الثلاثاء, آذار 10, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الثلاثاء, آذار 10, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

47 عاماً على تأسيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة

احتفلَ شعبُ الإمارات العربيّة المُتّحدة في الثاني من كانون أوّل 2018 بمرور 47 عاماً على تأسيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، 1971- 2018.

قبل الحديث إيجازاً عن النجاحات الحديثة لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة، وهو نجاح لكل عربيّ حقيقي مخلص، (وآخرها تصنيف جواز سفرها الأوّل على مستوى العالم)، ربّما يجدر تذكير الشباب اليوم أنّ دولة الإمارات العربيّة المتّحدة لم تولد بسهولة سنة 1971، وإنّما بعد مخاض طويل بل مواجهة حقيقيّة طرفاها المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبو ظبي ومعه حكّام الإمارات المُتَصالحة يومذاك من جهة، وقوى إقليميّة شاهِنشاهية عرقلت، بل هدّدت ما استطاعت، لمنع قيام اتّحاد الإمارات التّسع – ونجحت جزئيّاً بمنع قَطَر والبحرين من الانضمام للاتّحاد العربي العتيد. إصرار المغفور له الشيخ زايد، وحِنْكَته، في تحقيق وحدة الإمارات هو ما دفع الرّئيس عبد الناصر إلى القول سنة 1968 “وُلِد زعيم كبير في الخليج العربي”.

زُرْت شخصيّاً دولة الإمارات العربيّة المتّحدة أكثر من عشر مرّات – إذْ لنا فيها أبناء وأصدقاء وأكاديميّون زملاء ومعارف – قضيت فيها أسابيعَ طويلةً، وزُرْت معظمَ جهاتها ومناطقها، فشاهدت عياناً نهضة الإمارات بسرعة وكثافة ودقّة وتخطيط شمولي غير مسبوق: إذ من الصّعب أن تجد منطقة أخرى في العالم تحوّلت في عشرين سنة، إيجابيّاً وفي كلّ مجال، بالقدر الذي باتت عليه مناطق دولة الإمارات العربيّة المتحدة.

لم يكن النجاح المُذهل ذاك نجاحاً في “الحجر” فقط، وإنّما قبل ذلك في البشر، أي في الإنسان: إذ لم أرَ في أمكنة أخرى كثيرة وزيراً لـ”السّعادة”، أو “التّسامح”، كما في الإمارات، وعلى سبيل المثال لا الحصر. وإنْ دلّ ذلك على شيء، فعلى أنّ الإنسان، وقبول الآخر واحترامه، حاضران بقوّة في وعي قيادات الإمارات العربية، وفي خططها للمستقبل. هذا هو، في رأيي، جوهر النّقلة السياسيّة التي أحدثها المغفور له المؤسّس الشيخ زايد ورفاقه، وهذا الروح مستمرّ بوضوح في خطط الإمارات وسياساتها الرّاهنة، وهو ما اختصرته احتفالات الذكرى 47 لقيام الاتّحاد بكلمَتَي “روح الاتّحاد 47″، وفي ذلك ما يكفي من الدّلالات.

حضارياً وثقافيّاً وسياسيّاً في الإنسان قبل الحجر، بالفعل وليس بالكلام، تميّزت السنوات السبع والأربعون الماضية من عُمْر دولة الإمارات بالسّمات المفصليّة الأساسيّة التّالية:

  • وَحْدَةٌ داخليّة حضارية، غير إلغائية، تحفظ التنوّع ولا تلغيه.
  • الجمعُ بوعي كامل بين الأصالة والحداثة.
  • الإنسانُ وترَقِّيه، الفرديّ والاجتماعي، هو الهدف الأخير.
  • “مجتمع سعيد، مُتسامح”، شعار يتردّد في كلّ زاوية.
  • عروبة غير عنصرية.
  • إسلامٌ معتدلٌ، منفتحٌ، يقبلُ الآخرَ ويتكامل معه.
  • دولة مدنية بمؤسسات حديثة، دستوريّة وإداريّة وتنمويّة، وسواها.
  • المرأةُ شريك كامل.
  • الهدف هو المستقبل لا الماضي.
  • اعتماد العلم في التّخطيط للمستقبل.
  • تنويع في القطاعات الاقتصادية ومصادر الدخل.
  • لا أهدافَ مستحيلةً أو لا يمكن تحقيقها.
  • ما من عقدة نقص، أو تبعيّة، حيال الشّرق أو الغرب.
  • طموح بغير حدود (الحكومة الإلكترونية، مدينة المستقبل الذكية، مثالان فقط)،
  • التزام تام بمعايير الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
  • إخلاص ليس فوقه إخلاص، لشعب الإمارات، درسٌ حيٌّ برسم الكثيرين.
  • وأخيراً، يَدٌ خيّرة، معطاء، لكلّ محتاج، بمعزل عن لونه وجنسه ودينه وانتمائه، أطلقها المؤسّس الشيخ زايد قبل خمسين سنة وأصبحت مبدأً في سياسة الإمارات.

    “سعادتنا في قيام الاتحاد”، قالها ببساطة المغفور له الشيخ زايد، وهي تختصر النّظرية العربية القومية برمّتها.

في العيد السابع والأربعين لإعلان الاتّحاد، نتمنّى للإمارات العربيّة المتّحدة، شعباً ودولة، دوام الأمن والأمان والبحبوحة والازدهار والرّيادة في كلّ مجال، فتتحقّق نظريّة “المواطن الحرّ والشعب السعيد”. وهو عين ما نتمنّاه لكلّ الشعوب والدول العربية الشقيقة.

 وتُتَوِّج الضّحى ،التي تشارك الشّعب الإماراتي، واللبنانيين المقيمين في الإمارات، سعادتهم في الذكرى السابعة والأربعين، هذا الملفُّ الذي يلقي الضوء على احتفالات الثاني من ديسمبر في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، بلقاء مع سعادة سفير دولة الإمارات في بيروت، الدكتور حمد الشامسي، الذي ما انفك يمثّل روح دولة الإمارات العربية المتحدة في بيروت بثقافته العالية وعمله الخيري الإنساني الذي لم ينقطع لسنوات وفي المناطق اللبنانيّة كافّة، وفي حَضِّهِ على تعزيز روح المُصالحة والتّعارف والاعتراف بالآخر بين مكوّنات المجتمع اللبناني، وهي عناوين مؤتمر الحوار بين المكوّنات الدينيّة اللبنانيّة والذي دعا إليه سعادة السّفير وانعقد في فندق الحبتور في بيروت في أواخر كانون أوّل 2018 (وفي العدد كلمة سماحة شيخ العقل في هذا المؤتمر).

رئيس التحرير

المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان

توطئة:

صُمِّمت السياسة الاقتصاديّة الرّاهنة التي بدأ تطبيقها في العام 1993 لتحقيق هدفين مترابطين هما تثبيت استقرار الاقتصاد الكلّي وإطلاق برنامج إعادة الإعمار وما تطلّبه ذلك من موارد ماليّة تخطّت وقتها حجم الادّخار الذي كانت متوفّراً. حقّقت تلك السياسة هدفيها جزئياً، غير أنّ الاستمرار باعتمادها لعقدين كاملين بعد فورة إعادة الإعمار التي شهدها لبنان بعد اتفاق الطائف أحدث انحرافات في الاقتصاد الحقيقي ودفع بالاقتصاد الكلّي نحو هشاشة متزايدة أضحت تهدد التوازن الاقتصادي غير المستقرّ أصلاً.

إنّ التحوّل نحو سياسة اقتصاديّة مغايرة لتلك التي سادت على مدى ربع قرن أكثر من مطلوب، بغية تقويض التّوازنات الهشّة على مستوى الاقتصاد الكُلّي و توزيع الثّروات والمداخيل بعدالة تصاعدية. من الضروريّ في هذه المرحلة اعتماد سياسة تهدف إلى تحقيق نموّ مبني على الاستقرار الناجز والرّفاه الاجتماعي و على ترشيد استهلاك الموارد الطبيعيّة.

يلعب المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان حاليًّا دوراً هاماً في محاولة صياغة سياسة اقتصادية اجتماعية و بيئيّة متكاملة للبنان لتحقيق النموّ و التنمية المُستدامة.


لمحة تاريخيّة عن الاقتصاد اللبنانيّ:

شهد الاقتصاد اللبنانيّ في العقود الثلاثة التي سبقت الحرب الأهلية فترة عُرفت بالفَورة الاقتصادية، وذلك بفعل استقطابه للحركة المرفئِيّة في المنطقة بدايةً وللرّساميل الساعية للأمان لاحقاً. لقد شكّلت مثلاً نسبة السّلع المصدّرة إلى السّلع المستورَدة 72% في العام 1973 بحسب مراجع البنك الدولي. هدفت الإجراءات النقديّة التي تمثّلت بإقرار تغطية ذهبيّة وازنة للنّقد والبدء بمراكمة الذهب احتياطاً نقديّاً إلى تعزيز الثقة بالعملة الناشئة بعد الانفصال الجمركي عن سورية ممّا أدّى إلى زيادة التدفّقات الماليّة إلى الدولة المستقلّة حديثا.

نشطت في أواسط خمسينيّات القرن الماضي قطاعات الخدمات ومن ضمنها قطاعات المال والسياحة والنّقل البحري والجوّي والبرّي على وجه الخصوص. تطوّرت هذه القطاعات متكاملةً مع الرّساميل الوافدة وأتى هذا النشاط مترافقاً مع دعم كبير من قبل السلطة السياسية عبر إقرار قانون السريّة المصرفيّة وتخصيص تلك القطاعات بالتسهيلات والاستثمارات، نذكر على سبيل المثال لا الحصر شركة طيران الشرق الأوسط وكازينو لبنان.

كان من البديهي بسبب الازدهار الذي شهده الاقتصاد اللبناني في تلك المرحلة أن يسيل الحبر الكثير حول أهميّة هذا النموذج الاقتصادي ودور الاقتصاد اللبناني في المنطقة. ربطت معظم التحاليل هذا الازدهار بنموّ قطاعات الخدمات حصراً، واعتبرت بأنّه على قطاعات الإنتاج الحقيقي (الزراعي والصناعي) أن تتطوّر بمقوّماتها الذاتية من دون أيّة سياسة اقتصادية عامة ولا أيّة سياسة قطاعية حاضنة كما كان الحال في قطاع الخدمات.

إنّ النموذج الاقتصادي في تلك المرحلة، وإن شهد نموّاً منظوراً في المؤشّرات الاقتصادية، قد حمل خللاً هيكليّاً بسبب اعتماده على قطاعات غير حقيقية. أدى هذا النموذج أيضاً إلى إنماء غير متوازن وسبّب خللاً اجتماعيًّا فتفاقم الفقر في المناطق حيث لم ينشط قطاعا المال والسياحة، وكبر حزام الفَقر والبؤس حول العاصمة. ترافقت هذه المرحلة مع إهمال شديد للشأن الاجتماعي ما أدّى إلى تعميق الفروقات بين الطبقات الاجتماعية.


الهيئة العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان.

المؤشّرات الكُليّة في الاقتصاد:  عدم اسقرار في التوازن

يُجْمِع الاقتصاديّون في معظم دراساتهم المُعَدّة في العقود الثلاثة الأخيرة على غياب كامل للسياسة الاقتصادية أو شبه غياب، ولكن بالرغم من ذلك فإن الاقتصاد الكلّي كان ولا يزال بحالة من الاستقرار. في المقابل نرى في التقارير الدوليّة تنبيهات متكررّة تشير إلى دلالتي ضعف تقوّضان توازن الاقتصاد الكُلّي وهما عجز الميزان الجاري وعجز الموازنة العامّة، أو ما يُعرَف بالعجز المزدوج.

عجز الميزان الجاري

إنّ العجز في الميزان الجاري مُزمن ومُستدام، ولكنْ بالرغم من هذه الاستدامة لم تتوانَ التدفّقات النقدية عن تمويل هذا العجز. إنّ قدرة لبنان على استقطاب الموارد المالية لتمويل عجزه يظهر مدى مكانته لدى الدول من جهة، و مدى قدرة مُغْتَرِبيه ومكانتهم وانتشارهم في المنطقة والعالم من جهة أخرى ما يعزز قدراتهم التحويليّة التي تتخطى السبعة مليارات والنصف مليار دولار أميركي سنويّاً.

إنّ العجز الجاري يعكس أيضاً خللاً بنيويّاً يُضعف قدرة الاقتصاد على إنتاج سلع وخدمات تصديريّة ما يؤدي إلى عجز كبير في الميزان التجاري تجاوز الستة عشر مليار دولار في نهاية العام 2017 بحسب تقارير المصرف المركزي. كذلك فإنَّ التحويلات التي تموّل هذا العجز، جزئيًّا أو كلّيّاً، ليست تحويلات استثمارية طويلة الأمد تُراكم رأس المال وتعمل على تحفيز الاستثمار وتولِّد فرص عمل. هذه التحويلات هي بجزئها الأكبر تحويلات مصدرها الكفاءات اللبنانية الاغترابية التي دفعتها الأزمات السياسية والأوضاع الاقتصادية في لبنان الناتجة عن ضيق سوق العمل إلى الهجرة.

ممّا لا شكّ فيه بأنّ العجز المُزمن والمُستدام في الميزان الجاري يفرض توجّهات في السياستين المالية والنّقدية تهدف إلى الإبقاء على نِسب مُرتفعة من التّحويلات الماليّة بغرض تمويل العجز، مع ما يتأتّى من إجراءات نقديّة لها أثر على الاقتصاد برمّته. إن تمويل العجز الجاري برساميل مُسْتَقطَبة من الخارج يُعرِّض الاقتصاد عامّةً لتقلّبات دوريّة واسعة خاصةً إذا أتى جزء كبير من هذه الرّساميل بشكل استثمارات قصيرة الأجل كما كانت الحال خلال ربع قرن مضى. هناك تضارب بين التوجّهات النقديّة الهادفة إلى استقطاب ودائع لها دور في تمويل الدين العام من جهة، والتوجّهات النقدية والمالية الساعية إلى استقطاب استثمارات أجنبيّة مباشرة لها دور فاعل في خلق فرص عمل وتسريع معدّلات النموّ الاقتصادي من جهة أخرى. فالودائع من الخارج تجذبها نِسب الفوائد المرتفعة فيما الفوائد المتدنّية تساهم في جذب الرساميل المنتجة وتعزّز الدورة الاقتصادية وترفع نسب النمو.

عجز الموازنة العامّة

يكمن السبب الثاني في هشاشة الاقتصاد الوطني وعدم الاستقرار في التوازن في العجز المتمادي في الموازنة العامة وما ينجم عن هذا العجز من تسارع في وتيرة الدين العام. لا بدّ من الإشارة بأنّ الدول عامةً لا تفلس بالمعنى المالي الضيق للحالة، إلّا أنّ عدم قدرة المالية العامة بشكل دائم على ردم العجز إلّا من خلال اللجوء إلى المزيد من الاقتراض يؤدي إلى الإخلال في خدمة الدين و في القدرة على الاستمرار في الاقتراض. والحَرِيّ ذكره أنّ توجّهات السياسة النقديّة عامّة و بالتحديد في لبنان تُسَخّر مجمل إجراءاتها لتفادي الوقوع في هكذا خلل، مع ما نتج عن هذه الإجراءات من انعكاسات سلبيّة تراكمت على مدى عِقدين من الزّمن.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا العجز أدّى إلى تعطيل دور أدوات السياسة المالية في إدارة الاقتصاد وإلى اضطلاع السياسة النقدية مُنفردة بمهام تلك الإدارة مع ما نعرفه عن محدودية السياسة النقدية في علاج هذا الخلل منفردةً. إنّ الاقتراض المتزايد بهدف إيفاء الفوائد على الدين العام لا يولِّد نمواً خلّاقاً لفرص العمل، لكنّه يساهم في توسيع الهوّة بين المداخيل و القطاعات ممّا يزيد من الفروقات الاجتماعية و يولّد مزيداً من التوتّر.

إضافةً إلى ذلك، فإنَّ ارتباط القطاع المصرفي برمّته بأدوات الدين العام يُضعف التصنيف الائتماني للبلاد و يؤثر على تصنيف القطاع رغم متانته من حيث معايير السيولة، والملاءة، ورقابة السلطة النقدية، والرقابة الذاتية، والتوجهات المُحافظة.


السياسة الاقتصاديّة في لبنان ما بعد الطائف:

إنّ السياسة الاقتصادية في لبنان بشقّيها النقدي والمالي، صيغت لتلائم حقبة اقتصادية محدّدة من تاريخ البلاد، فحقّقت أهدافها مرحليًّا وما لبثت أن أرخت بِوِزْرِها على الاقتصاد والمجتمع في مراحل لاحقة. يمكن إيجاز هذه الحقبة على الشكل التالي:

في مواكبة حقبة إعادة الإعمار وما بعدها

إنّ السياسة الاقتصاديّة التي واكبت وسهّلت عملية إعادة الإعمار في السنوات الخمس 1993-1997 نجحت في تجنيب الاقتصاد مخاطر عدم الاستقرار التي تولّدها ضغوط الإنفاق الإعماري على الموارد المالية كما على الأسعار بمفهومها الاقتصادي. ومن أهم ما حققته تلك السياسة من إيجابيات يمكن أن يتلخّص بالتالي:

أوّلاً، ساعد تثبيت سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأميركي على استقرار نسبة التضخم على مستويات منخفضة فكان هذا التثبيت بمثابة المرساة التي كان يعوّل عليها لإحداث توازنات مستقرّة في كافة متغيِّرات الاقتصاد الكُلِّي.

ثانياً، أدّت سياسة تثبيت سعر صرف العملة الوطنية على مدى عقدين ومن خلال أسعار فائدة مرتفعة مقارنة بالأسعار السائدة عالميًّا إلى استقطاب رساميل وودائع من الخارج، كان لها دور مساهم و فعال في الاقتراض العام والخاص.

ثالثاً، سهّل تزاوج سعر الصرف الثابت والفائدة المرتفعة على المصارف تحقيق نمو مؤثر ومضطرد في كافة بنود ميزانياتها وعلى مدى ربع القرن الفائت، هذا ما عزز متانة القطاع المصرفي، وقدرته على تمويل الاقتصاد خلال العقود اللاحقة.

بالرغم ممّا حقّقته السياسة الاقتصادية في تلك الحقبة من نجاحات إلّا أنها حملت وتحمل بعض المخاطر ومنها:

أوّلاً، من الناحية الاجتماعية، لم تَسْتَعِد الأجور والقدرة الشرائية إلّا جزءاً يسيراً ممّا كانت عليه في الحقبة التي سبقت سنوات الانهيار النقدي 1984-1992. كما أنَّ النموّ الاقتصادي، وعلى تفاوت وَتيرَتِه خلال أكثر من عقدين من الزمن، لم يُحدث تراجعاً موازياً في نسب البطالة والهجرة بل تسارعت وتيرة ارتفاع هذه النّسب خلال السنوات السبع الأخيرة رغم ما تحقّق في تلك الفترة من نموّ اقتصادي وإنْ بمعدّلات منخفضة. وقد نتج عن ذلك، مع غياب السياسة الاجتماعية، اتساعٌ متنامٍ للهوّة الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي باتت تهدّد بتقويض الانصهار المُجتَمَعي وحتى الوطني.

ثانياً، إنّ ارتفاع نِسَب الفوائد أدّى إلى تراجع الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي المنتج (زراعة، صناعة) وإلى تراجع تراكم الرأسمال الحقيقي، ما انعكس على تراجُع في نسب العمالة.

ثالثاً، إنّ تثبيت سعر صرف العملة أدّى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج المحليّة، ما أحدث تراجعاً في تنافسية الإنتاج.

سياسة اقتصادية ذات بُعد مُعطَّل ومُعطِّل

تقوم السياسة الاقتصادية، بتوجّهاتها التقليدية، على ركيزتين هما السياسة النقدية والسياسة المالية، وتسعى من خلال تلازمهما وتناسقهما إلى تحقيق هدفَيّ النموّ الاقتصادي والحد من البطالة في إطار من الاستقرار الكلِّي وهذا ما يُعرف بالمثّلث الذهبي في علم الاقتصاد.

لكنّ العجز في الموازنة العامة والنموّ المُتسارع للدَّين العام أدى إلى تعطُّل أدوات السياسة المالية أي: إنّها لم تعد قادرة على الاضطلاع بأيٍّ من أدوارها في إدارة الاقتصاد. فدور السياسة المالية في مواجهة التقلّبات الدوريّة للنشاط الاقتصادي معطّل لأنّ أدوات هذه السياسة أضحت مُسخّرة لتأمين خدمة الدين العام ولإبقاء عجز الموازنة على مستويات يحدّها انهيار الإنتاج في الاقتصاد الخاص، كذلك دورها معطل في إعادة التوزيع و في تمويل إنتاج الخدمات العامة.

أمّا السياسة النقدية الموكل إليها مهمّة الحفاظ على سعر الصرف ، فقد حُمِّلت منفردة مهام الإدارة الاقتصادية. غير أنَّ هذه السياسة بطبيعة أدواتها قادرة على الاضطلاع بأحد أدوار السياسة المالية فحسب ألا وهو دور مواجهة التقلّبات الدورية للنشاط الاقتصادي وذلك ضمن حدود ضيّقة. فالسياسة النقديّة هي أيضاً مُسخّرة لهدف تأمين التدفُّقات الماليّة التي تموّل المديونيّة العامّة والمديونية الخاصة. إنّها تبقي لذلك على شكل من أشكال النّمو الذي لا يترافق ونسب وازنة لتراكم رأس المال في قطاعات الإنتاج، كما لا يترافق مع تراجع نسب البطالة، لا بل يُسرِّعُها.


ضعف وانحسار التدفّقات الاستثماريّة

ترافقَ توجُّه السياسة النقديّة إلى جذب الودائع حصراً مع وجود معوقات منعت تدفق الاستثمارات الحقيقية الطويلة الأمد بالحجم الذي يتطلّبه النمو المولِّد لفرص العمل. يشكل الفساد أهمّ تلك المعوقات وأخطرها، يليه ضعف الإنتاجية في الإدارة العامة بسبب البيروقراطية وعدم تحديث الإطار التشريعي والإجرائي الملائم للاستثمار والمنافس للتسهيلات التي تقدمها اقتصادات أخرى، وتأتي بعد ذلك مُعدّلات الفائدة المرتفعة.

الفساد بمفهوم الاقتصاد السياسي وأثره على تدفّق الرّساميل الاستثمارية

إنّ التحديد الدقيق الذي يعتمده الاقتصاد السياسي لماهية الفساد يُظهر قدرة هذه الآفة على تقويض الأسس التي تقوم عليها الدولة. إنّ أساس الفساد هو جنوح الجشع عند من لديهم سلطة القرار وسلطة الإكراه، وهما سلطتان مستمدتان أصلاً من سلطات الدولة، بحيث يوظّفون هاتين السلطتين للاستحواذ على المال العام أو الموارد العامة أو لابتزاز المواطنين.

يُظهر هذا التعريف المُقْتضَب خطر الفساد على بنيان الدولة. فالعقد الاجتماعي بمفهومه المبدئي والمجرد أعطى الدولة حق اللجوء إلى الإكراه في حالات ثلاث أساسية أُضيفت إليها حالة رابعة فرضها التطور نحو اقتصاد السّوق. الحالات الأساسية للجوء إلى السلطة الإكراهية هي أوّلاً، واجب إحقاق الأمن والانتظام العام وفرض العدالة المُستمَدة من المبادئ الإنسانية والقوانين، ثانياً، واجب الحفاظ على الملكية الخاصة وضمان احترام الالتزامات التعاقدية، وثالثاً واجب فرض الرسوم والضرائب. أمّا الحالة الرابعة فتطال سلطة التدخل لتصحيح الاختلالات التي قد تُحدثها قُوى السوق في النظام الاقتصادي المبني على التبادل الحرّ.

هذا التعريف المُختَصر للفساد يُظهر السبب الأقوى لفشل السياسة الاقتصادية في استقطاب الرساميل الاستثمارية، فيما نجحت إلى حدٍّ ما في استقطاب الودائع. فالمُستثمر ينظر أوّلاً وأساساً لكيفيّة استعمال السّلطات لسلطتها، إذ إنّ ربحيّة الاستثمار أو عدمها تكمن في شرعيّة هذا الاستعمال أو عدمها، كما يكمن حق المستثمر في ملكيّة أصول استثماره وكيفيّة إدارتها، وعدم الخوف عليها. لذلك يأتي تقييم المُستثمر لمؤشّر الفساد في بلد ما في طليعة المُعطيات التي تُحْتَسب على أساسها المخاطر الملازمة لاستثماره.

ضعف الإنتاجيّة في الإدارة العامّة

تُعتبر البيروقراطيّة و غياب التشريعات الحديثة من معوقات الاستثمار في لبنان كونها تزيد من كلفة الاستثمار مالاً مبدَّداً ووقتاً مهدوراً. إنّ مرتبة لبنان المتدنِّية على سُلَّم سهولة الأعمال هي خير دليل على أنّ البيروقراطية هي أحد أسباب ضعف قدرته على جذب الاستثمارات. يتطلب استخراج ترخيص بناء في لبنان مثلاً ما معدله 244 يوماً مُقارنة بـ 49 يوماً في الإمارات بحسب تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2017 الصادر عن البنك الدولي. يُصَنّف لبنان بحسب هذا التقرير في المرتبة ما قبل الأخيرة بين الدول العربية يليه السودان. هنا نشير إلى أهميّة اتّخاذ الإجراءات التشريعية و التنفيذية اللازمة لتطبيق المشروع المُعَدّ من قبل حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في بداية تسعينيّات القرن الماضي لاعتماد ما يُعرف بالشبّاك المُوَحَّد لتأسيس الشركات one stop one shop. من الضروري أيضا إعداد المراسيم التطبيقيّة والمباشرة بتطبيق قانون الحكومة الالكترونية.

أسعار الفائدة المرتفعة

هي من معوقات الاستثمار كونها تدخل في صميم النموذج المتَّبع لتقييم جدوى أيّ مشروع استثماري، بحيث إنَّ الفائدة المرتفعة على القروض الاستثمارية تقود إلى استبعاد مشاريع استثماريّة قد تكون مجدية في ما لو قُورن المردود الاستثماري بنسبة فائدة أدنى على القروض.


المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في لبنان:
نظرة جديدة للوضع الاقتصادي الاجتماعي و البيئي

إنّ الإنماء الذي ننشده كمجلس اقتصادي واجتماعي للبنان هو إنماء اقتصادي واجتماعي وبيئي. فالنّمو الاقتصادي في هذا الإطار الإنمائي هو هدف تحدّ بلوغه قيود ثلاث وهي: الاستقرار المالي، التقدم الاجتماعي المتمثّل بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص عن طريق الإنفاق العام الرِّعائي، وحماية الموارد الطبيعيّة من الاستنزاف المُتَفلِّت. وما الإخلال بأيٍّ من هذه القيود سوى تقويض للأُسُسِ التي يُبنى عليها المسار الإنمائي المُستدام برمته.

من المُسَلَّم به أنّ التزام السياسة الاقتصادية المنشودة بالضوابط الصارمة التي يفرضها الإنماء المستدام سوف يكبت النمو الاقتصادي بالمقياس والقياس التقليديين. فالقياس التقليدي للنشاط الاقتصادي لا تشمل حساباته التقييم السلبي لمدى التدهور الاجتماعي والبيئي، ولا التقييم الإيجابي للتقدّم على هذين المَيدانين.

لذا تطوّرت أسُس احتساب النشاط الاقتصادي راهناً باتّجاه مقاربة تشمل الوقع الاجتماعي والبيئي للنموِّ الاقتصادي. فالموارد البشريّة والموارد الطبيعية هي بحق أصول رأسماليّة لها المساهمة الأكبر في النشاط الاقتصادي، والمحافظة عليها وتطويرها هي السبيل لتحقيق الإزدهار الحقيقي. وما هدف الحَوْكَمة الجيِّدة في هذا السِّياق إلّا التوصُّل إلى توازن مُستدام بين متطلّبات النُّمو من جهة، وبين الضوابط الاجتماعية والبيئيّة لذلك النموّ من جهة أخرى.

يتألَّف المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في لبنان منذ تشكيله بنسخته الحالية الثانية في نهاية العام 2017 من 71 عضواً مُنتخباً يمثلون الهيئات الاقتصادية والنقابات العمالية ونقابات المهن الحرّة والخبراء في لبنان. انبثق عن الهيئة العامة هيئة مكتب مؤلّفة من 9 أعضاء بالإضافة إلى عشَر لجان متخصّصة هي التالية: لجنة القضايا الاقتصادية العامّة، ولجنة القضايا الاجتماعية العامّة، ولجنة التنمية البشرية وحقوق الإنسان، ولجنة النشاطات الإنتاجية، ولجنة العلوم والتكنولوجيا، ولجنة البيئة، ولجنة السياحة، ولجنة قضايا المناطق وشؤون الزراعة، ولجنة قضايا العمل والمهن والحرف، ولجنة الشباب والرياضة. يشكل هذا المجلس ذو الدور الاستشاري منصّة نقاش وتفاعل بين كافة قوى الإنتاج و تجمع خبرات تعمل جاهدة لصَوْغ رؤية اقتصاديّة اجتماعيّة بيئيّة مُتكاملة للبنان.

لم يكتف المجلس بانتظار أن تُبادر السلطتان التشريعية و التنفيذية و تطرح عليه قضايا للبحث، بل بادر إحساسا منه بدقّة الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية في لبنان و دعا أصحاب الشأن لتدارس سُبُل الخروج من الوضع الراهن.

في هذا السّياق، تنصرف اللجان بحسب اختصاصها إلى دعوة أصحاب الشأن في لبنان للنقاش بغية الوصول إلى رؤى مشتركة تسهّل عملية صَوْغ توصيات تُرْفَع للسلطتين التنفيذية والتشريعية في لبنان. كما أن أعضاء اللجان من أصحاب الاختصاص يعملون على تحليل الوضع ودراسة أنجع السُّبل للخروج من الأزمة.

المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و وثيقة الأحزاب

بادر المجلس ومنذ تشكيله في نهاية العام 2017 إلى درس خطوات متعدّدة للمساهمة في تقديم الأفكار والاقتراحات الهادفة إلى تحريك الدورة الاقتصادية واستيعاب الخلل القائم. من أبرز تلك الخطوات كانت دعوة الأحزاب اللبنانية الأساسية لتقديم الشقِّ الاقتصادي في برامجها الانتخابية إلى المجلس، بغية صياغة رؤية اقتصادية تتوافق عليها معظم القوى السياسية في لبنان. بناءً على ذلك، لبّى سبعة أحزاب تلك الدعوة، وأقيم في المجلس طاولة حوار اقتصادية جمعت حولها الأحزاب السبعة. بذل ممثِّلوا الأحزاب على مدار ستّة اجتماعات جهداً استثنائياً من أجل الوصول إلى حدٍّ أدنى مشترك على الرغم من تباين الخلفيّات السياسية والاقتصادية التي ينطلقون منها. كانت باكورة الاتفاق فيما بينهم إصدار وثيقة من اثنين وعشرين بنداً تهدف إلى خفض النّفقات العامة. تصلح تلك الوثيقة لأن تكون في صلب البيان الوزاري للحكومة المرتقبة لأنّها تساهم من دون أدنى شك، وعلى مدار ثلاث إلى خمس سنوات، إلى خفض العجز في الموازنة العامة إلى ما دون الخمسة بالمائة من الناتج المحلي، خاصةً وأنّ الأحزاب السياسية المساهِمة في إعداد الوثيقة والموافِقة على هذه البنود موجودة في السلطتين التنفيذية والتشريعية.

التحديات الأساسيّة الرّاهنة للاقتصاد وسُبُلُ معالجتها

يسعى المجلس الاقتصادي والاجتماعي في حركته باتّجاه الكتل النيابية وصحاب القرار السياسي، بالإضافة إلى القوى المشاركة في العملية الإنتاجيّة (أصحاب عمل وعمال)، إلى حثّهم على وضع سياسة اقتصادية ترتكز على تفعيل القطاعات الإنتاجية.

لقد أعَدَّت لجنة القضايا الاقتصادية العامة في المجلس ورقة إجراءات فوريّة وتوجّهات على المدى المتوسط لتحفيز النمو الاقتصادي، وتمت مناقشة هذه الورقة وأُقِرَّت من قبل الهيئة العامة للمجلس في أواسط تشرين الأوّل من العام 2018 الحالي. تهدف الورقة إلى تحفيز النمو الاقتصادي العادل والمُستدام و تلحظ نقاطاً عديدة ذات أبعاد اجتماعيّة وتنموية. كما تأخذ بعين الاعتبار معالجة هموم الناس وتحقيق آمالهم وتطلّعاتهم لتأمين نمو مُستدام لاقتصاد حقيقي مُؤَنْسن يرتكز على الإنتاج أوّلاً وهذا يتطلَّب رزمة من الإصلاحات البنيويّة على الأصعدة الاقتصادية والمالية والإدارية.


خُلاصة

يواجه لبنان حاليًّا تحدّيات ناجمة عن ضعف بنيوي في اقتصاده منها عدم وجود فرص عمل وعدم القدرة على توفيرها، والعجز المزدوج المتمثل بعجز الميزان الجاري وعجز الموازنة، إضافة إلى عجز كبير في الميزان التّجاري و ارتفاع حجم الديون الخاصة والالتزامات المترتّبة على القطاع الخاص (أسر، شركات). كلّ هذا بالإضافة إلى ثقل الدّين العام على الاقتصاد وعلى بنية الفوائد في السوق المحلّية، وضعف مستوى الخدمات العامّة. كما يعاني لبنان من تحديات ناجمة عن عوامل ظرفية مُتَمثّلة بأزمة النازحين السوريين والتراجع في قيمة التحويلات الماليّة والبطء في إنجاز المشاريع (استخراج النفط والغاز، الكهرباء، الخ). يواجه لبنان أيضا تحديات ناجمة عن غياب الحَوْكَمة منها عدم الالتزام بالقوانين والأنظمة، وضعف أجهزة الدولة وغياب هيبتها، وغياب دَوْر الهيئات الرّقابية. تدفع كلّ تلك التحديات إلى انخفاض نسبة النّمو الاقتصادي وارتفاع معدّلات البطالة.

المطلوب لتفعيل الاقتصاد وزيادة النمو خطوات من شأنها توسيع قاعدة الاقتصاد الوطني وحجمه، بما يسمح بإعادة تكوين الطبقة المتوسّطة وتوزيع فرص العمل ومجالات الإنتاج على أكبر شريحة من المواطنين إضافة إلى تأمين شبكات أمان اجتماعي (ضمان اجتماعي، ضمان الشيخوخة، نظام تقاعد، إلخ.)

يشكّل إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته وزيادة فعاليته نقطة عبور إلى تحسين أداء مؤسسات الدولة، وضمانة للاستثمار المحلّي والاجنبي. المطلوب أيضا توفير البيئة الاستثمارية والبنية التمويلية، مع التنويع في سبل التمويل (توسيع نشاط بورصة بيروت)، وإشراك المواطنين في القاعدة الرأسمالية للقطاعات الاقتصادية. من المُهم أيضا الالتزام بالشراكة بين القطاعين العام والخاص والإسراع بإعداد المراسيم التطبيقية للقانون رقم 48 الصادر بتاريخ 7 أيلول 2017. من الضروري أيضا إزالة التعديات على الأملاك العامة وإدارتها بشكل فعّال لصالح الدولة، والحفاظ على التّراث الوطني واستثمار الموارد الطبيعيّة من أصول وموجودات لصالح الأجيال الحاضرة والمقبلة، من خلال إدارة شفّافة لصندوق سيادي بعد إنشائه.

الحَصيلةُ اللُّغَوِيَّة ولُغات الخِطاب الإعلاميّ

«اللّغة قدرةٌ ذهنيةٌ مكتسبةٌ، يمثّلها نسق، يتكوّن من رموز منطوقة، يتواصل بها أفراد مجتمع ما»1. وهي تنطوي في طبيعتها على الحقائق التالية2:

    1. إنّها مجموع المعارف اللُّغوية، بما فيها المعاني والمفردات والأصوات والقواعد التي تنتظمها جميعاً. تتولد وتنمو في ذهن الفرد ناطق اللّغة أو مستعملها فتمكّنه من إنتاج عبارات لغته كلاماً أو كتابةً، كما تمكّنه من فهم مضامين ما ينتجه أفراد مجموعته من هذه العبارات، وبذلك تُوجِدُ الصّلة بين فكره وأفكار الآخرين، وتتداخل في تكوين هذه القدرة عواملُ فيزيولوجية، تتمثّل في تركيب الأذن، والجهاز العصبي، والمخ والجهاز الصوتي لدى الإنسان.
    2. إنّ هذه القدرة تُكتسب ولا تُولَد مع الإنسان، وإنّما يولد ولديه الاستعداد الفِطري لاكتسابها، ويدفعه في العادة شعوره بالانتماء إلى مجموعته البشريّة، نفسيَّاً واجتماعيّاً وحضاريّاً، ورغبتُه في التعايش وتبادل المنافع والمصالح بينه وبين أفراد هذه المجموعة.
    3. تتمثّل هذه القدرة المكتسبة بطبيعتها في نسق مُتّفق، أو مُتعارَف عليه بين أفراد ما يُسمّى الجماعة اللّغوية، أو الجماعة الناطقة بلغةٍ ما. وتدخل في تكوين هذا النسق في العادة وحدات أو أنساق أخرى متفرّقة يرتبط بعضها ببعض وهي:

 أ) النّسق الصّوتي: وهو الذي يحدّد نطق الكلمات أو أجزاء الكلمات، وفق الأنماط المقبولة أو المتعارف عليها لدى الجماعة اللّغوية.

ب) النسق الدَّلالي: ويعني ترتيب الوحدات المعنويّة وفق سماتها الدلاليّة المعروفة أو المقبولة في اللغة.

ج) النسق الإعرابي أو النّحوي: ويعني ترتيب كلمات الجملة أو الجُمل في أشكالها المقرّرة في اللغة.

د) النّسق الصّرفي: وهو النّسق الذي تُعالَج فيه بُنى الكلمات وأنواعها وتصريفاتها أو اشتقاقاتها.

هـ) النسق المُعجمي: ويقصد به مجموع المفردات اللّغوية المتاحة للتعبير عن المعاني والمواقف المختلفة في إطار اللغة.


أهميّة اللغة وأنواعها:

إنّها وسيلة الإنسان للتعبير عن حاجاته ورغباته وأحاسيسه ومواقفه، وإرضاء غريزة الاجتماع لديه، وهي أيضاً وسيلته٣ إلى تنمية أفكاره وتجاربه، وإلى تهيئته للعطاء والإبداع والمشاركة في تحقيق حياةٍ مُتحضّرةٍ. ويزداد اكتسابه للمهارات والخبرات كلّما نمت لغته وتطورت وزادت علاقاته بالآخرين قوّةً واتّساعاً.

على الرّغم ممّا أسلفنا القول من أنّ اللّغة عبارة عن «رموز منطوقة أو كما عرّفها بعض العلماء «أصوات٤ يُعَبِّر بها كلّ قوم عن أغراضهم» فإنّ لِلُّغة بمفهومها العام مدلولاً أوسع من ذلك، إنّها وسيلة للتفاهم والتواصل والتعبير عن العواطف والأفكار العامة، لا يحدد مدلولها بالكلمات والعبارات، التي تصطلح على معانيها أو دلالاتها أمّة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات، إذ إنّها تشتمل على كلّ ما يمكن أن يعبر به الإنسان عن فكرة أو انفعال أو موقف أو رغبة معيَّنة، فالصورة لغة، والأشكال المرسومة لغة، والحركات الجسميّة لغة. إنّ كلّ أعضاء الحواس يمكن استعمالها في خلق لغة، فهناك لغة الشمّ ولغة اللّمس، ولغة البصر ولغة السمع، وهناك لغة كلّما قام شخصان فأضافا معنىً من المعاني إلى فعل من الأفعال بطريق الاتفاق، وأحدثا هذا الحدث بقصد التفاهم بينهما. فعِطرٌ يُنشر على ثوب، أو منديل أحمر أو أخضر يطلّ من جيب سُترة أو ضغطة على اليد يطول أمدها قليلاً، أو كثيراً، كلّ هذه تُكَوَّنُ عناصر من لغة، ما دام هناك شخصان قد اتّفقا على استعمال هذه العلامات في تبادل أمر أو رأي٥.

مقابلة مع معالي وزير الثّقافة الدّكتور غطّاس خوري

معالي الوزير، ماذا يعني لكم «عيد الاستقلال»؟

كلٌّ يتوق إلى التّحرّر، فرداً كان أم جماعةً، لا أحدَ يصبِرُ على التبعيّة، أو الظلم، أو الاستعمار، أو الهيمنة… كلّ إنسان يسعى لينال حقوقه كاملة، كذلك الشعوب. وقد مرّ لبنان بفترات صعبة في تاريخه، لكنّه كان يخرج منها مُنتصراً، عزيزاً، حرّاً…وهذا العيد «عيد الاستقلال» هو الحلقة التي نحتفل بذكراها اليوم، والتي توّج لبنان فيها حرّيته، بعد أن توافقت الدّول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على «تقسيم» العالم الخاسر، وما تبعه من شعوب، إلى «حِصص» استعمروها، فكان لبنان «حِصّة» فرنسا.

هذه المناسبة الوطنيّة الكبرى، عندي، هي مفصل تاريخي في حياتنا كلّنا في هذا الوطن، مفصل أتاح لنا جميعاً أن نستعيد حقوقنا، فنعملَ على تحصينها سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً، وهو عمل مُضْنٍ ما زلنا نتخبّط فيه، نُصيب ونُخطئ، ولكننا في الطريق الصحيح لنبني الوطن الذي حَلُم به رجال الاستقلال ونقلوا إلينا هذا الحُلم لنحقّقه كاملاً كما نرغب جميعاً، إن شاء الله.

إذاً، ليس هو استقلال ناجز تماماً؟

لو فلسفنا الكلمة، لَقُلنا إنّ الاستقلال هو جُهدٌ مستمرٌّ… لِنَكُن واقعييّن، ليس الاستقلال هو خروج «استعمار» أو هيمنة ما علينا، بل هو «قبول» و «إدارة» و»تخطيط» لبناء وطن مُتماسك، يرغب شعبُه، شعبُه كلُّه، بالبقاء فيه، والعمل على تطويره، ليعيشوا فيه جميعاً متساوين في كلّ شيء، عيشةً رضيّة هَنِيّة. وهذا فعلاً جهدٌ مستمرّ، تلزمه نوايا وطنيّة صادقة، وأفكار وسواعد وأخلاق وشرائع تؤمن بالانتماء إليه.

قلعة راشيا

فالاستقلال، استطراداً، ليس ذكرى فقط؟

هو ذكرى بطولة، هو لحظة اعتزاز، ولكنّه أيضاً دافع كبير لنتقدم، لنفكّر ونعمل، هكذا يجب أن «نتذكّر» الاستقلال، حرام، هؤلاء الأبطال الذين سعَوْا بكل إمكانيّاتهم لنحصل على هذه «الحريّة» أن لا نتابعها بحسّهم الوطني الجامع، فنخون «أماناتهم» التي أورثونا إياها، لِنَكُن أوفياء لهم، أوفياء لتطلّعاتهم، ونعمل بجد.

ما هي الأوجه الثقافيّة لحدث الاستقلال؟

لمّا كانت الثقافة هي أساس كلّ علم أو سلوك أو فكر.. يكون الاستقلال هو: انتماء إلى الوطن، ويكون محبّة، محبّة لجميع أبنائه، ويكون إخلاصاً للعمل العام والخاص بلا فساد أو مخالفة للنّصوص والأعراف، ويكون إيماناً بالله بلا تفرقة بين عباده، ويكون سلوكاً مدنيّاً راقياً، واندفاعاً للارتقاء بالأجيال القادمة علماً ومعرفة. في هذه الأوجه نجد نشر المعرفة بالاستقلال ومعانيه واجباً أوّل، والنشر كلاميٌّ، وفنّي على تنوّع الفنون، يتجسّد في الاحتفالات والمهرجانات واللقاءات، في المعارض والإصدارات والجوائز. لا حدودَ للثقافة، هي مجال الإبداع للجميع، الموهوبين والقادرين على العطاء، تشجيعنا لهم دائم، معنويّ وماديّ، ضمن طاقاتنا.

وهل هذه الأوجه كلّها ثقافيّة أم لها ألوانٌ أُخرى؟

بيت الاستقلال، بشامون

وكأنّك تشير إلى أنّ الجانب الترويجيّ، أو التجاريّ، أو غيره، يرافق هذه الأوجه، صحيح، لا غنى عن ذلك، فالمؤسّسات الماليّة والاجتماعيّة وسواها هي القطاع الذي يسهم في تمويل «الأوجه الثقافيّة»، وكلّه ينبع من رغبة صادقة – أرجو أن تكون دائماً صادقة – في نشر هذه المعرفة الوطنية المطلوبة.

ووزارة الثقافة، طبعاً، تُسهم في كلّ ذلك؟

نعم، في حدود إمكانيّاتها، وزارة الثقافة ليست مموِّلة، أو منتِجة لأعمال ثقافيّة، بل هي راعية، تشارك جهات أخرى في التنظيم واستثمار العلاقات المحلّيّة والعالميّة، تُقيم المناسبات لمثل هذه الاحتفالات الثقافية، وكلّنا نعرف حجم موازنة وزارة الثقافة، منذ أشهر أطلقنا ثورة، نعم ثورة، أسميناها «الخطّة الثقافيّة الوطنيّة» تشارك في تنفيذها الوزارات كلّها، جَعَلْتُ الدولة اللبنانيّة تتبنّاها، وقد تكرّم الرئيس الحريري فرعى إطلاقها في السّراي بنفسه.

همُّنا الثقافيّ الكبير، سيجعل هذه الوزارة «سياديّة» بإذن الله، في نشاطاتها وأعمالها التي تخطّط لها.

واليوم، وأنتم الدكتور غطاس خوري، وزير الثقافة، ماذا تقولون لِلّبنانييِّن في هذه المناسبة الوطنيّة؟

نمرّ اليوم في أزمة، في لبنان، وفي المنطقة، ونحن جميعاً بحاجة إلى القدرة على الصمود، ولن يكون الصمود بدون تلك النوايا، وذلك السلوك الذي أشرت إليه، نحتاج إلى إخلاص الجميع وتضحيات الجميع، نحتاج إلى صدق مع النفس للالتقاء مع الآخرين، لا تدعني أتحدّث في السياسة الضيّقة، لِنَكُن على مستوى الحدث الوطنيّ المُشار إليه، نعم لنعمل جميعاً بصدق، فهذا وطننا لبنان، لنحافظ عليه، حتى يبقى الأجمل، والأفضل، والأنجح …ليعيش فيه أبناؤنا بروح هذا الاستقلال الذي نعيّد ذكراه.

بلدة رساسْ

هي «قرية هادئة تجمع في أحضانها جمال الرّيف وحداثة المدينة»١ وتقع جنوب مدينة السويداء بمسافة 5 كلم على الطريق التي تصل بين السويداء والقريّا على باحة جبليّة منبسطة تبلغ مساحتها12،730دونماً، تميل باتجاه الغرب ميلاً متموّجاً لطيفاً باتّجاه سهل حَوْران إلى الغرب منها، ويبلغ ارتفاعها من على مستوى سطح البحر 1040م، أمّا عدد سكانها فنحو أربعة آلاف وخمسمئة نسمة لكن العدد الفعلي للمقيمين فيها تنامى كثيراً عن الأصل بسبب النزوح إليها من العديد من قرى الجبل لقربها من السويداء مركز المحافظة وبؤرة الوظائف والأعمال والمهن، وبسبب الأزمة السورية منذ العام 2011.

تحدّها من الشمال أراضي السويداء، ومن الشرق أراضي بلدة سهوة بلاطة، ومن الغرب أراضي قرية كناكر ومن الجنوب الغربي أراضي بلدة عرى ومن الجنوب أراضي بلدة العفينة. وتبلغ مساحة مُخطّطها التنظيمي 3950 دونماً.

ولعلّ اسم القرية العربي مُسْتمد من غِناها القديم بالآبار/ الينابيع. فمن معنى الكلمة القاموسي؛ الرّسّ: البئر القديمة2. ويفيد الرحّالة حنا أبو راشد الذي أرّخ للجبل وأحداثه في كتابه «جبل الدروز ، حوران الدّامية، عام 1925»، أنّه وجد في بلدة رساس: «نبعان سايلان، تستفيد منهما بلدة جبيب بواسطة قناة…»3 (تقع جبيب في الجانب الشرقي من سهل حوران على مسافة نحو 14 كيلومتراً كلم إلى الغرب من رساس وكانت من ممتلكات دار إمارة جبل الدروز في بلدة عرى حينها). ويبدو أنّ رساس القديمة لم تُدرس آثاريًّا٤. عدد سكان البلدة الأصليين نحو 4500 نسمة، وهناك أكثر من ألفين وخمسمئة نسمة آخرين من الوافدين. وفي القرية الأولى بقايا عمران قديم تشهد عليه آثارٌ لمبان قديمة في دار آل الأطرش، وتتبع لها مزرعة «أمّ الشراشيح» إلى الشمال القريب منها، وقد وُجدت في تلك المزرعة آثار تعود لإنسان ما قبل التاريخ (أدوات صوّانية)، كما وجدت كِسَر فخّارية تعود لعصور لاحقة وآثار معبد وثني شُيِّد على أنقاضه مزار يحمل حاليّاً اسم النبي أيّوب5.

ومن الجدير ذكره أنّ قرية رساس كانت أوّل قرية تصلها المياه بواسطة الأنابيب بعد مدينة السويداء، منذ أربعينيّات القرن الماضي وكان مصدرها من مياه عين أمّ القصب الواقعة في أراضيها على مسافة نحو كيلو مترين ونصف من القرية. كان ذلك بتدبير من الأمير متعب الأطرش شيخ القرية وعمل جماعي إلزامي من قبل الأهالي بحيث وُزِّعَت المياه في ثلاثة طوالع وكانت مياهها تصب ليلاً ونهاراً بحيث يذهب الفائض عن حاجة الناس إلى الحدائق.

الأمير شكيب أرسلان اللّغوي

يعتقد الأمير شكيب أرسلان اعتقاداً راسخاً بأن اللغة، أيّاً كان موطنها، تقوم على الحركة، وبالتالي فإن نموَّها يكون في مسالك الاستعمال. وهو يرى أن لهذا «الاستعمال اللغوي» مسلكين أو مظهرين اثنين : هما الكتابيّ والشفاهيّ. أما الأول فيشتمل على ما أثر وورد في الكتب القديمة شعراً أو نثراً، وكان عزوه، في النقل مباشرة، إلى أهل الجاهلية فالإسلام، وتدرّجاً إلى القرون التالية، تلك التي تميز نتاجها بمتانة التركيب، وفصاحة الكلمة، وأناقة الأسلوب. وأما الثاني فما يندرج في مسائل اللفظ المولّد، والعاميّ، أو ما روي عن الناطقين بالضاد، من أهل البوادي و سواهم، ودوّنه عنهم الكتبة.

ثم، إن مظهري هذا «الاستعمال» من الوجهة الغرضية، يعنيان الاهتمام باللغة، وهو مسلك إلى الحفاظ على شخصية مستعملي هذه اللغة، أو لنقل شخصية الأمة الناطقة بالعربية. ويمكن القول، إن هذا التوجّه يشكّل في عمقه دعوة إلى إحياء التراث، باعتباره المصدر الأصيل في تحقيق الأهداف التي تسعى إليها «الأمة» لتحديد معالم شخصيتها، وصولاً إلى مرحلة الرشد والإحياء. والأمير شكيب مؤمن أن بلوغ تلك المرحلة لا يمكن تحققه إلا بإيجاد الوسائل المفضية إليها، وأن الوسائل لا تخرج عن إطار الدراسات المباشرة لكنوز التراث، من قِبَل العلماء العرب، ﻓ «أسنى ما تخدم به هذه اللغة الشريفة، لهذا العهد، إثارة دفائن كنوزها، ونفض كنائن رموزها، واستخراج جواهرها التي أحرز منها النزر اليسير، وبقي الجمّ الكثير».

وهنا نتساءل: هل هذا التوجه، أو هذا الانصراف إلى الاعتناء بكنوز التراث، يتأتّى متوافقاً مع حالات الإحساس بالتحدي والشعور الذي كان يسري في داخل «الأمير» بأن هناك وضعاً غريباً تتعرض له اللغة العربية، أو لنقل «الأمة»، وأن أشكالاً دخيلة من الألفاظ، وصوراً من التراكيب، وأقداراً من التأثيرات تهدد كيان «الأمة»، وتعرّض وجودها للضياع أو الانحسار؟

في الإجابة عن هذا السؤال نعرض نصّين للأمير شكيب، عبّرا – بوضوح – عن مخاوف كبيرة يعيشها «الشرقيون» عموماً، سببها التوجّس من ناتج حملهم على «التغرّب».

“لو لم تشغله السياسة لكان هو أمير الشعراء لا شوقي.”
(الأديب والناقد اللبناني الكبير مارون عبود)

يقول في النصّ الأول: «فسواد الشرقيين ما برحوا، بالرغم ممّا يتدفق على الشرق من الغرب، منذ أول القرن الماضي من الأفكار والآراء والمناهج والأساليب والمؤثرات والعوامل المختلفة، يرتاحون إلى البقاء على القديم البالي، وإنهم يعتقدون فوق هذا، أن من أكبر مبتغيات الحكم الغربي حملهم على التغرّب عاداتٍ و مجتمعاً وعلى تبديل الموروث من منازعهم وأساليب معايشهم، الأمر الذي يحملهم على مقاومة التيار الغربي، ما استطاعوا إلى المقاومة سبيلا»1.

ويقول في النص الثاني، تعقيباً على مقال لمصطفى صادق الرافعي، عن «الجملة القرآنية»؛ بمقال عنوانه: «ما وراء الأكمة» : «منهم (أي المجدّدون) من يريدون هدم الأمة في لغتها وآدابها خدمةً لمبدأ الاستعمار الأوروبي، ومنهم من يشير باستعمال اللغة العامية بحجّة أنها أقرب إلى الأفهام. ولكن منهم من لا يحاول هدم الأمة في لغتها وآدابها، لا حبّاً باللغة والآداب، ولكن علماً باستحالة تنصّل العرب من لغتهم وآدابهم. ولذلك ترى هؤلاء دعاة إلى اللغة والآداب، على شرط أن لا يكون ثمة قرآنٌ ولا حديثٌ، وأن تكون الصبغةُ لا دينية. وحجتهم في ذلك حب التجدّد، وكون القرآن والحديث وكلمات السلف كلّها من القديم، الذي لا يتلاءم مع الروح العصرية في شيء (…)»٢.

ما حمله النصّان من توجّس تجاه ما يحمله «التغريب»، وما يدعو إليه «المجددون» من تغيير في ميادين أربعة، دار النزاع فيها، وهي : قضية تحرير المرآة، والزّي، والتعليم، والأدب واللغة، كل ذلك، غدا ينمو في أذهان «المحافظين» كصورة طموحة تغذّي خيالهم الاجتماعي للدفاع عن شخصية «الأمة» المهدّدة بالتغريب، ولا سيما الدفاع – بحماس – عن اللغة العربية، التي استُهدفت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وتعرّضت إلى دعوات، يمكن حصرها في ثلاث مسائل: ونستعرض في الصفحات الآتية ما كتبه الأمير شكيب في ثلاث قضايا لغوية، هي:

  1. المطالبة بإصلاح قواعدها: ويطالب فريق آخر، بحجة صعوبتها بالتحول منها إلى العامية؛
  2. الكتابة: فيدعو البعض إلى إصلاح قواعدها، ويدعو بعض آخر، إلى التحوّل عنها إلى الحروف اللاتينية؛
  3. الأدب: فيدعو إلى تنشئة جيل يتذوق أساليب البيان الغربي وموضوعاته، في الوقت الذي يغضّون، فيه، من قدر التراث.

وهي، قضايا تندرج في إطار الدفاع عن التراث، وصون العربية، والعمل على ترقيتها، في آن.

  1. قضية تنقية اللغة من شوائب الزلل؛
  2. قضية «العامية»؛
  3. العمل على استثمار العاميات، من خلال الكشف عن جذورها، وتوظيفها في تيسير الفصحى من خلال كتابه «القول الفصل في ردّ العاميّ إلى الأصل»

الأمير شكيب أرسلان ودوره في النهضة الحديثة لليمن

بداية العلاقة

تعود علاقة الأمير شكيب باليمن إلى زمن اختياره عضواً في مجلس «المبعوثان» عام 1913م عن حوران وفي فترة إعادة العمل بالدستور العثماني.

فقد بدأ المندوبون العرب ومنهم مندوبو اليمن يلتقون ويتعارفون ويتبادلون هموم الواقع العربي في ظل سلطنة وخلافة عثمانية في طريقهما إلى الزوال. صحيح أن عمل المجلس لم يكن فاعلاً ولم تدم أعماله طويلاً ولكن العلاقات بين أعضائه استمرت خاصة أن هؤلاء النواب «المبعوثين» كانوا نخبة العالم العربي والإسلامي في الأراضي التابعة للسلطنة.

وفي عام 1911م عقد اتفاق بين ممثل السلطنة العثمانية في اليمن رئيس الأركان اللواء أحمد عزت باشا وبين الإمام يحيى بن محمد حميد الدين اعترفت بموجبه السلطنة للإمام بسلطته على المناطق الجبلية في اليمن وعلى أبناء الطائفة الزيدية المتواجدة في ولاية اليمن. وكان هذا الاتفاق بداية اعتراف بأول استقلال ذاتي لليمن وبداية مسيرة سياسية وعسكرية تكرست بعد انهزام تركيا في الحرب العالمية الأولى.

ومن المعروف أن الأمير بقي إبناً باراً للسلطنة والخلافة العثمانية وظل يدافع عن وحدتها وينادي بضرورة بقاء منصب الخلافة الإسلامية جامعاً للشعوب العربية والإسلامية التي كانت في كنف السلطنة. وراح يقارع إخوانه العرب طلاب الاستقلال أو اللامركزية وكتب موضوعاً مطولاً أثناء رحلته إلى المدينة المنورة قبل الحرب العالمية الأولى وذلك رداً على المؤتمر الذي عقدته الجمعيات والشخصيات العربية في باريس 1913م وقد صدر هذا الرّد في كتاب عن الدار التقدمية عام 2009م. وفي هذا الكتاب يفرد الأمير لليمن صفحات كثيرة وأهمية غير قليلة سواء من حيث الموقع والرجال والإنتاج الاقتصادي والتاريخ.

وفي رسالة مطولة كتبها الأمير شكيب من المدينة المنوّرة إلى وزير داخلية السلطنة طلعت بك في عام 1915م وموجودة نسخة منها في مركز الوثائق في صنعاء وبعد اجتماعه بمندوب الإمام يحيى شرح ولاء الإمام للسلطنة مقابل إغراءات من خديوي مصر لباقي أمراء القبائل في الجزيرة العربية وذلك مقابل مساندته للحصول على منصب الخليفة. فقد كان الخديوي ينافس الشريف حسين بن علي أمير الحجاز على الفوز بالمنصب قبل أن تحسم إنكلترا موقفها لصالح الشريف حسين وذلك في طور التحضير لمّا أصبح يسمّى فيما بعد بالثورة العربية ولما يتمتّع به الشريف حسين من مركز ديني في الأماكن المقدسة.

وفي جزء آخر من الرسالة يتمنى الأمير شكيب أن يكافأ الإمام على ارتباطه «ارتباط الصدق والجد والوفاء» بالسلطنة أثناء انعقاد مجلس المبعوثان، وذلك بمساعدته على أمير عسير آنذاك محمّد الإدريسي وإبعاد أمير مكّة عن الخديوي! كما يقترح مدّ سكة حديد الحجاز من المدينة إلى مكة ثمّ إلى اليمن. ومن المعلوم أن السلطنة كانت قوية آنذاك وطردت لاحقاً القوات البريطانية من لحج تمهيداً لإغلاق باب المندب وإشغال البريطانيين عن التوجّه إلى البحر المتوسط.

صنعاء، اليمن

ومن مؤشرات التفات الأمير شكيب المبكر إلى اليمن العلاقة التي جمعته بالموظف العثماني يوسف حسن ابن قرية بتلون من متصرفية جبل لبنان آنذاك. فقد التحق يوسف بك بوظيفة قائم مقام في متصرفية تعز إحدى ألوية اليمن في مطلع عام 1910م وكان قد التقى غير مرة بالأمير شكيب وشيخ العروبة أحمد زكي باشا المصري أثناء إقامته في اسطنبول وخاصة عام 1909م حين كانت عاصمة السلطنة تمور ‏بحركة ديمقراطية وليدة بعد إعادة إحياء الدستور وبشخصيات عربية متنورة أملت خيراً في تطبيق إصلاحات عثمانية تعطي لولاياتهم بعض الاستقلال والهوية، ولا ضرورة التوسع في هذه المرحلة.

ويقول يوسف بك في أوراقه ومذكراته الغنية عن التاريخ اليمني بين عامي 1910 و1921م حين خرج برتبة متصرف لواء الحديدة يقول عن الأمير شكيب «إنه أستاذي السياسي ودافعي إلى اليمن بمهمات سياسية». كما نعثر بين رسائل يوسف بك على رسالة من الأمير تعود إلى عام 1915م يهنئ فيها «ولده» يوسف بك بانتصار القوات العثمانية على البريطانيين وحلفائهم أتباع محميّة لحج في جنوب اليمن، وقد كان القائمقام أحد أفراد القيادة العثمانية في الحملة ويشرح‎ ‏ الأمير في كتاب آخر ليوسف بك عن حملته لمحاربة الطليان في طرابلس الغرب بعد احتلالها عام 1911م حين قاد مجموعة من المجاهدين الموحدين الدروز وتوجه من مصر غرباً إلى الحدود الليبيّة فتعرّف على القائد أنور باشا أثناء هذه الحملة وما تلاها من صداقة دائمة…

فمن وصل به حماسه واندفاعه لقيادة فريق مجاهد دفاعاً عن السلطة العثمانية ومركز الخلافة ليس من المستبعد أن يدفع مستنيراً إلى الذهاب إلى اليمن لتولي منصب يخدم فيه السلطنة ويحافظ على اعتبارها في تلك الولاية النائية وينقل عن المجاهد الصحفي عجاج نويهض المعاصر لتلك الفترة أن الأمير شكيب وأحمد زكي باشا كانا يعتبران يوسف بك رسولهما إلى اليمن وذلك من أجل الحصول على استقلال ذاتي لليمن تحت مظلة السلطنة، وقد لا يخلو الأمر من مبالغة في هذا التقدير.

التّحنان لِصِلَة أمير البيان بجبل عامل

لأمير البيان شكيب أرسلان في ذاكرة جبل عامل مكانة خاصة؛ لا زالت محفوظة في وجدان الناس تترى، فوق الموجود والمحفوظ في التراث المكتوب١. باكراً توطّدت العلاقة بين الأمير شكيب أرسلان مع معظم علماء وأعلام جبل عامل، وأدبائه وسياسييّه، حتى الجماهير، لِما كانت لزيارات ولقاءات الأمير من شغف في اللقاء والتوادّ والحميميّة وأنس في الرأي، وتطابق في الموقف والتوجّه العربي الإسلامي نحو الحريّة والاستقلال، والنضال في كافة أنواعه وأشكاله الفكرية والأدبية، والمقاومة للمستعمر الأجنبي.

تظهر صداقاتُ أمير البيان مع أعلام عاملييّن – إذا عزّ اللّقاء – بالمراسلة فيما بينهم، وما حوته من عناوين في الوحدة واللّحمة الاجتماعية والسياسية، وإن بدا
بعض خلاف بالرأي، فهو التنوّع في الوحدة والغنى في التنوّع. فشكلت قِمّة في تراث الأدب العربي وتلاوينه من الشعر والسياسة والدين والتاريخ… وفي طليعة هؤلاء الشيخ أحمد عارف الزّين صاحب مجلة «العرفان» التي كانت إحدى منابر وصدى رأي وفكر الأمير شكيب أرسلان والتي كَتَبَ فيها وكُتِبَ فيها عنه وعن مآثره. وكوكبة ممن جمعتهم الزمالة في المجمع العلمي العربي في دمشق ومنهم الشيخ أحمد رضا أحد أعلام اللّغة العربية٢، والشيخ سليمان ظاهر الشاعر والأديب والصديق الحميم للأمير، والسيد محسن الأمين نزيل دمشق وكبير فقهاء سوريا ولبنان وصاحب موسوعة أعيان الشيعة٣. والمجاهد السيد عبد الحسين شرف الدين والعلّامة السيد حسن يوسف مكي، وزعيم جبل عامل كامل بك الأسعد زميله في مجلس المبعوثين. والنائب الدكتور علي بدر الدين طبيب الفقراء، والشاعر محمّد علي الحوماني صاحب جريدة العروبة، والشاعر محمّد كامل شعيب، والمؤرخ محمّد جابر آل صفا مؤلّف تاريخ جبل عامل… وغيرهم كثر.

أُولى الوثائق التي أود طرحها ويظهر فيها سمو أدب وأخلاق وفكر ومواقف أمير البيان في المناظرة والحوار والبحث التاريخي، لمّا كتب الشيخ أحمد رضا عام 1910 في مجلة المقتطف المصرية٤؛ ومصر تشكل ملتقى أو واسطة العقد٥ بين أعلام بلاد الشام وغيرها من البلدان العربية والإسلامية وأرض الكنانة. والمقال بعنوان: المتاولة أو الشيعة في جبل عامل.

أُعجب الأمير بالمقال فعقّب عليه ببحث حمل نفس العنوان «المتاولة أو الشيعة في جبل عامل»٦، وبدأه بالقول: «اطّلعت في المقتطف على ما كتبه حضرة الفاضل الشيخ أحمد رضا من أدباء جبل عامل…»، وكان جل النقاش يدور حول تقدّم التشيّع في بلاد الشام عنه في بلاد العَجَم/إيران، وذلك على يد الصّحابي الجليل أبي ذر الغفاري منذ الفتح الإسلامي لبلاد الشام، واستتبابه فيها منذ ظهوره إلى الآن٧. ثم أردفه ببحث آخر حمل عنوان: التشيّع أيّهما أقدم الشام أم العجم؟٨، بدأه بالقول: « طالعت ما ورد في المقتطف من أحد فضلاء تبريز جوابا على ما سبق لي ولأحمد أفندي رضا من أدباء جبل عامل بأن التشيّع هو في الشام أقدم منه في كل قطر حاشا الحجاز»٩، حشد فيه الأمير أرسلان الكثير من حيثيّاته ودلالاته، وذلك بعد أن ناظرهما من تبريز في إيران «المجتهد الكبير ثقة الإسلام – علي بن موسى – التبريزي الذي استُشهد بيد الروس [شنقا يوم عاشوراء]١٠ عندما دخلوا أذربيجان بعد ذلك التاريخ بأشهر قلائل»١١.

ثم أعادت مجلة العرفان نشر المقالات١٢، وكذلك أدرجها الأمير شكيب أرسلان ضمن تعليقاته على كتاب حاضر العالم الإسلامي١٣. الذي أشار فيه إلى مقالة « الأستاذ الشيخ أحمد رضا في [موسوعة] خطط الشام بعنوان: «الشيعة»١٤ بلا توقيع١٥. ليدعم موقفه بالتأكيد القاطع على «رواية مسندة إلى [الصحابييّن الجليلين] عمّار بن ياسر وزيد بن أرقم تدلّ على أنه كان زمن خلافة علي عليه السلام قرية في الشام عند جبل الثلج [جبل الشيخ أو جبل حرمون] تسمى «أسعار»١٦ أهلها من الشيعة١٧. وأسعار هذه خرابة بين مجدل شمس وجبّاتا الزيت، وهناك نهر يعرف بنهر أسعار، وهي على طريق القادم من الشام إلى جبل عامل»١٨.

وتظهر رسالة مؤرخة في لوزان 5 نوفمبر/ت2 1929، وجّهها أمير البيان إلى صاحب مجلة المنار رشيد رضا مدى متانة أواصر الصداقة والاحترام الذي يكنّه للعاملييّن وعلى وجه التحديد للشيخ أحمد رضا الذي انتقد الأمير في مجلة «العرفان»، والتي يبدو فيها جدل لغوي فيقول: «[…] فأنا موافق للشيخ أحمد رضا تجويزه مناولة الطعام ومظاهرة الشعب، ومخالف للشيخ المنذر في منعها، لا بل متعجّب من قول فاضل مثله بعدم جوازهما، فقال أحمد رضا: والصواب حذف لا، لأن كليهما حرف عطف…»١٩.

والحقيقة هي أنّ الأمير ردّ من على صفحات مجلّة المجمع العلمي العربي بدمشق تحت عنوان «مطالعات لغوية»٢٠ على «كتاب المنذر» وملاحظات الأستاذ أحمد رضا٢١، مبتدئاً كلامه بالقول: «كل من الجهبذين المنذر ورضا من فرسان العربية المجلّين، وإني لَأوافق الأستاذ رضا على ما وفّره من حق الأستاذ المنذر وما نوّه به من فضله، وأضع ختمي في هذا التنويه بجانب ختمه»٢٢. هذه المطارحات والمطالعات التي تتدفق منها روح الأخلاق والنبالة هي من صفات رجالات كان أميرها شكيب أرسلان. خصوصا إذا ما لاحظنا رد الأمير على انتقادات الشيخ أحمد رضا له بالقبول حينا واستخدامه مصطلح «فأعترض»٢٣ حينا آخر، ولم يقل أرفض أو كلاما آخر. يبقى القول أن اجتماعاً في دارة الأمير خالد شهاب في بيروت، وبحضور الأمير عادل أرسلان، طلب من الشيخ أحمد رضا كتابة ترجمة مفصلة لفقيد الأمّة العربية، نظرا للصلة والصداقة والزمالة التي
كانت تجمعهما، لكنه اعتذر لأنّ الكتب التي دارت بينه وبين الأمير فقدت من أيام عاليه٢٤، وهي بيت القصيد بكل أسف٢٥.

ولما انتقل الأمير إلى لوزان كتب إلى الشيخ أحمد رضا طالباً منه نسخة عن مقالات المقتطف أو العرفان، فوصلته وأدرجها في الطبعة الجديدة من حاضر العالم الإسلامي. وحيث من الثابت أن أمير البيان كان همّه الوحدة العربية والإسلامية، ولمّا قرأ للشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء كتابه «أصل الشيعة وأصولها» أبدى إعجابه وكتب له رسالة بتاريخ 5 محرّم 1352هـ/1933م، يثني عليه بالقول: «ثم إنّكم باجتهادكم تقرّبون بين الفريقين (أهل السنة والشيعة) وتضيقون فرجة الخلاف». وأرفق بالرسالة المجلدات الأربعة من الطبعة الجديدة لحاضر العالم الإسلامي٢٦.والجدير ذكره هنا أن أمير البيان كان قد أثنى على الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء لحضوره المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931، وعبّر عن بالغ سروره «أن تكون أول صلاة أقيمت [في المسجد الأقصى] بجماعة المؤتمر قد كانت بإمامة الشيخ الأكبر محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، كبير مجتهدي الشيعة، فإنّ هذا ما كنّا دائما نتمناه من الاتحاد…»٢٧. مثنياً على الشيخ ظاهر ورضا لحضورهما المؤتمر الذي كان الأمير ممّن أعدّ لانعقاده مع الحاج أمين الحسيني٢٨. وما كان تخلف الأمير عن حضور هذا المؤتمر «إلا لحيلولة السلطة البريطانية»٢٩.

وجاء في رسالة من الشيخ أحمد رضا للأمير بتاريخ 16 شعبان 1354هـ/ 13 ت2 1935م مطلعها:

سيدي المجاهد الكبير والعلَّامة النّحرير أمير البيان الأمير شكيب أرسلان حرس الله مهجته وأطال للأمة بقاءه. لقد طلع عليَّ كتاب الأمير من البدر في النصف من شعبان، فكان الكتاب أزهر، ونوره أكثر، ولا عجب فالأمير أعزه الله واحد الدّهر، ونادرة الفلك في غرّ صفاته، وزاكي أخلاقه وأعراقه. من غير منتقدة في سياسة حكيمة، إلى علم جمّ في أدب رائع… وقد قرّت عيني بما أسبغ الله على الأمير أعزّ الله به العرب والإسلام من نعمة الصحة، فلا يبالي معها بكيد الكَيَدة، ولا بحسد الحَسَدة…

أن يحدوني على أن لا نظير لهم         وهل رأيت عظيماً غير محسودِ

وقد سمعنا ما لقي المرسلون وهم رسل الإصلاح، وما لقي سيدنا المصلح الإلهي الأعظم سيد العرب والعجم من قومه حتى في أمسّ الناس به رحماً… ورأيت أيّدك الله ما لقي نابغة العرب في السياسة والأخلاق الملك فيصل رحمه الله. وما كان يفضي به إليك، فصبراً صبراً يا سيّدي على كيد الكائدين، فالحقّ أحقّ بالإشراف والباطل أولى وأجدر بالإزهاق، والعاقبة للمتقين. وإنّ ما جاء به الأمير – حيّاه الله – من إيضاح سياسته الحكيمة المؤسسة على الغَيْرة الفاضلة، والحمية الباسلة في سبيل أمته ووطنه، في هذه الفتن الضاربة بأطنابها العالقة بأنيابها لم يزدني إلّا علما بأصالة رأيه، وسعة اختباره، وجَوْدة طريقته في جهاده…»٣٠.

من علماء جبل عامل الأجلاء في مطلع القرن الماضي: (من اليمين إلى اليسار) الشيخ احمد رضا , السيد حسن يوسف مكة، والشيخ سليمان ضاهر.

ويبدو من طيّات الرسالة أن الأمير كلّف الشيخ بأمور ثقافية أو علمية لصديق مشترك هو نجيب الريّس صاحب «القبس» الدمشقي. ويشكره على إرساله له كتاب حاضر العالم الإسلامي بالقول: «فقد قبلته وقابلته بالشكر والدعاء»، ويختم بتحيات من الشيخ سليمان ظاهر «الذي ملأت محبّة الأمير قلبه، وأثني بسلام صهري أبي حسن كامل الصبّاح»٣١ وكلّ إخوانه وأصدقائه في جبل عامل.

ثم اشتدّت على الأمير المصائب التي مرّت بها الأمّة، فدعا للجهاد والمقاومة في سبيل عزتها واستقلالها ضد المحتل الأجنبي، ورأيه: «إن الذي نحن فيه هو جهاد، والجهاد هو الحرب…»، والجمعيات أو التشكيلات هي طريق الخلاص؛ سواء كانت سرية أو علنية قانونية في فلسطين وكل العالم الإسلامي «فالتشكيلات هي قوة كل أمة فقدت حكومتها وكيانها السياسي. وهي الزعيمة، مع الثبات والعزم وإتقان العمل وروح التضحية، بإعادة ذلك الكيان السياسي»٣٢. ويسجل الأمير عتبه لجهة «الواجب الذي تقتضيه الأصول الاجتماعية»، على أبناء بعض البيوتات العاملية التي كانت تربطه بهم علاقة محبّة وود وصداقة واحترام، متأسّفاً حيث لا يجد «منهم خلفاً يشبه سلفاً»٣٣.

Constants and variables

The constants, in the life of a human community, are linked to the essence of their existence, not only in their own dimensions, but also in their open horizons over the past, present and future of human beings. And also, in the principles which their historic memories acquire throughout the ages, as well as origins that have been fought for against tyrannies for the sake of strengthening their roots, and against all turbulent crises and tribulations and the challenges that came from everywhere to steal their most precious possessions of dignity, freedom and fraternity of life.

As for the variables, they are linked to the immediate circumstances, the succession of events, the contrasting aspects of crisis, and to the conflicts of interest. In any case, the approaches that could be taken under the pressure of certain circumstances, shall not touch the constants, during evolving times, while the principles associated with the community formation and their record of honor should be as solid as the mountain’s rocks.

Bringing urgent attention to this vital issue is a necessity, and an obligatory duty for anyone who cares about the supreme interests of our people and their presence, and especially in their homeland; such that their health as an entity is also the health of what constitutes their homeland. This is considered a fundamental rule that no one should ignore.

Everyone is aware of the critical situations that our country and even neighboring countries are going through in the midst of an internationally instable world. And in every case, emotion should be restrained in every crisis and instead the logic of wisdom and self-restrain and deliberation should be practiced. It is everyone’s responsibility to take ultimate care to rise above conflicts and sacrifice for the benefit of the community and its virtue and dignity, and also for the rest of the fellow citizens of the country as a whole.

The history of our gracious monotheistic faith is well-known to be one full of honor, merit and harmony, especially in critical times which occurred frequently over a thousand years of their existence, and which was maintained with dignity and wisdom and fulfillment. By doing that, the land was preserved, not through sectarianism, but through the spirit of participation in terms of space and humane embracement which kept the emirate as solid as a nucleus upon which the Lebanese unified establishment was built. In spite of the contrasts of the same authoritarian influence in the local environment that has both influenced to separate and to unite, the sense of unity of destiny has remained in the conscience and thoughts in the general sense.

Our Boys and Girls today, in their homelands and overseas need to be inspired by the historical sense of excellence that their ancestors have lived on, including leaders, princes, elders, and the general public with courageous, ethical and honorable personalities to be grateful for, whose actions have conserved their people, their country and their nation as history proves without anyone’s recognition.

Everyone must realize that problems could only be solved by impartiality, sincerity and through searching for traces of light in the midst of darkness. And the proper way to mitigate adversities and to tackle such challenges and to come up with appropriate solutions would be through moderate speech, for there’s nothing that matches good and respectful words as keys to solve complex contrasts.

Survival, stability, and prosperity are the noble values ​​of our gracious faith, individually or community wide, through adopting a polite culture which avoids absurdities and wrong approaches to our ethnical heritage, and through education for which origins must be firmly rooted in the irreplaceable family blend, instead of otherwise intellectual distraction and spiritual impurity. These responsibilities fall upon every individual, every family, every forum, every party active in social affairs and in the public sector (holy verse: and do well, for I know what you are doing).

My message to the members of our gracious faith (sons of Maaroof) will always remain a message for enforcing their pride and denouncing anything that tries to undermine their dignity, and I can only remind you of the ancient wisdom that our noble leaders have maintained throughout our history, which has been great caution against division of opinion and disunity of the community, but also striving for harmony and cooperative efforts to achieve public virtue, in both our mountain and country alike.

The will of Sheikh Mohammed Abou Chakra

In the name of of Allah the Merciful

My brothers and my sons…

I did not want to leave this finite world to meet the face of my Lord without advising you with some of my concerns that have never lost sight of my thoughts and intentions throughout my whole life, and I summarize those concerns in this letter, which I preferred to hold the interpretation of (a commandment) for its significance and value to be taken of utmost importance, for present and future generations to our gracious monotheistic faith in general, and to each of its members in particular.

Therefore, I appeal to you for the truth of what you have known from self-praise, elevation, awareness, and loyalty:

Each of you should always remember the origin and heritage of our gracious monotheistic faith, its history and its glory, to tell your grandchildren and children, and to cultivate in their thoughts and souls the virtue of adhering to the ethical and moral rules that were behind those glories and bright history, and to preserve your cohesion and unity in both good and bad.

  1. To always thrive for keeping your leadership unified in all circumstances because the many trials nations and people went through have always confirmed that there is no immunity for any nation, no elevation, no progress, no tranquility, no stability, and no dignity if it is plagued with conflict and division.
  2. I warn you against the prolonged migration that carries the seeds of disintegration and decay that give rise to long-term common weakness, with the consequent loss of your country’s identity, one that has always provided you with all the components of prestige, respect and stability.
  3. I warn you from marrying foreigners due to what it leads to in denial of the principles of our gracious monotheistic faith and in departure from all of its traditions and honorable heritage, and what results in blurring of these customs and practices and in prevention for everything related to it – what we take pride in from history to heritage are not only limited to you, but also to your children who may become in complete alienation from all the solid rules that have helped our ancestors take on the most demanding responsibilities, and helped them confront the greatest dangers, and also helped them occupy the most prestigious positions throughout a history rich with exploits and promotions.
  4. I warn you from falling into the sludge of drugs, abuse, alcoholism, gambling and smoking, not only because they are considered taboo, but also because they lead you to lose your health, money, masculinity and even dignity.
  5. I urge you to seek the achievement of education of applied sciences and not only theoretical sciences. I also urge you to enduldge in respectful commercial, industrial and artistic activities, such that you would not be overwhelmed by progress and to stay current with the era which you live in, where competition at the individual and group level will spread.
  6. I urge you to involve yourselves in the establishment of different types of activities of health, social, cultural and humanitarian natures, because such healthy establishments protect your presence and preserve your dignity and empowers you and helps to meet your needs, and pushes you forward in the areas of progress, liberation, and prosperity.

This is my message, but also my will to you brothers and children of our gracious monotheistic faith. I hope that you reflect on its content and examine its dimensions and educate individuals and groups about it. I believe that in committing to it, you will preserve your presence and protect it both internally in your homelands and externally outside the borders of homelands, over ages and ages to come. God be your companion and guardian to your virtue, dignity, and contentment.

وصيّة المرحوم سماحة الشَّيْخ محمّد أبو شقرا

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني وأبنائي..

 لم أشأ أن أغادر هذه الدّار الفانية لملاقاة وجه ربِّي دون أن أُبلغكم بعض هواجسي التي لم تَغِبْ عن تفكيري وتوجُّهاتي طوال حياتي وقد رأيت أن أُوجِزَ تلك الهواجس في هذه الرسالة التي وددت أن تحمل معنى (الوصيّة) لما أُعَلِّقه على استيعابها والأخذ بها من أهميّة قُصوى في الحاضر والمستقبل بالنّسبة لطائفتنا الموحّدة الكريمة عامّة ولكلّ فرد من أفرادها بصورة خاصّة.

وعليه فإنّي أناشدكم بحقِّ ما عُرِفْتم به من إباء وشَمم ووعي ومروءة:
أن يتذكّر كلّ فرد منكم دائما أصله وتراث الطائفة الموحّدة وتاريخها وأمجادها وأن يروي لأحفاده وأولاده ويزرع في أفكارهم ونفوسهم فضيلة التمسّك بالقواعد المسلكيّة والأخلاقيّة التي كانت وراء تلك الأمجاد الباهرة والتاريخ المُضِيء وأن تحافظوا على تماسُكِكُم ووحدة صفّكم في السرَّاء والضرَّاء على حدٍّ سَواء.
أن تعملوا دائما على بقاء قيادتكم واحدة مُوَحّدة في جميع الظروف لأنّ التجاربَ الكثيرة التي مرَّت بها الأُمم والشّعوب قد أكّدت أن لا منعةَ لأيّةِ أمَّةٍ ولا رفعةَ ولا تقدُّمَ ولا طمأنينةَ ولا استقرار ولا كرامة إذا ابتُلِيَت بالتّخاصم والتفرّق.

أُحَذّركم من الهِجرة المُتَمادية التي تحمل في طيّاتها بذور التّفتُّت والتفكُّك المولِّدَيْنِ للضّعف العام على المدى الطّويل مع ما ينشأ عن ذلك في كثير من الأحيان من فقدان لهويّة وطنكم التي وفّرت وتوفِّر لكم كلّ عوامل المَهابة والاحترام والاستقرار.

أحذّركم الزّواج من الأجانب لِما في ذلك من تنكُّر لمبادئ العقيدة التوحيديّة وخروج عن كلّ تقاليدها وعاداتها الشريفة فضلاً عمّا يتولّد عن ذلك من طمس لهذه العادات والتقاليد ووأد لكلّ ما يتّصل بها – مما نفخَر به من تاريخ وتراث لا

تقتصر نتائجه عليكم بل تتعدّاكم إلى أبنائكم الذين يصبحون في غُربة تامّة عن كلّ تلك القواعد الصّلبة التي ساعدت آباءكم وأجدادكم على النّهوض بأشَقّ المسؤوليّات ومواجهة أفدح الأخطار واحتلال المركز المرموق خلال تاريخهم الحافل بالمآثر والمروءات.

أحذّركم من السّقوط في حمأة المُخَدّرات وتعاطيها والمُسْكرات وممارسة ألعاب القمار والتّدخين ليس لأنّها مُحَرّمات فَحَسْب بل لأنّها تُفْقِدُ الصحَّةَ والمالَ والرّجولة والكرامة أيضاً في أحيان كثيرة.
أحثُّكم على الإقبال على تحصيل العلوم التطبيقيّة وعدم الاكتفاء بالعلوم النَّظرية كما أحثُّكم على إيلاء النشاطات التّجارية والصناعيّة والفنيّة المُحْترمة قِسطاَ وافراً من جهدكم وذلك لكيلا يسبقكم الزّمن فتظلوا على ثقةٍ وثيقةٍ بما هو مألوف في العصر الذي تعيشون فيه والمليء بالتحدّيات القائمة بين الأفراد والجماعات.

أحثّكم على الاهتمام بإقامة المؤسّسات على اختلاف وجوهها ومواضيعها ونشاطاتها من صحيّة واجتماعيّة وثقافيّة وإنسانيّة لأنَّ المؤسّسات السّليمة تُحَصّنُ وجودَكم وتحفظ كرامتكم وتؤكّد عزَّتّكم وتساعدكم على تلبية حاجاتِكم وتدفع بكم إلى الأمام في مجالات التقدُّم والتَّحرُّر والازدهار

 هذه هي رسالتي بل وصيّتي لكم أيها الإخوان والأبناء الموحّدون وأتمنَّى أن تتأمَّلوا مضامينها وتدقّقوا أبعادها وتعلموا أفراداً وجماعاتٍ لأنّي مؤمنٌ بأنَّ في الالتزام بها صَوْناً لوجودكم الكريم وتحصيناً لهذا الوجود في الوطن وخارج حدود الوطن على مدى الأيّام والدُّهور والله المُستعان على ما فيه خيركم وعزّتكم وسعادتكم. ■

المعرفة عند أفلاطون

تمثِّل نظريةُ «المعرفة» مفهوماً محورياً في فلسفة أفلاطون لِمَا لها مِنْ صِلةٍ بمفاهيمِ خلودِ النَّفْس، و»المُثُل» الأوّلية، و»العِلْم تذكُّر». فالمعرفةُ بالنسبة إليه لا تُحرَز إلا بالرجوعِ إلى الحقائقِ المُطلَقة العُلْويّة الثابتة، عَالَم «المَعْقولات»، بمنأى عن العَاَلم المادي المُتَغيّر، عَالَم «المَحْسوسات». فالحواسُ البشرية تعجز عن معرفة حقيقة الوجود، بل هي تَمنّح الذِّهنَ انطباعاتٍ غير دقيقة ولا موثوقة عن عَالَمٍ مادي حِسّي، وينبغي إعمال العقل في تلك الانطباعات وتذكُّر المُثُل المُتأصِّلة في «النَّفْس الخالدة» من أجل تحقيق المعرفة. وفي بلورة نظريّته في المعرفة «إمبستمي» (episteme) أو بمعناها الأرقى («غنوسس») (Gnosis – γνῶσις)، ناغمَ أفلاطون بين مفاهيم في فلسفة سقراط حول الفضائل كـ «نماذج مِثالية ثابتة» (paradigms) مُستقلّة عن أي مسلكٍ، وكذلك تعاليم فيثاغورس، وبارمينيدس (Parmenides)، وهيرقليطس (Heraclitus)، وحتى تعاليم أورفيوس (Orpheus) الصُّوفيّة. فاستمدّ من فلسفة فيثاغورس وأورفيوس المَسْحة الدينية والرُّوحيّة وأبعاد خلود النفس ورمزية الكهف الصُّوفيّة، ومن فكر بارمينيدس استقَى النظرة إلى الحقيقة بأنّها سرمديّة، وأنّ كلّ تغييرٍ ما هو إلا وَهْم. أمّا من هيرقليطس فاستحضرَ وجهةَ النظر القائلة بأنّ لا شيء دائماً في عَالَم حواسِنا وكلّ شيءٍ في دَفْقٍ مستمر، وذلك في خُلاصةٍ إبستمولوجية بأنّ المعرفة لا تتأتَّى من الحواس بل تتحقَّق بالعقل يقيناً وهو ما تطرّق إليه أفلاطون في محاورة «ثياتيتوس» (Theaetetus) حيث أوضح أنّ سُبُل معرفة العَالَم المادي ليست من خلال الانطباعات الحِسّية بل في التفكُّر والتدبُّر بتلك الانطباعات، فيكتشف العقل حقيقتها.

استجلاء طبيعة المعرفة

تتمحور محاورةُ «ثياتيتوس» حول «الإبستمولوجي» (Epistemology) أو «طبيعة المعرفة»، وهو ما تناوله أفلاطون في محاوراتٍ عديدة لكنّ هذه المحاورة خصّصت نقاشاً حول المعرفة الحقّة، وهي تدور حول شخصية سقراط وخبير الرياضيات اللامع الشاب ثياتيتوس ومعلِّمه ثيودوروس (Theodorus) في تقصٍّ حول ماهية المعرفة، حيث يرفض سقراط خلال الحوار ثلاثةَ طروحاتٍ أو تعريفات للمعرفة مُفنِّداً إيّاها بمنطقٍ عقلاني، وهي: المعرفة إدراكٌ حِسّي، والمعرفة بمثابة «مُعتقدٍ» (Belief) حقيقي، ومن ثمّ المعرفة كمُعتقدٍ حقيقي مع تفسيرٍ منطقي، لتنتهي المحاورة في إشكالية بحثيّة (Aporia) تتطلّب مزيداً من التقصّي، وتركت تساؤلات أوضحها أفلاطون في محاوراتٍ أخرى عند تناوله لمسألة «المُثُل» و«العِلْم تذكُّر».

وفي محاولة لاستجلاء هذه الإشكالية المعرفية، يُشدِّد أفلاطون في محاورة «فيدون» (Phaedo) على أنّ المعرفة برمّتها، سواء كانت معرفة الكميات أو النوعيات والمقاييس والأشكال والألوان وحتى مفاهيم الجمال والأخلاق إنّما تتأتَّى عبر التفكُّر والتدبُّر العقلانيَين.

فأيُّ انطباعٍ تُثيره الحواسُ في الذهنِ حول شكلِ «مُربَّعٍ»، على سبيل المثال، لا يمنح معرفةً في «الماهية المُربَّعِيّة»، بل في تفكُّر العقل في الانطباعات التي يُثيرها المُربّعُ إنّما تتسنَّى له معرفة الطبيعة الحقَّة لتلك الماهية. وهذه المعرفةُ إنّما تنطبق على جميع المُربّعات، لا على مُربّعٍ محدّد تراه العينُ آنيّاً ومكانيّاً. وكان أفلاطون قد أضاءَ في محاورة «مينون» (Meno)، على هذه المعرفة الحقَّة المتأصِّلة في النفس، في قصة العبد غير المتعلِّم الذي أظهرَ معرفةً بحقائق هندسيّة حول المقارنة بين أحجام المُربّعات من دون معلِّمٍ أو مُرشِد، حيث أثبتَ سقراط لمينون نظرتَه في أنّ «العِلْمَ هو تذكُّر» أي تذكُّر تلك الحقائق العُلْويّة، التي سنتناولها في ما سيلي سواء تحت تسمية «مُثُل» أو «صور» أو «كُلّياتٍ أوّلية».

تفكُّر وتذكُّر

هذا التفكُّرُ العقلاني الذي يُحقِّق المعرفة، إنّما هو ذلك التذكُّر للحقائق العُلْويّة المتأصِّلة في «النفس الخالدة»، كما نتتبَّع أثرَ هذا الفكر في تعاليم فيثاغورس والتعاليم الهِرْمسية القديمة، المرتبطة بنظرية الصُّور والمُثُل، تلك الجواهر الكُلّية المُطلَقة. وهذ التذكُّرُ هو ما يُطلَق عليه في اليونانية (Anamnesis). وما تتذكَّره النَفْسُ إنّما هو كُلّيات المُثُل المُطلَقة (Universals) لا الجُزئيات الحيثيّة المُتغايرة (Particulars)، فأيُّ مثالٍ تفصيلي عن العدالة أو الجمال، على سبيل المثال، إنّما ندركه، لكنّ المثالَ الكُلِّي للعدالة لا يُعلَّم بل هو معرفة كُلّية بالمُثُل العُليا، إنّما هي متأصِّلة في النفس الخالدة بَدهِيّاً (a priori). ويثبت أفلاطون في محاورة «فيدون» وجودَ معرفة أوّليّة أسبقيّة في تلك الحقائق المُطلَقة العُلْويّة الكامنة في النفوس الخالدة، فأنْ نعرف يعني أن نستعيد تلك المعرفة الراسخة بَدْهياً في النَّفْس.

وكما في محاورة «ثياتيتوس» كذلك في محاورتَي «تَيماوس» (Timaeus) و»الدفاع» (Apology)، يعتبر أفلاطون أنّ العقلَ «نوس» (nous: νόος)، ذلك الجزء الأعلى والأرقى والأقدس من قِوى النفس هو مَنْ يُدرِك المُثُلَ العُليا، تفكّراً وتذكُّراً. فالمُثُل تُمثِّل فعلاً عَالمَ «اللوغوس» (Logos) الذي أُحْصِيت فيه الكائنات بالقوة، وهو ما طوَّره أفلاطون في مفهوم «الديميورج» (Demiurge) «الصانع» أو الوسيط العُلْوي بين مصدر عَالَم المُثُل وعَالَم الطبيعة، لا سيّما في محاورة «تيماوس». وتُبنَى نظرية أفلاطون في المعرفة على هذه المفاهيم: الحواس لا تجعلنا نُدرِك الحقيقة، والنفس الخالدة تتأصَّل فيها معرفة بَدْهِيّة أوّليّة، وهذه المعرفة إنّما هي معرِفة لحقائق عُلْويّة مُطلَقة، أو مُثُل أو كُلّيات أو صور «إيدوس» (eidos – εἶδος) أو أفكار أوليّة «إيديا» (idea – ἰδέα).

في المفهوم الأول، نرى أنّ عالِمَ الفيزياء الشهير ألبرت أينشتاين (Albert Einstein) يشير في هذا الصدد إلى أنّ الأشياء هي «مجموع صفاتها»، تلك الصفات التي تُدرَك بالحواس ولذلك يستدرك أنّ العَالَم المادي بذرّاته ومجرّاته وطاقاته لا وجودَ له سوى في ما تبنيه الحواسُ غير الكاملة في انطباعاتها، وهذا ما يُردِّدُ صدى تعاليم أفلاطون.

ولا عجبَ إذا ما تحدَّث عالِمُ النفس الشهير كارل يونغ (Carl Jung) عن أنّ العَالَم المادي لا يوجد إلا كما يُختَبَر في الوعي، وبقدر ما نُنتِج صورةً عنه في ذهننا، فالمادة بالنسبة إليه فَرَضِيّةٌ و»رمزٌ لشيءٍ مجهول»، وإنّما ما نُدرِكه ونشعره ونُفكِّر به ما هو إلا صورة نفسانية، وذلك إشارة صريحة إلى المفهوم الأفلاطوني بوجود معرفة بَدْهِيّة في النفس الخالدة (فقد قارَن يونغ بين مُثُل أفلاطون والأنماط أو ما أطلق هو عليه تسمية «المُثُل الأوليّة البَدْئية» Archetypes النفسانية). حتى إنّ أرسطو رأى في ماورائيّاته أنّ النفسَ تُولَدُ وفي داخلها مجموعة مِن المُثُل الميتافيزيقية التي تسعى في الحياة الأرضية إلى تحقيقها.

ويجدر التنويه إلى أنّ مفهوم المُثُل يستند بحدّ ذاته إلى النظرية الفيثاغورية القائلة بأنّ البُنَى المُدرَكة بالعقل (Intelligible)، وهي أرقامٌ بالنسبة إلى فيثاغورس، لا العناصر المادية هي التي تمنح الأشياءَ سِماتَها المتميِّزة، وطوَّرَ أفلاطون هذا المفهوم إلى مبدأ «المُثُل السَّرْمَديّة» (Eternal Forms) تلك الجواهر الثابتة التي يُعتبر العَالَمُ المادي المحسوس ظِلالاً لها.

نظرية الصُّور أو المُثُل الأفلاطونية

لكن ما هي «المُثُل الأفلاطونية»؟
في محاورة «كراتيلوس» (Cratylus)، يتحدّث أفلاطون عن تلك المُثُل بكونها «الطبيعة الأزلية للأشياء»، أمّا في محاورة «أوثيفرو» (Euthyphro)، فيصفها بكونها «الصُّور الجوهرية»، أو «المُثُل الأوَل». ويعتبرها في محاورة «بارمينيدس» (Parmenides) «أفكاراً أو أشبه بالأنماط الأولية»، ومن ثمّ يعتبرها «جواهر» كُلّية، وهو ما يشير إليه أيضاً في الكتاب السادس من «الجمهورية» (The Republic)، حيث يعتبر الصورة «كينونة» أو «جوهر»،
وكذا يتحدّث عنها في محاورة «فايدروس» (Phaedrus) بصفتها «كينونة حقيقية»، تتبدَّى انعكاساتُها ماثلةً في الحيثيات الجزئية، تماماً كما وصفها في محاورة «غورجياس» (Gorgias).

وقد أطلقَ شارحو فلسفة أفلاطون، وعلى الأخص نيكولاس وولترسورف (Nicholas Woltersorff)، وأر. جي. كروس (R. G. Cross)، وأيه. دي. وزلي (A. D. Woozley)، وآر. سي. لودج (R.C Lodge)، وأر. أف. أيه. هويرنلي (R. F. A. Hoernle)، العديدَ من التسميات على هذه الحقائق العُلْويّة المُطلَقة، ما بين «الجواهر» و»النماذج المثالية الثابتة» (Paradigms) أو «المفاهيم المِثالية» و»المبادئ العُليا» أو «معايير الكمال» أو «الكُلّيات» و»الأمثلة الكاملة بحدّ ذاتها»، وذلك تفسيراً للكلمة الإغريقية التي يستخدمها أفلاطون للتعبير عن الصور أو المُثُل العليا وهي «إيدوس» (eidos)، والتي يُشار إليها أحياناً بـ «إيديا» (idea) أي الأفكار. وقد أجمعوا على أنّ الكلمة الإنكليزية Form أي «الصورة» و«المثل» هي أفضل تعريفٍ لمفهوم أفلاطون حيث إنّ هذه المُثُل العُلْويّة لا تُدرِكها الحواس بل يتفكَّر في انطباعاتها العقلُ، وإنّ المعرفةَ ليس في علاقة الجزئي بالكلّي أي الصور فحسب، بل في علاقة الفكر بالصورة. إنّ الأهمية الأوّلية هي قدرة العقل على فَهْم الصورة العُلْويّة للشيء المدروك بالفكر. وقد ألمحَ أفلاطون في «جمهوريّته»، وفي عددٍ من المحاوارات السقراطية، إلى أنّ الفلاسفة فحسب هم القادرون على معرفة عَالَم المُثُل ولذلك يستحقّون أن يكونوا حُكّاماً كنخبة متنوّرة حاكِمة.

وفي «الجمهورية»، صوَّرَ أفلاطون مفهومَه القائل بأنّ المعرفةَ مُستمدّةٌ مِن عَالَم المُثُل الجوهرية الأزلية في ثلاثِ قصصٍ مجازية (Metaphor)، وهي أُمثولات رمزيّة، الأولى أُمثولة «الشمس» كمجازٍ لمصدر التنوير العقلي الذي يدلُّ على صورة الخير الأسمى، ومن ثمّ أُمثولة «الخط المقسَّم» في إشارة إلى الأقسام الأربعة للوجود بحسب المفهوم الأفلاطوني، ومن ثمّ أُمثولة «الكهف» (Allegory of the Cave)، حيث يتناول أفلاطون مسألةَ العلاقة ما بين التجربة الحِسّية للإنسان وحقيقة الوجود، في رحلةٍ نحو الحكمة والعرفان والتحقُّق الصوفي تبدأ بالتفكُّر بالمُثُل الجوهرية تلك التي تتعدَّى الظِّلال الحِسّية للعَالَم المادي:

أُمثولة «الشمس»

يرمي أفلاطون في قصة «الشمس» إلى أنّ ماهية الحقيقة لا يمكن إدراكها بالحواس العادية، لذا ينبغي استخدام العقل لفَهْم الحقائق العُليا للوجود، والعقلُ كالنظر يحتاج إلى «وسطٍ ثالث» لكي يعمل، وبالنسبة إلى أفلاطون إنّه مِثالُ الخير. وهنا يقول أفلاطون على لسان سقراط إنّ «الشمس» تُضيء العَالَمَ المَرْئي بالنور كما يُضيء مِثالُ الخيرِ العَالَمَ المدروك بنورِ الحقيقة، وهو ما يتيح للإنسان أن يُحقِّق المعرفة. فكما تُتاح قدرة العين على الرؤية بفضل نور الشمس، كذلك قدرة النفس على المعرفة تُصبح متاحةً بحقيقةِ الخير، بل إنّ «الشمسَ» هي مصدرُ الحياة والنمو وكذلك مِثال الخير هو أصلُ وجود الأشياء وكينونتها، وهذا يتصل بمفهوم أفلاطون للعقل «نوس» والوسيط العُلْوي «الديميورج» كما سبق القول.

أمثولة «الخط المجزّأ»

العَالَمُ بالنسبة إلى أفلاطون، قسمان: «مَرْئي» وهو العَالَمُ المادي المُتغاير، وآخر «مُدرَك بالعقل»، أي عَالَم الصور أو المُثُل، وهو ما يتطرَّق إليه في «الجمهورية»، كما سبق القول، حينما يضربُ مَثَل «الخط المجزّأ» الذي يعكس هذين العَالَمَين. ينقسمُ هذا الخطُ إلى أربعة أجزاء متساوية، يُمثِّل القسمُ الأول المُثُلَ المُدرَكة بالعقل (المعقولات)، والثاني «الأرقام»، أمّا القسمُ الثالث في فئة العَالَم المَرْئي المُدرَك بالحواس (المحسوسات) (Sensible, Perceptible) فيُمثِّل الحيوانَ والنبات والجماد، فيما يتضمّن الرابعُ ظِلالَها وانعكاساتها. وتُدرَك هذه الأقسام الأربعة بقوى إدراكية مختلفة، «الفكر العقلاني» وهو أرقاه، و»الفَهْم»، و»المُعتقد»، و»التصوُّر الحَدْسِي» (Conjecture)، والقسمان الأوّلان يدعوهما «تفكُّراً عقلانياً» (Intellection)، أمّا القسمان الآخران فيدعوهما «رأياً» (Opinion). فبالرأي نعرف العَالَم المادي، وبالتفكُّر العقلاني واليقين نُدرِك الصورَ والمُثُل العُلْويّة الجوهرية.

فإذا ما أعملنا الفكر في «العَالَم المرئي» فحسب فإنّه لن يُحرِز سوى الرأي، لكن إذا ما انصبَّ هذا الفكر على الصور الجوهرية، فإنّه سيُحقِّق «المعرفة». ولو أنّ الرأي الصائب أحياناً، كما في محاورة «المائدة» (Symposium)، قد يكون «أفضل من الجهل»، أو ربّما يقود في الاتّجاه الصحيح نحو معرفة الصور الجوهرية، كما في محاورة «مينون»، لكنّه لا يرقى إلى تلك المعرفة البَدْهِيّة التي تُمثِّل بالنسبة إلى أفلاطون «حقيقةً ثابتة لا متغيِّرة»، لأنّ الرأي يستند إلى العَالَم المادي، عَالَم «الدَّفق الهيرقليطي» (Heracliean Flux) المُتغيِّر أبدا.

فمن وجهة نظر أفلاطون، فإنّنا لا نُحقِّق معرفة فضيلة العدل، على سبيل المِثال، إلا من خلال معرفتنا بمِثال العدل الجوهري، لا من خلال رأينا في تصرُّفٍ جزئي عادل. وبالتالي يعكس الخطُّ المجزّأ دلائلَ ميتافيزيقية. فالمستوى الأدنى أو ما يُسمّيه أفلاطون في «الجمهورية» عَالَم «الصيرورة، عَالَم الكون والفساد»، وهو نموذج ميتافيزيقي لعَالَم الدَّفق المتواصل الظواهري. أمّا المستوى الذي يليه، فهو عَالَم الأشياء المادية الثابتة وهو نموذج الميتافيزيقيا الأرسطوطالية. أمّا المستوى الثالث، فقد يشير إلى عَالَم فيثاغورس الرياضياتي اللامتغيّر، والمستوى الرابع هو عَالَم المُثُل الأفلاطونية وعَالَم «حقيقة» بارمينيدس، عَالَم المُثُل العُليا السَّرمديّة. وهنا يربط أفلاطون بين مفهومِ المعرفة كما خلُصَ إليه في محاورة «ثياتيتوس»، وبالتالي فَهْم المُثُل، وفَهْمِ علاقتها بالمستويات الأربعة الآنفة الذكر. فنَفِي احتمال المعرفة إنّما هو لعَالَم الكَوْن والفَسَاد المُتغيِّر أبداً، في حين أنّ المستويَين الآخيرَين، الرياضيات والمُثُل، أزليَان ولا مُتغيِّرَين.

أمثولة «الكهف» الرمزيّة

يختصر أفلاطون في الكتاب السابع من «الجمهورية» مفهومَه للمعرفة الحقّة بأمثولة «الكهف» الرمزيّة، حيث يضع سقراط لمَنْ يحاوره تصوُّراً عن سجناءٍ في كهفٍ تحت الأرض مقيَّدين بالأصفاد ورؤوسهم مثبّتة في اتّجاه جدارٍ، ولا يرون إلا ما ينعكس أمامهم من ظِلالٍ تتراءى لدُمَى تتحرّك وراءهم انعكاساً مِن ضوء نارٍ مُوقَدة خلفهم، لذا لا يرون من العَالَم غير صور تلك الدُّمَى المتعددة الأشكال. لكن إذا ما أُطلِق سراح أحدهم واصطُحِبَ صعوداً نحو فُتحة الكهف نحو عَالَم النور لينظر تجاه الشمس فإنّه سينبهرُ من سطوعها ولا يرى بوضوح لفترةٍ من الزمن حتى تعتاد عيناه على رؤية الأشياء الحقيقية في عَالَم النور والحقائق الجليّة تحت أشعة الشمس الساطعة، وسرعان ما يُدرِك أنّ ما يراه الآن هو الحقيقة وأنّ ما كان يراه في الكهف ما هو إلا ظِلال وهمية، ويتأمّل الشمسَ في حقيقتها ويعلم أنّها مصدرُ حياة كلّ ما هو في الوجود ومصدرُ الحقيقة والمعرفة.
نعم، في أُمثولة «الكهف» الرمزيّة كما في أُمثولة «الشمس» المنوَّه عنها أعلاه، إنّما يرمزُ أفلاطون إلى «المبدأ الأول» أو «الخير الأسمى» الذي هو مصدر كلّ المُثُل بـ «الشمس»، ذلك المصدر الماورائي لكلّ مُثُل الخير والحقائق والفضائل، وهي تماماً صفات «اللوغوس» كما بيّن في محاورات أخرى. لعلّ أُمثولة «الكهف» الرمزيّة هي الأكثر أهمية في تاريخ الفلسفة والفكر، ولو أنّ تناولها وفيرٌ في الأدبيات الفلسفية، فقلّما مَنْ يُدرِك أبعادها الإبستمولوجية والميتافيزيقية والصُّوفيّة الحقيقية. وقد أشارَ الفيلسوف وعالِم الرياضيات في القرن العشرين ألفريد نورثوايتهد (Alfred Northwhitehead) إلى أنّ الفلسفة الغربية على مدى 2،500 عام إنّما «تؤلّف سلسلة من الهوامش على فلسفة أفلاطون، لا سيّما أُمثولة الكهف».

مَعْرِفة وعرفان وعِلْم!

إنّ نظرية «الكهف» هي مفتاحٌ لفَهْم التحقُّق الصُّوفي، وكان لها تأثيرٌ عميق على الفلسفة بأكملها بل على الدِّين والعرفان بأبعادها الميتافيزيقية الصريحة ورمزيّتها الرُّوحيّة. فما يتغاضى عنه العديدُ مِن الباحثين الغربيين هو أنّ تعاليمَ أفلاطون كانت بمعظمها تقاليدَ شفهيّة سرّية مخصّصة للتلاميذ النُّجَباء المُهَيأين للاطّلاع على الحقائق (initiates) نهجاً حِكْموياً صُوفياً لا تنظيراً أكاديمياً فحسب، وهي جاءت لأجل هذا الغرض بلغة الرمز، ولذلك يُطلِق الصُّوفيون على أفلاطون لقب «أفلاطون الإلهي».

هل مهَّد أفلاطون، بما استقاه من الفكر الفيثاغوري والأورفي والهِرْمسي، في تحدّيه للفكر البشري حول «ماهية المعرفة»، لظهورِ مفهومٍ أكثر دلالةٍ روحيّة عن «المعرفة» في العصور التي ستليه؟ وهل كان أفلاطون في نظريّته هذه يرمي إلى أنّ ثمة مِثالاً أو صورةً أسمى للإنسان هي ما تسعى النفسُ إلى معرفتها معرفة قُدُسيّة هي فوق المعرفة بمُثُل المَعْقولات وكُلِّ رأي في انطباعات المَحْسوسات؟ وهل تُرِّسخ هذه الصورة «عِلْماً» قُدُسيّاً بما يتعالى تجريداً على الإدراك الحِسّي للموجودات والمُعتقدات والاعتقادات؟ وهل ثمة في التجريد فرقٌ بين «المعرفة» و «العِلْم»؟ ذلك بحثٌ آخر!


المراجع

Barnett, Lincoln: The Universe and Dr. Einstein. New York, Bantam Books, 1975.
Guthrie, W.K.C.: History of Greek Philosophy,
Vol. 4. and 5. Cambridge: Cambridge University Press, 1978.
Jung, C.G.: Psychology and Religion, Vol.2. New Haven: Yale University Press, 1938.
Hoernle, R.F.A.: Idealism as a Philosophy. New York: The New American Library, 1958.
Lodge, R.C.: Plato’s Theory of Ethics. London: Routledge and Kegan Paul Ltd, 1928.
Woozely, A.D.: Theory of Knowledge: An Introduction, New York, Hutchinson’s University Library, 1949.
Wolterstorff, Nicholas: On Universals. Chicago, University of Chicago Press, 1970.

2019