الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

غزوة بدر

غزوة بدر الكبرى

الموقعة التي غيّرت وجه التاريخ

لا الله الا الله
لا الله الا الله

 

 

مهّدت لسقوط مكّة بعد ست سنوات وفارس والعراق بعد 10
وسقوط الحكم الرومي في بلاد الشام ومصر وفلسطين

الرسول أدخل في بدر لأول مرة تكتيك القتال بالصفوف
والدفاع بدل الهجوم وكان لقيادته أثر السحر في المجاهدين

توافق جميع المؤرخين، وليس المؤرخون المسلمون فقط، على اعتبار موقعة بدر أو غزوة بدر الكبرى التي حصلت في السنة الثانية للهجرة الحدث الذي غيّر وجه التاريخ البشري بكل معنى الكلمة. فلقد خرج الرسول (ص) والمسلمون إلى تلك الغزوة وهدفهم المباشر الإستيلاء على قافلة تجارية ضخمة لقريش عائدة من بلاد الشام ويقودها الزعيم القرشي أبو سفيان بن حرب، وخرج المسلمون لأول مرة بقوة كبيرة فاقت الثلاثمائة مقاتل بسبب المعلومات التي وصلتهم عن وجود 40 مقاتلاً من قريش يحرسون القافلة من أي اعتداءات محتملة، لكن قائد القافلة أبو سفيان كان من الخبرة والفراسة بحيث تمكّن من كشف نيّة القوة الإسلامية المغيرة وحوّل طريق القافلة ساحلاً وتمكن بالتالي من إيصالها بسلام إلى مكة، لكنه وبينما كان يناور بالقافلة بهدف

رسم فارسي لمعركة بدر وقد ظهر الرسول في عمامة بيضاء وقد جاءه الملاك جبريل بالملائكة لنصرة المسلمين وهم قليلو العدد ويبشر ال
رسم فارسي لمعركة بدر وقد ظهر الرسول في عمامة بيضاء وقد جاءه الملاك جبريل بالملائكة لنصرة المسلمين وهم قليلو العدد ويبشر ال

إنقاذها أرسل على عجل إلى مكة أحد رجاله لينذر أهلها بالخطر القادم ويحثهم على إرسال نجدة ضخمة يمكنها أن تواجه جيش المسلمين. وبالفعل استنفرت قريش وأرسلت جيشاً كبيراً يضم خيرة فرسانها وقادتها لمواجهة حاسمة مع المسلمين.
المفارقة هي أن أبا سفيان أرسل إلى قريش طالباً من القوة العودة إلى مكة على اعتبار أن القافلة وصلت الحمى بأمان، لكن أبا جهل كان مصراً على قتال المسلمين خصوصاً بعد أن بلغه الفارق الكبير في القوة بين الجيشين لصالح قريش، كما إن حكيم قريش عتبة بن ربيعة وافق أبا سفيان بضرورة عودة الجيش إلى مكة واجتناب سفك الدماء وهو حذر قومه بالقول: “يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فإنكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه، فاجعلوا حقها برأسي وارجعوا”.
رغم كل تلك النداءات مضت قريش إلى المواجهة معتدّة بقوتها وفرسانها وأموالها لتلقى على يد المسلمين الفقراء هزيمة نكراء قضت على 70 من صناديدها وأعطت المؤمنين والرسول (ص) نصراً عزيزاً قلب موازين القوة ومهّد لانتصار المسلمين وانتشار الإسلام في زوايا المعمورة بأسرها.
لهذا السبب، اعتبرت غزوة بدر من الأحداث التي غيّرت مجرى التاريخ، أي أنها في حدّ ذاتها كانت غزوة عادية وموقعة بين المسلمين والمشركين لكنها بسبب التوقيت الذي حصلت فيه وحجم الهزيمة التي لحقت بقريش تحوّلت إلى شرارة لأحداث هائلة لم تكن ربما في حساب المسلمين أنفسهم. ومن الأمور اللافتة أن الله سبحانه أطلق على نصر بدر في القرآن الكريم وصف “يوم الفرقان” وهو اليوم الذي فرّق به الله تعالى بين عالم قديم متخلف وبين مشروع الدولة الإسلامية التي أرست غزوة بدر قواعدها على أسس من العزة والهيبة والثقة بالنفس.
ولنذكر أن غزوة بدر حصلت يوم 17 رمضان وبعد سنتين من هجرة الرسول (ص) والمسلمين من مكة إلى المدينة نتيجة اضطهاد لا يطاق من قريش وقيام المجتمع الإسلامي الصغير في مدينة يثرب وسط قبيلتي الأوس والخزرج وعشائر اليهود. يومها كان الرسول (ص) قد بدأ يشن من قاعدته في المدينة نوعاً من حرب استنزاف لقريش من خلال سلسلة من الغزوات التي استهدفت إرهاق تجارتها والاستيلاء على بضائعها بهدف تمويل اقتصاد المدينة المتواضع والقيام بحاجات المجتمع الإسلامي الناشئ، لكن تلك الغزوات كانت معزولة وضعيفة الأثر باستثناء غزوة مهمة حصلت قبل قليل من موقعة بدر وسميت “سريّة نخلة” وقد حصلت في آخر يوم من رجب للسنة الثانية من الهجرة على مسافة بعيدة من المدينة المنورة وقريبة من عقر دار قريش مكة، وقد تميّزت الغارة بجرأة كبيرة وأدت لأول مرة إلى مغانم مهمة للمسلمين وقتل فيها أحد الحراس الأربعة للقافلة وأسر اثنان وفرّ الرابع. وبالنظر إلى التحدي الذي حملته الغزوة فإنها أحدثت توتراً غير مسبوق في قريش ودخل اليهود الذين كانوا متضايقين من وجود المسلمين في المدينة على خط تحريض قريش على الانتقام للغزوة وإخراج محمد (ص) أصحابه منها.

وبصورة عامة، فإن وضع المسلمين في المدينة، بعد سنتين من الهجرة، لم يكن مستقراً لأنهم كانوا لا يزالون أقلية وسط قبيلتي الأوس والخزرج وقبائل اليهود، وكانت قريش في مكّة في أوج قوتها وقبائل الأعراب تحيط بالمدينة من كل جانب، وهذه الأخيرة كانت تعيش قبل ذلك على الإغارة والسرقة، إلا أن قيام مجتمع إسلامي في المدينة حدّ من نشاطها وأثّر عليها اقتصادياً.
وبصورة عامة، فقد كان المسلمون يتحلّون بإيمان لا حدّ له وولاء مطلق للرسول (ص)، لكنهم كانوا لا يزالون بعيدين عن أن يصبحوا قوة يحسب حسابها ويمكن أن تبدّل واقع الجزيرة العربية، لكن المسلمين حالفهم التوفيق بسبب غرور القوة الذي كان يسيطر على قريش باعتبارها القبيلة الكبرى في الجزيرة، وبسبب عدم تقدير تلك القبيلة المنيعة لخطر الثورة الأخلاقية والروحية التي كان يحملها الإسلام، لذلك استهانوا بالرسول (ص) وصحابته وقتاً كان كافياً لتعاظم قوة المسلمين وتحولهم في وقت لاحق إلى تهديد لم يعد في إمكان قريش ردِّه أو حتى إنقاذ نفسها من سيله العرم.

رسم توضيحي لغزوة بدر
رسم توضيحي لغزوة بدر

تكتيك حربي غير مسبوق

ابتكر الرسول (ص) في قتاله في يوم بدر أسلوباً جديداً في مقاتلة الأعداء، لم يكن معروفاً من قبلُ عند العرب، إذ قاتل بنظام الصفوف، وهذا الأسلوب أشار إليه القرآن الكريم في سورة الصف في هذه الآية: } إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ{ (الصف:4) وصفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصلاة، وتقل هذه الصفوف أو تكثر تبعاً لقلة المقاتلين أو كثرتهم، وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، وتكون الصفوف التي خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها من المهاجمين على الأعداء، واتبع الرسولُ (ص) أسلوب الدفاع ولم يهاجم قوة قريش، وكانت توجيهاته التكتيكية التي نفذها جنوده سبباً في زعزعة مركز العدو، وإضعاف نفسيته، وبذلك تحقق النصر على العدو برغم تفوقه الكبير عدداً وعِدّة.

نصر يبدّل الموازين
لكن كيف تحول مشروع غزو لقافلة تجارية إلى معركة عسكرية تواجهت فيها لأول مرة على نطاق كبير جماعة المؤمنين المستضعفة مع سلطان قريش؟ لقد خرجت أكبر قبائل العرب بقضها وقضيضها لمواجهة المسلمين، أما هؤلاء فرغم أنه كان في إمكانهم حشد جيش كبير فإنهم قدموا في ثلاثمائة رجل فقط وفرسين على اعتبار أن ذلك العدد كاف للسيطرة بسهولة على قافلة أبي سفيان، كما إنهم اصطحبوا معهم سبعين بعيراً كانوا يتناوبون ركوبها بينما يتابع الباقون الرحلة سيراً على الأقدام. لقد جاء المسلمون للغزو ولم يكونوا يتوقعون مواجهة عسكرية مع أقوى قبائل العرب.

تفوق قريش عدداً وعدّة
علم الرسول الكريم بنجاة قافلة أبي سفيان كما إنه علم بأمر الجيش القادم لقتال المسلمين وكان يمكن للمسلمين في ضوء ذلك أن يقرروا أن الغزوة فقدت مبررها وأن يعودوا بالتالي إلى المدينة بدل المواجهة، لكن الرسول (ص).قرر استشارة أصحابه في الأمر وبدأ بالمهاجرين الذين أجمعوا على الفور على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو، ومنهم أبو بكر وعمر بن الخطاب والمقداد بن الأسود، إذ قال المقداد بن الأسود (وهو من الصحابة المهاجرين) للرسول (ص): “يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: }قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ{ ولكن امضِ ونحن معك”. إلا أن هؤلاء القادة الثلاثة الذين تكلموا كانوا من المهاجرين، وهم أقلية في الجيش، فأحب الرسول (ص) أن يعرف رأي قادة الأنصار، لأنهم كانوا يمثلون أغلبية الجيش، فقال: “أشيروا عليَّ أيها الناس”، وقد أدرك الصحابي الأنصاري سعد بن معاذ (وهو حاملُ لواء الأنصار) مقصد الرسول من ذلك، فنهض قائلاً: “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله”، فقال الرسول (ص): “أجل”، قال:“لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد”.

الرسول (ص) أمر بقتل اثنين من قادة قريش الأشد عداء للإسلام وقبل فدية أسرى آخرين ودفع بالباقين إلى أهل المدينة وأوصى بهم خيراً

وقام سعد بن عبادة، فقال: “إيانا تريد يا رسول الله، والذي نفسي بيده، لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا”، فقال الرسول(ص): “سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم”.

التحضير للمعركة
بعد قرار المسلمين مواجهة قريش بدأ الرسول (ص) الاستعداد للمعركة فدفع لواءَ القيادة العامة إلى مصعب بن عمير، وكان هذا اللواء أبيض اللون، وقسّم جيشه إلى كتيبتين: كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها علياً بن أبي طالب (ع) وكتيبة الأنصار، وأعطى علمها سعداً بن معاذ وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن الأسود- وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش- وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلت القيادة العامة في يده هو.
كان قوام جيش قريش نحو ألف مقاتل، وكان معه حسب بعض الروايات مئة فرس وستمائة درع، وجِمال كثيرة لا يُعرف عددُها بالضبط، وكان قائده العام أبا جهل وهو عمرو بن هشام المخزومي القرشي، وكان القائمون بتموينه تسعة رجال من أشراف قريش، فكانوا ينحرون يوماً تسعاً ويوماً عشراً من الإبل.1 وكانوا اصطحبوا معهم القيان يضربون بالدفوف، ويغنّين بهجاء المسلمين.
وقبل وصول قريش إلى بدر قرر الرسول بناء على نصيحة أحد أصحابه السيطرة على ينابيع الماء بهدف منعها عن المشركين ثم اقترح سعد بن معاذ عليه بناء عريش له يكون مقرّاً لقيادته ويأمن فيه من العدو، فأثنى عليه الرسول ودعا له بخير، ثم بنى المسلمون العريش للرسول محمد على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر الصديق، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون العريش.
وبدأ الرسول بالتحضير للمعركة، فصفَّ المسلمين مستقبلاً المغرب وجعل الشمس خلفه فاستقبل أعداؤه الشمس، أي جعل الشمس في ظهر جيشه وفي وجه أعدائه حتى تؤذي أشعتها أبصارهم، كما أخذ يعدّل الصفوف ويقوم بتسويتها لكي تكون مستقيمة متراصة، وبيده سهم لا ريش له يعدل به الصف، ثم بدأ بإصدار الأوامر والتوجيهات لجنده، ومنها أنه أمرهم برمي الأعداء إذا اقتربوا منهم، وليس وهم على بعد كبير، فقد قال: “إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل”، كما نهى عن سلّ السيوف إلى أن تتداخل الصفوف، قال: “ولا تسِلّوا السيوف حتى يغشوكم”، كما أمر الصحابةَ بالاقتصاد في الرمي، قال: “واسْتَبْقُوا نَبْلَكم”.
وكان لتشجيع الرسول لأصحابه أثرٌ كبيرٌ في نفوسهم ومعنوياتهم، فقد كان يحثهم على القتال ويحرضهم عليه، ومن تشجيعه أنه كان يبشر أصحابه بقتل صناديد قريش، ويحدد مكان قتلى كل واحد منهم، كما كان يبشر المسلمين بالنصر قبل بدء القتال فيقول: “أبشر أبا بكر”، وقد دعا الرسول للمسلمين بالنصر فقال: “اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني”.

بداية المعركة
بدأت المعركة بخروج رجل من جيش قريش هو الأسود بن عبد الأسد المخزومي قائلاً: “أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه”، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب، فلما التقيا ضربه حمزة وأثخنه في ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخُب رجلُه دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد أن تُبَرَّ يمينُه، ولكن حمزة ثنى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض.
وردّاً على ذلك، خرج من جيش قريش ثلاثة رجال هم: عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، وطلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث وعبد الله بن رواحة، ولكن الرسول أرجعهم؛ لأنه أحب أن يبارزهم بعض أهله وذوي قرباه، وقيل إن رجال قريش هم من رفضوا مبارزة هؤلاء الأنصار، فقالوا لهم: “من أنتم؟”، قالوا: “رهط من الأنصار”، قالوا: “أكفاء كرام، ما لنا بكم حاجة، وإنما نريد بني عمنا”، ثم نادى مناديهم: “يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا”، فقال الرسول محمد: “قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي”، وبارز حمزة شيبة فقتله، وبارز علي الوليد وقتله، وبارز عبيدة بن الحارث عتبة فضرب كل واحد منهما الآخر بضربة موجعة، فكرَّ حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، وحملا عبيدة وأتيا به إلى الرسول محمد، ولكن ما لبث أن تُوفّي متأثراً بجراحه، وقد قال عنه الرسول محمد: “أشهد أنك شهيد”.
ولما شاهد جيش قريش قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة غضبوا وهجموا على المسلمين هجوماً عاماً، فصمد المسلمون للهجوم وثبتوا في صفوفهم الدفاعية، وهم يرمون المهاجمين بالنبل كما

موقع معركة بدر اليوم
موقع معركة بدر اليوم

أمرهم الرسول محمد (ص) وكان شعارُ المسلمين: “أَحَد أَحَد”،ثم أمرهم الرسول بالهجوم قائلاً: “شدّوا”، وواعداً من يُقتل صابراً محتسباً بأن له الجنة، ومما زاد في نشاط المسلمين واندفاعهم في القتال سماعهم قول الرسول محمد: }سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ{ (القمر:45).
ومن العوامل التي ساعدت المسلمين على النصر ما أوحى به الله من أنه ألقى في قلوب المشركين الرعب في غزوة بدر، وأنه أنزل ملائكة تقاتلهم إلى جانب المؤمنين، وقد جاء في سورة الأنفال: }إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ{ (الأنفال:12) وكذلك قوله سبحانه في سورة آل عمران:}وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون{َ ثم قوله }إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ{ كما قال الرسول (ص) يوم بدر: “هذا جبريل آخذُ برأس فرسه عليه أداة الحرب”،وروي عن علي بن أبي طالب (ع) أنه قال: “فجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيراً، فقال العباس بن عبد المطلب: “يا رسول الله، إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهاً على فرس أبلق ما أراه في القوم”، فقال الأنصاري: “أنا أسرته يا رسول الله”، فقال: “اسكت فقد أيدك الله بملك كريم”.

حال فشل واضطراب
وبدأت أمارات الفشل والاضطراب تظهر في صفوف قريش، واقتربت المعركة من نهايتها، وبدأت جموع قريش تفِرُّ وتنسحب، وانطلق المسلمون يأسرون ويقتلون حتى تمت على قريش الهزيمة.
وقُتل القائد العام لجيش قريش، وهو عمرو بن هشام المخزومي المعروف عند المسلمين باسم أبي جهل، فقد قتله غلامان من الأنصار هما معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، ويروي الصحابي عبد الرحمن بن عوف قصة مقتله فيقول:
“بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: “يا عم هل تعرف أبا جهل؟”، قلت: “نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟”، قال: “أُخبرت أنه يسب رسول الله (ص)، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا”، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: “ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي

مقبرة شهداء بدر
مقبرة شهداء بدر

تسألان عنه”، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله(ص) فأخبراه، فقال: “أيكما قتله؟”، فقال كل واحد منهما: “أنا قتلته”، فقال: “هل مسحتما سيفيكما؟”، قالا: “لا”، فنظر في السيفين فقال: “كلاكما قتله”.

بعد المعركة
انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين على قريش، وكان قتلى قريش سبعين رجلاً، وأُسر منهم سبعون آخرون، وكان أكثرهم من قادة قريش وزعمائهم، وقُتل من المسلمين أربعة عشر رجلاً، منهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار. ولما تمّ النصر وانهزم جيش قريش أرسل الرسول (ص) عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة ليبشرا المسلمين في المدينة بانتصار بدر وهزيمة قريش.
ومكث الرسول محمد (ص) في بدرٍ ثلاثة أيام بعد المعركة أشرف فيها على دفن قتلى المسلمين في أرض المعركة، ولم يُدفن أحد منهم خارج بدر. ووقف الرسول (ص) على القتلى من قريش فقال: “بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس”، ثم أمر بهم، فسحبوا إلى قليب من قلب بدر فطُرحوا فيه، ثم وقف عليهم فقال: “يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً”، فقال عمر بن الخطاب: “يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟”، فقال: “والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم”.

أسرى قريش
لما انتصر المسلمون يوم بدر ووقع في أيديهم سبعون أسيراً، قال الرسول (ص): “ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟”، فقال أبو بكر الصديق: “يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستأْنِ بهم لعل الله أن يتوب عليهم”، وقال عمر: “يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قرِّبهم فاضرب أعناقهم”، وقال عبد الله بن رواحة: “يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم اضرم عليهم ناراً”، فقال العباس: “قطعت رحمك”، فدخل الرسول محمد (ص) ولم يَرُدَّ عليهم شيئاً، فقال ناس: “يأخذ بقول أبي بكر”، وقال ناس: “يأخذ بقول عمر”، وقال ناس: “يأخذ بقول عبد الله بن رواحة”، فخرج عليهم الرسول محمد (ص) فقال: “إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم عليه السلام قال: “فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: “إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ” وإن مثلك يا عمر كمثل نوح إذ قال: “وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا” وإن مثلك يا عمر كمثل موسى قال: “وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ”
لقد كانت معاملة الرسول محمد للأسرى بأساليب متعددة، فهناك من قتل، وبعضهم قبل فيهم الفداء، والبعض الآخر منَّ عليهم، وآخرون اشترط عليهم تعليم عشرة من أبناء المسلمين مقابل المنِّ عليهم. وكان الذين قتلهم المسلمون من الأسرى في بدر: عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث، ويرى المسلمون أن قتلهم ضرورة تقتضيها المصلحة العامة لدعوة الإسلام الفتية، فقد كانا من أكبر دعاة الحرب على الإسلام، فبقاؤهما يعدّ مصدر خطر كبيراً على الدين الجديد، فقد كان النضر بن الحارث يؤذي الرسول (ص) وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفُرس وأحاديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس الرسول محمد مجلساً فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب قبْلَهم من الأمم من نقمة الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: “أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه”، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: “بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟” فلما أسره المسلمون أمر الرسول محمد بقتله، فقتله علي بن أبي طالب (ع).
ولما رجع الرسول محمد (ص) إلى المدينة المنورة فرَّق الأسرى بين أصحابه، وقال لهم: “استوصوا بهم خيراً”، وقد روي عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير أنه قال: “كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله (ص): “استوصوا بالأسارى خيراً”، وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله”.
وقال أبو العاص بن الربيع: “كنت في رهط من الأنصار جزاهم الله خيراً، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده كسرة فيدفعها إليَّ”، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: “وكانوا يحملوننا ويمشون”.
وبعثت قريش إلى الرسول محمد في فداء أسراهم، ففدى كلُّ قوم أسيرَهم بما رضوا، وكان ناس من الأسرى يوم بدر ليس لهم فداء، فجعل الرسول فداءهم أن يعلِّموا أولاد الأنصار الكتابة، وبذلك شرع الأسرى يعلِّمون غلمان المدينة القراءة والكتابة، وكل من يعلِّم عشرة من الغلمان يفدي نفسه.

نتائج المعركة
كان من أهم النتائج المباشرة لغزوة بدر أن قويت شوكة المسلمين، وأصبحوا مرهوبين في المدينة وما جاورها، كما أصبح للدولة الإسلامية الجديدة مصدرٌ للدخل من غنائم الجهاد، وبذلك انتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما غنموا من غنائم بعد بؤس وفقر شديدين داما تسعة عشر شهراً.
بالنسبة لقريش كانت نتيجة المواجهة في بدر هزيمة كارثية قُتل بنتيجتها أبو جهل عمرو بن هشام وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وغيرهم من زعماء قريش الأكثر شجاعةً وقوةً وبأساً، ولم تكن غزوة بدر خسارة حربية لقريش فحسب، بل خسارة معنوية أيضاً، لأنها كسرت شوكة أكبر قبائل الجزيرة في الحجاز، ونتيجة لذلك فإن المدينة لم تعد تهدد تجارة قريش فقط، بل أصبحت تهدد أيضاً سيادتها ونفوذها في الحجاز ككل.
تلك كانت النتائج المباشرة للغزوة لكن نتائجها البعيدة كانت استراتيجية بكل معنى الكلمة، فحسب المفكر الإسلامي د. راغب سرجاني فإن أيّ محلل عسكري في ذلك الوقت لم يكن ليرى في تلك المعركة أكثر من مواجهة بين قبيلتين أو مجموعتين من الناس، أو مشاجرة بين عائلتين، لا تحمل أيَّة خطورة على القوى العالمية الموجودة آنذاك. فقد كانت جيوش الروم في ذلك الوقت تقدَّر بالملايين، وجيش فارس يزيد على مليوني جندي، وكانت الدولتان البيزنطية المسيحية والفارسية المجوسية تشكلان إمبراطوريتين راسختي الأركان منذ مئات السنين..ولكن من الذي كان يمكنه أن يتوقع يومها وبعد بدر أن مكة ستفتح بعد ست سنوات فقط ويسود الإسلام في الجزيرة كلها وأن المسلمين سيفتحون فارس بكاملها بعد 12 عاماً من ذلك التاريخ وأن إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف ستقوم بعد أقل من 20 عاماً لترث ممالك الروم والفرس والرومان ولتجعل من الدين الجديد أقوى قوة على وجه الأرض. لقد أنتجت بدر أكثر من انتصار عسكري محدود فهي أسست لحضارة عظيمة ستغير مجرى التاريخ الإنساني إلى الأبد.

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي