الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

كلمة سواء

تحليلٌ نفسيٌّ لظاهرةٍ غَرِيبَة

يمكن تأريخ تجربة السّير على الطّرقات اللبنانيّة بأنّه تاريخ ما قبل المطبّات وتاريخ ما بعد المطبّات. ففي السّبعينيّات مثلاً أو حتى الثّمانينيّات وربّما التّسعينيّات لم يكن هناك على طرق لبنان وبصورة أخَصّ على طرق الجبل شيء اسمه المطبّات. لكن تبدّل الأمر في ما بعد بصورة غير ملحوظة أوّلاً عندما نبتت مطبّات معدودة على بعض الطرق الرئيسية، وكان واضحاً أنّها سيئة التّصميم وسيئة التنفيذ. ولا بدّ أنّ الفكرة (التي نشأت ربّما من تجربة “السواتر” التّرابية والحواجز في زمن الحرب وتقطيع أوصال البلاد) أعجبت آخرين فزرعوا طرقاتهم بمطبّات حاولوا أن تكون أفضل وأعرض من مطبّات غيرهم، وأهل القرى عندنا يحبون المنافسة والتّشاوف، لذلك، على كل سيارة تمرّ في بلدتي أن ترى أنّ المطبات التي بسطناها لا يوجد مثيل لها في القوّة فنحن بلدة لا نقبل إلا أن نكون الأفضل! وحصل التنافس بعدها (وهنا المصيبة) في عدد المطبّات، وأصبح هناك سباق أعداد: كم من مطب زرعت بلدية بتلون؟ وكم هم زرعوا في كفرحيم أو في باتر؟ وشيئاً فشيئاً أضعنا العدّ لأنّ المطبّات أصبحت مثل الفطر تنبت صباح كلّ يوم بما يناسب مزاج المجلس البلدي (مع تقديرنا لأشخاص الجميع)..

ثم دخل القطاع الخاصّ إلى الميدان (ونحن شعب حرّ مبدع ونحب المبادرة) فانتقل وضع المطبّات إلى أشخاص يخافون على أولادهم الذين اتّخذوا الطريق ملعباً أو إلى مؤسسات تعتقد أن المطب يجبر السيارات على التمهّل والإلتفات إلى بضاعتها، وأصبح كل يُغنِّي على ليلاه، ومع دخول “مقاولين” من كلّ نوع إلى عالم الإعوجاجات هذا تكاثرت التصاميم ورأينا إبداعات لا نهاية لها، فهناك المطبّ “اللئيم” المؤلف من “حبل زفت” مرتفع، الهدف منه تلقين كل سيارة تتجرأ على المرور دون أن تبطئ سيرها درساً قاسياً، وهناك “المطبّ المتسامح” العريض جداً، وهناك “العريض وسط” والمطب الحديديّ الملون، وهو مزعج مؤكّداً لكن أصحابه يعتقدون أنهم متقدمون تكنولوجياً في صناعة المطبّات، ومن أشكال المطبات “المطبّ الأنيق” المطلي بالأصفر والأبيض ومنها “المطب الخفيّ” غير المطلي والذي يفاجئك في آخر لحظة فلا تستطيع تداركه، ومنها المطب “الحضاريّ” المزود بصفّ مسامير فوسفوريّة وأكثرها مما لم يزوّد بأي مسامير فهي إذاً مطبات غير حضاريّة. تكاثرت المطبّات بحيث لم يعد من قبيل الخيال الدّعوة إلى هيئة في الجبل لمنح جائزة “أفضل مطبّ” لهذه البلدية أو لزميلات لها، ثم لم لا نجعل من تحسين المطبّات وتطويرها بنداً في أي برنامج للعمل البلدي؟! لأنّه إذا كانت البلديّات قد تبنّت عقيدة المطبّات فالأحرى – رحمة بالعباد- أن تتقن هذه الصّنعة فتجعل من هذه التلال المنتشرة شيئاً تستحسنه الأعين ويكون رحيماً بالسّيارات وبمن فيها.

المطب في الحقيقة ليس مُنتَجاً من الزّفت أو الإسمنت بل هو مُنتج نفسيّ لأنّه في سياسات القرية الضيّقة إثبات وجود فجّ فحواه “ها نحن نعمل لأجلكم” كما إنّه أوضح عنوان للسلطة على الناس بمعناها الضيّق، والمطب كما يدل اسمه شيء يعترض طريق المواطن ويجبره على مناورة تصبح في حدّ ذاتها عنوان امتثال لشيء قررته سلطة تعلوه وتحكم حياته اليوميّة، وكلمة “سلطة” هنا مهمة لأنّها تظهر المنحى التي تنزلق إليه أيّة “سلطة” ولو كانت هيئة بلدية في علاقتها بالجمهور الناخب. ويكفي للتّدليل على الكيفيّة في هذه السياسات أنه لا يوجد أيّ نصٍّ مرجعيّ يحدّد أين ومتى توضع، ولا نصّ فنيّاً يحدد مواصفاتها الموحّدة، فهي كما نشاهد جميعاً تزرع في أي مكان بتنفيذ مرتجل ودون مشورة مواطنيّ البلدة ومن دون دراسة أو مشورة خبراء. وقد نشأت في مناخات القرى ذريعة بدأت صغيرة ثم كبرت لتصبح مذهباً بلديّاً اسمه “منع الحوادث” وحسب هذه النّظرية فإنه كلّما كثرت المطبات وأُجبر الناس على أن يبطئوا سيرهم كلّما قلت الحوادث، وهذه مقاربة عجيبة غريبة لا يوجد مثيل لها في أيّ بلد في العالم ولم يقدم أيّ دليل عليها للنّاس الذين عليهم أن يتحمّلوا عذاب المطبّات ليل نهار، ولو أنّ الأمر يتعلّق ببعض الشباب الأرعن فإنّ الحلّ الأبسط هو إخضاعهم للقانون إمّا بحجز سياراتهم أو تنظيم غرامات مالية باهظة بحقهم بمعونة قوى الأمن الداخليّ، ولا نعتقد أنّه لو وُجد سلاح الرّدع هذا ستبقى هناك مخالفات على الطرق، ومن أغرب الأمور (التي تحتاج أيضاً إلى تحليل نفسيّ) أن يتمّ تعطيل السّير على الطّرق الرئيسيّة وتكبيد مئات الألوف من أصحاب السيارات والعربات المنضبطين في قيادتهم خسائر كبيرة جراء تخريب سياراتهم وهدر وقتهم، كلّ ذلك لأنّ هناك شخصاً أو عدداً من الأشخاص في مكان ما يصرّون على عدم احترام القانون، فتجري بذلك معاقبة الذين يحترمون القانون وهم الكثرة الهائلة بجريرة بضعة شبان لن توقفهم المطبّات عن ممارسة هواية القيادة السّريعة لسياراتهم خصوصاً عندما يهبط الليل وتصبح الطّرقات ملعباً لهم ولهوايتهم.

“المطبّات ليست شيئاً يمكن لأيّ بلدية أن تفتخر به، بل على العكس، لقد أصبحت فوضى تلال الزفت المفتقدة

لأيِّ معيار فضيحة حقيقية بلديّاً وإقتصاديّاً وإجتماعيّاً “

وهذا المنطق الأعوج والسّاذَج يدخل في علم النّفس أيضاً لأنّنا نتعامل مع مُنتَج آخر هو الجهل المترافق مع الصّلف والمزاجيّة، بدليل أنّ بدعة المطبّات ليست سلوكاً عامّاً فهناك بلديّات كثيرة في لبنان وفي الجبل لا تزرع مطبات، وهناك عدد متزايد من المجالس البلدية استوعب المشكلة وبدأ بإزالة المطبّات في بلداته، وطرق لبنان الرّئيسة والدّوليّة كلّها لا يسمح إطلاقاً بالمطبّات عليها، وباستثناء الطّرق الدّاخليّة في القرى (حصراً) فإنّ جميع طرقات الجبل هي طرقات رئيسة دوليّة والطرق الرّئيسة وإن كانت تمرّ في قرية أو مدينة هي في عهدة الدّولة اللّبنانيّة (وزارة الأشغال) ولا يحقّ للبلديّة التّدخّل في السّير عليها لأيّ سبب كان، لأنّ هذه الطّرق أصول إقتصاديّة يملكها البلد وهي جزء من بنية تحتيّة لتسهيل التجارة وحركة السّياحة والأفراد وحق التّمتّع بها من دون إعاقة من الحقوق المدنيّة التي لا يمكن إلغاؤها بقرار بلديّ أو بقرار من شخص في المجلس البلديّ.

نختم بالقول: إنّ ظاهرة المطبّات ليست شيئاً يمكن لأيّة بلديّة أن تفتخر به، بل على العكس لقد أصبحت فوضى تلال الزّفت المتفشّية دون أيِّ منطق أقرب إلى فضيحة اقتصاديّة واجتماعيّة لا يمكن الدفاع عنها بأيّ سبب أو ذريعة. لقد تفشت الظّاهرة بسبب التّقليد والكسل الذّهنيّ والتّنافس والمزايدات البلديّة، لكن وصل الأمر إلى حدٍّ بات يوجب أن نصحوَ وأنْ نضع حدّاً لهذا التّخريب القصير النّظر لطرقاتنا ولحياتنا اليوميّة، ولأنّ المجالس البلديّة مُنتخبة حديثاً فإنّ الجميع لديه فرصة العودة عن الخطأ وإزالة الضّرر الشّامل لهذه التّشوهات.

هذا في الحقيقة نُصح مُخلص نأمل أن يلقى آذاناً صاغية وفي جميع الحالات فإنّ الحملة التي بدأناها لرفع المطبّات والتّخريب من طرقاتنا ستستمرّ بأشكالٍ مختلفة وسنمدّ اليد فيها إلى منظّمات المجتمع المدنيّ والهيئات الأهليّة والأحزاب والبلديّات والنّوادي. وللموضوع صلة…

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي