آخِرَ ما كُنّا نَوَدُّ كتابتَهُ في «الضحى»، كتبناهُ فِعلاً في هذا العدد!
إذْ كَيفَ تَكتُبُ عن السُّوَيْداء «الشَّهيدة»؟
كَيْفَ تَكتُبُ عن «غَزْوَةِ العَصْر»؟!
كَيْفَ تَكتُبُ عن مَدَنيِّينَ عُزَّلٍ، لا نَاقَةَ لَهُم ولا جَمَلَ، قُتِلوا ظُلْماً بِدَمٍ بارِدٍ، وَبِرَصاصٍ كانَ يَجِبُ أنْ تَكونَ وِجْهَتُهُ غَزَّةَ، لا السُّوَيْداءَ!
… عَنْ أطْفالٍ في عُمُرِ الوَرْدِ رُمِيْن عنِ الشُّرُفاتِ،
أوْ أُجْبِرْنَ على السَّيْرِ وَسْطَ دِماءِ جُثَثِ والِدِيهِم،
أوْ عَنْ حَرائِرَ لَمْ تَتَلَطَّخْ مَناديلُهُنَّ البِيضُ في ألْفِ سَنَةٍ!
كَيْفَ تَكتُبُ عَمَّنْ آوَيْتَهُ لاجِئاً، وَكَسَوْتَهُ عارِياً، وَأطْعَمْتَهُ جائِعاً، وَطَمْأَنَّتَهُ خائِفاً، ثُمَّ اسْتَلَّ في غَفْلَةٍ مِنَ الزَّمَنِ سِكِّينَهُ لِيَطْعَنَكَ في قَلْبِكَ، وَيُحْرِقَ بَيْتَكَ، وَيَجْعَلَ لَحْمَ جَسَدِكَ وَعائِلَتِكَ وَجِيرانِكَ لِلْوُحُوشِ!
كَيْفَ يُطْلِقُ الدّاعِشِيُّ الرَّصاصَ على الأطْفالِ وَالنِّساءِ وَكِبارِ السِّنِّ وَهُوَ يَصْرُخُ «اللهُ أكْبَرُ»؟!
ألا يَخْشى غَضَبَ اللهِ النّاظِرَ الشّاهِدَ على الجَرائِمِ غَيْرِ المَسْبُوقَةِ تِلْكَ؟!
ألا يَخْشى غَضَبَ رَسُولِ اللهِ الَّذي رَفَضَ رَجْمَ حتّى الزّانِيَةِ تارِكاً أمْرَها لِرَبِّها يَوْمَ القِيامَةِ وَالحِسابِ؟!
لا نَمْلِكُ في «الضحى» كَلِماتٍ كافِيَةً نُواسي بِها العائِلاتِ المَفْجُوعَةَ، وَالأطْفالَ الَّذينَ باتُوا يَتامى، وَأبْناءَ النِّساءِ اللَّواتِي اخْتَطَفَهُنَّ الغُزاةُ، قُسَاةُ القُلُوبِ، كَما في عادَاتِ الوَثَنِيِّينَ في الجاهِلِيَّةِ، وَغَزْوَةِ المَغُولِ لِبَغْدادَ!
لَمْ يُنْقَلْ عن جُنْدِيٍّ إسْرائيلِيٍّ (يَهُودِيٍّ) واحِدٍ أنَّهُ اغْتَصَبَ امْرَأَةً في غَزَّةَ أوِ الضِّفَّةِ؛ فَمَنِ الكافِرُ وَالمُشْرِكُ وَعَلى ضَلالٍ مُبِينٍ، المُنْتَهِكُ أعْراضَ النِّساءِ فُجُوراً وَفَساداً وَجاهِلِيَّةً؟! أيَهُودِيُّ غَزَّةَ أمِ المُجْرِمُونَ الوُحُوشُ في «غَزْوَةِ السُّوَيْداءِ»؟!
لَمْ تَعْرِفُوا «الرَّحْمَةَ» في حالَةٍ واحِدَةٍ، أوْ في لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، وَالإسْلامُ دِينُ الرَّحْمَةِ!
الإسْلامُ بَرِيءٌ مِنْكُمْ، وَالشَّهامَةُ العَرَبِيَّةُ بَرَاءٌ مِنْكُمْ؛ فَما أنْتُمْ إلّا وُحُوشٌ عاشَتْ في الكُهُوفِ وَتَحْتَ الأرْضِ، ثُمَّ أُخْرِجَتْ في اللَّيْلَةِ الظُّلْماءِ لِتَغْدُرَ بِأحْرارٍ آمِنِين في بُيُوتِهِم، كانُوا فَدَوا سُورْيا العَرَبِيَّةَ الواحِدَةَ بِالمُهَجِ وَالأرْواحِ!
وَمَعَ ذلِكَ فَإجْرامُكُمْ، الَّذي نَسَبْتُمُوهُ زُوراً لِلإسْلامِ الحَنِيفِ، لَنْ يُخْرِجَنا مِنْ إسْلامِنا الَّذي نَشَأْنا عَلَيْهِ، وَعِشْنا وَقَضَيْنا فِيهِ؛ وَلا مِنْ قِيَمِنا وَشَهامَتِنا العَرَبِيَّةِ الَّتي جَعَلَتْنا لَدَى القاصِي وَالدّانِي «بَني مَعْرُوفٍ»!
وَسَنَبْقَى بِإذْنِ اللهِ كَذلِكَ، عُرُوبِيِّينَ النَّسَب، مُسْلِمِي الإيمانِ وَالمُعْتَقَدِ، مُوَحِّدِينَ في كُلِّ الأحْوالِ لِرَبِّ العالَمِينَ، مَبْدَأَنا وَمُنْتَهانا؛ مُسْتَقَرُّنا وَرَجاءنا في الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
