الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

فك المس الأيديولوجي
في جدل خطاب الكراهيّة وانتهاج التطرف والعنف

د. عدنان الأحمد

كيف يمكن لنا أن نتجاوز هذه المعاناة المريرة المؤلمة؟ كيف يمكن لنا الوصل إلى قدر من الاتفاق والائتلاف بين النّاس لكي تتحقّقَ النجاةُ من مخاطر خطاب الكراهيّة؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا التّنوع الثّقافي أسرة واحدة تضمّ تحتها الإنسانيّة جمعاء؟

إنّ الحمولة الأيديولوجيّة من أهمّ ملامحها إلغاء الآخر، وهذا سببه بالدّرجة الأولى اليقينيّات الّتي تسيجها الأفكار الأيديولوجية.

إنّ ضبط الخطاب بكلّ أشكاله، ونبذ الكراهيّة، جزءٌ من معركة إنسانيّة واسعة ضدّ العنصريّة وكراهيّة الآخر المختلف، دينيًّا وثقافيًّا وعرقيًّا وسياسيًّا ووطنيًّا. إنّ نقل هذا الجدل إلى منصة حوار موضوعيّة تضمّ كلّ الأطراف هدف نبيل في بناء الوطن.

خطاب الكراهيّة يهدّد السّلم الأهلي، من هنا كان لزامًا علينا أن نؤسّس لوعي تواصلي، لوعي يؤمن بالرّأي والرّأي الآخر، وهذا لا يمكن أن يحصل دون تحرير الفرد من كل أنواع السّياقات المنغلقة. فمن أشدِ الأمراض فتكًا التّعصبُ الّذي يؤدّي إلى الكراهيّة، والّذي بدوره يؤدّي إلى نفي المختلف. والمتعصّب إن لم يكن مجرمًا قاتلًا فهو بالضّرورة مشروع مجرم وقاتل.

ضرورة البدء بالحوار والتّعاون والتّفاهم، من خلال المجتمع المدني والقيادات الدّينيّة المعتدلة، ووسائل إعلام وطنيّة من أجل نبذ التّطرف والوثوقيّة، وأن نجري مراجعات حادّة ومؤلمة لأدبيّاتنا ومنطلقاتنا وثقافتنا، وهذا يحتاج إلى تمرين ينبغي علينا أن نخضع أنفسنا له، هذا التمرينُ القائمُ على رفض النّظرة الأحاديّة والاعتراف بالآخر المختلف، فالجهل بالذّات وبالآخر يخيف كلّ طرف من الآخر. ولهذا فإنّ استبعاد ما يفرق من الحوار والاقتراب من المشترك كالقيم العليا بين الإسلام والمسيحية بما هما دينا رحمةٍ ومحبةٍ… الحوار الّذي يجعل باب المعرفة ممكنة، وباب التّفكير مفتوحًا، وعدم الاقتناع بالأنساق المغلقة الّتي لا تقبل النّسق المخالف، والانخراط في مشروع اكتساب المعرفة الحقّة. فثقافة الأجوبة روح عدميّة، إنّها روحٌ ميّتة غير مبدعة، ولا تعمل على بناء صروح جديدة للمعرفة، والذّات المبدعة الحرّة هي روح المشروع النّقدي، بل إنّها المؤشر اللّصيق بالرّوح الفلسفيّة. لذلك إنّ فتح المجال أمام هذه الرّوح يؤدّي إلى عقليّة منفتحة قابلة للنّمو، بعكس إغلاق النّوافذ أمامها، والّتي تؤدّي إلى عقليّة منغلقة دغمائيّة.

يجب علينا أن نحترم حقّ الاختلاف، أن نقرّ بأنّ هناك اختلافات بين النّاس بين المسلمين والمسيحيّين، بين المسلمين والمسلمين، بين المسيحيين والمسيحيّين، هذا الاختلاف يجب أن نحترمَه ولا يحاول أحد منّا إلغاءه أو احتكار الحقيقة، أو يقول إنّ الآخر مرفوض لأنّه مختلف. ولهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى المكاشفة والشّفافيّة، وأن نقدّم أنفسنا للآخر المختلف كما نحن، وأن نتعامل معه كما هو، وأن نبحث معًا عن مشترك. التّحدي هو أنّ الحوار يؤهّلنا جميعًا إلى المشاركة في رؤية ثقافة حقيقيّة حضاريّة إنسانيّة نشترك في إنتاجها معًا ونشتغل فيها معًا.

الخطاب الطّائفي توترٌ لا يعطي فرصة لحياة جديدة. الحوار وحده يوقظ هذه التّوترات، يعطي فرصةً أكبر لهذه المجتمعات لكي تأخذ مسارًا أفضل. وخطورة الحوار تقوم على فضح تلك المنظومة وفضّها. الحوار الهادئ الصّريح الحقيقي يمسّ مناطق مظلمة (تابوهات)، ويهدِم أصنام التّخلف والرّجعية والطّائفية الحاقدة العنيفة.

التّأكيد على أنّ الأوطان لا يمكن أن تقوم على أساس أكثريّة وأقليّة طائفيّة، بل على أساس هويّة وطنيّة مدنيّة يتساوى فيها الجميع أمام القانون على أساس مجتمع إنساني، يجعل من الاختلاف ثراءً في ظلّ الحريّة والدّيمقراطيّة والسّلام الأهلي.

تأهيل التّربية الأسريّة القائمة على زرع ثقافة المحبّة لدى الأجيال الجديدة القادمة، حيث إنّ تربية الأطفال الصّحيحة من قبل الأهل هي البذرة الأولى التي يجب أن نبدأ بها.

العمل على تغيير المناهج التّربويّة الّتي تعمل على أدلجة أفكار التّلامذة منذ التحاقهم بها، فالكثير من هذه المناهج تبثّ السّموم الطّائفيّة والتّفرقة الهادفة، وتعزيزِ خطابِ الكراهيّة على أساس الدّين، والعرق والطّائفة والمذهب.

يجب البدء بتعزيز ثقافة السّؤال، ضدّ كلّ من يمتلك أيديولوجيا يقينيّة دغمائيّة لا تقبل الشّك، والّذي يعتقد أن أفكاره ومعارفه هي ثوابت، وبالتّالي فالسّؤال بما هو فحص وتمحيص، لا بدّ له أن يزعزع هذه الثّوابت واليقينيّات. فالسّؤال خلخلة وهدم وإعادة تركيب وبناء لأفكار بمنطق عقلي، ومنهج نقدي، من أجل الكشف عن زيف اليقينيّات والثّقافة المسيطرة. هنا تتحوّل النّعم إلى مصدر ضعف بعدما كانت تعتبر مصدر قوّة. بهذا النّوع من الحوار نرغم من نحاورَه على أن يرى أفكاره هي أفكار متناقضة وليس يقينيّة وثابتة، ولهذا فحص أيّ موضوع من أجل نقده يحتاج إلى معرفة كافية.

تحويل النّسق الأيديولوجي إلى أسئلة مفتوحة لا حدود لها، السّؤال لا يراهن على الجواب، بل يحوّل الأجوبة ذاتها إلى أسئلة. إنّ عدمَ الاعترافِ بوجوب التّعامل مع الإجابات الجاهزة من حيث هي معرفةٌ قائمة وأزليّة هو ما يجعل السّؤال الفلسفي مرتبطًا بطابع تاريخاني.

إنّه نتيجةُ وعيٍ واضح بأهميّة استحضار البعد الزّمني للمعرفة، ولأنّ هذا البعدَ لا ينتهي، ويظلّ على الدّوام منفتحًا، فإنّ كلّ المعارفِ ملزمةٌ بالخضوع لحيويّة التّغيير والنّسبيّة.

السّؤال مشاغبة، وعدم استقرار، ودائم الانفتاح على كل طرح جديد، يربط المعرفة بالرّاهن والواقع، بعيدًا عن أي أجوبة معطاة سلفًا، وهذا ما ينفي الطّابع القدسي عن المعارف.

السّؤال الفلسفي يراهن على أنّ المعرفة لا ينبغي أبدًا أن تنتهي إلى نسق مغلق بأيّ وجه من الوجوه. وبالتّالي العمل على تقويض الجواب وإظهار تهاويه الذّاتي ممّا يمنح هذا السّؤال بعدًا تفكيكيًّا، هنا يلعب السّؤال دور القوّة التّدميريّة الّتي تفرض على الأنساق المغلقة أن تبحث على أسس بديلة وأقوى، ومن هنا فائدة هذا العنف الرّمزي الّذي يمارسه السّؤال في الإجهاز على السّياجات الدّغمائية المكبّلة بأسيجة أيديولوجية داخل الثّقافات.

بهذا التّوتّر الإيجابي، وهذا التّمرين القاسي الّذي ندعوه لحظات فضّ وتهاوٍ وتفكيك للخطاب، يسعى هذا الأخير للبحث عن أرضيّة أكثر جذريّة، وأكثر علميّة ومنطقيّة في تبرير وجودة فعاليّتة وحضوره الأخّاذ.

ختامًا، لا بدّ من تأسيس أفكارِنا بكيفيّةٍ جذريّةٍ تدشينيّة. فداخل الأيديولوجيا يوجد أجوبة جاهزة عن كلّ سؤال، أي أنّه لا أجوبة أخرى خارج النّسق العام للأيديولوجيا، ولهذا نشر ثقافة الرّأي والرّأي الآخر ضرورة حتميّة للخروج من هذه العزلة المفروضة من قبل هذا المقدّس. ففي السّؤالِ اكتشاف وفضّ التباسات المعرفة الجماعيّة، الّتي لا يتجاوز غرضها المصلحة الآنيّة لمجموعة أيديولوجيّة تسعى بكل قوة لبناء نسقٍ ومرجع مغلق.


مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي