما يشعر به من تعقيدات اللحظة السياسية والاجتماعية. وبدون توقف، انطلق في نشر مقالاته في جريدة “الأهرام”، التي تأسست عام ١٨٧٥، لتصبح لاحقًا من أهم الصحف في العالم العربي. كانت مقالاته دائمًا تُنير الطريق وتكشف الغموض عن الواقع السياسي.

المقالات والتحليل السياسي:

ولم يكن عباس أفندي المصفي كاتبًا يتبع الحروف والنقاط فحسب، بل كان يُجسد الحياة في كلماته. كانت مقالاته تتسم بجمالية اللغة وعمق التحليل، فكان يجمع بين الأدب والسياسة في مزيج فريد. في مقاله الشهير عن المعاهدة المصرية البريطانية، الذي نشره في ٣ سبتمبر ١٩٣٦ في “الأهرام”، استخدم المصفي أسلوبًا بلاغيًا ساخرًا، حيث قارن بين المعاهدة “الثريد” – أكلة بادية قديمة – التي تجمع “السويق” من هنا و”النار” من هناك، ليصف الحالة السياسية بين مصر وبريطانيا. فقد كان المصفي يرى في المعاهدة نوعًا من الخداع المستمر، حالة من الاتفاق غير المتكافئ، التي تُطعم الجياع بنصف الحقيقة وتغذي الساكنين في القصور بالنصف الآخر.في مقال آخر نشره في ٦ نيسان ١٩٣٧، تناول “الامتيازات الأجنبية” في مصر، مؤكدًا أن القضاء على الاحتلال البريطاني سيكون خطوة أولى نحو التحرر الحقيقي، وأن مصر يجب أن تتخلص من كل أعباء التبعية. كانت كلماته كالرعد، لا يترك أذنًا إلا وقد سمعت صوته.

 الحياة الشخصية والعائلية:

وفي عام ١٩١٠، عاد عباس أفندي إلى لبنان لفترة قصيرة بحثًا عن الحب في قلب الطائفة التي انحدر منها. تزوج من خانم محمد طليع من جديدة الشوف، وهي سيدة ذات مكانة اجتماعية متميزة. ومن ثم رزق المصفي بابنه الوحيد سامي، الذي سيصبح في المستقبل مديرًا للدائرة التجارية في شركة طيران الشرق الأوسط. لكن المصفي عانى مرارة فقدان أولاده الثلاثة، الذين رحلوا في سن مبكرة، ما شكل له حزنًا عميقًا لا يُمكن أن يُمحى. هذا الحزن كان يشبه الندبة التي لا تُشفى في قلبه، لكن في عزاءه، كان يلوح دائمًا بفكره وبقلمه، مستمرًا في إلهام من حوله.

المشاركة في الأحداث التاريخية الكبرى:

كان عباس أفندي المصفي شاهدًا حيًا على الثورة المصرية ١٩١٩، التي كانت محورية في تاريخ مصر. وقد كانت الإسكندرية أحد معاقل هذه الثورة، حيث التحم الشعب المصري في معركة تحرير وطنه. كان المصفي حاضرًا في تلك اللحظات الفارقة، يرصد التغيرات ويحمل على عاتقه مهمة توثيق هذه اللحظات، ليُبقيها حية في الذاكرة. وقد عاش أيضًا فترة الاستقلال المصري، وكان أحد الأسماء التي تابعت بحذر وتفكير عميق التغيرات الكبرى في البلاد، عبر حروفه التي كانت تُحلل الوضع السياسي بكل موضوعية، مستندًا إلى عقله الناقد وقدرته على فهم ما وراء الأحداث.

إرثه الأدبي والفكري:

عباس أفندي المصفي لم يكن مجرد كاتب أو صحفي، بل كان منارة فكرية، يكتب من أجل الوعي، ويلهم العقول. ورغم أن اسمه قد لا يكون مدونًا بحروف ضخمة في سجلات الأدب والصحافة، إلا أن تأثيره كان واضحًا من خلال مقالاته التي كانت تمزج بين الأدب والتحليل السياسي، وتقدم رؤية لمستقبل أكثر نضوجًا ووعيًا. كانت أفكاره تتجاوز حدود الصحافة التقليدية لتكون نبعًا للفكر العربي الذي يسعى لفهم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية في تلك الحقبة.

الخاتمة:

عباس أفندي المصفي كان شاعرًا للصحافة وأديبًا للسياسة، فقد كتب بعين المثقف وبقلب الوطني المخلص. ورغم أنه لم يكن في مصاف الأسماء الأكثر شهرة، إلا أن أثره الأدبي والسياسي لا يمكن إنكاره. كان قلمُه شاهدًا على أحداث الزمن، فكأنما كان يكتب بحروفٍ من دمٍ وأمل. وإن كان صوته قد تلاشى مع مرور الزمن، إلا أن صدى كلماته يبقى يتردد في عقولنا، كصوت أديب فكر بأدب وصحفي سرد الحقيقة بأمانة.


مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي