الخميس, آذار 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, آذار 5, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

مبادئ الإدارة العامة مفتاح التّفعيل والتّطوير
العودة إلى الأساسيات

على مدى المسيرة المهنيّة الخاصّة الّتي امتدت لأكثر من سبعة عشر عاما ولا تزال، تجمّعت لدينا بعض الأفكار حول العمل الإداري، وكيفيّة الاستفادة من المبادئ الحديثة في علوم الإدارة العامة، وتطبيقها في العمل اليومي، والحياة الإداريّة اليوميّة. وإذا كانت المعوّقات الكبيرة خارجة عن إرادة العامل أو الموظّف (وربما المؤسسة) وهو إنسان يحرّكه العقل والعاطفة، فلا بدّ من إعادة التّذكير بالأساسيّات.

ممّا لا شكّ فيه أنّ محور العمل هو القائم بالعمل. وفي مجال الجهاز الإداري للمجلس المذهبي هو الموظّف. ذلك الموظّف الحريص الّذي يُطلب منه مهام جسيمة في إطار عمله في هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة. لا نقصد بذلك الطّلبات الإداريّة الضّيّقة أو الأوامر التّسلسليّة؛ فهذه مفاهيم مرَّ عليها الزّمن وأكل عليها الدّهر وشرب. الموظّف الحريص ضميرُه يحرضّه، وحرصُه يحركّه، والمسؤوليّة تهيب به الخروج من حال السلبيّة والجمود.

لا يمكن لأيّة دائرة أن تعمل إذا جرى الإلتزام الحرفيّ بالنّصوص للاستحالة العمليّة والاستحالة القانونيّة. ومن هنا أهميّة الاستفادة من التّطور الّذي لحق بالإدارة العامّة والاهتداء بمبادئ علم الإدارة العامّة واستلهام روح النّصوص القانونيّة دون تكبيل أنفسنا بالقيود والسّلاسل. ذلك التّطور الذي أنتج مبدأ من أهم مبادئ الإدارة (والحياة) وهو مبدأ التّكيّف.

إنّ مبادئ علم الإدارة العامّة، مستنبطة من خبرات طويلة وتجربة بشريّة في مجتمعات متنوّعة، ولم يأتِ تكريسُها اعتباطًا. وقد يبدو أنّ بعضها بديهي، كمبدأ المساواة في المعاملة بين المستفيدين من خدمات الوحدة الإداريّة الحكوميّة مثلًا. نجده في كلّ المؤلّفات الخاصّة بالإدارة بل والقانون الإداري، فكاد أن يصبح من «البديهيّات الإداريّة» إن جاز التعبير. فعلى الرّغم من بداهته، ينبغي التّذكير به، وبقدسيّته، والإصرار عليه، وإعلاء الصّوت في تكريسه في كلّ مكان، وضرورة الالتزام به في كل وقت.

وقد رغبنا في استذكارها والتّذكير بأهمّها، للاهتداء بها باعتبارها ضامنة الإنتاجيّة والنّجاح. وإذ كان للعمل في الشأن الاجتماعي خصوصيّة حيث يحتلّ فيه العامل الإنساني الدّور الأبرز، فإنّ الوحدات الإداريّة الّتي يوكل إليها مهامٌ اجتماعية كالمساعدات، أو الطّبابة، والتّعليم، لا بدّ أن تنعكس طبيعة نشاطها في الكيفيّة الّتي تمارس به هذا النشاط، خلافًا لوحدة تُعنى بالإيجارات أو النّزاعات القانونيّة مثلا.
نستعرض بعض المبادئ الرّّاسخة في علم الإدارة العامّة فيما يلي دون التقيّد بالأشكال المدرسيّة المنهجيّة.

التحسّب للمستقبل

قد يجد الارتجال مجاله في النّشاطات الفنيّة أو الأدبيّة حيث يُظهر لحظة إبداعيّة معينة تترك أثرًا جماليًّا. أمّا في مجال العمل المؤسّساتي الإداري، فسينعكس الارتجال والعمل العفوي تخبّطا وعدم فاعليّة ويؤدّي إلى نقص الإنتاجيّة وإهدار الموارد – القليلة والقيّمة دائمًا – في معالجات موضعيّة دون جدوى.

على كل إدارة فاعلة منتجة واجب التّنبّؤ بما سيكون عليه المستقبل من ناحية، والعمل له من ناحية أخرى. التّنبّؤ للمستقبل لا يكون بالعرافة، بل من النّظر في الواقع الحالي، وتحليل الأسباب والظّروف الّتي أدّت إليه، ومن ثمّ القيام بعمليّة تقدير مبنيّة على كلّ المعلومات المستخلصة من الماضي والحاضر، تقدير الوجهة الّتي سيسلكها هذا الواقع وبما ستكون عليه الحال في المستقبل، سواء كانت مشرقة زاهرة أم داكنة مظلمة.

الإستعداد والتّحضير وخطّة العمل

وإزاء الصّورة المستقبليّة الّتي يجري رسمها، لا بدّ من العودة إلى مبادئ الإدارة كي يُبنى التّصرف على أسس مستقرّة ووفقًا لمعالجات مجرّبة. المقاربة العلميّة تقتضي جمع المعلومات أوّلًا، ومن ثمّ تحديد الأهداف على ضوء قراءة المستقبل، وضع سلّم الأولويّات وترتيب هذه الأهداف أي أولويّة الحاجة الّتي سيتمّ مقاربتها. التّأكّد من الموارد الماليّة والبشريّة والطّريقة المثلى لتوظيفها. ومن ثمّ وضع خطّة مرنة، توفّر الحدّ الأدنى من الطّمأنينة لمن ينفّذها، ولمن يستفيد منها.

وعند تحقّق كلّ هذه العوامل، يكون التّصرّف مخطّطا له، والتّنفيذ مدروسًا، ويصبح تقييم هذا التّنفيذ – الّذي سيجري في مرحلة المتابعة اللّاحقة – مفيدا.

الخطة المُطمْئنة

بذل الجهد في التّخطيط، يجعل التّنفيذ سلسًا، سهلّا. إذ يقتصر المنفّذ على اتّباع الخطوات المقرّرة، وإن عرضت مشكلة ما انبرى لمعالجتها فورًا (ويُفترض بالخطّة أن تتوقّع الصّعوبات والمعوّقات أيضًا). وبالتّالي، يطمئنّ من يُوكل إليه عملٌ معيّنٌ، مطلق عملٍ، بقدرته على إنجازه، فقد بذل الجهد مسبقًا في التّحضير والاستعداد، أو لديه خطّة مدروسة تفصّل المطلوب أوّلاً بأول. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، وجود الخطّة يوفّر الطّمأنينة للمستفيد من خدمات المؤسّسة في الزّمن الصّعب، فيتيقّن ويتثبّت من وجود الدّعم والدّاعم، والرّعاية الحقيقيّة، ويشعر بالثّقة بأنّ هناك من يهتمّ به ويقف بجانبه فعلا لا قولا.

التّنظيم والاستفادة من تعدّد الوحدات الإداريّة

التّنظيم عماد كلّ إدارة. يقصد به الاستخدام المنظّم للوحدات الإداريّة بالشّكل الإداري النّموذجي. وقد توصّلت الإدارات (سواء الشّركات، أو المؤسّسات، أو حتّى القطاعات العامّة في الدّول المتقدّمة) إلى مبادئ جعلتها أساسًا للعمل الإداري. منها: تقسيم المهام، الاتّصال والتّنسيق، ترتيب صلاحيّات وتكليف بمسؤوليّات، سلطة إداريّة…الخ). والنّصوص القانونيّة بنيت على هذا المبدأ.

يحقّق التّنظيم الكفاية الإنتاجيّة، بالتّزامن مع العدالة في تقديم الخدمات للمستفيدين، وأساسها التقليل من التّأثيرات الشّخصيّة على القرارات، وكلّ ذلك في سبيل الاستخدام المنظّم للموارد.

التّقليل من التّأثيرات الذّاتيّة على القرارات

تُقرّ المبادئ الإداريّة الحديثة بأنّه للحدّ من تأثير الآراء الشّخصيّة الذّاتيّة على صنع القرار الإداري، يجب تعزيز الوعي عبر التّوجيه والتّدريب. فالتّثقيف للتعالي عن التّحيزات على تنوّع أشكالها ضروري. كما إدراك أهميّة التّمييز بين القرارات الشّخصيّة والقرارات الموضوعيّة العقلانيّة. القرار العقلاني يبنى على معلومات وعلى تحليل موضوعي شامل يتوجب تحفيز الجميع على القيام به. وفي مرحلة تالية هناك تقييم يجب إجراؤه مستندًا إلى تلك المعلومات (والفرض أنّه قد جرى التّأكّد من صحّتها. ففي المسائل الاجتماعيّة يكون التّحقق من صحة المعلومات على قدر كبير من الأهميّة). إذن، يفترض في القرار الإداري الحديث أن يكون مبنيًّا على معايير وعلى أسس تقييم موضوعيّة.

ومن المستقر أيضًا التّنويع في المشورة، أو الاستعانة بخبراء. إذ يسهم ذلك في التّوجيه نحو الاختيارات الأكثر فعاليّة. كما يمكن للخبراء تحليل المشكلات المعقّدة وتقديم حلول مبتكرة لها. ولا بدّ من إجراء مراجعة – نقديّة إذا أمكن – للمرحلة السّابقة بهدف كشف مواطن الضّعف، أو الخلل إن وُجد، والتّحسّب للتّصحيح.
هذا المبدأ الجديد القديم (عدم الانسياق للرّغبات الشّخصيّة) ضامن العدل كما المساواة بين المستفيدين من خدمات المؤسّسة. وضامن أيضًا لحسن الأداء.

العدالة في تقديم الخدمات الاجتماعيّة

يجب الانتباه هنا إلى أنّ العدالة تعني المعايير العادلة. فإذا لم ينطبق على المستفيد المعيار، تكون استفادته ظالمة لغيره، والعدل هو في حرمانه من التقديمات مطلقا. العدالة ليست في شموليّة المستفيدين وجميع النّاس باعتبار طبيعة الأشياء فضلا عن قلّة الموارد، بل في المعايير.

يجب أن يكون المعيار – معيار الاستفادة – عادلًا وموضوعيًّا. وهذه الجزئيّة على قدر كبير من الأهميّة. إذ لا يجب تفصيل المعايير على قياس أحد، ولا على قياس جهة، أو جماعة محدّدة، بل يتعيّن أن يكون المعيار ذاته عادلًا. وإذا تحقّق المعيار يستفيد عندئذٍ جميع من ينطبق عليهم. هذا هو فهمنا للمسألة.

العمل الجماعيّ

لا يستحسن النّظر إلى العمل الجماعيّ نظرة هرميّة جامدة. أي بمنطق تقاذف العمل أو المعاملة الإداريّة بين هذه الوحدة أو تلك، وبين صلاحيّات هذه أو تلك، فتقتصر النّظرة على توزيع الأعباء. العمل الجماعي في النّظرة الحديثة للإدارة هو فضلا عن تخفيف العبء (اللّازم والضروري)، ومبدأ تقسيم العمل، يُنظر إليه من زاوية المشاركة.

تلك المشاركة الّتي غايتها التّحفيز، والّتي لا بدّ أن تؤدّي إلى الانخراط. التّحفيز والانخراط في العمل تحقيقًا لصالح المؤسسة وأهدافها. التحفيز والانخراط يعزّزان الرّضى الوظيفي، الّذي يؤدّي إلى الشّعور بالانتماء والولاء، والحماس للعمل مع مثابرة، ممّا سينعكس قطعًا على الإنتاجية.

ويظهر في هذا المقام التّفويض الإداري كوسيلة أقرّها القانون لوضع المبدأ أعلاه موضع التّطبيق. فهو الحلّ العملي النّاجع المساهم في تحقيق المشاركة فعلًا بالتّوازي مع تخفيف العبء. (ويلاحظ هنا أنّ تكامل القانون مع التّجربة حتَّم ألاّ يكون التّفويض إلّا في بعض الصّلاحيّات، ولمدّة معيّنة). كما أن التفويض يكفل الاستجابة السّريعة سواء تعلّق الأمر بمشكلة يتعيّن حلّها، أم بفرصة يتوجّب الاستفادة منها.

العمل المؤسّساتي

العمل المؤسّساتي بالمقارنة مع العمل الفردي، هو الّذي يضمن الاستقرار والاستمراريّة. أي استمرار المؤسّسة في تقديم الخدمات وتحقيق الأهداف حتّى في حالة تغيير الأفراد، واستمرار عمليّة البناء والعطاء جيلًا بعد جيل.
كما أنّ العمل المؤسّساتي عمل جماعي تشاركيّ تعاونيّ، يقلّل إلى حدّ كبير التّدخلات الشّخصيّة، كما أنّه لا يجهّل المسؤوليات بل يكفل الشّفافية والمساءلة والمحاسبة.

وإذا كان من المفيد الأخذ بأهمّ حسنات التّصرفات الفرديّة وهي السّرعة في اتّخاذ المواقف، المرونة والتّكيّف، والحزم في اتّخاذ القرار مع تقليل التّأثيرات الشّخصية إلى أقلّ قدر ممكن، فإنّ العمل المؤسّساتي هو الذي يكافح تأثيرات الشّخصانيّة في المؤسّسات لما تؤدّي إليه من فقدان للتّوازن في العمل والإنتاجيّة، وبالتّالي تفاوت الأداء، وضعف التّواصل نتيجة عدم الانسجام الشّخصي.

تعزيز المبادأة

المبادأة سمة أساسيّة في العمل الإداري. مبدأ يضمن كذلك الإنتاجيّة والفعاليّة والأداء. إنّه مبدأ ابتكار المشاريع وطرح الأفكار المتجدّدة، واستباق المشاكل، والإسراع بحلّ ما يظهر منها.

ينظر إليه بما يتركه من آثار طيّبة على من تقدّم بالفكرة من ناحية، إذ يعزّز الثّقة بالنّفس وبالقدرات الشّخصيّة ممّا سينعكس بالضّرورة على الأداء الشّخصي له.

ومن ناحية أخرى، سيؤثّر في متلقّي الفكرة أيضًا بما يحقّق فعلاً العمل الجماعي، سيما إذا كان هذا المتلقّي في مستوى إداري أعلى فيساهم ذلك في صنع قرار إداري مستنيرٍ.

تعزيز الشفافيّة والقيادة المرنة

إذا كان تشجيع المبادأة من قبل الموظّف واجبًا، فلا بدّ من تذكير القيادة بضرورة إسهامه وإشراكه في صنع القرار. إذ لنجاح المؤسّسة، تقضي مبادئ الإدارة الحديثة بضرورة التّعاون الكامل بين كافة الوحدات التّابعة لها.

تتشارك الوحدات في العمل المؤسّساتي أيًّا كان ترتيبها ومستواها الإداري (مجلس إدارة، لجنة، إدارة تنفيذيّة، دائرة، قسم.). تتعاون وتساهم في صنع القرار عبر ما تقدّمه من معلومات وتقييم، فيأتي تنفيذه رافعًا للإنتاجيّة فعّالًا، من قبل أفراد تمّ تحفيزهم عبر مساهمتهم فيه.

ليس كلّ رئيس إداريّ قائدًا إداريّا

القيادة مفتاح الإدارة، والجهة الرّشيدة الواعية الموجِّهة، الّتي تتّخذ القرارات السّليمة وتراقب تنفيذها. ويفرق علم الإدارة بين الرّئيس الإداري الّذي لا يمارس إلّا سلطته الرّسميّة، وبين القائد الإداري الّذي يحوز ثقة المرؤوسين ويبسط سلطته عبر التّأثير الايجابي فيكسب الإحترام والثّقة قبل الطّاعة والولاء.

القائد القدوة

وهو الّذي يجمع مواصفات معيّنة تؤهّله للقيادة. هو قبطان السّفينة والكلّ راكب فيها. هو القائد وهو الرّئيس. فهو القادر على التّحمل، الثّابت في مواجهة المواقف. هو الصّبور الأمين الشّريف النّزيه المخلص المثابر المتفاني للعمل. هو صاحب الهمّة والقدوة الحسنة. وهو صاحب الخبرة والمهارة في ما يؤدّيه، كما المتواضع الحريص على الاكتساب وتطوير خبرته عبر الاستعانة بمستشارين أكْفاء. هو المنفتح غير المستبدّ. هو الإنسان الّذي ينمّي العلاقات الإنسانيّة والمشاركة في الوحدة الإدارية .تستند قيادته إلى الاستماع والاحترام لتمتّعه بحسن التّدبير وتقدير الأمور. هو صاحب الرّؤيا، فضلا عن الرّأي السّديد. وعندنا هو رأس الهرم في هذه المؤسّسة الجليلة الشّريفة، رئيس المجلس، سماحة شيخ العقل، الّذي ينعكس حضوره الأبويّ كما بركته في كلّ نواحي العمل.

الالتزام بروح النّصوص

لا يتضارب مبدأ الالتزام بروح النّص ذلك مع القواعد القانونيّة الّتي قد توحي أحيانًا بشيء من الجمود، ولا مع تحديد المسؤوليّات والصّلاحيّات بوضوح، وإقامة الحدّ بينها. بيد أنّه لا يخفى ما لمرونة الإدارة من انعكاس مباشر على الإنتاجيّة. فيكفي قول إنّ الوحدة الفلانيّة ليس من صلاحيّاتها هذا أو ذاك، أو تتذرّع الوحدة تلك بأنّ ليس من صلاحياتها هذه المعاملة أو تلك، ليتجمّد العمل ويفشل. فإن كان ليس من صلاحيّاتها القانونيّة التّنظيميّة، يوكل إلى وحدة أخرى ذات صلاحيّة. والوحدات عديدة متنوّعة الخبرات والصلاحيّات والهدف تسخيرها لصالح العمل – ذي الأهداف السامية – الّذي تقوم به هذه المؤسّسة الكبيرة الشّريفة.

اتّخاذ القرارات في ضوء المقاربات العلميّة

إذ إنّ صنع القرار الإداري، الّذي تترتّب عليه مفاعيل مؤثّرة، لا مطلق قرار فردي، يتطلّب قدرًا من الهدوء. فهو يتطلّب تحديد المشكلة، والبحث عن الحلول، وتقييمها، بغية تعيين أفضلها في ضوء عدّة عوامل؛ أهمّها: الإمكانات البشريّة، والفنيّة، والتّكاليف الماليّة، والوقت. ومن ثمّ – لاحقًا – يتمّ وضعه موضع التّنفيذ.

توقيت إعلان القرار

إذا كان توقيت اكتشاف المشكلة مؤثّرًا ومهمًّا، بقدر تقليبها وجمع البيانات والحلول بشأنها، والمدّة الزّمنيّة الّتي يستغرقها الحلّ المعتمد، فإنّ اختيار التّوقيت المناسب لتبليغ العاملين في المنظّمة الإداريّة على جانب كبير من الأهميّة، خاصّة إذا تعلّق القرار بتغيير أو تعديل لقرار سابق، كي يكون هؤلاء مؤهّلين لهذا التّغيير أو ذاك التّعديل.

التّواصل الدّائم الفعّال

إنّ التّواصل الفعّال يشكّل الأساس الّذي يبنى عليه التّنسيق بين أجهزة المؤسّسة، وفي وجهة نظرنا لا تقلّ أهميّته عن التّخطيط. يتطلّب التّواصل الفعّال استخدام كافّة الوسائل المتاحة سيما تلك الّتي تخفّف من الرّسميات كالاجتماعات الدّوريّة، والمحادثات الشّخصيّة، والبريد الإلكتروني، بل الرّسائل الفوريّة. عندما يكون التّواصل فعّالًا، يتمكن أفراد الفريق من فهم الأهداف (أو التّحديات الّتي وضعها التّخطيط) بشكل أفضل، وتوجيه جهودهم (التّنظيم) بشكل متناسق نحو تحقيق (تنفيذ) تلك الأهداف. كما يساهم التّواصل الفعّال في تبادل المعلومات بسلاسة، ممّا يسهم في اتّخاذ القرارات الصّحيحة والمستنيرة (القيادة)، فتأتي الرّقابة أو التّقييم اللاحق متحقّقًا من النّتائج الّتي لا بدّ وأن تكون نتائج طيّبة باعتبارها مبنيّة على أسس.

العلاقة الإداريّة الإنسانية

ليس من المطلوب رفع الكلفة، ولا الدّخول في الخصوصيّات مطلقًا. وليس من المطلوب حتّى بناء الصّداقات أو العلاقات الإجتماعية في الإدارة بالمعنى الّذي يزيل الحدود والآداب الإداريّة. فالآداب الإداريّة فضلاً عن الآداب العاديّة مطلوب تحصينها وضمانها دومًا. المطلوب بيئة إنسانيّة صالحة للعمل. هذا بشكل عام. أمّا في مجال عملنا، فلا يخفى على أحد أنّ بيئتنا عائليّة بسبب طبيعة مجتمعنا التّوحيدي الّذي تسوده الألفة فضلًا عن روابط الدّم والقربى، الأمر الّذي يفترض عدم وجود سبب لمعوّقات التّواصل، أو عدم الإنسجام الشّخصي، الّتي قد توجد في وحدات إداريّة أخرى. والبيئة المطلوبة هي تلك البيئة الدّاخلية الصّادقة المفتوحة، والّتي ستنعكس أيضًا وبالضّرورة على الإنتاجيّة والأداء.

تعزيز التنوّع ونبذ التّحجيم

التنوّع والشّموليّة من المبادئ المقرّرة أيضًا في علم الإدارة الحديث، إذ يجب تعزيز التّنوع، والاستفادة من خبرات ووجهات نظر متنوّعة حتّى داخل الفريق الواحد، ممّا يجعل القرار مختمرًا مبنيًّا على نظرة شاملة.

التّنوّع المشار إليه هو المبني على خبرة. والآراء المطلوب تنوّعها هي تلك الّتي يقدّمها من لديه حد أدنى من المعرفة أو الخبرة في مجاله. فالقيادة في علم الإدارة الحديث ليست عسكريّة بل إيجابيّة مشجّعة على التّواصل المفتوح والبنّاء، دون تعالٍ أو تحجيم. ولا يخفى ما لتشجيع التّنوع والمقاربات المختلفة من أهميّة، شرط أن تكون المقاربة مبنيّة على تجارب وخبرات.

التنسيق

التّنسيق ضامن التّوافق والانسجام. وبالنّظر إلى أنّ من يقوم بالعمل هم بشر، وقد تُنتج الطّبيعة الإنسانية في بعض الأحيان تعقيدات أو عدم انسجام أو منازعات، فيقتضي التّصدي لهذه الحالات مسبقًا عبر تنسيق العمل بين الوحدات المختلفة، عبر آليّات مختلفة تكفل منع ازدواج الصّلاحيّة، وتتجنّب التّنازع في التّنفيذ. ومن يقوم بذلك بطبيعة الحال هو القائد الإداري أو مجالس ولجان خاصّة، بحيث لا يكون المنسّق من نفس مستوى الوحدة لضمان الالتزام بما يقرّره.

الرّقابة الذّاتيّة بالتّوازي مع الرّقابة الإداريّة

الرّقابة المطلوبة قبل أيّة رقابة هي الرّقابة الذّاتيّة الّتي يمارسها الشّخص بحقّ نفسه، فيرتقي إلى مرحلة ينظر فيها بعين النّقد إلى عمله، فيحدّد نقاط القوّة والضّعف فيه، ويتّخذ التّدابير اللّازمة للتّحسين أو التّصحيح.

التّعلّم والتّطوير المستمرّ

التّعلّم والتّطوير المستمر للإنسان يعتبران أساسيّين للنّمو والنّجاح الشّخصي والمهني، ويلعبان أدوارًا متعدّدة في حياة الفرد وفي بيئة العمل؛ منها: تحسين المهارات والتّكيّف مع التّغيير، كما تعزيز الثّقة، وتطوير الابتكار، وتوسيع دائرة المعارف، وبناء العلاقات الجديدة للتّعامل مع التّحدّيات والفرص الجديدة. يسهم ذلك في تحقيق الرّضى الشّخصي والمهني في الحياة. ولا يخفى ما لورش العمل والتّدريب من أهميّة، وهي الّتي تتكلّف الإدارة عليها في سبيل تنمية معارف العامل، فينبغي إذن أن تثير اهتمامه لا تأفّفه.

لمحة سريعة عن ضوابط الإدارة في الإسلام

إنّ مبادئ الإدارة العامّة الّتي عرضنا بعضها أعلاه هي ضامنة النّجاح. وهي المستقاة من تجارب بشريّة، أدّت إلى استنباطها وتثبيتها مبادئ جوهرية واحدة في كل إدارة سليمة صالحة لكلّ زمان ومكان.

أمّا الاسلام فقد كان له فضل السّبق في ترسيخ مبادئ وأصول، ساهم الفكر الإسلامي الغزير في إثرائها، وانعكس تطبيقها في اختيار القادة والولاة وعمّال الدّولة، وأسس التّنظيم الإداري، مع إضفاء الطّابع الإنساني على جميع هذه النّواحي.

وبطبيعة الحال حرص الخلفاء على إحقاق الحقّ، ورسم العلاقة المتوازنة بين حقوق وواجبات المواطن، وضربوا الأمثلة الّتي قلّما يجود التّاريخ بها في حاكم يجمع التّواضع والرّأفة والحلم، كما الحزم والشّدة دون ظلم، حاكم يجمع الحكمة والتّروّي، والشّجاعة والإقدام والهمّة، يُعلي من شأن الأدب والشّعر والفنون، بقدر تشدّده في نشر المعرفة وتطوير العلوم، يصل الشّعراء ويقرّب أهل العلم.

ومن مبادئ الإدارة الإسلامية الشّورى والإنصاف والتّواضع والتّعاون والمسؤوليّة.

الشورى

الإدارة الإسلاميّة توجب ألّا يقضي المسؤول برأيه تسرّعًا، بل تفرض التّروّي والتّدبر والتّفكر ومناقشته والاستشارة بشأنه. وقد قال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} (آل عمران: 159). {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ}(الشورى ٣٨) وغيرها الكثير من الشّواهد المباشرة القاطعة بوجوب الشّورى.

وعن النبي (ص) قال: لَقِّحُوا عُقُولَكُمْ بِالْمُذَاكَرَةِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْمُشَاوَرَةِ (الماوري) وقال أيضًا (ص) «ما استغنى مستبّد برأيه وما هلك أحدٌ عن مشورة». وقال أبو بكر (ر) في أولّ خطبة له بعد مبايعته: أيّها النّاس فإنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني. وكان عمر (ر) لا يستأثر بالأمر دون المسلمين، ولا يستبدُّ عليهم في شأنٍ من الشّؤون العآمّة، فإِذا نزل به أمر لا يبرمه حتّى يناقش الرّأي معهم فيه، ويستشيرهم.

وإذا كان هذا دأب الخليفة وهو رأس الدّولة. فمن باب أولى تطبيق الحكم بحقّ كلّ مسؤول، وكلّ قائد أو رئيس إداري، مهما كانت درجة مسؤوليّته.

المساواة والعدل والإنصاف

جاء الإسلام بالمساواة. قال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: ١٣) وقال النّبي (ص) لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ ، ولا لأبيضَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أبيضَ إلَّا بالتَّقوَى ، النَّاسُ من آدمَ ، وآدمُ من ترابٍ (صحّحه الألباني عن جابر)
والإسلام يوجب العدل والإنصاف. فقال تعالى {إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90). وعن النبي (ص) أنّه قال: ما مِن والٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وهو غاشٌّ لهمْ، إلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عليه الجَنَّةَ (رواه البخاري). وهو القائل أيضًا عندما سُئل (ص) أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ.

التّعاون والتّضامن

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ} (المائدة: 2). وقال النبي (ص): «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً» (البخاري). وقال أيضًا:
«مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم ، وتَرَاحُمِهِم ، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى» (رواه مسلم)

المسؤوليّة

قال تعالى: {فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} (الأنعام: ١) وعن النبي (ص) أنّه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).

وقد جعل القرآن الكريم العمل هو معيار تحديد مركز المسلم وتعيين درجته في الدّنيا والآخرة فقال تعالى: {وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} (الاحقاف 19) {‏‏يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة 11)

وذكرنا أنّ الإسلام حقّق المساواة بين المسلمين، ولكنّ المجتمع نفسه المتضمّن للاختلاف بين النّاس في درجات الإيمان أو العمل أو العلم أوجب مبدأ التّدرج في العمل التّنظيمي الإداري.
كما أوضح الإسلام أيضًا مبدأ التّلازم بين السّلطة والمسؤوليّة، فقال تعالى {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} والمسؤوليّة كاملة شاملة لنشاط الإنسان. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
الشّفافيّة والرّجل المناسب في المكان المناسب:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} (النساء: 135) وقال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص 26) وقال النّبي (ص) إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظر السّاعة، قال: كيف إضاعتُها يا رسول الله؟ قال: إذا أسندَ الأمْرُ إلى غير أهله، فانتظر السَّاعة (رواه البخاري).

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي