السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

واقع الكهرباء في لبنان

أزمة الكهرباء المستمرة في لبنان
«تكهرب» الحياة الاقتصادية والسياسية

التقنين الجائر للكهرباء يضاعف تكلفة الطاقة للمؤسسات
ويعرقل الإنتاج ويضعف تنافسية المنتجات والخدمات اللبنانية

45% من طاقتنا الكهربائية مهدورة أو مسروقة
ولبنان البلد العربي الأول في هدر الكهرباء

20 مليار دولار خسائر قطاع الكهرباء في 20 عاماً
والخسارة السنوية قفزت إلى ملياري دولار سنة 2012

الوزير الراحل جورج فرام سعى الى وقف المهزلة
فاضطرته مافيا الكهرباء لترك الحكومة

ظلمة-ترهق-الاقتصاد
ظلمة-ترهق-الاقتصاد

تتعاظم العوامل المؤثرة على الحركة الاقتصادية في لبنان، وتأخذ معظمها مندرجات سلبية تشدُّ العربة الى الوراء، رغم أن الطرقات التي تسلكها هذه الحركة بإتجاه تحقيق غايتها وعِرة بالأساس، وهي ليست مفروشة بالورود والياسمين.
فالمسالك التشريعية التي تحكم النشاط الاقتصادي صعبة، وفيها الكثير من القساوة من جرّاء التركيبة المُعقَّدة للبرلمان اللبناني المُشكَّل من خليط سياسي وطائفي متنوع، على الرغم من اعتماد لبنان نظام الاقتصاد الحر، أو ما يُعرف بـ “إقتصاد السوق” المُكرَّس بالدستور في البند(و) من مقدمته، كما أن المتاعب المُتأتية من الصعوبات الجغرافية والديمغرافية واسعة جداً، خصوصاً لناحية وجود معظم الحركة الاقتصادية في مناطق محددة، لاسيما في المُدن الكبرى، وفي المنطقة الساحلية، ناهيك عن التمرّكز الذي يغلب عليه الطابع الطائفي لبعض هذه الحركة. والجغرافيا الداخلية اللبنانية، والمحيطة بلبنان، تفرض أيضاً عوامل مؤثرة على الاقتصاد، وتنعكس عليه ايضاً وايضاً تقلبات المناخ الذي يختلف كثيراً بين الساحل والجبل والداخل في سهل البقاع.
وإذا كان الامن هو المُعضلة الاقوى التي تواجه حركة نمو الاقتصاد اللبناني، إلاَّ أن موضوع الاخفاق الكهربائي الذي يفرض التقنين لساعاتٍ طويلة، أصبح عاملاً سلبياً واسع التأثير على الاقتصاد، يُكبِّل حركته على الرغم من المقومات الموضوعية الايجابية التي تنبسط امام النشاط الانتاجي جرّاء المهارة الشخصية العالية للبنانيين، ولتوافر بعض القيِم المضافة التي تتوافر كمحفزات للاقتصاد، ومنها خصوصاً البيئة العلمية الكفوءة، والقدرات الادارية، والحاضنة التشريعية المقبولة.

اولاً: واقع الكهرباء في لبنان
تعرَّف لبنان على الطاقة الكهربائية من خلال نشاط القطاع الخاص، وتولَّت الشركات الخاصة الانتاج، حيث بدأت العمل بالطرق البدائية في سنة 1925 في بيروت، ثم في طرابلس، ومن بعدهما انتقلت الى المدن اللبنانية الأخرى، بعد حصولها على الإذن من السلطات الرسمية المختصَّة، وفقاً لنطاق جغرافي حددته الدولة، يتضمَّن الانتاج والتوزيع.
في سنة 1954، استردَّت الدولة اللبنانية الامتيازات الممنوحة من الشركات بالتراضي، ولاسيما امتياز “التوزيع العام للطاقة في مدينة بيروت وضواحيها”، وامتياز “انشاء واستثمار شبكة توزيع الطاقة الكهربائية تحت التوتر العالي”، وامتياز “انشاء واستثمار مصنع كهربائي في نبع الصفا” . 1
في 10/7/1964، أُنشئت مؤسسة كهرباء لبنان، وحُددت مهامها
بـ “انتاج ونقل وتوزيع الطاقة الكهربائية على كافة الاراضي اللبنانية”، وقد منحت هذه المؤسسة امتيازات لإدارة القطاع في بعض المناطق، منها كهرباء زحلة، وكهرباء قاديشا، وكهرباء عاليه.
تملك المؤسسة حصرية الانتاج من سبعة معامل حرارية تعمل على الفيول والديزل والغاز، في الذوق والجية وصور وبعلبك والزهراني ودير عمار والحريشة. الطاقة الانتاجية المفترضة لهذه المعامل هي 2038 ميغاواط، ولكنها فعلياً تنتج 1685 ميغاواط كحدٍ أقصى . 2
كما تملك المؤسسة ثلاثة معامل انتاج على الطاقة المائية، وهي معامل الليطاني، ومعامل شركة نهر البارد، ومعامل نبع الصفا، والقدرة الانتاجية الدفترية لهذه المعامل 220,6 ميغاواط، ولكنها فعلياً لا تنتج تلك الكمية.
وتدير المؤسسة شبكة واسعة من خطوط النقل الرئيسية، تبلغ أطوالها نحو 1615 كلم، منها 1336 كلم هوائي، و279 كلم تحت الأرض، ولكنها في الوقت ذاته تحتاج الى وصلات اضافية، خصوصاً وصلة المنصورية الهامة، التي مازالت متوقفة نظراً للخلاف حولها، والذي أخذت طابع المزايدة السياسية، رغم أن الرئيس رفيق الحريري اقترح تمديدها تحت الارض منذ سنة 2004.
تقدّر حاجة لبنان للطاقة حالياً بـ 2250 ميغاواط، مع معدل نمو سنوي في الاستهلاك يقدَّر بنحو 3 في المئة، مما يوصِل حاجة لبنان الى 2500 ميغاواط في حدود سنة 2020، علماً أن الخطة التي أقرّتها الحكومة في ايلول 2011، وصادق عليها مجلس النواب، لحظت توسيع الانتاج الى 700 ميغاواط اضافية، بكلفة 1200 مليون دولار، ولم يُنفذ من هذه الخطة أي شيء حتى اليوم، بإستثناء استئجار باخرتين تركيتين تُنتجان اقل من 200 ميغاواط.

” ما هو سرّ الفشل المستمر منذ 20 عاماً
في وقف النزف المستمر وإصلاح القطاع “

ثانياً: مشاكل قطاع الكهرباء
من المفيد الإشارة الى أنه ومنذ سنة 1992، أي بُعيد انتهاء الحرب الاهلية، كان وزير الطاقة – المسؤول فعلياً عن ملف الكهرباء- ينتمي الى فريق سياسي معين، وعند تشكيل كل حكومة جديدة كان لافتاً تمسُّك هذا الفريق بطلب تولي هذه الوزارة، وقد أُقصي الوزير الراحل جورج افرام عنها سنة 1993 لأنه لا ينتمي الى هذا الفريق، وبسبب رفضه شراء معامل انتاج قديمة، أُثيرت حولها الشبهات، ولاسيما في بعلبك ودير عمار.

وبموجب تقنين التيار الكهربائي تحصل معظم المناطق اللبنانية على 16 ساعة يومياً، ما عدا بيروت التي لحظ لها مجلس الوزراء تغذية على مدى 21 ساعة في اليوم، إلا أن برنامج التقنين الذي توزعه مؤسسة كهرباء لبنان لا يلتزم هذه المدة، جرّاء المشاكل الناتجة عن الاعطال المُتكررة، وعدم قدرة الشبكة على تحمّل زيادة الاستهلاك في مناطق عديدة من جرّاء تزايد عمليات السرقة. كل ذلك يؤدي الى فوضى عارمة في برنامج التغذية، ويسبب ارباكاً كبيراً لدى المواطنين، ولدى القوى الانتاجية في القطاعات الصناعية والسياحية والزراعية والتجارية والخدماتية.
ينتج لبنان حوالي 72 في المئة من حاجته (تقديرات 2012)، ورغم هذا النقص الكارثي بالمقاييس العالمية للتنمية، تخسر مؤسسة كهرباء لبنان 45 في المئة من هذه الطاقة المُنتجة عن طريق الهدر. ولبنان هو الاول بين الدول العربية في هدر الطاقة الكهربائية يليه اليمن بنسبة هدر 28,3 في المئة، بينما لا يتعدى الهدر في المملكة العربية السعودية الـ 16 في المئة 3، رغم المسافات الطويلة لخطوط النقل الهوائية فيها، والتي تعتبر المُسبب الرئيسي للهدر الفني للطاقة. ولكن لبنان لا يعاني من الهدر الفني للطاقة التي تقدر بـ 15 في المئة فقط، بل من الهدر الناتج عن سرقة 25 في المئة من الطاقة المُنتجة، وعدم تحصيل 5 في المئة من الفواتير الصادرة، رغم تلزيم الصيانة والجباية التي قامت بها مؤسسة كهرباء لبنان لشركات خاصة ابتداءً من سنة 2010.
إن النسبة المرتفعة من الهدر للطاقة في لبنان، تكلّف الدولة مبالغ طائلة، لأنها تتحمل تكاليف العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، لكونها قطاعاً عاماً، وبالتالي فإنها دفعت اكثر من 20 مليار دولار خسائر منذ سنة 1993 حتى نهاية سنة 2012، وقد بلغت قيمة ما دفعته الدولة ثمن محروقات وضرائب واستئجار بواخر وخدمة دين لصالح كهرباء لبنان في سنة 2012 ، 3408 مليارات ليرة لبنانية، أي ما يوازي 5,5 في المئة من الناتج الوطني الاجمالي، ويشكِّلُ هذا الأمر ارهاقاً كبيراً للإقتصاد الوطني الذي يعاني من إنكماش مخيف من جرّاء ارتدادات الأزمة السورية.
إضافة الى مشاكل العجز في موازنة مؤسسة كهرباء لبنان، وتدني مستوى الانتاجية، فهناك رُزمة من التحديات تُفرض على الدولة، منها موضوع العاملين “المياومين”، ويبلغ عددهم اكثر من 1800 عامل، فلم تحلّ مشاكلهم الوظيفية حتى الآن، وهي عالقة بين الشركات المتعهِّدة للصيانة والجباية، وبين دوائر لجنة المال والموازنة النيابية، التي لم تُقِر تفاصيل مستقبلهم وحقوقهم حتى اليوم، على الرغم من القرار الذي صدر بمعالجة وضعهم القانوني وتثبيتهم.
ويبرز الأداء السيئ للسلطات المولجة معالجة الخلل في ملف الكهرباء من خلال الاضطراب الواسع الذي يسود مقاربات الاستفادة من الطاقة البديلة، لاسيما موضوع انتاج الطاقة من الشمس والهواء، حيث لبنان لديه فُرص مثالية يمكن الإستفادة منها، ولكن لا توجد خطة جدية من قبل وزارة الطاقة في هذا المجال، الا أن الوزارة قامت بعمل توفيري متواضع، حيث اشترت كميات كبيرة من المصابيح(اللمبات) التي توفّر الطاقة، ووزَّعتها مجاناً على المنازل، وفقاً لبرنامج تبديل، رافقه العديد من الملاحظات والتساؤلات.

روح-الطرافة-اللبنانية--يافطة-مضاءة-ترحب-بعودة-التيار
روح-الطرافة-اللبنانية–يافطة-مضاءة-ترحب-بعودة-التيار

ثالثاً: آثار اقتصادية فادحة
إنعكس عدم توفّر الطاقة الكهربائية بشكلٍ كافٍ ويلات كبيرة جداً على الاقتصاد اللبناني، وخسائر ميزان المدفوعات والميزان التجاري اللبناني، من جرّاء هذا الخلل. ففاتورة شراء المولدات زادت العجز، كما أن كلفة الفاتورة النفطية الناتجة عن توسع استخدام المولدات الكهربائية الخاصة زادت بوتيرة عالية، ويُقدَّر ما يصرفه اللبنانيون على استخدام كهرباء المولدات الخاصة بما تصرفه الدولة على القطاع، أي ما يوازي ملياري دولار سنوياً، ويشكلُ الامر عبئاً ثقيلاً على اقتصاد لا يتعدى ناتجه الاجمالي الـ 40 مليار دولار أميركي.
1. آثار الأزمة على القطاع الصناعي
كان شعار ثورة اكتوبر العظمى التي حصلت في روسيا في سنة 1917: “السلام وتأمين الكهرباء لعموم البلاد”. فالكهرباء ضرورة لكافة نواحي الحياة، وخصوصاً للقطاع الصناعي. والصناعة الحديثة تحتاج في كل مفاصلها الى الطاقة الكهربائية لتشغيل الآلات، وللنقل والانارة، وتوليد الحرارة المرتفعة التي تحتاجها الصناعات المعدنية الثقيلة، وبقدر ما تتوافر الكهرباء بكميات وافية وبأسعار رخيصة، بقدر ما يكون الامر ملائماً لتحفيز الصناعة الحديثة، وتحقيق انتاجية عالية، وطرح سِلع تنافسية في الاسواق.
إن عدم توافر الكهرباء بشكل دائم في لبنان ينعكس سلباً على الصناعة اللبنانية، ويقدّر البنك الدولي الخسائر السنوية للصناعة اللبنانية بسبب انقطاع الكهرباء بنحو 400 مليون دولار، والقيمة المضافة التي تتكبّدها عملية الانتاج الصناعي من جرّاء هذا الانقطاع بـ 23 في المئة من كلفة الانتاج 4، لأن تأمين الطاقة عن طريق المولدات غالٍ بسبب غلاء المواد الاولية النفطية لعدم توافرها في لبنان، وهي تأتي عن طريق الاستيراد المُكلف. وهذا الامر ينعكس زيادة على كلفة إنتاج السلع اللبنانية، وبالتالي خفض قدرتها التنافسية في الاسواق المحلية والخارجية. وتُقدَّر خسارة القطاع الصناعي من اليد العاملة بـ 30 ألف وظيفة من اصل 140 ألفاً يعملون في هذا القطاع 5.
وتراجعت حصة الصادرات الصناعية من مجمل الصادرات اللبنانية، علماً أن الميزان التجاري لسنة 2012 سجّل إرتفاع أرقام الصادرات الصناعية من لبنان، ولكن الأمر حصل من جرّاء احتساب قيمة صادرات المازوت من لبنان الى سوريا في سلة الصادرات الصناعية، علماً أن بعض الصناعات الخفيفة
– ولاسيما الغذائية منها – استفادت من الاوضاع الناشئة من جراء زيادة الاستهلاك بسبب تواجد اعداد كبيرة من النازحين السوريين على الاراضي اللبنانية، وكذلك زيادة التصدير الى سوريا بسبب تعطُّل الانتاج الصناعي السوري، وهذا لا يعتبر مؤشراً مهماً، لأنه موضوع استثنائي، ولأن تضرر القطاع في جوانب أخرى من جراء الاحداث السورية، كان اكبر من الفوائد التي تحققت.
2. إنعكاسات الأزمة على الزراعة
على الرغم من الإهمال الذي يلاقيه القطاع الزراعي اللبناني من الجهات الحكومية، فإن حوالي 40 في المئة من اللبنانيين، يعتمدون كلياً، أو جزئياً، على ايرادات القطاع وما يتفرَّع عنه من صناعات غذائية، علماً أن الزراعة لا تستحوذ على اكثر من 6 في المئة من الناتج الوطني الاجمالي، وإن دلَّ الامر على شيء، فإنما يدلُ على الخلل الواسع في توزُّع الثروة في لبنان.
انخفضت الصادرات الزراعية اللبنانية بنسبة 37 في المئة من جراء الازمة السورية، لأن هذه الصادرات كانت تعتمد بشكلٍ رئيسي على الاراضي السورية للعبور الى الاسواق الخارجية، وهو ما سبب بعض الكساد في انواع من المُنتجات اللبنانية، رغم زيادة الاستهلاك المحلي. ومع ذلك، وبسبب الإهمال المزمن الذي تعاني منه الزراعة، ومنه أزمة الكهرباء، فإن لبنان الغني بموارده الطبيعية والمائية والبشرية يستورد من المنتوجات الزراعية والغذائية المُتفرعة منها، عشرة اضعاف ما يُصدِّر من تلك السلع.
تجدر الإشارة إلى أن تكلفة انتاج الكهرباء من المولدات الخاصة زادت خلال السنوات القليلة الماضية بنسبة 100 في المئة، وذلك بسبب ارتفاع كلفة المحروقات التي تحتاجها المولدات، وباتت تكلفة المحروقات تشكل 60 الى 70 في المئة 6 من كلفة الانتاج، خصوصاً في زراعة الخضروات التي تحتاج الى كميات كبيرة من مياه الري، التي بدورها تحتاج الى الكهرباء لإستخراجها من الطبقات الجوفية أو من الانهر، لاسيما في البقاع، الذي يُعد المنتج الأهم للزراعة اللبنانية.
لقد افقدت كلفة الكهرباء المرتفعة القطاع الزراعي اللبناني قدرته التنافسية بين المنتوجات الزراعية في الدول المجاورة. فبالإضافةً الى حاجة المزارع الى الكهرباء لتأمين مياه الري، فإنه يحتاج الطاقة الكهربائية لتأمين النقل وللتبريد والتوضيب، والتدفئة، والتخزين، ولتحويل المنتجات الى منتجات غذائية صالحة للإستهلاك، وفي كل ذلك يعتبر الشح الكهربائي في لبنان عاملاً مُهبِّطاً لنمو الزراعة، وسبباً أساسياً لتخلفها، وعدم مواكبتها للمتطلبات العصرية للتنمية.

” رغم التكلفة الهائلة للأزمة لا توجد لدى لبنان خطة للإستثمار في مصادر الطاقة المتجددة “

لبنان-يمكنه-استثمار-طاقة-الرياح-لإنتاج-الطقة-الكهربائية
لبنان-يمكنه-استثمار-طاقة-الرياح-لإنتاج-الطقة-الكهربائية

3. تراجع القطاع السياحي
واجه النشاط السياحي هبوطاً كبيراً في السنتين 2012 و 2013، واضطرَّت أكثر من 500 مؤسسة سياحية الى الاقفال، وسجّل لبنان اكبر نسبة تراجع للعائدات السياحية – اذا استثنينا الدول التي تشهد حروباً – بحيث بلغ التراجع 17,5 في المئة في سنة 2012، وفقاً لتقديرات منظمة السياحة العالمية. 7
كان السبب الأهم في سنة 2013 ، اضافة الى استمرار انقطاع التيار الكهربائي، عدم قدوم المغتربين اللبنانيين بأعداد كبيرة الى لبنان جرّاء اهتزاز الوضع الأمني، والانقطاع شبه الشامل الذي حصل مع السيّاح العرب – وخصوصاً الخليجيين – بسبب تحذيرات دولهم من خطر القدوم الى لبنان، اضافة الى انقطاع طريق سوريا أمام السيّاح الذين يأتون بسياراتهم عن طريق البر، ومنهم الأردنيون بشكل خاص.
امَّا الانعكاسات السلبية على قطاع السياحة، المُتأتية من انقطاع التيار الكهربائي، وكلفة التيار العالية، فهي كبيرةٌ وتشمل أكثر من مجال.
تدفع المؤسسات السياحية، ولاسيما الفنادق والمطاعم، فاتورتي كهرباء، الأولى لمؤسسة كهرباء لبنان، والثانية لأصحاب المولدات الخاصة، أو كمصاريف للمولدات التابعة لهذه المؤسسات، مما يُشكلُ عبئاً ثقيلاً عليها ويتسبب في ارتفاع اسعار السلع السياحية، من طعام وايواء وترفيه، ويُقلّص من فرص اقامة الأعراس والمناسبات الفنية الأخرى. وتقدّر الأوساط المتابعة الكلفة الاضافية لفاتورة الكهرباء في المرافق السياحية، بما لا يقلّ عن 23 في المئة من الكلفة الاجمالية للتشغيل.
أضف إلى ذلك تأثير انقطاع الكهرباء على قرى الاصطياف الجبلية، من خلال العتمة الموحشة في الليل، وعدم انتظام وسائل التكييف في حرّ الصيف، وهو ما يؤثر على جودة المنتج السياحي ويضعف الحركة الليلية للسيّاح.
4. أزمة حياة يومية وخدمات
مما لا شك فيه بأن الحياة العادية للمواطن اللبناني ترزح تحت كابوس من المشقات المُتعبة والمربكة والمُقلقة، من جراء التقنين القاسي للتيار الكهربائي، ويتحمّل المواطنون فاتورة باهظة من جرّاء اقتناء وتشغيل المولدات، أو الاشتراك في شبكة المولدات الخاصة التي انشأها بعض المُستثمرين في كافة المناطق اللبنانية، وهؤلاء يفرضون رسوماً شهرية باهظة على المشتركين، وهذا على الرغم من التدخل المتواضع الذي تمارسه وزارة الطاقة في عملية تحديد قيمة الاشتراكات، التي غالباً ما لا يتقيّد بها اصحاب المولدات، لأسباب واهية.
تُقدَّر فاتورة الكهرباء التي يدفعها رب المنزل العادي لأصحاب المولدات فقط، ما بين 165 و 175 ألف ليرة لبنانية شهرياً 8، وكمية هذه الطاقة من المولدات لا تُمكنه من القيام بالأعمال المنزلية الكاملة، بل عادةً ما تقتصر على الإضاءة، وتشغيل التلفاز والأجهزة الالكترونية فقط.
وتتأثر الحياة العامة وقطاع الخدمات الى حدٍ كبير بإنقطاع الكهرباء، على الرغم من وجود جزء كبير من قطاع الخدمات في مدينة بيروت التي تعيش ما يشبه الجنة الكهربائية. فتأمين المياه العامة يحتاج الى الكهرباء، وتضطر المؤسسات العامة والبلديات لتأمين مولدات خاصة لهذه الغاية، مما يرفع الكلفة على المواطنين، وعلى قطاع الخدمات والقطاع التجاري.
أخيراً: لعلّ من المفيد التذكير بما قد يعرفه الجميع، وهو أنه لا يمكن للإقتصاد اللبناني أن يتعافى في قطاعاته المتنوعة – الصناعية والزراعية والسياحية – من دون توفير الطاقة الكهربائية بكميات كافية، وبأسعار مدروسة ومُلائمة.
إن الاحتجاج بالظروف الأمنية والسياسية لتبرير الاخفاقات المستمرة لإدارة قطاع الكهرباء هو تهرُّب من المسؤولية، إذ أن هناك أخطاءً ونواحي تقصير يجب على الدولة تحديدها والعمل على معالجتها بكل جدية، ولا بدّ بصورة خاصة من الإسراع في تنفيذ خطة الحكومة بشأن إصلاح وإعادة تنظيم قطاع الكهرباء التي أقرتها في صيف 2011، ولم ينفذ منها شيء رغم مرور اكثر من سنتين على إقرارها.
إن الظروف الامنية والسياسية المُعقدة، لم تَحُل دون قيام القطاع الخاص بتأمين النقص في كمية الطاقة المطلوبة من خلال المولدات.
إن أمام لبنان فرصاً حقيقية لتجاوز أزمة الكهرباء، ولاسيما من خلال الهبات والقروض المُيسَّرة، أو من خلال خطة مدروسة لإقامة شراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال فتح المجال أمام هذا الأخير للإستثمار في انتاج وتوزيع الطاقة، من دون أن يكون الأمر خصخصة كاملة قد لا تتحملها ظروف لبنان. في غضون ذلك سيبقى انقطاع الكهرباء العامل الأهم في “كهربة” الحياة الاقتصادية والمعيشية، وحتى السياسية في لبنان.

مقدمة موضوع الزواج المختلط

الزواج المختـلط والمدني
شؤونه وشجونه

الزواج المختلط أو العسل المر

انــدماج بالآخــر أم انســلاخ عــن الــذات

الزواج المختلط يخلق شخصية حائرة وهوية ملتبسة لدى الأولاد كونهم ينتمون بالدم والنسب والثقافة والبيئة الاجتماعية إلى عالمين مختلفين وأحياناً متناقضين

هل الزواج المختلط خطوة متقدمة باتجاه الاندماج بالآخر أم انسلاخ عن الجماعة دون التحام وطني بـ “الآخر”؟ هل هو ممارسة لحرية الفرد أم عقوق وسلب لحقوق الوالدين وقهر لهم في خريف عمرهم؟ هل الزواج يخص الشريكين فقط أم هو عقد يدخل فيه الأهل أيضاً والعشيرة والقرية والجماعة الثقافية؟ وكيف يعيش الزواج المختلط من دون القبول الاجتماعي ودعم الأهل وترحيبهم؟ وما هو مستقبل الأولاد وكيف تحل مشكلة الهوية الملتبسة والنسب الملتبس والعلاقة الملتبسة ببيئتين متعارضتين أو على الأقل لا يربط بينهما الودّ الكثير؟ وما هي حظوظ الزواج المختلط بالنجاح والاستمرار وسط الرفض أو التجاهل من البيئة التي يفترض أن تحضنه وتحتفل به؟ هل يمكن للحب أن يستمر؟ وعندما يغيب الحب وتبقى المشكلات الحياتية والعملية والنفسية من يهب إلى معونة الزوجين وإلى أي سند يمكنهم أن يستندوا؟
ذلك بعض من الأسئلة الكثيرة التي أثارتها “الضحى الشبابية” في مسعى لجلاء الواقع والآراء العديدة بشأن هذا الموضوع الحساس والمطروح عملياً على شبابنا إن لم يكن بسبب الرغبة في دخول زواج مختلط، فعلى الأقل بسبب تعاملهم مع من قد لا يتردّد في دخول التجربة بغض النظر عن تبعاتها. وبسبب أهمية الموضوع فقد وجدنا من الضروري التعامل معه بجدية واحتراف. فكان الاستفتاء أولاً ثم الندوة التي انعقدت حول الموضوع في دار الطائفة الدرزية في فردان. وتأسيساًعلى هاتين الخطوتين وما ظهر خلالهما من نتائج قمنا بإعداد هذا الملخص الذي يعرض للمسألة بصورة موضوعية وشاملة وقد تألف من الاستفتاء والندوة وهذه المقدمة ملف متكامل نأمل أن يوفي بالغرض ويوفّر القاعدة المنطقية والعقلانية للتحاور في موضوع الزواج المختلط بحيث تبنى المواقف على بينة ووضوح.

الدوافع والأسباب
يثير الزواج المختلط قدراً كبيراً من الانفعالات وردود الفعل في المجتمع اللبناني بالنظر للنزاعات التاريخية الطويلة التي نشأت بين الأقليات المختلفة المكونة له وما خلفته من تباعد وشكوك. وعلى الرغم من قدرة اللبنانيين على تناسي الصراعات والأقليات والسعي للعيش في وطن واحد فإن كلاً من تلك الأقليات يحرص في الوقت نفسه على الاحتفاظ بخصوصيته وإقامة “علاقات مشروطة” بباقي فئات الوطن وهذا يعني أن الفروقات أعمق مما قد يظهر في علاقات السوق والتجارة والتعامل المصلحي. ولهذا السبب ربما وبالنظر لأهمية التضامن العشائري واستمرار الأقليات فإن الزواج المختلط غالباً ما يستفز بيئة الشريكين باعتباره يضعف العصبية التي تنظر إليه كنوع من “الاستقالة” من الجماعة واجتياز لحدودها المرسومة. وحتى في حالات الزواج المدني الذي يُبقي على الرجل وأولاده على عقيدتهم الدينية فإن الخطوة في حد ذاتها تخلق توتراً صريحاً أو مضمراً بين الشخص وبين محيطه لأن الزواج من خارج الطائفة يعني في نظر الجماعة أن من يقدم عليه لا يقيم اعتباراً لشعورها ولا لقوانينها غير المعلنة، ناهيك عن اعتباره تعدّياً على شعور الوالدين والأقارب وحقوقهم.

بعض الشباب لم يعد يكتفي باعتبار الزواج رابطة تخص الشريكين بل بات يزيد عليها أنها رابطة لا تخص الأهل ولا دور لهم في قبولها

كن ما هي الأسباب التي تدفع باتجاه الزواج المختلط؟ ولماذا يقدم بعض الشباب والفتيات عليه على الرغم مما يكتنف تلك الخطوة من صعاب ويعترضها من نتائج اجتماعية؟
واقع الأمر هو أن أكثر حالات الزواج المختلط يحصل بسبب عاملين رئيسيين الأول هو اقتناع الشباب بأن الزواج يجب أن يكون نتيجة حب واختبار مباشر وإن بعيداً عن رقابة الأسرة والوالدين، أما العامل الثاني فهو غالباً نشوء علاقات عاطفية قبل الزواج تتحول مع الوقت إلى أمر واقع يفرض نفسه.

من هم أطراف الزواج ؟
أظهر الاستفتاء المنشور في هذا الملف أن نسبة ليست قليلة من الشباب لا تعتبر رضا الوالدين ضرورياً أو لا تفصح عن موقفها بشأن هذا الأمر المهم، فالنظرة اليوم هي أن الزواج هو علاقة بين شخصين، وهو كذلك بالطبع لكن الجديد عند بعض الأشخاص هو التشديد على أن أمر هذه العلاقة يخص الشخصين وحدهما وأن على الأهل أن يتقبلوا خيار الأولاد دون أن يكون لهما رأي في الأمر. وهذه النظرة التي تُعلي من شأن الفرد على حساب العائلة الموسّعة والبيئة جاءتنا من الغرب وبات البعض يقبلها على عواهنها دون التأمل في النتائج التي أوصلت إليها في بلدانها. لقد انحلّ المجتمع الأوروبي إلى أفراد معزولين ولم يعدّ هناك مجموعات ومتحدات اجتماعية ثقافية أو دينية متماسكة كتلك التي لا زالت قائمة في بلدان الشرق وخصوصاً في بلدان الإسلام. وقد ساد الفرد في الدول الغربية بصورة تامة لأن الدساتير والقوانين كلها سودت الفرد وبات المواطن في الغرب حراً لا يدين بأي التزام تجاه والديه أو عائلته أو دينه، بل أن الغالبية الساحقة من الناس باتت تعلن صراحة أنها لا تؤمن بأي دين وقد تراجع دور الكنيسة في الغرب ولم يعدّ لها أي تأثير حقيقي على الشباب والأجيال الجديدة. لكن العقيدة الليبرالية – الإلحادية (وقد أصبحت بالفعل عقيدة وديناً) أدت إلى كوارث اجتماعية إذ انحلت مؤسسة الزواج نفسها بسبب انحلال البيئة الحاضنة لها وهي العائلة الموسعة أو المؤسسة الدينية وحلت المساكنة غير التعاقدية محل الزواج في كثير من الأحيان وولدت نسبة كبيرة من الأولاد خارج الزواج الشرعي، وفي هذا المناخ بدأت أوروبا تشيخ كما بدأ عدد السكان في العديد من الدول الأوروبية بالتناقص بسبب عدم الإنجاب واهتمام الشباب بالعلاقات العابرة ورفض تحمل مسؤولية بناء الأسرة.

فخ العلاقات قبل الزواج
تشير الكثير من الدلائل إلى أن حالات الزواج المختلط غالباً ما يكون منطلقها العلاقات الجنسية قبل الزواج، وقد تبدأ الصداقة كاختبار أو كاستكشاف لآفاق جديدة وقد تبدو العلاقة أمراً ممتعاً ويشعر الفرد الدرزي أنه يمارس حرية ثمينة لم تكن متاحة له في بيئته الأصلية، لكن هذا النوع من الاختبار قد يخلق مع مضي بعض الوقت، ودون أن ينتبه الشخص، أمراً واقعاً ورابطاً يصعب الانفكاك منه بحيث يتحتم بالتالي تكريسه والإعلان عنه بواسطة الزواج. عندها ربما يجدّ الشريكان أن البيئات التي ينتمون إليها ليست جاهزة للإقرار بالواقع الذي تمّ بعيدا عن أعينها فتحصل الصدمة ويتضّح مدى تعقيد الخيار والنتائج التي ستترتب عليه في حال أصرّ الشريكان على خيارها. كما يتضح أن الزواج الذي اعتقد الشريكان أنه رابطة بين شخصين فقط ليس كذلك وأن الأهل يعتبرون أنهم معنيون بأن “يفرحوا” بإبنهم أو ابنتهم كما أنهم معنيون بـ “الصهر” الذي سيدخل بيتهم ويصبح مثل ولدهم وجزءاً منهم أو بـ “الكنة”التي ستدخل بيتهم وتصبح شريكتهم وسلواهم. وهم معنيون أيضاً بالعائلة التي سيصاهرونها ويفرحون بالتقرّب منها وقد قيل دوماً “الصهر سند الظهر” بمعنى أن المصاهرة تقوي أسرة كل من الزوجين وتقربهما وتزيد في مكانتهما. أخيراً فإن أعز ما ينتظره الوالدان والأهل الأقربون من الزواج هو أحفاد من صلبهم يكونون استمرارا للعائلة وتراثها واسمها ويكونون أيضاً سنداً لهم في مرحلة الكهولة.
وبالطبع كل هذه الأمور يفقدها الأهل في حال الزواج من خارج الطائفة لأن الضغط الاجتماعي والعصبية سيجعلان الشريكان غريبين في بيئتيهما وقد يضطر الأهل إلى إنكار الزواج نفسه واتخاذ موقف سلبي منه وعندها يكون الزواج قد تحوّل من فرح إلى ترح وأحزان. وغالباً ما يشعر الوالدان بالمهانة بسبب عقوق الولد واستخفافه بشعورهما أو بما قد يجلبه تصرفه لهما من إحراج وكسر خاطر أمام الجماعة التي ينتمون إليها. وحتى عندما يكون الأهل على شيء من الانفتاح فإن القبول بالأمر الواقع قد يحصل فقط على مضض وستبقى العلاقة ملتبسة و”مؤدبة” بالشريك الآتي من خارج الطائفة لكنها من الصعب أن تكون طبيعية. أو أن يحل الرضى الحقيقي لدى الأهل إزاء ما صنع الولد الذي أنفقوا حياتهم وضحوا بالنفيس من أجل تنشئته وتأمين مستقبله فإذا به عند أول سانحة يكافئهم بكسر خاطرهم في أمر جسيم غير عابئ بما سيعانونه. وقد جاء في الشعر المأثور في وصف العقوق:
أعلمــه الرمايــــــــة كـــــــــل يــــــــوم فلمـــا اشتد ساعـــــــده رمانـــــــــي
وكــــــــــم علمتـــــه نظم القوافـــــي فلمـــــا قـــــال قافـــيـــــة هــجانـــي

أهمية العائلة الموسعة
في لبنان مثل مختلف الدول التي ما زال الدين يلعب فيها دوراً مهماً لا زالت العائلة الموسّعة تلعب دوراً مهماً في رعاية الزواج والزوجين، وبهذا المعنى فإن الزواج يبدأ مع شخصين لكنه لا ينتهي عندهما بل يتّسع أثره وتعم بركته وثماره لتطال نفراً كبيراً من الناس، ولهذا تراهم يستبشرون به ويسمون الزواج “فرح” لما يحمله من سعادة للمشاركين فيه وهم يحتفلون به ويكرمون العريسين ويثنون على فعلهما (مبارك ما عملتم) باعتباره سبباً في تقارب المجتمع وتنمية الجماعة وتكثيرها ولهذا كان من أهم أوامر الأمير السيد (ق) إشهار الزواج، إذ اعتبره المحك الحقيقي لشرعية العلاقة وتناسبها مع ما ينتظر المجتمع ويحبه. بل أن للزواج هنا جانبه الروحي، لأن مشاركة الوالدين والأهل تنسجم مع ما يحبه الله تعالى من بر الوالدين والذي جعله في أعلى الواجبات بعد التوحيد نفسه وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (الإسراء 23) وكذلك إعطاء الحقوق لأصحابهما كما أنه سبب للبركة والتوفيق والنسل الصالح. أما في حالة الزواج المختلط فإن العمل يتحول إلى قرار شخصين غالباً ما ينتهي عندهما ولا تتسع آثاره الإيجابية إلى الآخرين ولهذا فإن المجتمع الموسّع يقاوم بالغريزة الزواج المختلط لأنه يرى فيه نقضاً للميثاق الاجتماعي الذي يجعل منه إضافة مباركة على الجماعة وإقرارا بحقوقها.

جو المدينة والجامعة
الزواج المختلط مغامرة فردية غالبا ما تزينها في عيني الشخص أجواء المدينة التي نزل إليها الكثير من العائلات من الجبل عبر السنين كما تتقوّى تلك النزعة أيضاً في الجامعات الحديثة وأجوائها.
فمن جهة، تعطي المدينة إحساساً قوياً بالحرية لكنها حرية موهومة لأنها ناتجة، ليس عن خروج الجماعة من المعادلة، بل عن الابتعاد المؤقت للفرد نفسه عن البيئة التي ينتمي إليها. وغالباً ما تنمي المدينة الوهم بأنه من الممكن للفرد أن يسلك على هواه أو أن يختار لنفسه ما يشاء دون مساءلة لأن الرقابة التي تفرضها القرية تغيب في جو المدينة المفكك بطبيعته.
وتقوي الجامعات عادة الروح الفردية لدى الشباب القادم من القرى أو البيئات المحافظة لأنها في حد ذاتها تشكل “مجتمعاً” يعيش فيه الطالب قسماً مهماً من حياته، ولهذا المجتمع قيمه أيضاً التي تقوم على إعلاء شأن الطموح والاستقلالية وتحقيق الذات، ولا ننسى أن برامج الجامعات مصدرها الغرب وهذه البرامج تقوم على تنميط ثقافي يتجاهل خصوصيات المجتمعات الشرقية والإسلامية التي لا زالت تقوم على فكرة الجماعة والأمة ويعكس بالدرجة الأولى “التطور” الاجتماعي الغربي الذي يقوم على انحلال الجماعة وتقديس الفرد. بهذا المعنى فإن التعليم الذي يتلقاه الطالب في الجامعة لا يقتصر على العلوم أو المادة التي يتخصص فيها بل يتجاوزه إلى التشرب الخفي لقيم جديدة تعكس مجتمعات لا تمت بصلة إلى المجتمع الذي يعيش فيه. ولا يحمل هذا الكلام حكما على البيئة الغربية. فالغربيون أدرى بشؤونهم لكنه يشير إلى أهمية أن نعي أننا نعيش في بيئة مغايرة، وهذه البيئة لا نقول عنها إنها متقدمة ولا نقول عنها إنها رجعية أو متخلفة بل هي ببساطة بيئة حية لها خصوصياتها التي حمتها وحافظت عليها عبر السنين، ولها متطلبات معينة لكي تستمر وهي مربوطة بقوانين سلوك وتصرف معينة. وفي المجتمع الشرقي والإسلامي تكامل وتعاضد بين الفرد والبيئة المحيطة ولا يوجد صراع مفتعل أو تناقض، فالبيئة (بيئة العائلة أو العشيرة) تحمي الفرد من نوائب الزمان. ولهذا، فإن الفرد يعتبر من أولى واجباته أيضاً حماية تلك البيئة والدفاع عنها في وجه الافتئات والعدوان.

الطائفة البديلة
بالطبع بعض الأفراد يعتبرون أن في إمكانهم أن يخرجوا وهذا قرارهم. وغالباً ما يكون لهذا القرار خلفيات فكرية أو سياسية مثل الانتماء لأحزاب علمانية تصبح هي بالنسبة للشخص العائلة أو “الطائفة البديلة”، كما أن البعض الآخر قد لا يجدّ صعوبة في الخروج بسبب الاغتراب والسكن بعيداً عن الوطن أو أي أسباب أخرى. لكن المهم لمن يهم بالإقدام على هذا القرار أن يعي بصورة عقلانية تبعاته الاجتماعية. وليس الهدف في هذا السياق سوى الدعوة للتفكير العاقل والتأمل بمختلف جوانب قرار حياتي ومصيري مثل الزواج قبل الإقدام عليه.

غالباً ما يشعر الوالدان بالمهانة بسبب عقوق الولد وما قد يجلبه تصرفه لهما من إحراج وكسر خاطر أمام الجماعة التي ينتمون إليها

إشكالية الأولاد
أظهر استفتاء “الضحى الشبابية” إدراكاً واضحاً من الذين أجابوا على أسئلتنا لخطورة موضوع الأولاد وموضوع النسب والهوية وهو إشكال كبير لا يفكر فيه الشريكان وسط انغماسهما في التجربة الشخصية لكنه يتحول غالباً إلى عبء كبير للأولاد ومصدر حيرة وضياع بالنسبة لهم لأنهم عاطفياً منقسمون ومن الصعب عليهم أن يكون لهم خيار واضح بسبب كونهم ينتمون بالدم والثقافة والبيئة الاجتماعية إلى عالمين مختلفين وأحيانا متناقضين أو قد يقع بينهما تناقض. هذا الوضع ينطبق عليه فعلاً المثل القائل بأن “الآباء يأكلون الحصرم والأولاد يضرسون” أو قول أبو العلاء في سياق آخر “هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على أحد”. بمعنى أن الأولاد لم يختاروا أن يولدوا في وضع ملتبس وهوية ملتبسة وهم بالطبع لم يستشاروا. وهؤلاء سيجدون أنفسهم عند أول تفاقم للخلافات في وضع حرج يتعلق بتحديد موقفهم العاطفي وكذلك تحديد انتمائهم وهو أمر صعب لأن تحديد الانتماء يحتاج ليس فقط لقرار الأولاد بل لقبول البيئة التي يعيشون فيها لأن الانتماء في مجتمع الشرق أساسه النسب ورابطة الدم وليس اختيار الشخص. لا يوجد حل وسط بين البيئتين وهذا على فرض أن العلاقات إيجابية أما في حال الخلاف فإنهم سيحصدون الآلام. وهذا الجانب الخطير لا يهم الشريكين وهو ربما أحد أبرز الأمثلة على ما يكتنف بعض العلاقات المعزولة عن المجتمع من عدم تبصر وأنانية.

تاريخ الاغتراب الدرزي وواقعه وقضاياه

الموحدون الدروز هاجروا وانتشروا ونجحوا

تروي الأجيال المتعاقبة من أبناء طائفة الموحدين الدروز في الارجنتين، أن أوائل المهاجرين الى ذاك البلد بلغوا حدود العشرة آلاف حطوا رحالهم في العام 1860. وفي أوستراليا، يتشكل نسيج مجتمع الموحدين الدروز من أربعة أجيال ولاسيما في مدينة ادلايد، حيث أوائل المهاجرين كانوا قد استوطنوا هناك قبل مئة وخمسة وعشرين عام

ولأنه ليس من بحث رسمي يؤرخ بشكل دقيق، فإن تلك الواقعتين تلخصان تقريباً مسيرة اغتراب الموحدين الدروز، التي تعود إلى أكثر من مئة وخمسين سنة خلت. وهي فترة شهدت موجات هجرة متعاقبة أدت إلى خلق انتشار عالمي للموحدين الدروز يتوزع على أكثر من 35 بلداً في مختلف القارات وإن كان معظمه يتركز في الأميركيتين لأسباب تاريخية واجتماعية. (راجع خريطة الانتشار)
وكما أن التاريخ الموثوق غائب أو جزئي لهذه الظاهرة المهمة، فإن الإحصاء الرسمي لعدد المغتربين الدروز ما زال غائباً ما عدا بعض المحاولات التي

تبذلها لجنة شؤون الاغتراب في المجلس المذهبي الدرزي منذ انتخابها في العام 2007. وقد تمكّنت اللجنة عبر تواصلها مع دول الاغتراب من إعداد إحصاء تقريبي رأينا استخدامه لوضع خريطة تقريبية لانتشار الموحدين الدروز في العالم.
إلى جانب هذا الإحصاء التقريبي جداً تمّ أيضاً التعرف على عدد لا يستهان به من الجمعيات والبيوت الدرزية الموزعة في بلدان الاغتراب. ولعل الأقوى تأثيراً على المغتربين يتمركز في الولايات المتحدة الاميركية، تليها كندا، ثم البرازيل والأرجنتين وفنزويلا، فأوستراليا. إلا أنه وإلى جانب الجمعيات والمنظمات التي تمّ حصرها، هناك عدد لا بأس به من الجمعيات والمنظمات التي هي في طور التأسيس وتغطي بصورة خاصة بلداناً عدة في أفريقيا وأوروبا وآسيا.

أسباب الهجرة

هاجرت العائلات الدرزية في نهاية القرن الـ 19 ومطلع القرن الـ 20 من لبنان إلى دول العالم، إما بحثاً عن تحسين أوضاعها الاقتصادية أو هرباً

لجنة شؤون الاغتراب تنظّم في 19 تموز 2010
أوسع مؤتمر للموحدين الدروز في بلاد المهجر

من الظلم والتمييز الذي خلّفه النظام الاستعماري وتوالت الهجرات ونشأت عنها الوقائع والمؤسسات التي نعرض لبعضها في ما يلي:
أوستراليا : في أوستراليا أقام الدروز هناك الجمعية الدرزية المعروفة باسم البيت الدرزي، وهم يصدرون مجلة درزية علمية شهرية تسمى دروز بوليتن، ويعمل معظمهم في التجارة والمهن الحرة.
كندا: في كندا أنشأ نحو 800 درزي جمعية الدروز الكندية في تورنتو، ومؤخراً تمّ تعيين وزير درزي في الحكومة الكندية لمعالجة شؤون الدروز هناك، وهو د. فؤاد الشامي.
المكسيك: أنشأ دروز المكسيك الجمعية الدرزية والجمعية العربية في العام 1952.
البرازيل: أول من قام بنشاطات وتوعية درزية هناك هو المرحوم الشيخ نجيب العسراوي، الذي أصدر جريدة الإصلاح، وأنشأ خلوة للصلاة، ومدفناً للجالية الدرزية، كما أنشأ الرابطة الخيرية الدرزية التي قدمت المساعدات المالية لأبناء جبل الدروز أثناء ثورتهم ضد فرنسا في العام 1925، وكذلك أنشأ بيت اليتيم الدرزي، وعيّن معتمداً لمشيخة العقل في البرازيل، ووزيراً روحياً في البرازيل، وتوفي في العام1987.
كما انشأ دروز البرازيل جمعية دروز البرازيل في العام 1969، والبيت الدرزي البرازيلي، وفرقة فخر الدين للرقص والفلكلور الشعبي.
الأرجنتين: أنشأ دروز الأرجنتين، الجمعية الخيرية الدرزية الارجنتينية في مدينة بوينس آيريس.
الولايات المتحدة الأميركية: تمّ هناك إنشاء جمعية «الباكورة الدرزية» في العام 1911، وفي العام 1964 الجمعية الدرزية الاميركية A.D.S. وهناك أيضا نوادٍ درزية في كل ولاية وتصدر عنها: مجلة صوت الدروز، مجلة البيان، مجلة نهضة العرب، مجلة تراثنا، والعديد من المؤلفات التي تبحث في شؤون وحياة الدروز وتاريخهم.

لجنة شؤون الاغتراب

أناط قانون تنظيم شؤون طائفة الموحدين الدروز، الصادر بتاريخ 9/6/2006 بلجنة شؤون الاغتراب، الاهتمام بكافة الأمور المتعلقة بأبناء الطائفة في الخارج، حيث نص على وجوب «الاشراف على جميع الشؤون الاغترابية» بصورة عامة، أورد القانون على سبيل المثال والتعداد أهم السُبل الآيلة الى تحقيق هذه المهام وأبرزها وجوب وضع خطة عمل مبدئية تتضمن الأهداف والغايات وآليات تطبيقها بالتنسيق مع كافة اللجان المعنية، وصولاً إلى تأمين التواصل وتحقيق الإفادة المتبادلة عبر التوفيق بين التقديمات والعطاءات وبين الحاجات والمستلزمات لدى أبناء الطائفة في لبنان والخارج.
ومن أهم بنود الخطة التي وضعت، الآتي:
– الاتصال مع أبناء الجاليات الدرزية في الخارج، إضافة الى فعاليات المجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات الدولية والحكومية وغير الحكومية.
– إنشاء موقع الكتروني على شبكة الانترنت تحت اسم «أهلنا»، من ضمن موقع المجلس المذهبي الدرزي.
– العمل على حضور الندوات والمحاضرات والمؤتمرات المقامة من قبل

الجاليات الدرزية في بلاد الاغتراب، إضافة الى العمل على عقد ندوات ومحاضرات تدعى اليها فعاليات ورؤساء وأبناء الجاليات الدرزية من الخارج الى لبنان
– العمل على تشكيل مجموعة محركة فاعلة، تحقق الاتصال والتنسيق والتعاون مع أبناء الجاليات الدرزية الفاعلين في القطاعات العامة والخاصة في دول الاغتراب
– المتابعة الحثيثة بغية التأكيد على أبناء الطائفة وجوب وإلزامية تدوين كافة التعديلات الطارئة على قيودهم في دوائر الاحوال الشخصية، ولهذه الغاية يقتضي تخصيص دائرة ضمن ملاك المجلس المذهبي لملاحقة هذا الامر بالتنسيق مع المخاتير والدوائر المختصة
– إنشاء ما يعرف بخريطة اغترابية لأبناء طائفة الموحدين الدروز في العالم، بهدف التواصل لتحديد الاولويات الواجب اتباعها
– اقتراح إنشاء جمعيات ومؤسسات في لبنان تستوفي الشروط والمواصفات المطلوبة، للاستفادة من تقديمات وعطاءات المنظمات الدولية والحكومية والخاصة التي تعنى بهذه الشؤون، إضافة الى العمل على دعم وتأمين المساعدات والمستلزمات لتلك المؤسسات القائمة حالياً، كمراكز الرعاية الاجتماعية أو مراكز إعادة التأهيل وخلافها بالتنسيق مع اللجان ذات الصلة
– استحداث هيئات في دول الاغتراب تكون مهامها العمل، بالتنسيق مع اللجنة، على القيام بالاعمال التحضيرية والتنظيمية والاحصائية وما شابه، والآيلة جميعها الى تحقيق أهداف لجنة شؤون الاغتراب
– تحقيق التواصل الإعلامي مع المغتربات

المؤتمـــر العالمـــي لمندوبـــي الجاليـــة الدرزية
المنعقـــد فـــي بيـــروت في العام 1980

من أبرز توصياته:
1. عقد هذا المؤتمر سنوياً.
2. يستطيع كل درزي المشاركة في هذا المؤتمر وأن تكون الدعوة
مفتوحة.
3. تبني ورقة عمل المجلس الدرزي للبحوث والانماء الذي يقوم
بجمع وطبع ونشر وترجمة كتب درزية وإعداد أشرطة وأفلام
وثائقية عن الدروز توجّه بصورة خاصة لدروز المهجر.
4. إقامة معهد عالمي للدراسات التوحيدية.
5. إقامة معرض للتراث الدرزي يضم كل ما يتعلق بالأعمال
اليدوية الفنية الدرزية.
6. إقامة مكتبة درزية تحوي كل المؤلفات الدرزية التي أُصدرت
عن الدروز.
7. إقامة أندية للشباب والشابات الدروز في بلاد الاغتراب
للتعارف.

تحقيق التواصل الإعلامي مع المغتربات

– عقد اللقاءات والحلقات الدينية الآيلة الى نشر التعاليم والاعراف والتقاليد التوحيدية، والاعتناء بتبادل الكتب والمؤلفات والمنشورات الدينية والاجتماعية والثقافية، بغية ترسيخ التراث الديني والثقافي لدى ابناء طائفة الموحدين الدروز في الخارج، وكل ذلك بالتنسيق مع اللجان ذات الصلة.
– العمل على تنظيم مؤتمر اغترابي درزي في لبنان.

المؤتمر الاغترابي

بحسب رئيس لجنة شؤون الاغتراب في المجلس المذهبي الدرزي السيد كميل سري الدين، فإن الكثير من بنود خطة العمل هذه أنجز أو بدأ العمل به، لتتوّج الخطة، بتحديد التاسع عشر من شهر تموز في العام 2010 موعداً لعقد مؤتمر اغترابي درزي في لبنان، على أن يشكّل الإطلالة التنظيمية الرسمية الأولى على الاغتراب الدرزي، ويكرّس الحصرية الرسمية لمرجعية المجلس المذهبي لهذا الاغتراب، فضلاً عن أهداف مكملة يبتغيها المؤتمر، أبرزها تأمين آليات التواصل بين المغترب تعزيزاً للروابط، التي توفر مجالات عدة لتبادل الخبرات من جهة والمساعدات من جهة أخرى.

المشاكل والتحديات

 حددت لجنة شؤون الاغتراب، من خلال عملها في السنوات الثلاث الماضية الأسباب الموجبة لعقد هذا المؤتمر كما يرى أمين السر العام للجنة الأستاذ سامر أبو مجاهد. ويرد في رأس قائمة المشاكل، فقدان التواصل مع المغتربين. وقد أمكن للجنة في هذا المجال البدء بمعالجة هذه الثغرة في الولايات المتحدة الأميركية من خلال الاتصال بنحو عشرة آلاف مهاجر درزي. وكذلك في كندا، حيث تأمن الاتصال بعشرة آلاف أيضاً. أما الرقم المعبّر ففي البرازيل، حيث أكثر من مئة ألف مغترب درزي، تم التواصل مع ألفين منهم. والحال ذاتها في الأرجنتين، حيث يوجد أكثر من ستين ألف مغترب درزي وتمكّنت اللجنة من الاتصال بأربعمائة منهم حتى الآن
الى ذلك، تكمن أبرز التحديات في النجاح في توحيد الرؤى والتوجهات على مختلف مشاربها بين الجمعيات داخل المغتربات، ومع المرجعية الرسمية الوحيدة للدروز في العالم أي المجلس المذهبي الدرزي
ارتكازا على ما تقدم، لا يقف طموح اللجنة عند حدود المؤتمر الاغترابي الذي سيكون البداية في مسيرة تنظيم التواصل مع الاغتراب الدرزي، بل سيتعداه الى ترجمة هذه المسيرة التنظيمية واقعاً، عبر إنشاء بيت المغترب الدرزي في لبنان، يؤمّن دورات لتعليم اللغة العربية، وحلقات للتوعية الدينية، بالاضافة الى تنظيم زيارات دورية الى الوطن الام. وعلى خطٍ مواز، يجري التحضير لتأسيس جمعية موحدة على نطاق اوروبا، كما بدأ البحث في ورشة تنظيمية للجمعيات الاغترابية في كندا

رعاية وحضور رئاسي

المؤتمر الاغترابي يفتتح في 19 تموز 2010 في مركز المعارض في البيال وسط

   بعــــض أبــــرز المنظمــــات الــــدرزيــــة فــــي المهجــــــــر
 الدولة  الجمعية  الإسم الأجنبي
 أوستراليا  منظمة دروز أوستراليا  AUSTRALIAN DRUZE ORGANIZATION
 الأرجنتين  جمعية دروز الأرجنتين  ARGENTINEAN DRUZE SOCIETY
 البرازيل  منظمة دروز البرازيل  LAR DRUZE BRASILEIRO
 كندا  الجمعية الاتحادية لدروز كندا  CANADIAN FEDERAL DRUZE SOCIETY (CFDS)
 فرنسا  جمعية الدروز اللبنانيين في فرنسا  ASSOCIATION DES DRUZES LIBANAIS EN FRANCE
 السويد  منظمة دروز السويد  SWEDEN DRUZE ORGANIZATION
 الولايات المتحدةالأميركية الجمعية الدرزية الأميركية  1- AMERICAN DRUZE SOCIETY (ADS)
المؤسسة الدرزية الأميركية  2-AMERICAN DRUZE FOUNDATION (ADF)
Sheikh El-Akl Representatives organization
 بريطانيا  الجمعية الدرزية البريطانية  BRITISH DRUZE SOCIETY (BDS)
فنزويلا منظمة دروز فنزويلا VENEZUELAN DRUZE ORGANIZATION

عن الاغتراب والعلاقة بالوطن

يستعدّ لبنان لحدث مهم يتمثل بانعقاد أول مؤتمر عالمي للمغتربين من طائفة الموحدين الدروز، وذلك بهدف التداول في الشؤون التي تهمّ مجتمع الاغتراب والعلاقة التي يجب أن تقوم بينه وبين الوطن الأم. في هذا المجال لا بدّ لنا من إبداء ملاحظات يرجى أن تساهم في تطوير الحوار والتفهم الإيجابي بين المغتربين وبين أهلهم ومرجعيتهم في الوطن.

أولاً:

أي حوار بين عالم الاغتراب وبين الوطن يجب أن ينطلق من تفهم الطرفين لواقع أن عالم الاغتراب يختلف عن وطن الأجداد. وأنه وعلى الرغم من التقارب المستمر بين المجتمعات فإن الفروقات تبقى كبيرة بين البيئة الجماعية والثقافية والدينية التي يعيش فيها الموحدون الدروز في الأوطان المشرقية وبين مجتمعات المهجر التي يقع معظمها في البلدان الغربية. فإن أصل الفروقات قائم في اختلاف المجتمعات وتباعد المسافات والتأقلم، بل في الاندماج بثقافة البلد المضيف في غياب الصلة اليومية والمنتظمة ببيئة التوحيد وممارساته اليومية على الأرض.

ثانياً:

إن هيمنة النظرة الليبرالية للأديان وتفشي عادات الترخيص والاستسهال في الدول الغربية خصوصاً، تجعل بعض الإخوان في المغترب يرون في تمسك موحدي الوطن بالأسس وحذرهم من فوضى الأفكار نوعاً من الجمود أو التقصير في مجاراة الزمن. والعديد من المغتربين يعتقدون مثلاً أن مصلحتهم من أجل تحصيل القبول في مجتمعهم الغربي أن يجاروا تلك المجتمعات أو ما يسمونه التطور وغير ذلك. وقد رأينا بعض الكنائس الأميركية تعاني الأمرين من ضغوط أهل الترخيص والبدع إلى حد فرض سيامة الكهنة النساء أو الشاذين، بل الذين يباهون بشذوذهم. والمشهد الديني في معظم بلاد الغرب محزن لأنه يتسم بالفوضى وبإحلال اجتهادات بعض الأدعياء محل الأوامر السماوية وأسس المعتقد، وعلى إخواننا المغتربين أن يدركوا أنهم يعيشون في مجتمع متأزم لم يعد فيه ثوابت تذكر ولم يعد صالحاً للاقتداء به خصوصاً في أمور العبادة. وفي هذه الحال، فإن قبلتهم ومحط ثقتهم وطمأنينة قلوبهم لا بد وأن تكون مرجعية أهل الحق الذين حفظوا قيم التوحيد وصانوها من كل تشويه على مرّ القرون.

ثالثاً:

إن أساس المرجعية الروحية في الوطن قائم في كون هذا الوطن موطن التوحيد وموئل أهله عبر القرون والدهور، ولا يمكن في الحقيقة الفصل بين عقيدة التوحيد وبين مجتمع التوحيد لأنه لا توحيد من دون أهل التوحيد الذين يحفظون أمانته وينقلونها من جيل إلى جيل. ومن أراد النظر إلى عقيدة التوحيد فليدع الكتب ولينظر إلى مجتمع التوحيد ومن أراد الاستزادة في مسلك التوحيد ومعرفة أصوله فليعد في ذلك إلى الأصل وليهمل ما عداه.(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) ( سورة الأنبياء:43). على العكس من ذلك، فإن بعض الأديان العريقة تراجع تأثيرها في الغرب واندثر الكثير من حقيقتها الأصلية لسبب أساسي هو اندثار الجماعات المؤمنة التي تتمسك بالدين وتتناقل وصاياه ومقتضياته من جيل إلى جيل. وهذا مثال آخر على أن الدين يبقى ما بقي أهل الدين والمتبعون لوصاياه وتعليمه، حتى إذا تفرق شمل جماعة المؤمنين وضعف شأنها واجتاحتها الأهواء والتأثيرات الدخيلة انحل الدين من تلقاء نفسه وجرى عليه التحريف والتغيير حتى لا يبقى منه في النهاية إلا الاسم من دون المسمى.

رابعاً:

مغزى هذا القول إن على إخواننا المغتربين توخي الحيطة في اتّباع ما قد يظهر من أفكار واجتهادات. ويعتقد البعض أن فيها تسهيلاً ومراعاة لظروف الاغتراب وبعده عن الوطن، مما قد يبرر للبعض الميل نحو إنشاء كيانات أو مرجعيات تعنى بشؤون المغتربين وتساعد على توثيق عرى الأخوة ورابطة العصبية بينهم. هذا الدور مرغوب ولا شك في أمور الدنيا وفي بعض الأمور الحيوية مثل الأحوال الشخصية، لكنه في أمور العقيدة ليس مطلوباً ولا مرغوباً ولا ممكناً أصلاً لأن المعتقد لدى أهل التوحيد ينبع من اتفاق العقال وأهل الحل والربط ولم يكن في أي وقت مناطاً باجتهادات أفراد مهما علا شأنهم. وهل سمع أحدكم بأن أهل التوحيد ظهر بينهم مجتهد أو صاحب تقليد أو مذهب؟ وهل كانت العقيدة في أي وقت رهناً بمرجعية شخص أو علمه أو اجتهاده. بالطبع لا، ولهذا السبب فإن الموحدين الدروز يفصلون في أمورهم الدقيقة في اجتماعات شاملة تمثّل عموم العقال وأهل الرأي الراجح بينهم، كما يتناقلون أسس المسلك ويرتقون في منازله في إطار جماعة الإخوان وبمساعدتها وليس بالاجتهاد الشخصي فقط. ولهذا لم يشجع الموحدون الدروز قيام «العلماء» وأهل الكلام والبيان على نسق ما حصل لدى بعض المذاهب كما أنهم لم يجيزوا قيام كهنوت من أي نوع، كل ذلك بسبب تركيزهم على السلوك أكثر من اهتمامهم بالجانب النظري، لهذا يردد المشايخ دوماً «أدب الدين قبل الدين».

 

اجتماعيات