الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, نيسان 3, 2025

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

كل الجهات… القدس!

لا تستطيع ، ولا أية مطبوعة ثقافية عربية، أن تكون بمنأى عن تحوّلات الحدث الجلل الحزين الذي ألقى بظله الثقيل على الأراضي العربية الفلسطينة أواسط الشهر الأخير من السنة الماضية والذي تمثّل بالقرار الجائر من رئيس الدولة الأولى في العالم اليوم (لجهة الإمكانات والقوة العسكرية والاقتصادية) دونالد ترامب والذي تضمّن الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني ونقل سفارة بلده بالتالي إليها.
وليس أدلّ على خطورة ما أقدم عليه الرئيس الأميركي ترامب من متابعة الإجماع الفلسطيني، والعربي، والإسلامي المسيحي، بل والدولي ضد خطوته على نحو جعل الولايات المتحدة (بين مشاهد مشابهة أخرى) تقف وحيدة في مجلس الأمن الدولي ضد باقي بلدان العالم الممثل في المجلس (14 صوتاً مقابل صوت الولايات المتحدة وحيداً) في جلسة 18/12/2017، إلى مشاهد مشابهة أخرى بدت فيها الولايات المتحدة مع إسرائيل في مواجهة العالم بأجمعه، فخطوة ترامب تنقض الاجماع الأممي والدولي في رفض أي تغيير للوضعية القانونية والسياسية للقدس في ظل الاحتلال، وفي اعتبارها مدينة فلسطينية محتلة إلى أن تجد حلاً نهائياً عن طريق التفاوض وليس الاحتلال العسكري، أو فرض الحلول بالقوة.
ومع الأسف لتخلي الراعي الدولي الأول عن مسؤولياته حيال ملف القدس، ومن باب تقديرنا مع العالم بأسره لخطورة خطوة ترامب، ليس حاضراً فقط، وإنما مستقبلاً وبالمعنى الشامل، كما عبّر عن ذلك بوضوح البيان الصادر عن سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز بتاريخ….، وتضامناً مع المدينة الفلسطينية العربية، المسيحية الإسلامية بامتياز، فقد جعلنا للقدس ملفاً خاصاً أوّل، في العدد هذا جعلناه تحت عنوان

“كل الجهات… القدس”.
وبالرغم من عامل الوقت الذي يعقّد من متابعة الدوريات الفصلية للحدث المتحرك بسرعة، فقد كان الملف الذي جهّزناه تحت ضغط عامل الوقت أقل ما يجب القيام به إسهاماً ولو بالقليل في فضح بطلان الإجراء الأميركي المتسرع والجائر، وزيف كل المبررات التي استند إليها. مع التسليم ببطلان كل الأسباب والمبررات السياسية والقانونية التي أعطيت للقرار، وإفصاحه بالخط العريض عن وحدة الأهداف بين سياستي الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن خلفية تصرف ترامب إنما أظهرت ثقافياً، برأي الكثيرين، إلى الأسباب السياسية الأخرى، حقيقتين اثنتين هما، أولاً تجاهله للحقائق التاريخية، وثانياً، تقديمه المصالح السياسية على حساب الحقائق والقيم. وإذا كان واحد من السببين أعلاه يكفي ليضلّ الحاكم سواء السبيل (رحمة الله على أفلاطون في ’جمهوريته’ وعلى الفارابي في ’مدينته الفاضلة’) فكيف إذا اجتمع السببان معاً.
نؤكد أن القدس فلسطينية عربية منذ ثلاثة ألاف سنة، وأن اليهود لم يسكنوها إلا للحظات، وبالمعنى الحرفي قياساً بزمنها الفلسطيني العربي المشرقي المديد. وبذلك فقد كرر الرئيس الأميركي مأساة وعد بلفور، أي لقد “أعطى من لا يملك” أرضاً لمن “ليس له حق فيها”. إذ وفق أي قانون يتصرف رئيس دولة ما (مطلق دولة، وكائناً ما كانت قوتها) بالحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة وفق القانون الدولي (وأولها الأرض) فيقدّمها لجهة لا تملك أي حق له فيها؟

وللتذكير فإن العالم منذ سنة 1947، أي قبل اصطناع دولة إسرائيل، كان حريصاً على تنبيه الجميع إلى أن القدس هي فوق المصالح والسياسات، وأنها إرث روحي يخص العالم بأسره والمؤمنين بأسرهم. والعالم ذاك، ممثلاً بالأمم المتحدة بدأ حرصه على طلب إعلان القدس عاصمة للمؤمنين بأديان الله كافة، وليست لدين واحد، وختم إعلاناته تلك – حتى الآن – بإعلان مجلس الأمن سنة 2016 قراره الأممي رقم 2334 بتاريخ 23/12/2016 الذي نصّ صراحة على عدم اعترافه بأي تغيير في حدود الرابع من حزيران 1967 في ما خص الأراضي، بما فيها القدس، “إلا إذا توصّل الطرفان إلى تسوية في هذا الشأن، وعبر مفاوضات”. وما تصويت مجلس الأمن الدولي ثم الجمعية العامة للأمم المتحدة بما يشبه الإجماع ضد قرار ترامب، غير برهان إضافي على أن ترامب في واد، والعالم بإسره، تقريباً، في واد آخر.
ونؤكد مرة أخرى أن في القدس أقدس مقدسات المسيحيين والمسلمين (عشرات الأمكنة)، ولذلك فقد غدت القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كما أنها تحتفظ بتاريخ روحي مسيحي عريق.

ومع ذلك، فالأكثر خطورة في قرار ترامب هو تداعياته المستقبلية. فلم يتأخر بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بربطه أية مفاوضات في المستقبل مع الفلسطينيين باعترافهم أولاً بقرار ترامب اعتبار القدس يهودية وعاصمة ’أبدية’ لإسرائيل.
ولم تتأخر لجنة الاستيطان الصهيوني في استثمار الوضع الناشئ فأعلنت دون إبطاء عن النيّة لبناء أربعة عشر ألف وحدة سكنية جديدة في القدس المحتلة والمستوطنات الصهيونية المحيطة بها.
والتحرك الإسرائيلي السريع والمنسّق لاستثمار التصعيد الأميركي ليس غير جزء من الاستراتيجية الصهيونية المستمرة القائمة على عدم تقديم أية تنازلات – ولو صغيرة – بخصوص الأرض وإجبار الفلسطينيين والعرب بالمقابل على القبول بالأمر الواقع الجديد وقبول ما يبنى عليه. وأكثر الأدلة وضوحاً تصريح نتنياهو الأخير في باريس وما معناه أن الإجراء الأميركي يعجّل في عملية السلام التي تقوم على “اعتراف الفلسطينيين بالأمر الواقع”.

لكن حسابات حقل ترامب – نتنياهو لم تتطابق ومعطيات الحقل الفلسطيني، والعربي، والدولي. فقد أشعلت خطوة ترامب ردود أفعال فلسطينية غاضبة، من القدس المحتلة إلى رام الله وغزّة، وبدا أن الفلسطينيين قد توحّدوا من جديد وأنهم جاهزون للذهاب في التصدي للقرار الأميركي إلى أقصى حد، وإلى حدود ما يقترب من انتفاضة ثالثة بدت نُذُرُها في عدد الشهداء والجرحى والأسرى الذي باتت تحمله أخبار كل صباح من المدن والبلدات الفلسطينية.
عربياً، بدا أيضاً أن قرار ترامب قد أعاد القضية الفلسطينية، ومحورها القدس، إلى صدارة أولويات الشعوب العربية، بعدما نجحت المآرب السياسية الأنية في جعل ’الإرهاب’ هو القضية وعلى حساب القضية الفلسطينية. أعاد القرار الأميركي الأمور إلى نصابها وعادت القضية الفلسطينية في رأس أولويات القضايا العربية وربما العالمية أيضاً.
وانفجرت دولياً في وجه ترامب – نتنياهو مواقف من العالم بأسره، حكومات ومنظمات وشعوباً، في أوروبا وأميركا اللاتينية وإفريقيا وشرق أسيا، رافضة هذا الاستخفاف الأميركي بالحقوق التاريخية الوطنية للشعب الفلسطيني، وبالقرارات الدولية الصريحة في هذا الشأن.
القدس، مدينة السلام، زهرة المدائن، ’خزنة’ أديان التوحيد، وذاكرتها، ومن غير المعقول أن تستمر العربدة الصهيونية فيها أو حولها إلى ما لا نهاية. هي لحظة من الزمن وستمضي في النهاية، كما مضى غيرها، وتعود القدس قِبلة وملتقى لكل الباحثين عن السلام في مدينة السلام، ولبني البشر كافة، يجمعهم اشتراكهم في الجوهر الإنساني، والحقوق الأساسية المشتقة منه، كما يجمعهم إيمانهم، وما يشتق منه – ولا نقول يترتب عليه – من واجبات. وحين تتوازن الواجبات والحقوق، في الأفراد والعلاقات والسياسات، نقترب من تحقيق إنسانيتنا، وعلى قدر ما تسمح به ظروف عيشنا، وعلى أمل أن يكون ذلك خطوة في طريق خلاص أكثر شمولاً – نحو الحق والحقيقة.
تسهم ’الضحى’ في الحملة العربية، والإسلامية المسيحية، والدولية، ضد قرار ترامب بهذا الملف الذي جرى إعداده في وقت قصير، ويتضمن ثلاث فقرات:
– الإعلانات اللبنانية، والعربية، والمسيحية الإسلامية، التي
صدرت ضد القرار،
– بطلان قرار ترامب من وجهة نظر القانون الدولي،
– و”القدس في التاريخ”

كنيسة القيامة
كنيسة
القيامة

ردود الأفعال على خطوة الرئيس الأميركي الجائرة

في هذا الإطار، صدرت عن جهات روحية وزمنية عدة بيانات ووثائق استنكرت الإجراء الأميركي أهمها:
1- عن المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز،
2- الوثيقة الصادرة عن القمّة المسيحية الإسلامية في بكركي
3- التوصية الصادرة عن المجلس النيابي اللبناني.
4- القمّة الإسلامية في إسطنبول.
5- فضلاً عن إعلان الاتحاد الأوروبي موقفه الواضح عبر إعلانه
أن القدس الشرقيّة هي عاصمة دولة فلسطين…

◄ ففي بيان المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في اجتماع
مجلس إدارته نهار الثلاثاء في 12/12/2017 برئاسة سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن أكّد فيه «تمسّكه بالقدس كمدينة جامعة لها خصوصيّتها الروحانيّة الخاصّة وصفتها التمثيليّة للديانات السماويّة، رافضاً مصادرتها من أي طرف كان لاسيّما سلطات الاحتلال الإسرائيلي. وحذّر من التداعيات الناجمة عن مثل هذه القرارات. داعياً إلى تحرّك عربي عاجل يكون على مستوى هذا التحدّي الخطير الذي يطال المسلمين والمسيحيين على السواء، باعتبار أن القدس الشريف هي عاصمة دولة فلسطين المستقلّة»(1).

◄ كما أكّدت القمّة الروحيّة المسيحيّة الإسلاميّة التي عقدت في
بكركي نهار الخميس في 14/12/2017، على أن «تهويد القدس هو تحدّ لثلاثة مليارات شخص… وأن قرار الرئيس الأميركي ترامب الاعتراف «بالقدس عاصمة إسرائيل» يسيء إلى ما ترمز إليه مدينة القدس وهو مبني على حسابات سياسيّة… لا سيّما أن القدس تزخر بمواقع تاريخيّة مقدّسة لدى الديانات التوحيديّة وليست مدينة عاديّة كغيرها من مدن العالم لها موقع مميّز في ضمائر مؤمني هذه الديانات…».
وأشار البيان الختامي لقمّة بكركي إلى أنّ «أصحاب القداسة والغبطة والسماحة يرفضون هذا القرار ويطالبون بالرجوع عنه فضلاً عن مخالفته القوانين والمواثيق الدوليّة… وإن القدس الشرقيّة هي عاصمة دولة فلسطين…» (2).

◄ نهار الجمعة في 8/12/2017 انعقد مجلس النواب اللبناني
بدعوة من رئيسه الأستاذ نبيه بري في جلسة خاصة كرست لمناقشة خطورة خطوة الرئيس الأميركي حيال القدس والتداعيات المحتملة للقرار على الصعيد الفلسطيني والعربي والدولي.

كما جاء في البيان الختامي للقمّة الإستثنائيّة لمنظمة التعاون
الإسلامي المنعقدة في إسطنبول نهار الأربعاء 13/12/2017 ما يلي: «نرفض وندين بأشدّ العبارات القرار الأحادي غير القانوني وغير المسؤول للرئيس الأميركي ترامب، ونعتبره لاغياً وباطلاً، واعتداء على الحقوق التاريخيّة والقانونية والطبيعية والوطنية للشعب الفلسطيني، وتقويضاً متعمّداً لجميع الجهود المبذولة لتحقيق السلام، ويصب في مصلحة التطرف والإرهاب ويهدّد السلم والأمن الدوليين». على هذا الأساس، تعلن القمّة الإسلاميّة أن «القدس الشرقية هي عاصمة لدولة فلسطين وتدعو الدول إلى أن تعترف بدولة فلسطين وبالقدس الشرقيّة المحتلّة عاصمة لها، مؤكدين أن على واشنطن أن تنسحب من دورها في عمليّة السلام»(3).

توصية مجلس
النواب اللبناني

إن مجلس النواب اللبناني المجتمع في 8 كانون الأول سنة 2017 لبحث موضوع القرار الأميركي بخصوص القدس الشريف، يعتبر أن القرار المتعلق بنقل السفارة الأميركية والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل يقود إلى الحروب ويهدد الأمن والسلام الإقليمي والدولي ويشكّل غطاء للاحتلال الإسرائيلي وعدوانيته وعملياته الاستيطانية وكل تجاوزاته على القوانين الدولية والإنسانية. كما أن القرار يشجع النوايا العدوانية الهادفة لأسرلة وتهويد فلسطين، ويهدد الآثار الناجمة عن ذلك بتنفيذ مشاريع التوطين وتذويب الشعب الفلسطيني وشطب القضية الفلسطينية تمهيداً لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية في المنطقة العربية.
إنّ مجلس النواب إذ يستنكر ويدين هذا القرار يؤكد أن بناء وصنع السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط إنما ينطلق من تأكيد الحقوق والأماني الوطنية للشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس وفي تنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولية المتعلقة بالأراضي العربية.
والمجلس يؤكد على:
1- دعم حق الشعب الفلسطيني في مقاومته ونضاله المشروع
للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي لنيل كل حقوقه في العودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
2- الرفض الشديد لموقف الإدارة الأميركية بشأن إقفال مكتب
منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.
3- إدانة قرار الاحتلال الإسرائيلي الاستمرار في مشاريعها
الاستيطانية الاستعمارية في أراضي دولة فلسطين المحتلة.
4- إخلاء سبيل البرلمانيين الفلسطينيين المختطفين والمعتقلين في
سجون الاحتلال أو الموقوفين إدارياً مما يستوجب موقفاً عقابياً رادعاً من قبل البرلمانات والمنظمات البرلمانية الإقليمية والدولية وعلى رأسها الاتحاد البرلماني الدولي.
5- دعمه للمصالحة الوطنية الفلسطينية من خلال منظمة
التحرير الفلسطينية وتوجيه الطاقات كافة لاستكمال مسيرة الاستقلال الناجز بعودة اللاجئين إلى ديارهم وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة.
6- توجيه كل الجهود العربية والإقليمية لوضع الإمكانات كافة
في سبيل إيصال الفلسطينيين لحقوقهم وتجنب كل الصراعات الأخرى.
7- إبلاغ هذه التوصية إلى الإدارة الأميركية باسم الشعب اللبناني
والحكومة اللبنانية ولأعضاء مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، واعتبارها وثيقة رسمية باسم الشعب اللبناني.
بيروت في: 8/12/2017
رئيس مجلس النواب
نبيه بري

القدس
في التاريخ

د. صالح زهر الدين

في السادس من كانون الأوّل 2017، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وثيقة أطلق عليها «وثيقة الوعد» الرسميّة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد توقيعه عليها في البيت الأبيض. معلناً في الوقت نفسه أن القرار تأخّر، فأقدم حيث لم يجرؤ أيّ من أسلافه في البيت الأبيض، وهذه الوثيقة تقضي بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس…
وحده بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) هتف قائلاً: «هذا يوم تاريخي»، ثم ألا نستطيع القول، أن هذا الإعلان الترامبي هو «وعد ترامب» الأميركي مثلما هو «وعد بلفور» البريطاني واستكمالاً له؟
أليس هذا الإعلان الأميركي هو بمثابة «القرار الأخطر» في التاريخ الفلسطيني، الذي يعادل قرار «إقامة دولة الاحتلال الصهيوني» على أرض فلسطين العربية؟ أليس هذا «الوعد الترامبي» بخصوص القدس.
في ضوء ذلك نتساءل: لماذا القدس اليوم؟ وما أهميتها في التاريخ ماضياً وحاضراً ومستقبلاً؟ وماذا عن مصيرها ومقدساتها بعد قرار الرئيس الأميركي ترامب بشأنها؟ وما الموقف والاقتراحات إزاء ذلك؟
قال أحد الكتاب: إذا طُلِبَ من إنسان أن يعرّف عن نفسه، فإنه يقدم بطاقة هويته الشخصية أو جواز سفرٍ، أو إخراج قيد، أو ما شابه. وإذا طُلِبَ من أمّة أن تعرّف عن نفسها، فإنها تقدم علماءها ومفكّريها ومؤرّخيها وأطباءها ومهندسيها وفنّانيها وعباقرتها وأبطالها، كبطاقة تعريف لها… لكننا نحن بدورنا نقول إنه إذا طُلب من القدس أن تعرّف عن نفسها، فإنها ستقول بلا شك إسألوا التاريخ، لأن «الـقـدس مدينة التاريخ، وكأنها والتاريخ توأمـان لا ينفصمان»(1).
والجدير بالذكر، أن السيد المسيح عليه السلام دخل القدس راكباً على حمار تحقيقاً لنبوءة زكريا، واستُقبل بسعف النخل دلالة على انتصار كلمة الحق، وشرع في الوعظ ملقيا خطبة إثر أخرى. غير أنه أظهر غضباً كبيراً عندما رأى في ساحة الهيكل الباعة والبضائع وحركة التجارة، فطردهم صارخاً: “بيتي بيت الصلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص”. بعد ذلك حاور كهنة اليهود ناقضا عليهم جمود الروح، ومرّة أخرى تصبح البقعةُ التي تقوم عليها القدسُ وما حولها اصطفاءً إلهياً لنشر العدالة في الأرض … وأخيراً توّجت أمجادُ الصبغة المقدسة للمدينة، باختيارها من قبل الباري سبحانه وتعالى، كموضع صلة بين السماء والأرض، إذ أسرى بالنبي الكريم إليها، ومنها عرّج إلى السماء، فكان أن اتخذ من المسجد الأقصى قبلة أولى للمسلمين(2)﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ1﴾ (سورة الإسراء). و«لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلّم (في المدينة المنوّرة)، والمسجد الأقصى» (رواء مسلم عن أبي هريرة).والـواقع، أن ما يجري الـيـوم مـن «توأمة» مـدن وقرى ومدارس ومستشفيات وغيرها في العالـم لن يصل إلى أهم «توأمة» في التاريخ ولن يشهد التاريخ بعدها «توأمة» بهذه الأهمية. تلك «التوأمة القرآنية» التي جمعت القدس بمكّة المكرّمة.
بعد أن أصدر الرئيس الأميركي (دونالد ترامب) قراره الشهير بشأن القدس، فإننا نستطيع القول أنّه إذا كان الناس في الماضي يستعينون بالنجم القطبي والبوصلة في تنقلاتهم، فإننا اليوم، بالنسبة للقدس والمقدسات، بحاجة إلى «قطب» وإلى بوصلة أيضاً، تدعى «بوصلة القدس»، لا تتجه إبرتها نحو الشمال – كما هو متعارف عليه – بل تتجه إلى هناك. إلى القدس وفلسطين فقط… لأنه لا‎ ‏ يمكن أن يوجد في العالم قضية يجب أن يتفق عليها العرب والمسلمون بحجم قضية القدس، فالقدس هي أرضُ الله ولا يمكن التنازل عن أرض الله مهما كانت النتائج، وإلا لن نكون جديرين بالانتماء الحق لرسالة السيد المسيح عليه السلام ولرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، ولا لمدينة الله ومدينة السلام، التي رأى فيها الشاعر الإيطالي «دانتي» محورَ الكون، وبلغت من السموّ مركزاً قلَّ أن بلغه مكان آخر في العالم(3).
والحقيقة أن شعار «الـيـهـود شـعـب الله الـمختار» وشـعـارَ «الأرض الموعودة» يقول عنهما البابا الأنبا شنوده الثالث: «إن اليهود جاؤوا إلى فلسطين (التي يسمّونها الأرض الموعودة) ليس بوعد من الله، بل بوعد من بلفور»(4). الذي كان «أوّل وثيقة لخلق أوّل وطن قومي يهودي»(5)، ورغم ذلك، ستبقى القدس لؤلؤة العرب والمسلمين وضمير الأمّة، وأرضها من أقدمِ مواطن الإنسان، ولقد اختصّها الله بفضله دون بقاع أرضه فكانت من أقدم بقاع الأرض التي عرفت التوحيد ومهبط الرسالات السماوية ودرج على أرضها رسل كرام.
على هذا ستبقى القدس حاضرة فينا حضور القداسة في مقدساتها، وحضور العدل في ميزان العدل… حاضرة فينا حضور المسيحية في السيد المسيح عليه السلام، وحضور الإسلام في النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم… وعندما كان من المستحيل أن تتبرأ المسيحية من مسيحها، وأن يتبرأ الإسلام من نبيّه الكريم، فمن المستحيل أن تغيّب القدسُ عنا، فهل نغيب عنها؟
في معرض ذلك، لا بد من الإشارة إلى بعض ما تطرّق إليه «الأب الروحي» للصهيونية الدكتور تيودور هرتزل، حيث قال: «إذا حصلت يوماً على القدس وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء، فسوف أزيل ما هو غير مقدس لدى اليهود، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها القرون»(6).
أليس ما يجري حالياً – وما جرى – في القدس هو التعبير الحيّ عمّا ذكره هرتزل؟… فلو كان هذا الكلام الهرتزليّ بمثابة ‎«وصيّة»،‏ لما كان اليهود ينفذونه بهذه الدقّة وبهذه الروحية الهرتزلية الصهيونية…
وفي هذا الإطار، قال دافيد بن غوريون أيضاً: «إذا أردنا خلاصاً يهودياً مئة في المئة، فلا بدّ من استيطان عبري مئة في المئة، ومزرعة عبرية مئة في المئة، ومرفأ عبري مئة في المئة..»(7). وبالطبع فإنه يتضمن القدس كحلقةٍ مركزيةٍ في السلسلة اليهودية، لذلك نرى بن غوريون يقول: «لا قيمة لإسرائيل بدون القدس ولا قيمة للقدس بدون الهيكل»(8).
والجدير بالذكر، أن اليهود بارعون صهيونياً بفبركة «مطابخ الأفكار» و«مـصانع الـمـزاعـم والادعاءات» وليس زعـمـهـم وادعاؤهم بـ «يـهـودية» القدس، إلا من هذا القبيل والتي تعود إلى أيام النبيين داوود و سليمان (ع)، في أعقاب احتلال القدس في القرن العاشر ق. م. حيث لم تدم سيطرتهما عليها أكثر من 70 عاماً… بينما تؤكد وثائق التاريخ وآثاره (كما سنرى لاحقاً) أن القدس مدينة عربية كنعانية: وليست يهودية حكمها العرب أكثر من ثلاثة آلاف سنة، بينما حكمها اليهود حوالي 70 سنة فقط… فحقائق التاريخ إذن، أصدق من اليهود ومزاعمهم وأباطيلهم، ولن تغيّر القوّة شيئاً من هذه الحقائق، مهما برعت أيادي التشويه والتحريف والتزوير في هذا الفن… فالقدسُ التي دخلها الملك داوود واحتلها لم تكن مدينة داوود، ولا مدينة اليهود، بل كانت مدينة موجودةً وقائمةً بذاتها، ولم يبنها داوود… وقد أكّدت كل الحفريات التي قامت بها كل البعثات الأجنبية واليهودية أنها لم تقدم حتى الآن أي دليل أو أثر يهودي يعود إلى عصر داوود وسليمان في منطقة القدس، والأقصى تحديداً….
من هذا المنطلق، فقد تعرضت القدس بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى ما يشبه «ضربة السكين» في سنة 1948، فشطرتها إلى قسمين. فبعد أن أعلن قيام دولة الاحتلال الصهيوني في منتصف شهر أيار 1948، ونشبت المعارك العربية – الإسرائيلية على هذا الأثر، تعيّن الخط الفاصل بين الجزء الغربي من القدس، والجزء الشرقي منها بتاريخ 22 تموز 1948، ثم وقّع الأردن مع دولة الاحتلال الصهيوني اتفاقية وقف إطلاق النار على الجبهة الشرقية في 30 تشرين الثاني 1948، وتبعتها اتفاقية هدنة وقّعها الطرفان في 3 آذار 1949… وبتوقيع هذه الاتفاقية تمّ في الواقع تأكيد حقيقة اقتسام مدينةِ القدس بين الطرفين: الجزء الغربي الموجود فيه الجيش الإسرائيلي لإسرائيل، والجزءُ الشرقي الذي كان تحت سيطرة الجيش الأردني للأردن(9). وبعد حرب حزيران 1967، وقعت القدس الشرقية تحت الاحتلال وبدأت إجراءات تهويدها على قدم وساق، ولا تزال منذ ذلك الوقت، والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تعمل تارة بالسرّ وتارة بالعلن على تهويد المدينة المقدسة وتوسيع بؤر الاستيطان، ووضع البرامج المنظمة والمكثفة لبلوغ هذا الهدف. وقد جاء قرار ترامب اليوم تتويجاً لكل هذه الإجراءات المخالفة للقرارات الدوليّة…
ففي 7 حزيران 1967 – مثالاً- بعد أن احتلت القوات الإسرائيلية القدس القديمة، وأحكمت قبضتها على المدينة برمتها، تقدم «موشي دايان» و«شلومو غورن» حاخام الجيش الإسرائيلي في اليوم التالي ليقف على رأس ثلّة من الجيش بالقرب من حائط المبكى -ـ الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف – ويقيم الشعائر الدينية اليهودية معلناً في ختامها: «إن حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية»(10)، وكذلك قال دايان: «لا فراق بعد اليوم، ولا عزلة، ولا ابتعاد. سنبقى معاً: الشعب والأرض والحائط».
بعد ذلك التاريخ، وسلطات الاحتلال الصهيوني تواصل حملات وإجراءات التطبيق لمخططات الضم بغية ضمان السيطرة على القدس عسكرياً وجغرافياً وسكانياً ولم يكن ليتسنّى لها ذلك دون أن تحقق السيطرة الاستراتيجية والسيطرة الديموغرافية، وذلك عبر التوجهات التالية:
1- السيطرة الجغرافية على أكبر مساحة مختلفة من الأراضي
المحيطة بالمدينة عن طريق مصادرة الأراضي والاستيطان وإقامة شبكة طرق.
2- عزل التجمع السكاني العـربي في القدس عن التجمعات
السكانية العربية في الضفة الغربية.
3- تطويق القدس بأحزمة استيطانية متصلة قوية، على شكل
تجمعات سكانية تحقق إقامة عازل سكاني يهودي بين القدس وخارجها من جهة، وتحقق سيطرة استراتيجية على التجمّعات العربية داخل القدس من جهة أخرى.
4- تصميم الضواحي الاستيطانية بأساليب بناء فاصلة تخدم
الغرضين: المدني في حالة السلم، والعسكري في حالة الحرب(11).
وبالفعل فقد أقدمت دولة الاحتلال الصهيوني على ضم القدس إدارياً وسياسياً وقضائياً للسيادة الإسرائيلية بتاريخ 28 حزيران 1967، مُقدمة بعد ذلك على سلسلة من الإجراءات على طريق «القضـم والهضـم والضـم» وفق مخطّط «الطرد الصامت والتفريغ الصامت والتهويد الصامت» (والصارخ في الوقت نفسه)، لكامل المدينة. ومن أبرز هذه الإجراءات ما يلي:
1- حل مجلس أمانة القدس العربي ومصادرة سجلاته وأملاكه
المنقولة وغير المنقولة وإلغاء كافة القوانين السائدة واستبدالها بالقوانين الإسرائيلية وإجبار عرب القدس على مراجعة المحاكم الإسرائيلية.
2- مصادرة 131 ألف دونم دفعة واحدة إضافة إلى عشرات
العقارات وأربعة أحياء عربية كاملة وهدم 720 منزلاً ومزرعة داخل أسوار المدينة وإجلاء السكان عنها بالقوة.
3- إحراق المسجد الأقصى بتاريخ 21 آب 1969 وإصدار أمر لليهود
بالصلاة داخل الحرم الشريف إضافة إلى القيام باعتداءات متواصلة على عدد من الكنائس المسيحية، ومنها كنيسة القيامة وممارسة الضغوطات المتواصلة على رجال الدين المسيحي للتنازل عن أملاك أراضي كنائسـهـم، مما أدّى إلى انخفاض عدد رجال الدين المسيحي إلى الثلث والأراضي إلى النصف. ومن المعروف بأن الذي أحرق المسجد الأقصى كان الأسترالي الماسوني «دينيس مايكل روهان» بتكليف من جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) وتنسيق منه مع المحفل الماسوني الأسترالي.
4- قامت السلطات الإسرائيلية بإغلاق كل المصارف (البنوك)
العربية ومصادرة أموالها وإجبار عرب القدس على التعامل مع البنوك الإسرائيلية.
5- منعت السلطات الإسرائيلية التعليم العربي وصادرت الكتب
العربية وطردت المعلمين العرب، أو أبعدتهم إلى الخارج.
6- منعت جميع العرب «الغائبين» أثناء القتال عام 1967 من
العودة وصادرت أملاكهم ويقدّر عددهم بعشرات الآلاف.
7- أغلقت – ولم تزل تغلق – المؤسسات الفلسطينية الدينية
والخيرية والطبية.
8- قامت باستبدال أسماء الشوارع والساحات بأسماء إسرائيلية
لطمس المعالم العربية والإسلامية في المدينة.
9- إنشاء أحياء يهودية داخل وخارج السور وإقامة محيط كامل
من المستوطنات والمساكن والمتاجر اليهودية والمصانع والمنشآت الإسرائيلية.
10- فتح النوادي والملاهي الليلية الاستفزازية قرب المساجد كما
حدث قرب مسجد سعيد في البلدة القديمة.
11- مصادرة شركة كهرباء القدس العربية ووضعها تحت تصرف
الحاكم العسكري الإسرائيلي.
12- فتح باب الهجرة أمام اليهود وتشجيعهم على الإقامة في
القدس وتقديم الأراضي مجاناً.
13- نقل الكثير من المؤسسات اليهودية إلى القدس الشرقية وفي
مقدمتها «الوكالة اليهودية» و«المنظمة الصهيونية» وبعض المقرّات الحكومية الإسرائيليّة…
14- تشجيع الدول الأجنبية على نقل سفاراتها من تل أبيب إلى
القدس، وقد وافقت الولايات المتحدة الأميركية على هذه الخطوة الاستفزازية بعد موافقة الكونغرس على شراء أراض وإقامة السفارة الأميركية عليها، على أن يتم نقل السفارة من تل أبيب إلى المبنى الجديد في القدس بحلول عام 1999»(12). مع العلم أن الأساقفة الكاثوليك الأميركيين (الذين يتبعون للفاتيكان)، أعلنوا معارضتهم لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، بلسان الأب «بريان هير Brian Hair ‎» أمين لجنة «العدل والسلام» في الولايات المتحدة(13).
15- متابعة أعمال التنقيب والحفر التي بدأت منذ سنوات طويلة،
رغم أنه لم يتم الكشف عن أي آثار يهودية في المنطقة، وحتى في مدينة سلوان نفسها (التي يطلق عليها بالعبري «مدينة ‏داوود») وتقع جنوب شرقي الحرم الشريف، واكتشف فيها ثلاثة من علماء الآثار ‏اليهود وهم: جدعون أفني، وروني رايخ، ويائير بيكوفيتش، اكتشفوا منذ‎ سنوات قليلة، شارع «ملكي صادق» (اليبوسي الكنعاني العربي)، وقد نشرت‎ جريدة «يديعوت أحرونوت» نتيجة أبحاثهم هذه (التي لم تعجب بالطبع الساسة‎ ‏الإسرائيليين) وقال هؤلاء العلماء بجرأة: «إننا نحني رؤوسنا احتراماً ‏لليبوسييين الكنعانيين الذين خلقوا هذه المدينة والحضارة العظيمة، وقد كانت‎ ‏مدينة القدس اليبوسية هذه ضعف مدينة القدس الحالية(14).‎
‏ومما لا شك فيه، أن اكتشاف هؤلاء العلماء الأثريين اليهود له أهمية‎ ‏بالغة، باعتباره ينسف كل مزاعم اليهود وادعاءاتهم بشأن القدس ومقدساتها.‎ ‏وهذا ما يؤكد بأن القدس (كما أسلفنا) ليست مدينة داوود. بل هي مدينة كانت‎ ‏قائمة، فدخلها داوود ولم يبنها أبداً… إنها كنعانية يبوسية عربية وليست ‏يهودية… حكمها العرب منذ ثلاثة آلاف عام، بينما لم يحكمها اليهود أكثر‎ من 70 سنة فقط أيام داوود وسليمان، أي بنسبة 2% فقط من سنوات الحكم‎ الإجمالي لهذه المدينة… وكما قال ‏عنها المؤرخ عارف العارف «إنها أقدم‎ بقعة ذكرها التاريخ آمنت بالله الواحد لا شريك له يشمل بعنايته جميع الخلق»(15).
بالمقابل أوضح تقرير سرّي أعدّته لجنة خبراء مختصّين إسرائيليين، يقضي بوضع حلول سريعة لفرض السيطرة والسيادة الكاملة على القدس الشرقية، على الشكل التالي:
شكلت الحكومة الإسرائيلية لجنة خاصة لوضع الحلول اللازمة برئاسة وزير الأمن الداخلي «أفيغدور كهلانى» وعضوية أبي بلوشتاين، الدكتور صموئيل برنر، شالوم غولدشتاين مستشار رئيس بلديّة القدس للشؤون العربيّة، ومندوبي الأجهزة الأمنية المختلفة – الشرطة، الموساد – الشاباك (شين بيت) – وبقيت اللجنة تعمل على مدار سبعة أشهر، فعقدت لقاءات عديدة مع كبار المسؤولين في الوزارات، وبلورت خطة عمل منظمة تتضمن تعزيز احتلال القدس الشرقية.
هذا ما صرّح به صموئيل برنر لراديو الجيش الإسرائيلي، والذي أضاف: إذا لم تؤخذ هذه المقترحات بعين الاعتبار، فإن القدس الشرقية ستبقى تحت رحمة الفلسطينيين عشرين عاماً آخر.

وكانت توصيات هذه اللجنة على الشكل التالي:
أولاً: طالبت اللجنة بفرض السيطرة والسيادة على القطاع الصحي بالكامل، حيث لاحظت أن هذا القطاع هو فلسطيني 100%، مع العلم أن السلطات الإسرائيلية منذ 1967، لم تقدم لهذا القطاع شيئاً أبداً… كما طالبت، ليس فقط بتعيين مديرين يهود للمشافي، وأن تشرف الوزارة على توزيع واستيراد الدواء، بل طالبت كذلك حتى بتغيير الأسماء العربية للمشافي.
ثانياً: ذكر التقرير أن كل المعامل والمصانع والمشاغل موجودة في القدس الغربية مما جعل الهواء ملوثاً وغير صحي 100%، عكس القدس الشرقية، حيث لا يزال هواؤها نظيفاً وغير ملوّث. وقد انعكس ذلك على كل المظاهر الحياتية الأخرى، وخاصة السياحة… فطالبت اللجنة بتوصياتها توزيع المعالم بالمناصفة بين القدس الشرقية والقدس الغربية، للتخفيف من حدة التلوّث على الأقل.
ثالثاً: لاحظت اللجنة أن الطابع العربي الشرقي الخالص بات ميزة واضحة في شرقي المدينة حيث أصوات المؤذّنين وانتشار المساجد وصلوات الجمعة والشوارع الضيقة، والأبنية الشرقية، فأوصت اللجنة بإصدار قرار يمنع «مكبرات الصوت» في المساجد التي تثير «الضجة الدائمة» في المدينة، وتشحن نفوس السكان، بالقوّة؛ كما طالبت اللجنة بإصدار أمر فوري بإيقاف بناء المساجد في كل أنحاء المدينة وتوسيع الشوارع وهدم عدد من المساجد بهذه الحجة.
رابعاً: يجب العمل فوراً على منع الباعة المتجوّلين في كل أنحاء المدينة، لأن هؤلاء معروفون على أنهم عيون للمنظمات الفلسطينية كما يقول الناس.
خامساً: يجب التسريع باتخاذ خطوات سريعة جداً في سبيل إقامة وحدات استيطانية وأبنية ذات طابع يهودي خالص لأن الطابع العربي لم يزل مهيمناً تماماً على القدس الشرقية، لذلك يجب تغيير أسماء الشوارع والحارات… وحثّ كافة الوزارات على فتح مكاتب وفروع خدمات ومساكن للموظفين اليهود وإقامة محطات شرطة إسرائيلية بالسرعة الممكنة.
سادساً: لفت التقرير نظر المسؤولين إلى شيء هام جداً وهو خطباء المساجد والمؤذّنين حيث يتبع هؤلاء إلى مكتب الشيخ حسن طهبوب وزير الأديان في السلطة الفلسطينية ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى في القدس، والمشرف على النشاطات الدينية والأعياد… والشيخ طهبوب هو المسؤول عن تعيين خطباء المساجد والمؤذنين والإشراف على كتابة خطبة الجمعة في كل المساجد والتي من خلالها يحثّون الناس على عدم التعامل مع «إسرائيل» ويحذّرون من بيع الأراضي أو إسكان اليهود، ويهدرون دم كل شخص يبيع أرضاً لليهود… كما يشرف الشيخ طهبوب على الجمعيات الخيرية التي تقوم بترميم البيوت القديمة المتصدّعة… لذلك أوصت اللجنة في تقريرها بطرد الشيخ حسن طهبوب إلى خارج القدس وإغلاق مكتبه في شرقي القدس، كما أوصت اللجنة بإغلاق المساجد يوم الجمعة والاكتفاء بمسجد واحد فقط، ومصادرة الوقف الإسلامي ووضع لجنة خاصة للإشراف تتبع لوزارة الأديان الإسرائيليّة.
سابعاً: قضى التقرير أيضاً بضرورة إدخال الشرطة الإسرائيلية إلى المدينة وتقاسم العمل مع الشرطة الفلسطينية إلى أن يحين طردها خارج القدس… وكذلك ضرورة الإشراف على المحاكم في القدس الشرقية وعلى المحاكم الدينية إشرافاً مباشراً، وتعيين القضاة، وتنظيم مهنة المحاماة، وإبعاد كل محام غير ملتزم بالقوانين الإسرائيلية إلى أراضي الحكم الذاتي… كما أوصى التقرير بالإشراف التام على المناهج الدراسية ومنع ترديد الأناشيد الفلسطينية(16).
‎ هذا على الصعيد الصهيوني؛ أما على الصعيد الفلسطيني فقد كشف تقرير رسمي فلسطيني(17)، الممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ احتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس بهدف تهويدها وطمس معالمها العربية والإسلامية وتحقيق أغلبية سكانية فيها. تطرق التقرير إلى أبرز المستجدات في المخططات الاستيطانية التي تنشط لتنفيذها الجهات الرسمية والحركات الدينية المتطرفة صهيونياً.

الخطط الحكومية
أولاً: خطة المدراء العامين في لجنة شؤون القدس
المشكّلة من عدة وزارات إسرائيلية وتقوم على:
1- بناء 7500 وحدة سكنية في مستعمرة «هارحوماه» في جبل أبو
غنيم؛ وخصوصاً على الأرض التي أعطاها البطريرك الأرثوذكسي في القدس ثيـودوروس إلى بلدية القدس عام 1992 من الأراضي التابعة للكنيسة الأرثوذكسية في مار الياس على المشارف الجنوبية للقدس… إنها أحد أبرز مرتكزات عملية إقامة مستوطنة جبل أبو غنيم، فضلاً عن أنها «مشروع بالغ الخطورة لأنه يشكل آخر حلقة من حلقات الاختناق في سلسلة المستوطنات التي تزنّر (القدس الكبرى)(18). ‏
يضاف إلى الوحدات السكنية في منطقة جبل أبو غنيم هذه، 3500 وحدة سكنية في مستوطنة «بسغات زئيف»، وإضافة 3500 وحدة سكنية في مستوطنة «جفعات همطوس»: وفي بيت صفافا إضافة 2200 وحدة سكنية. هذا إلى جانب إقامة 3500 وحدة سكنية جنوباً، و6000 وحدة سكنية غرباً، وألفي وحدة سكنية في الوسط، وألفي وحدة سكنية شمالاً، إضافة إلى إقامة ألف وحدة سكنية في مناطق ضمّت للقدس عام 1992 من جهة الغرب… إنه العمل على مشروع «القدس الكبرى» الذي سيفقد القدس جمالها ويحوّلها إلى مدينة سكنية بعد أن كانت مدينة دينية سياحية، وقد وصف البروفسور «برونسفى» أحد كبار المهندسين الإيطاليين الأعمال التي تمت في بناء القدس بأنها انتحار جماعي نتيجة الفشل الذريع.(19)
2- تقديم مساعدات للمصانع في مستوطنات القدس بنسبة تزيد
عن 10% عن أعلى نسبة تقدم في مناطق التطوير الأخرى.
3- مساعدة المصانع في مستوطنة «عطروت» قرب قلنديا.
4- يحصل اليهود العاملون في الصناعات المتطورة في القدس على
إعفاءات ضريبية.
5- تخفيض أسعار السكن في المستوطنات بحيث لا يزيد سعر
الشقة عن 7 إلى 10 آلاف دولار.
6- تعبيد الشارع الشرقي ليستكمل طوق الشوارع المحيطة بالقدس
من الشرق والشمال والجنوب، ويوصف هذا الشارع بأنه «ذو أهمية أمنية وسياسية كبرى…».

ثانياً: خطة بلدية القدس الغربية:
لقد أعد مهندس إسرائيلي يدعى «يورام بوغل» خطة للبلدية تشمل بناء مساكن ومحلات تجارية ومنتزهات ومناطق صناعية وقد بدأ بتنفيذ المرحلة الأولى من المشروع قبل فترة وجيزة ويشمل:
1- إقامة مركز تسوّق على مساحة 50 ألف م2 وبرج بارتفاع
30 طابقاً، وحديقة تكنولوجية من 8 طوابق ومكاتب وكاراجات ومواقف سيارات.
2- إقامة ثلاثة جسور تشكل امتداداً بين التلة الفرنسية ومستوطنة
«بسغات زئيف».
3- توسيع الشوارع وبناء خط قطار ومركز تعليمي وآخر طبي،
وجسر يربط بين شقيّ مستوطنة «بسغات زئيف) بطول 250م وارتفاع 30م فوق الوادي.

ثالثاً: مشروع وزارة الإسكان الإسرائيلية وتتضمن: بناء 28949 وحدة سكنية في المستوطنات القائمة في محيط الخط الأخضر والقدس الكبرى، على أن يتم إنجاز 15 ألف وحدة سكنية منها مع نهاية عام 1998.

رابعاً: توسيع مستعمرة افرات: بناء 708 وحدات سكنية على التلّة المحاذية لمستوطنة افرات، وتعبيد شارع التفافي من منطقة «هيروديون» يلتف حول بيت ساحور وزعترة وينتهي في جبل أبو غنيم.

أما الخطط غير الحكومية: تتمثل بمواصلة أنشطة الجمعيات الاستيطانية بدعم حكومي في الاستيلاء على الأراضي والعقارات الفلسطينية، بهدف إنشاء أحياء استيطانية أفقية على شكل فيلات من طابق واحد لإسكان المتطرفين، ومن بين هذه المنظمات الاستيطانية جمعية «عطيرات كوهانيم» و«أمناء جبل الهيكل» وجمعية «ليوشناه» وغيرها، ومعظم هذه العقارات تقع في الحي الإسلامي وخصوصاً في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك… وكذلك الاستيطان في بلدة سلوان (التي يطلق عليها بالعبري «مدينة داوود»).. وأكثر عمليات الاستيلاء هذه تتم عن طريق تزوير وثائق وعقود ملكية، تقوم بها جمعية تدعى «ألعاد»، عبر ملفات الضريبة والطابو التي تحولها للمستوطنين.
يرافق هذه العمليات التي تأخذ طابع «حمّى الاستيطان»، تضييقات ضد المواطنين العرب ممنهجة ومكثفة وأكثر ما تتعلق بالأطفال المقدسيّين الذين ترفض سلطات الاحتلال تسجيلهم في هويات ذويهم، وبالتالي عدم الاعتراف القانوني بوجودهم وحرمانهـم من السكن والإقامة في القدس. وقد سحبت ‎هويات 470 عائلة مقدسية. إلى جانب 1425 عائلة يعتبرها الاحتلال الإسرائيلي في عداد فاقدي حق الإقامة. إضافة إلى مئات الطلاب المقدسيين الذين كانوا يدرسون في الخارج تلقّوا إخطارات بسحب هوياتهم… إنه مشروع خطير جداً يقضي بالاقتلاع من الجذور المقدسية والمستقبل المقدسي… لكن صمود ومقاومة عرب القدس وإرادتهم في الدفاع عن مدينتهم تتحدى كل الإجراءات، مما يتوجب علينا مساعدتهم ودعمهم بكل ما نستطيع انطلاقاً من واجبنا الوطني والقومي والديني والإنساني…
في هذا الإطار، نرى لزاماً علينا أن نشير إلى بعض العينات كنماذج صمود (ذكوري وأنثوي) في التعلق بالأرض والمقدسات والكرامة… ولعلّ نموذج «الحاج موسى الخالص» والسيدة «هناء أبو هيكل»، خير تعبير عن هذا الواقع. وهما من الذين رفضوا بيع ممتلكاتهم لليهود رغم الإغراءات الهائلة التي قدّمت إليهما…»(20). ‏

في ضوء هذا الواقع نستطيع تسجيل النقاط التالية:
أولاً: إن سياسة التهويد الإسرائيلية هي سياسة تقطيع الأوصال، واستئصال الجذور… لأن التهويد يعني محو كل ما هو غير يهودي (كما قال هرتزل) وجعل كل ما في المدينة المقدّسة ومن فيها من الحجر والبشر والشجر، يهودياً… إنها عملية شطب الماضي التاريخي والجغرافي والديموغرافي والحضاري من خارطة الوجود الإنساني للقدس – وفلسطين – واستبدالها بوجود لا صلة له ولا علاقة بهذه الأرض والتاريخ والحضارة، بمعنى استئصال الأصيل وزرع الدخيل… ذلك لأن القدس وفلسطين والشرق، مهد الأديان السماوية ومهد الحضارات الإنسانية.
ثانياً: هناك مجسّم للقدس، ومـجـسـّم آخر للهيكل، أعدّهما يهود الولايات المتحدة الأميركية، ويعملون على تنفيذه في الفرصة المناسبة، بينما ينتظر العرب والمسلمون لكي يهدم المسجد الأقصى ليتحركوا؟ وكم من المرات انتهك الصهاينة حرمته ودنسوا مقدساته، ولم يُواجهوا إلا بالشجب والاستنكار؟
ثالثاً: إن تهويد القدس يعني صرف الاهتمام الإسلامي والمسيحي بمصير المدينة المقدسة… وإن الهدف الصهيوني من تهويد القدس هو محو طابع القداسة والتقديس عنها، بمعنى تهويد القداسة، وإفراغها من قدسيّتها…
رابعاً: إن احتفالات اليهود بالذكرى الألفية الثالثة للقدس معناها: «ليس الجانب التاريخي فقط، وإنما الظهور أمام العالم بمظهر أنهم أصحاب الحق بالمدينة، وإن علاقتهم بها تفوق علاقة أي شعب آخر… وبالتالي دفع العالم للاعتراف بالقدس «كعاصمة أبدية لإسرائيل» من خلال فرض الأمر الواقع»(21).
خامساً: يقول البعض إنه لو قرأ المسؤولون الغربيون كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر قبل نشوب الحرب العالمية الثانية عام 1939، لكانوا قد جنّبوا ‎العالم معظم كوارث هذه الحرب ومآسيها، ونحن بدورنا نقول أنه لو قرأ المسؤولون العرب كتاب بنيامين نتنياهو «مكان تحت الشمس.. إسرائيل والعالم»، قبل وصوله إلى الحكم (وبعده) لوفّروا على أنفسهم كثيراً من عمليات: الاستهجان والاستغراب لسياسة نتنياهو هذا، باعتباره ينفذ «برنامجه الاستراتيجي» المعلن…
سادساً: إن دينيس مايكل روهان (الذي أحرق المسجد الأقصى عام 1969) وباروخ غولدشتاين (الذي نفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي) وتاتيانا سوسكانيد (التي رسمت شكلاً للنبي الكريم ينمّ عن حقدها ووقاحتها وبعدها النيل من السيدة العذراء) ليسوا سوى «الصنف النموذجي النقي» الذي سيشكل «دولة اليهود» في فلسطين المستقبل… التي ستسمى «دولة إسرائيل».
سابعاً: إن إيماننا بعروبة القدس وإسلاميتها هو إيمان واحد وثابت لا يقبل الخلل ولا الزعزعة ولا التجزيء، لأن القدس واحدة ولا تقبل التجزيء أيضاً… وإن مخطط الاقتلاع والتهويد لا يقتصر على المقدسيين فقط، بل يطالنا جميعاً كعرب ومسلمين في الصميم أينما كنا… والفرق كبير جداً بين التاريخ العربي للقدس، والتاريخ العبري العابر فيها…
ثامناً: إذا كان «وعد بلفور» في القرن العشرين منذ 100 سنة، يضم 67 كلمة / قد غيّر تاريخ المنطقة، فإنّ «وعد ترامب» بخصوص القدس، يحتوي 1200 كلمة في 13 دقيقة، يكرّس وعد بلفور ويعطيه الشرعيّة الدولية في القرن الحادي والعشرين…
فأيّة تداعيات سيحملها «وعد ترامب» تجاه القدس خصوصاً، وتجاه فلسطين والعرب بشكل عام في ظل «استراتيجيّة» الشجب والاستنكار اللفظي والبيانات الورقيّة التي تمحو السنين والأيام حبرها.
وإذا لم ينتقل العرب والمسلمون من حالة «ردّة الفعل» إلى حالة «الفعل» للمواجهة والتحدّي، فإن الأمور سائرة نحو الانهيار الكارثي المأساوي… وليس بغير الوحدة العربية وتوحيد قواها يمكن أن يكون الرد على وعدي بلفور وترامب معاً…

► الصورة المقابلة:
المسجد الأقصى الذي حاول الإعلام الصهيوني محو صورته من أذهان العرب والعالم.

شريط الانتفاضات والهبّات والثورات المقدسيّة ضدّ الاحتلال
اعداد د. صالح زهر الدين

انتفاضة موسم النبي موسى (1920)
كانت أولى الانتفاضات الشعبية الفلسطينية بعـد الاحتلال البريطاني انطلقت مـن باب الخليل غربي البلدة القديمة، بعـد اعتداء مستوطن علـى بيرق (رايـة) أهـل الخليل. استشهد فيها أربعـة مـن الفلسطينيين وقتل خمسـة مـن اليهـود، كانت هـذه المعركة ضربة البدايــة لثورة استمرت خمسـة أيام فـي القدس قتل فيها تسعة مـن اليهود.

ثورة البراق (1929)
هي أول ثورة تشتعل في فلسطين ضد الاحتلال البريطاني، اندلعت عقب تنظيم حركة «بيتار الصهيونية لمظاهرة ضخمة يوم 15 آب/ أغسطس 1929 في شوارع القدس إحياء لما قالت إنها ذكرى تدمير «هيكل سليمان» وأدت إلى تصاعد المواجهات التي اندلعت بداية قرب حائط البراق في المسجد الأقصى، ومن ثم عمّت أرجاء الأراضي الفلسطينية.

الثورة الفلسطينيّة الكبرى (1936)
انطلقت في 20 نيسان/ أبريل 1936 بعد إضراب دام ستة أشهر وترافقت مع عمليات نوعية للثوار في القدس، تُعدّ من أضخم الثورات الشعبية التي قام بها الشعب الفلسطيني ضد المستعمرين الإنجليز واليهود المهاجرين إلى فلسطين، واستمرت ثلاث سنوات متواصلة.

هبة النفق (1996)
انطلقت فـي 25 مـن أيلول/ سبتمبر 1996، على أثر فتح سلطات الاحتلال لباب النفــق الغربـي أسـفل المسـجد الأقصى. وذلك فـي فترة حكــم بنيامين نتنياهو الذي كلف رئيــس بلديـة الاحتلال آنذاك إيهـود أولمرت بافتتاحــه. ودارت مواجهــات مـع الفلسطينيين فـي مختلف أنحاء فلسطين المحتلة على مـدار ثلاثة أيام.

انتفاضة الأقصى الثانية (2000)
انطلقت عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك «أريئيـل شـارون» لباحـات المسجد الأقصى، تحت حماية نحو ألفين مـن الجنـود والقوات الخاصة، ما أدى لاستشهاد 7 فلسطينيين وإصابة 250 برصاص الاحتلال خلال ساعة الاقتحام وارتقى خلال الانتفاضة التـي امتدت لـ 5 سنوات آلاف الشهداء إضافـة إلـى 48 ألفاً و322 جريحاً.

انتفاضة القدس (2015)
شكلت إجراءات الاحتلال وإصـرار المستوطنين اليهود علـى اقتحام باحات الأقصى ومحاولة فرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، والاعتداء على المقدسيات، أسـباباً رئيسية لاندلاع انتفاضـة القـدس: أوائل تشـرين أول/أكتوبـر 2015. وتميزت انتفاضـة القدس بطابع العمل الفردي، عبـر عمليات طعـن ودهـس لجنـود إسرائيليين ومسـتوطنين بالضفـة الغربية والداخل المحتـل والقدس.

هبة باب الأسباط (2017)
شهدت مدينة القدس وضواحيها انتفاضة شعبية واسعة، نتيجة لمنع قوات الاحتلال المصلين مــن دخــول المسجد الأقصى، وفرض تدابيـــر مشددة مـن بوابــات إلكترونيـة وكاميـرات عقـب عملية فدائيــة لثلاثـة شبان مــن عائلة الجباريــن. انتصـر الفلسـطينيون بإصرارهـم ووعيهـم ووحدتهــم أمــام صلـف المحتـل وجبروتـه.

وأخيراً فالسلام مرهونٌ بـ «مدينة السلام»… وإذا لم تعرف السلام مدينة السلام… فستبقى أرض فلسطين والمنطقة أرضاً للتوتر والحروب لا للسلام.

د. رامي أديب عز الدين

قرار «ترامب»:
نقل السفارة الأميركية إلى القدس
من وجهة نظر القانون الدولي

بتاريخ 6 كانون الأول / ديسمبر 2017، أعلن رئيس الولايات المتحدة رسمياً اعتراف إدارته بالقدس (المحتلة) عاصمة لإسرائيل. وصرّح بأنه سينقل السفارة الأميركية من تل ابيب إلى القدس، في خطوة سبقتها وتلتها إدانات وانتقادات وتحركات شعبية واسعة، عربياً ودولياً، إلاّ عند الإسرائيليين حيث صرح نتنياهو بعد ساعات قليلة من صدور القرار ان تاريخ إسرائيل (المجيد) كان يُختصر بثلاثة محطات وأصبح يختصر بأربعة:
– وعد بلفور 1916
– إعلان دولة إسرائيل 1949
– السيطرة على القدس 1967
– وحديثاً الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل 2017
ونظراً لخطورة هذه الخطوة “الترامبيّة” وهذا القرار غير المسؤول آثرنا معالجة الموضوع قانونياً استناداً إلى مبادىء القانون الدولي وممارساته (سواء القواعد العرفية أو المعاهدات او قرارات هيئة الأمم المتحدة…) ومعالجته سياسياً أيضاً في ظل الأوضاع الإقليمية والدولية الراهنة لما له من تأثيرات ومفاعيل. ولكن قبل ذلك سؤال يطرح نفسه:
على ماذا اعتمد ترامب في قراره بشأن القدس؟
الواقع أن ترامب إستند الى قرار عمره 27 سنة ، صادر عن مجلس الشيوخ الأميركي بتاريخ 23 تشرين الاول / أكتوبر 1995، ويقضي بنقل السفارة الأميركية الى القدس واعتبر هذا القرار يومها اعترافاً من الولايات المتحدة باحتلال إسرائيل للقدس كاملة بهدف الاعتراف بها لاحقاً عاصمة لإسرائيل وهذا ما حدث في عهد “ترامب “.

أولاً في القانون:
الواقع أن القرار الأميركي قرار خاطىء ويتعارض مع أحكام وقواعد القانون الدولي واجتهاداته خاصة وأن جميع المؤسسات الرسمية الدولية (الأمم المتحدة، مجلس الأمن، محكمة العدل الدولية…) تعتبر “القدس” أرضاً محتلة وكل التدابير الإسرائيلية التي قامت بعد عام 1967 اي بعد عملية ضم القدس باطلة ولاغية من الناحية القانونية لمخالفتها أحكام القانون الدولي، أهمها مخالفة اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والتي يُستنتج منها أن كل الاجراءات في القدس المتخذة من قبل إسرائيل كدولة محتلة تعتبر باطلة، ولا تترتب عليها أية آثار قانونية وان الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن ان يرتب أية حقوق أو آثار على حق السيادة الاصلي للشعب الفلسطيني لأن الاحتلال لا يخوّل نقل السيادة على القدس إلى الدولة المحتلة وكونه مؤقت ومحدود. وسوف نورد مجموعة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن والتي تؤكد ما نقول:
1- قرار رقم /242/ تاريخ 22 تشرين الثاني / نوفمبر 1967 والذي
يدعو فيه مجلس الأمن إسرائيل للانسحاب إلى حدود ما قبل حرب 1967.
2- قرار رقم /253/ تاريخ 21 أيار/ مايو1968 ويدعو فيه مجلس
الأمن إسرائيل الى إلغاء جميع إجراءاتها التعسفية لتغيير وضع المدينة، وقبله القرار رقم /465/ عام 1980 وقرار رقم /476/ تاريخ 30 حزيران / يونيو 1980 لجهة بطلان تغيير طابع القدس.
3- قرار رقم /271/ تاريخ 15 نيسان / أبريل 1969 والذي يدين
قيام إسرائيل بحرق المسجد الاقصى يوم 21 آب/ أغسطس من العام ذاته، ويدعو فيه إلى إلغاء جميع الإجراءات التي من شأنها تغيير وضع القدس.
4- قرار رقم /478/ تاريخ 29 آب / أغسطس 1980 ويتضمن
عدم الاعتراف بالقانون الإسرائيلي بشأن القدس ودعوة الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة.
5- القرار رقم /2334/ تاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر
2016 الذي يؤكد أنّ إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ليس له أي شرعية قانونية. ويطالب إسرائيل بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية وعدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967.

ومن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:
– قرار رقم /181/ تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 والذي
أقر تقسيم الأرض الفلسطينية إلى دولة عربية ودولة يهودية مع وضع القدس وبيت لحم والأراضي المجاورة تحت وصاية دولية.
– قرار رقم /2253/ تاريخ 4 تموز / يوليو 1967 وفيه تأسف
الجمعية العامة لقرار إسرائيل تطبيق القانون الإسرائيلي على القدس الشرقية وترى ذلك غير شرعي.
كل هذا فضلاً عن القرارات الدولية الخاصة بتشييد الجدال العازل العنصري في الأراضي الفلسطينية والتي تثبت عدم شرعيته من وجهة نظر القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني. مثل قرار رقم (14/10)، وقرارات اليونيسكو التي تؤكد أهمية القدس القديمية بتراثها العالمي وتشجب كل محاولة لتغيير وتدمير هذا التراث، مثل قرار رقم /150/ تاريخ 27 تشرين الثاني / نوفمبر 1996 وقرار رقم /184/ تاريخ 2 نيسان /أبريل 2010.
بالإضافة الى قرارات هيئة الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن الدولي ومنظمة اليونسكو التي تثبت ان القدس لها وضع خاص ويمنع تغيير طابعها والمساس بها كونها تحت الوصاية الدولية لا بد من الإشارة قانونياً إلى ما يعرف ” بالاعتراف” في القانون الدولي.
وفي التعريف فإن الاعتراف في القانون الدولي تعبير أحادي الجانب عن إرادة دولة ما بالاعتراف بأن واقعاً أو وضعاً قانونياً محدداً له صحة تجاهها، وعليه فهو عمل تقر دولة ما بواسطته بأن كياناً ممدداً آخر يجمع الشروط الضرورية لحيازة الشخصية القانونية الكاملة في النظام الدولي.

فكيف يرى القانون الدولي خطوة ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟
لابد في البداية من القول أنّ الاعتراف بالدول شيء والاعتراف بالحكومات شيء آخر، وهذا ليس مجال بحثنا، ولكن هل الاعتراف بمدينة معينة على أنها عاصمة لدولة ما، تنطبق عليه قواعد الاعتراف الأساسية في القانون الدولي؟
الإجابة نعم، لأن الاعتراف بالعاصمة معناه التسليم بواقع جديد ووضع قانوني محدد وبالتالي هو إقرار بكيان جديد له شروط قانونية واعتبارية.
من هنا يمكننا القول أنّ الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل اعتراف باطل وغير شرعي كون القدس مدينة محتلة باستعمال القوة المسلحة تاريخياً وحاضراً وكون الاعتراف يجب أن يخضع لاحترام دولة القانون وللديمقراطية ولحقوق الانسان والأقليات كما ينص القانون الدولي. والغريب والمثير للسخرية إن الولايات المتحدة رفضت عام 1931 الاعتراف بضم مدينة ” مندشوكو” اليابانية معتبرة أن ضمها جاء بشكل مناقض للتعهدات الموقع عليها في ميثاق برياند- كللوج لعام 1928 (المتعلّق بوضع الحرب خارج القانون).

ماهي اذن الانتهاكات التي سبّبها قرار ترامب لقواعد القانون الدولي؟
الانتهاك الأول: إن القرار الأميركي يُعتبر اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل وهذا ما يخالف القرارات الدولية ويكرس القانون الإسرائيلي القائل بأن القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة أبدية لإسرائيل.

الانتهاك الثاني: القرار الأميركي يخالف ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يحرّم احتلال أراضي الغير بالقوة، ويحرّم مجرد التهديد باستخدامها في العلاقات الدولية.

الانتهاك الثالث: القرار الأميركي يخالف بنود اتفاقية أوسلو والمعاهدات العربية- الإسرائلية.

الانتهاك الرابع: القرار يخالف رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري والذي أكّد بمناسبة ” تشييد الجدار” على انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية.

الانتهاك الخامس: إنّ القرار الأميركي يشرّع من ناحية قانونية ما أقامته إسرائيل من استعمار استيطاني في القدس.

ثانياً في السياسية:
لا شك أن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل يعتبر تأكيداً لوجود حقيقة ما رغم علم الجميع أنها وهمية ويأمل الأميركيون والإسرائيليون أن تصبح حقيقة واقعية في حال استدرجوا المجتمع الدولي لتبنّي هذا الاعتراف. كما أن هذا الاعتراف يحول دون تمكّن الشعب الفلسطيني من حق تقرير مصيره بإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس وكأنه جاء مكافأة لإسرائيل على انتهاكها لحقوق الإنسان في فلسطين بدل محاسبتها.
بالإضافة الى أن القرار “الترامبي” جاء ليؤكد ما أعلنته إسرائيل منذ عام 1949 بأن القدس عاصمتها، وبالتالي فهو قرار سياسي مناقض كل نهج المجتمع الدولي الذي لم يعترف حتى الساعة بذلك. وهنا تطرح جملة أسئلة فد تختصر الإجابة عليها كل التساؤلات:
– هل من تغطية عربية لقرار ترامب أو علم مسبق بذلك؟
– هل ستقدّم دعوى أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل التي بدأت بالعمل لاعتماد العاصمة الجديدة؟
– ما هو الدور أو الرد العربي على هذه الخطوة؟
– هل سينجر المجتمع الدولي ويفعل ما فعله ترامب؟
– هل الضعف والانبطاح العربي أمام أميركا وإسرائيل والتطبيع مع الأخيرة (العلني والسري) سيكون مدخلاً لتصفية القضية الفلسطينية؟

كلها أسئلة، الزمن كفيل بالإجابة عليها.
في النهاية وتعليقاً عما طرحه وزير الخارجية اللبنانية في مجلس الوزراء لانشاء سفارة لبنانية في القدس الشرقية عبر تقديم قطعة أرض من السلطة الفلسطينية للبنان ومبادلة العكس، يهمنا الاشارة الى النقاط التالية:
1- إن مدينة القدس حتى الساعة محتلة من قبل إسرائيل وفتح
سفارة لبنانية فيها يعتبر اعترافاً بها كدولة فهل أصبحنا على استعداد للاعتراف بهذا الكيان الغاصب؟
2- إن القيام بمثل هذه الخطوة التي تلفّها المحاذير والعواقب تعتبر
مخالفة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 (المذكورة) والتي وافق عليها لبنان عام 1951.
3- بما أن القدس مدينة محتلة فإن فتح سفارة فيها أمر مخالف
لقواعد القانون الدولي لمخالفته احكام القرار /181/ تاريخ 29 تشرين الثاني / نوفمبر 1947 (المذكور) والذي يقر وضع القدس تحت وصاية دولية وأحكام القرارين /476/ و/478/ لعام 1980 (المذكورين) واللذين يبطلان كل تغيير لطابع القدس. ويدعوان الدول إلى سحب البعثات الدبلوماسية منها. فهل نحن على استعداد لمخالفة بعض القرارات الدولية والتي هي في الأساس لصالح القدس وفلسطين في مواجهة إسرائيل؟

مشاركة المقال

التعليقات

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اترك تعليقاً

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقالات ذات صلة

السابق
التالي