لِلذِّكْرَى، وَلِلتَّذْكِيرِ، وَلِلرُّجُوعِ إِلَى الْمَاضِي الْقَرِيبِ. وَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ لَا يَرُوقُ لِلْبَعْضِ سَمَاعُهُ، إِلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْوَاقِعَ يَجِبُ أَنْ يُقَالَا وَيُدَوَّنَا.
مُنْتَصَفَ الْعَقْدِ الثَّانِي مِنْ الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَرَ، رَغِبَ زَعِيمُ وَادِي التَّيْمِ الْجَنُوبِيِّ آنَذَاكَ، الْوَجِيهُ سَلِيمُ بَكْ شَمْس، فِي زِفَافِ وَلَدِهِ طَاهِرٍ مِنْ زُهَيَّةَ ابْنَةِ نَجِيبَ بَكْ جُنْبُلَاط، زَعِيمِ الشُّوفِ وَسَيِّدِ الْمُخْتَارَةِ.
أُعِدَّتِ الْعُدَّةُ لِذَلِكَ الْفَرَحِ الْكَبِيرِ، فَالْوَقْتُ صَيْفًا، وَالنَّاسُ جَنَوْا الْمَوَاسِمَ وَمُلِئَتِ الْكَوَايِرُ وَالْجِرَارُ، وَتَلْبِيَةُ دَعْوَةِ الْكِبَارِ وَاجِبٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى مَنْ هُمْ أَسْيَادُ الْأَرْضِ وَحُمَاةُ الدَّارِ وَالْجَارِ.
الدَّعْوَةُ وُجِّهَتْ لِلْجَمِيعِ، كِبَارًا وَصِغَارًا، فُرْسَانًا وَمُشَاةً، وَالْوَفْدُ يَزْدَادُ عَدَدُهُ كُلَّمَا مَرَّ بِقَرْيَةٍ انْضَمَّ إِلَيْهِ شُيُوخُهَا وَشُبَّانُهَا حَتَّى كَانَ عَدَدُهُ بِالْمِئَاتِ عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى قَصْرِ الْمُخْتَارَةِ مَنْزِلِ وَالِدِ الْعَرُوسِ.
بَقِيَتِ الْأَفْرَاحُ عَامِرَةً زَاهِرَةً نَحْوَ يَوْمَيْنِ كَامِلَيْنِ، وَالْكُلُّ مُمْتَلِئُونَ فَرَحًا وَمَرَحًا وَغِبْطَةً وَتَكْرِيمًا، بِحَيْثُ غَصَّتِ الْبَاحَاتُ الدَّاخِلِيَّةُ وَالْخَارِجِيَّةُ بِحَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ وَلَعْبِ السَّيْفِ وَالتُّرْسِ، وَنُصِبَتْ مَيَادِينُ الْخَيْلِ، وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ.
حَدَّثَنِي عَنْ هَذَا الْفَرَحِ رَجُلٌ غَيَّبَهُ الْمَوْتُ مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ، مِنْ بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ، بَعْدَمَا عَاشَ الْعُمْرَ بِكَامِلِهِ قَائِلًا:
«كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ دُعِيَ لِلذَّهَابِ إِلَى جَلْبِ الْعَرُوسِ، جَدِّي لِأُمِّي، نِقُولَا عَبْدُ اللهِ الْخُورِيُّ، شَاعِرُ الْفَرْدِيسِ وَالْمِنْطَقَةِ آنَذَاكَ، لِأَنَّهُ بِالْحَقِيقَةِ كَانَتْ لَا تَتِمُّ الْأَفْرَاحُ إِلَّا بِحُضُورِهِ فَهُوَ سَيِّدُهَا وَشَاعِرُهَا، وَلِلْمُنَاسَبَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ عَلَمُهَا وَقُيْدُومُهَا.
الْمَعْرُوفُ سَابِقًا، أَنَّ حَلَقَاتِ الرَّقْصِ وَالدَّبْكَةِ، كَانَتْ لِكُلِّ جِنْسٍ يُقَامُ بِمُفْرَدِهِ. فَالرِّجَالُ تَغُصُّ بِهِمْ بَاحَاتُ الْقَصْرِ الْخَارِجِيَّةُ وَجَنَائِنُهُ، وَالنِّسَاءُ مَلَأْنَ الْقَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةَ. وَالْكُلُّ يَتَبَارَوْنَ رَقْصًا وَدَبْكَةً وَغِنَاءً وَحُدَاءً، وَسَيِّدُ ذَلِكَ كُلِّهِ، الزَّجَلُ وَالشِّعْرُ وَالتَّبَارِي بِهِمَا.

سَيِّدُ أَسْيَادِ الشُّعَرَاءِ الْمَوْجُودِينَ هُنَالِكَ، كَانَ شَاعِرَ الْفَرْدِيسِ وَمُخْتَارَهَا نِقُولَا الْخُورِيُّ، مِنْ حَيْثُ بَلَاغَةِ شِعْرِهِ وَتَنْظِيمِ فِرْقَتِهِ الْمُرَافِقَةِ لَهُ. وَلِلزَّجَلِ مَعَ الدُّفِّ وَالشَّبَّابَةِ، آنَذَاكَ، لَا يُوَازِيهَا أَوْ يُشَابِهُهَا فِي عَصْرِنَا الْحَاضِرِ أَيُّ فِرْقَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ مَهْمَا عَلَا تَنْظِيمُهَا وَتَحْدِيثُهَا. لِأَنَّ الْمُسَلَّمَ بِهِ إِذَا الْأُذُنُ عَشِقَتْ، فَالْجِسْمُ بِأَكْمَلِهِ أَصْبَحَ رَهِينًا لَهُ جَذَلًا وَنَشْوَةً. هَذَا مَا أَصَابَ الْجَمِيعَ حِيَالَ سَمَاعِ قَوْلِ شَاعِرِ الْفَرْدِيسِ وَفِرْقَتِهِ، مِمَّا حَدَا فِي النِّهَايَةِ بِوَالِدَةِ الْعَرُوسِ وَأَنْجَالِهَا، عَلِيٍّ وَفُؤَادٍ، وَالِدِ الزَّعِيمِ كَمَالِ جُنْبُلَاط، إِلَى اسْتِدْعَائِهِ لِلْغِنَاءِ وَالْقَوْلِ أَمَامَهَا وَبَيْنَ الصَّبَايَا وَهُنَّ يَتَمَايَلْنَ بِخُصُورِهِنَّ رَقْصًا، وَبِأَصْوَاتِهِنَّ شَدْوًا.
فَكَانَتْ لَهُ قَصِيدَةٌ زَجَلِيَّةٌ طَوِيلَةٌ يَفُوقُ عَدَدُ أَبْيَاتِهَا عَنْ مِئَةِ بَيْتٍ، تُوِّجَ مَطْلَعُهَا بِقَوْلِهِ:
يَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ
اَللهْ يُخَلِّي لِكْ هِنَّهْ هَالْجُوزْ مِثْلِ الْقَمَارَةْ
أَنَا شَاعِرْ مِنْ الْفَرْدِيسْ هَزّْلِي الشُّوقْ سْرِيرِي
بِقَدِّسْ هَالدِّيرَةْ تَقْدِيسْ الْلِي مِثْلَهَا مَا خُلِقْ دِيرَةْ
أَسَّسْنَا الْأُلْفَةْ تَأْسِيسْ وَعِنَّا لَوْ سَأَلْتُوا الْجِيرَةْ
عِشْنَا زَنْبَقْ عَمْبِيَمِيسْ سُنَّةْ وَدْرُوزْ وَنَصَارَى
وَيَلِي مَا شَافِ الْجَنَّةْ يَقْصِدْ دَارَ الْمُخْتَارَةْ
بَعْدَ فَرَاغِ الشَّاعِرِ مِنْ إِنْشَادِ قَصِيدَتِهِ، قَلَّدَتْهُ وَالِدَةُ الْعَرُوسِ عَبَاءَةً وَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ نَجْلُهَا فُؤَادٌ، بَقِيَتْ بِحَوْزَتِهِ يُفَاخِرُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ، بَعْدَ أَنْ وَضَعَهَا فِي خِزَانَةٍ زُجَاجِيَّةٍ زُيِّنَ بِهَا صَدْرُ مَنْزِلِهِ. لَكِنْ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَتَوَجُّهِ أَوْلَادِهِ نَحْوَ الْمَهْجَرِ، انْتَقَلَتْ إِلَى بَيْتِ حَفِيدِهِ فِي بَلْدَةِ رَاشَيَا الْفَخَّارِ لِتَضِيعَ أَوْ تُهْمَلَ فِيمَا بَعْدُ.
عِنْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ مَرَاسِمِ الْأَفْرَاحِ، نَهَضَ الْمَوْكِبُ صَبَاحًا إِلَى سَهْلِ بِسْرِي، فَإِلَى قُرَى وَادِي جَزِّينَ، فَإِلَى عَيْنِ مَجْدَلِي، ثُمَّ كَفْرِحُونَةَ، فَوُصُولًا حَتَّى الْقَطْرَانَةِ. وَجَمِيعُهَا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ آلَ جُنْبُلَاط، وَالِدِ الْعَرُوسِ.
بَعْدَهَا انْتَقَلَ الْوَفْدُ عَبْرَ طَرِيقِ مَزْرَعَةِ حُورْتَا، فَإِلَى بَرْغُزَ، ثُمَّ كَوْكَبَا، فَوُصُولًا إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا فِي حَاصِبَيَا، وَهَذِهِ أَيْضًا أَمْلَاكٌ تَخُصُّ زَوْجَهَا، مَعَ الْعِلْمِ أَنَّ مَزْرَعَةَ حُورْتَا كَانَ قَدَّمَهَا جَدُّهَا لِأَبِيهَا، الشَّيْخُ بَشِيرُ جُنْبُلَاط، إِلَى جَدِّ عَرِيسِهَا، الشَّيْخِ خَلِيلِ شَمْسٍ بَعْدَ اقْتِرَانِهِ بِابْنَتِهِ السِّتِّ أُمِّ عَلِيٍّ نَايِفَةَ جُنْبُلَاط شَمْسٍ.
وَهَكَذَا صَحَّ الْقَوْلُ:
«عَرُوسٌ تُزَفُّ مِنْ الْمُخْتَارَةِ إِلَى حَاصِبَيَا، فَلَا تَمُرُّ إِلَّا فِي أَرْضِ زَوْجِهَا وَأَبِيهَا»
