السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

شرفات

كتاب، صدر حديثاً للدكتور أديب سليمان خطار، هو من الأهمية بمكان، مؤلفه مؤرخ، وأستاذ جامعي. يقع الكتاب في ثلاثمئة وعشر صفحات، من القطع الكبير، بغلاف، هو عبارة عن لوحة فنية جميلة، ترمز إلى قلب وقلم بين الضوء والعتمة.
أما مضمونه فهو سيرة ومسار مؤلفه، من سن اليتم المبكرة، ومضافاتها المؤلمة، في قرية «باتر» الشوف، التي وصفها وصفاً دقيقاً بديموغرافيتها، وتكون عائلاتها وعاداتهم الإنسانية فيها بينهم، جاعلاً منها نموذجاً لأوثق العلاقات، حيث الرابط مكارم الأخلاق، والإيمان الصادق على كر الأيام والسنين.

قرانا ـ يقول ـ مفاتيح وخالق التاريخ، إن لم تتشابه كثيراً في المبنى، سطوح القرميد، والسطوح الترابية، فإنها إلى حد كبير تتشابه في المعنى، وبالقيم، وبالأصول، وبعبق التاريخ.

وقبل أن نغوص بمضمون الكتاب المتعدد المحطات، بما هو مدهش حقاً، أرى لزاماً أن أذكر أنه قدم له سماحة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، بمقدمة على جاري عهده، أديباً متفوقاً، وشاعراً مبدعاً، سماه فيها: «الأديب المسافر، والمؤمن الموحد، الذي أحب السير دائماً باتجاه النور والخير».

وذلك على كثرة أسفاره متنقلا بين عواصم الحضارات، مستقيا منها ذروة ثقافاتها، وأعمق العلوم والآداب، وتمكّنُه من اللغات، ولا سيما اللغة العربية، بصورها البلاغية والإبداعية، شعراً ونثراً.

أديب خطار صاحب «شرفات» حقاً، أو محطات أدبية، وإنسانية وأخلاقية وعلمية، ترقى ـ برأينا ـ إلى مستوى الشمول، إذ قيمة الإنسان ما يحسنه، وقيمة الأعمال مدى الاستفادة منها. وهكذا كتابه القيم هذا، طاف بمادته من قارة إلى قارة، ومن فائدة إلى أخرى.

أولاً: من «باتر» إلى بيت اليتيم، عبيه، من بيروت إلى القاهرة، ومن لبنان إلى الاتحاد السوفياتي، ففنزويلا، ومن ثم إلى التعليم في الجامعة اللبنانية، كلية الآداب، ومن بيروت إلى كل العالم. في كل هذا محطات سماها هو «شرفات» وقد عبّر بشكل واقعي صحيح، عما كتب، فقال: بين طيات الكتاب نصوص ليست نظرية، همّها مداعبة الأفكار، وضروب حنين الإنسان إلى الماضي… بل نصوص تشير إلى رموز تتعانق مع الوعي، والرغبة الصادقة في تجذير هذه المسيرة في واقع جغرافي محدد، هادفاً في الوقت ذاته إلى النفاذ من هذا الواقع الخاص إلى الشمول الإنساني.

كما أشرنا آنفاً، عملاً بقول مارون عبود: «إذا تعمّق الكاتب في درس أشخاص بلاده، فقد درس بالفعل أشخاصاً في كل بلد، لأن الطبيعة الإنسانية هي هي في كل مكان، ولكن يجوز للكاتب أن ينطلق من واقع بلاده الخاص نحو الإنساني العام».

ويستكمل كتابته عن القرية ـ المنبت ـ الأمل بإحساس مرهف وحب غامر، محاولاً الرسم بالكلمات عن حياة عاشها، ومن طفولة لم يعشها إلا بالانخطاف، إلا ـ النور، ما دلّ على مشهدية لا أجمل، ولا أحلى، كشعلة الأولمبياد، سيبقى ما تبقّى من تراث، وموروث قيمي لا تخبو جذوته أبداً.

وسيشهد باريها شهود قوله: «أنعم النظر في الأرض، لتكتشف أن ذلك الشجر الحاني من ثقل الثمر، وحصاد البيادر من بذور السلف. لو عرف الزيتون غارسه لصار الزيت دمعاً، وإذا تأملت شمس الغروب ليلة صيف، تقسم البيت إلى نصفين: نصف معتم، ونصف مضيء، سأجلس بين العتمة والنور، الماضي يتدفق خلفي كجدول، والمستقبل يزحف أمامي، وأنا بلا زمن».
وراعني في الكتاب عشرات المعاني والدروس بين دفتيه، في سياقات مطردة ومتآلفة، تنعكس مما في وعيه وفي ذاكرته من نباهة وحسّ مرهف بالإنسانية.

لن نستطيع مراجعته في كل ما فيه ـ على كثرته ـ في عجالة، وسنقتصر مراجعتنا على شرفتين من الشرفات فيه، ونترك ما تبقى إلى القارئ، الذي حتما سيجد فيه كل المتعة والإفادة.
في الشرفة الرابعة، شرفة الأخلاق، يقول المؤلف: إن الخلق هو مقياس حقيقي لكل إنسان، إن خلق الإنسان الظاهري هو مقياس داخلي لشخصيته، إذا ملفظ القالم سقط، سقط علمه، وإذا ملفظ الأم مع أبنائها سقط، سقطت أمومتها. وحاصل الكلام في حسن الخلق يدور على قلب واحد، وهو بذل المعروف، وكف الأذى، وإنما يدرك بثلاثة أمور: العلم، والجود، والصبر.

وموضوع كل خلق: أين نضعه، وأين يحسن استعماله. ويستشهد بقول للمعلم كمال جنبلاط: «يفترض أن يكون للفرد نظام للأخلاق، والمناقبية في داخله، وفي علاقاته مع الآخرين، فالنظامان: نظام المجتمع، ونظام الأخلاق متلازمان متصلان، لا يقوم أحدهما من دون الآخر، وإلا سقط الفرد، وفسد المجتمع، واضمحلت الحضارة، وتبعتها في اضمحلالها جميع مكاسبها المادية».

ونأتي إلى القسم الخامس أو الشرفة الخامسة، بها يعرف الموحدون الدروز، بأنهم تجمع بشري، اعتنق عقيدة دينية عقلانية، توخت الأفضل، ألا وهي عدم الركون للقائم الحاضر الذي هو تكرار لما هو قائم، فأرادوا الانعتاق من ربقة الحاضر، وفتح مشارف مستقبلية على تقدم ديني وفكري.
والمهم بالنسبة للدرزية، الاقتناع الداخلي، تحقيق الحقيقة الداخلية، ومعرفة الذات. وديانتهم ديانة زهاد روحانيين، يمارسون الحياة معرفة، والتوحيد لديهم: قول اللسان، والعمل بالأركان، وتصديق الجنان. وعبر المعرفة الواعية نتوصل إلى مدارج الله، ونكتشف الذي نملك. إنها منارة روحية عظيمة، هي هوية الروح، ومثال الفضيلة.

نكتفي بهذا توصيفاً لهذا الكتاب النفيس للدكتور أديب خطار على اختصار فيه، فهو جدير بدراسة مطوّلة، نظراً لفائدته الكبيرة.

حين تصبح المعرفة فعل رُقي ومعنًى

يبرز كتاب «لأن الثقافة حياة» للشيخ وسام سليقا كعمل فكري رصين يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة في زمن تتسارع فيه المعلومات وتختلط فيه القيم.

يكشف الكتاب عن ضرورة النظر إلى الثقافة بوصفها عنصراً جوهرياً في صياغة الوعي الإنساني والممارسة اليومية، وليس مجرد تراكم معرفي نظري. فهو يقدم رؤية متكاملة للثقافة كنسيج حي يربط الماضي بالحاضر، ويقوي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الفكر والعمل، مع التأكيد على أنها ليست رفوفاً مليئة بالكتب فحسب، بل ممارسة يومية تُشكل الشخصية وتحدد طريقة العيش والتفاعل مع الآخرين.

صدر الكتاب عن دار الأنام للطباعة والنشر في ديسمبر 2025، ويعكس التزام المؤلف بمقاربة واقعية للثقافة، تنطلق من فهم دقيق للواقع الاجتماعي بعيداً عن التنظير المجرد.

 

يظهر من خلال صفحاته اهتمام واضح بتقوية العلاقة بين الفكر والسلوك، مؤكداً أن الثقافة الحقيقية هي التي تتجلى في الحياة اليومية، وفي القدرة على الحوار، وتحويل المعرفة إلى فعل أخلاقي واجتماعي ملموس.

ارتبط صدور الكتاب بحفل توقيع لافت في بلدة الفرديس، حضره سماحة شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، إلى جانب شخصيات دينية وثقافية وسياسية متنوعة من مختلف الخلفيات. مثل هذا الحضور المتنوع تجسيد عملي لفكرة الكتاب الأساسية، حيث شكّل منصة حوار حيّة توحد رؤى مختلفة، وتعيد بناء مساحات مشتركة للتواصل الفكري تتجاوز الانتماءات الضيقة.

يتسم طرح الكتاب بالشمولية، فيعرض الثقافة من زوايا متعددة. يبدأ من فهمها كنمط حياة يظهر في سلوك الفرد، ويمتد لتحليل تأثير العولمة وثورة المعلومات على الهوية، داعياً إلى تنمية وعي نقدي يفرق بين الجوهري والعابر. كما يولي التعليم أهمية قصوى، مشدداً على أن دوره الحقيقي هو تعليم التفكير وتشجيع السؤال، وليس التلقين، ليصبح الفرد قادراً على المشاركة الواعية في صياغة ثقافة مجتمعه.

ويبرز الكتاب بشكل لافت العلاقة العضوية بين الثقافة والتماسك الاجتماعي، معتبراً أن الثقافة المشتركة هي الغراء الذي يمنع التفكك، وأن الوعي الثقافي يحول التنوع من مصدر محتمل للصراع إلى منبع للإثراء. يؤكد المؤلف هنا أن الثقافة ليست ترفاً نخبوياً، بل حقاً للجميع وشرطاً أساسياً لتماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات، سواء المحلية أو تلك الناتجة عن رياح العولمة العاتية.

يتميز النص بلغته الجذابة وعاطفته المتزنة، التي تربط بين الفكر والمعنى وبين التحليل والنقد دون إقصاء. فالثقافة عند سليقا ليست في صدام مع الدين أو الموروث، بل هي جسر لفهم أعمق للإنسان وتقوية الصلة بين المعرفة المجردة والتجربة الحية.
يسعى الكتاب بهدوء إلى ترميم العلاقة بين الإنسان وذاته، بين الوعي والروح، وبين المعرفة وتطبيقها، مؤكداً أن الثقافة المعاشة تصبح قوة بناء فردية وجماعية ومصدراً للرقي.
لاقت فكرة الكتاب تفاعلاً واسعاً، حيث عبّر الحضور في حفل التوقيع عن تقديرهم لطرح الثقافة بلغة قريبة من العقل والقلب معاً، للتأكيد على أنها مشروع حياة وليست شعاراً.

وكان حضور شيخ العقل إشارة رمزية عميقة على إدراك المرجعيات الدينية لدور الثقافة الحيوي في تعزيز اللحمة المجتمعية، وإمكانية أن يتكامل الانفتاح الفكري مع العمق الروحي في مشروع حضاري واحد.

لا يكتفي الكتاب بالوصف النظري، بل يقدم إطاراً عملياً لفهم الثقافة كخيار وجودي. إنه يدعو القارئ إلى التعامل معها كتجربة يومية، ووسيلة لبناء الشخصية، ورافعة للوعي الاجتماعي، ومصدراً لفهم العلاقات الإنسانية. ويشير بوضوح إلى أن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في المستقبل، وأن المجتمع الذي يتبناها كخيار حياة يكون أكثر صلابة في وجه الأزمات وأكثر قدرة على اقتناص الفرص.

من خلال قراءته، يصل القارئ إلى قناعة راسخة بأن الثقافة ليست حملاً من الماضي، بل هي مستقبل نصنعه بأيدينا. إنها العنصر الأساسي لإحياء الإنسان والمجتمع معاً. فالوعي الثقافي، في صلته العضوية بالقيم والسلوك، هو ما يجعل الحياة ممكنة بكل عمقها، ويحوّل ضجيج المعلومات إلى فهم، والفهم إلى ممارسة أخلاقية واعية.

يقدم كتاب الشيخ وسام سليقا «لأن الثقافة حياة» نموذجاً ملهماً لما يمكن أن تكون عليه الثقافة حين تتحرر من أبراجها النظرية العاجية وتصبح فعلاً حياتياً حقيقياً. فهو يربط الفرد بالمجتمع، والمعرفة بالقيم، والفكر بالعمل، ويعيد للوعي مركزه في زمن يطغى فيه السطحي على العميق، والضجيج على الصوت الهادف، والانشغال على الحياة الواعية.

ويضع الكتاب، من خلال تحليله الواقعي وتصوره الشامل، أرضية مشتركة للنقاش البناء، مؤكداً أن الثقافة حق للجميع ووسيلة لا غنى عنها لبناء مجتمع متماسك، واعٍ، ومتحضر.

 

المعرفة بين النعمة – واللعنة

كتاب هو عبارة عن بحث معمّق يتناول فيه مؤلفه الدكتور حاتم علامة، مسألة المعرفة في تحديداتها، ومدلولاتها، في أن تكون تارة نعمةً للأفراد والمجتمعات، بسلوكيات معينة، ومفهوم إيجابي، شريطة ترجمة مدلولاتها إلى وقائع عمل فعلي، في ضوء مستوىً رشيدٍ من الوعي، يُتَقَيَّدُ به ضماناً لإدراك الأهداف الحسنة المتوخاة منه، والمُعَبَّرُ عنها بـ «النعمة» أي بالارتقاء معنوياً ومادياً إلى حالة من السعادة العامة، يتمنَّاها ويسعى إليها كُل إنسانٍ بحَسَب معطياته العقلية، ومدركاته العلمية، وذلك بنسبية ما، حيث أن المعرفة، ولا سيما إذا كانت كليةً، فوق مقدورات البشر ومقدراتهم، لأنها عندها تماثل قوانين الطبيعة غير المدركة منهم، ولكن بحسب تحديدات المؤلف علامة، وإلماحاته، فإن للمعرفة وجهاً آخر غير وجهها الإيجابي، ويمكن أن ينحو نحو السلبية بالمعنى المطلق، ويصير من شدته «لعنة» أي وبالاً على المجتمعات والأفراد، كما هو صائر اليوم في العالم بمعظمه. وربما يريد المؤلف في كتابه أن يقول: إن للمعرفة وجهين، سلبي وإيجابي، وهذا يتوقف على حسن استعمالها… إنه تعليل منطقي، في ضوء ما يحصل على كوكبنا من نزاعات وحروب وجرائم، وعنف، واضطهاد غير مبررة بمقاييس الحرية، وحقوق الإنسان، ناهيك بالعدالة التي لو اعتمدت حقيقةً، لوفرت على البشرية عذاباتها ومآسيها ووطدت السلام. الدكتور علامة في كتابه القيِّم هذا يرى أن أزمة العصر بوجوهها المعقدة، وربما أزمات كل العصور السابقة التي لم يُتَوَصَّل إلى حلها حتى اليوم، هي مرجحة للاستمرار، بغياب الوعي التام واستفحال الأنانية، سواءٌ أكانت فرديةً أو جماعية.

إذن المسألة هي مسألة وعي لا غير، وكيف نأتي بالوعي الجماعي بعيداً من المعرفة، ومن ثم العلم، الذي مصدرُهُ العقل والعقلانية وهذا «أرسطو» الفليسوف اليوناني العظيم، نقلاً عنه، يورد المؤلف مقولة أن «الجاهل يؤكد، والعالم يشك، والعاقل يتروى».

وبمثل ذلك يتحدث «نيتشه» الفيلسوف الألماني، عن المعرفة فيرى مثلاً أنّ القناعات الراسخة أكثر خطورةً على الحقيقة من الأكاذيب» فالجزم بالحقيقة من أيٍّ كان يجب أن يُتَحفَّظ عليه في ضوء المعرفة التي تنمو وتتكاثر، وتتحول من حال إلى حال، أو من اقتناع إلى ضدّه. هذا الكتاب المهم الذي يبلغ عدد صفحاته قرابة 170 صفحة، جعله الدكتور علامة من ثلاثة فصول، وخاتمة.

ضمَّنَ الفصل الأول، بحثاً في «الكورونا»، قسَّمَهُ إلى أربعة مقالات اجتهادية فكرية، رأى في الأولى أن مع الكورونا، الحدث العالمي المفاجئ ينبغي كتابة تاريخ جديد. وفي الثانية ضرورة وضع معيارية كونية جديدة، ويتساءل في الثالثة، العالم إلى أين؟ وفي المقالة الرابعة، لا يتردد في الجزم في أن الكورونا فاتحة قيامة شاملة. وفي الفصل الثاني يتطرق إلى موضوع أساسي في حياة البشرية قاطبةً، وهو الأخلاق، والثقافة. والمعنى بين المحمول المعرفي وتشفير اللعنة. فيجعل السؤال الأخلاقي بين بصمة التميز، والترانسفير المعرفي، وثانياً الأخلاقي – الديني بين احتكار النجاة والسمو المعرفي، وثالثاً: أسئلة المعنى في منظومة قيمية متهاوية. ورابعاً المعرفة بين المركب الثقافي والأنتروبولوجيا الثقافية، وفي الفصل الثالث: يناقش النظام المعرفي بين صناعة العصر، ومشاكسة اللعنة، فيتبين مستنتجاً المعرفة بين فلسفة الحقيقة، وعقلنة الوعي، وبين معرفة المعرفة، وعقلنة الوعي. والعلم والمعرفة، الفكر والتفكير النقدي، إلى أن يصل بالاستنتاج إلى التحدي المعرفي بين لعنة المعرفة، والمعرفة المحرمة.

إنْ هذا إلا عجالة منا لكتاب يشكل إضافة ثقافية وعلمية يحتمل الكثير من التبسط والتوسع في عميق معانيه الذاهبة مذهب الإنقاذ والإصلاح في زمن التصحر الفكري أو قُلْ في زمن المعرفة اللعنة…

مع المؤلف نقول: «لا أفكار قبلية لحقيقة عاصفة، واستحضار لفكر نقدي عبر التاريخ، نتشاركُهُ مع العقول النيرة، والوعي المتوهج، عصفاً بيقينات بالية، وأوهام وخرافات.

جسدٌ لا يَشيخ وعقلٌ لا يَحُدُّه زمن

عنوانُ كتابٍ، هو عبارة عن بحث علمي، لمؤلّفه الدكتور Deepak Chopra، نقله إلى العربية، الأستاذ رجا أبو شقرا. احتلّ مرتبة الكتاب الأوسع انتشاراً (best seller). والذي بيع منه حَوَالي مليوني نسخة في أميركا. إلى شموليته، تضمن مواضيع علمية وفلسفية، تسبر غور العلاقة المتكاملة بين مادية الجسد، وسرمدية العقل، وأنَّ بالإدراك الشامل يتحرّر الإنسان من (تعويذة) الفناء، وأن الموت ليس النهاية المطلقة للحياة، بل تكملة لمسيرة الذات في الكينونة اللّامحدودة، وملامسة ذلك الإدراك الذي لا يحده زمن، حيث يتلاقى الموت والحياة، في وحدة لا فناء فيها، بل استمرار وخلود في رحاب العقل الأول. يقول المؤلف في سياق هذا البحث: إنّ الموت والولادة كما يدركهما معظم الناس هما حدثان متعلقان بالمكان والزمان، ولكن الوجود بمعناه الأساسي ليس كذلك، فالذاكرة، إذا أمعنا النظر فيها تفيدنا بأننا كنا دائماً موجودين، ولا أحد يتذكر غير ذلك. ويُبرِز الكتاب، أنّ أبحاث العلماء خلال السنوات القليلة الماضية أكدت أن الهرم والشيخوخة ومن ثم الموت ليست كما يمليها علينا المجتمع، حتميةً لا مناص منها، بل خاضعة لطاقة يستخدمها العقل بتأثيره في أوضاع الجسد وتغيير مساره من خلال حريةٍ وطاقةٍ تمكّنان هذا العقل من برمجة خلاياه وتوجيهها كما يريد، ويؤكد المؤلف أيضاً أن أجسادنا والعالم المادي من حولنا ليست إلا انعكاساً لما تعيه عقولنا في هذا الكون، فالعالم موجود، ونحن موجودون فيه، لأن تفكيرنا يدرك هذا الوجود، والعقل والجسد هما من مصدر خلاَّق واحد يسمى الحياة.

لذلك أيُّ تفاعل كيماوي في أجسادنا هو نتيجة للنشاطين العقلي والفكري اللذين نقوم بهما، لأن المعتقدات والآراء والانفعالات هي التي تُحدثُ هذا التفاعل الذي يزود كل خلية من خلايانا بالحيوية والنشاط، فالخلايا الهرمة في الجسم هي خلايا أخفق الوعي الفكري في أن يبقيها حيَّةً، فثمة دوافع ذكية تُحدثُ في أجسامنا تغييرات جديدة في كل لحظة، وما نحن في مجمل كياننا إلاَّ نتيجةً لتلك الدوافع والتغيرات، فإذا استطعنا أن نغير نمط تلك الدوافع في ضوء العقلانية والحكمة لتوصلنا إلى التغيير المفيد في نفوسنا وأجسادنا، فبالرغم من اختلاف بني البشر بعضهم عن بعض، هناك أنماط من الذكاء تجمعهم تحت مظلة واحدة، كون أجسادنا تتألف من أجزاء جسد كوني متكامل، وكذلك عقولنا هي أجزاء من عقل كوني مطلق هو الخلود نفسه.

تقسيم الزمن إلى أجزاء

قَسَّمَ بنو البشر الزمن إلى أجزاء أسموها (ثواني ودقائق، وساعات، وأياماً وأشهراً وسنين إلخ…) كانعكاس لمفهوم التغيير في مجتمعاتهم، فالزمن كما جاء في الكتاب، غير قابل للتجزئة، في إطار إدراكنا المطلق له، والتحرر من قيود الماضي، والحاضر والمستقبل، إذ تبقى (فيزيولوجية) البقاء السؤال الكبير ونجد استتباعاً في الكتاب أنّ المعرفة لدى البشر، هي حقيقة راهنة، تزداد باطراد مذهل، ينتج منها الارتفاع الكبير في متوسط أعمار الناس.

ويلفتنا الكاتب هنا، إلى ربط آرائه بنظرية «أنشتين» وغيرها من العلماء، وسرد تلك الحقائق على ضوء نظرية Quantum Physics التي تشكل قدراً مستقلاً عن الطاقة دون الذرة في حجمه، وأكدوا أن النظرة إلى العالم المادي من حولنا، هي نظرة غير دقيقة، وتختلف من إنسان إلى آخر، فإذا أخذنا بهذه الحقيقة على ضوء Quantum theory التي تعتبر في مضمونها أن الكائنات والكون من حولنا هي طاقة كهرومغناطسية، تتألف من جزئيات غير منظورة تسير بسرعة الضوء، وليس لها حجم، يصبح التقدم في السن، كما نفهمه مختلفاً تماماً، نظراً إلى طغيان الحواس الخمس على تفكيرنا.

نظرية أنشتين وزملائه

أنشتين وزملاؤه سلّطوا الضوء على نوع من الإدراك، هو أن الزمن ليس له بداية أو نهاية، وكذلك المكان ليس له أبعاد مجسَّمة، أي أن كل جزء مجسم في الكون ليس إلا حزمةً غير منظورة من الطاقة، تتذبذب في فراغ عظيم، النظرية القديمة بالنسبة إلى المكان والزمان حلّ محلها متسع غير محدد، «بزمان أو مكان» وهو دائم التغير. فـ Quantum physics ليس مفصولاً عنا، إنه نحن، وكما تتكون النجوم والمجرات، نحن بنو البشر نكون أنفسنا. جسم الإنسان ككل الأشياء في الكون يتجدد كل ثانية.

حواسنا ترينا أننا نحتل مكاناً وزماناً معينين، إنه أبعد من ذلك بكثير، إنه معجزة تمدها بالطاقة ملايين بل بلايين السنين من الذكاء كُرِّست لمراقبة التغير الدائم الذي يحدث في داخلنا، إذ إن كل خلية من خلايانا هي قطب صغير جداً، يتصل بكمبيوتر الكون غير المحدود (سبحان الله).
من هذا المنظور يصبح الإنسان قادراً على المحافظة على حصانته الجسدية، وتأخير شيخوخته. يولد الإنسان حيث تكون كل خلية من خلاياه التي تبلغ ألف بليون خلية خالية من الشوائب، فالطاقة دون الذرة التي تتألف منها تلك الخلايا القديمة جداً، تجوب الكون منذ زمن غير محدود يتجاوز بلايين وبلايين السنين وتستمر في ما لا نهاية تغيِّر نفسها لتصبح جديدة كل لحظة!

أجسادنا بدورها تخضع لهذا النبض الخلاق، ويقدر عدد التفاعلات التي تحدث في كل خلية من خلايا أجسامنا نحو ستة آلاف بليون كل ثانية، فإذا توقفت تلك التغيرات أو بعضها أو جميعها في آنٍ معاً تحدث فوضى ينجم عنها ما يسمى الشيخوخة.

إذن الشيخوخة لا تأتي إلا إذا توقف الجسد عن النمو والتغيّر. ما يود Chopra أن يقوله، هو أن الإنسان بإدراكه وتصميمه، يمكنه أن يحول العمليات الكيميائية التي تجري داخل جسده دون وعي منه إلى عمليات واعية تستنهض طاقاته النفسية والإدراكية لتشحذ غريزة حب البقاء لديه، وتحفِّز جهازه المناعي، لمقاومة المرض والشيخوخة، ويردف Chopra بالقول:

إنّ حياتنا تنتشر في حقول شاسعة من التجارب، إذ ليس هناك حدود للطاقة والمعرفة والذكاء المتراكمة في وجودنا، والمخزونة في خلايانا يعبر عنها العقل بكماله واحتضانه معاني وحقائق جديدة تتوق دائماً إلى خلقٍ مستمرٍ. فالفراغ في قلب الذرة هو جزء من رحم الكون المفعم بالمعاني حيث نسمة الحياة لا تتوقف.

كيف نضع حداً لطغيان الحواس

ويستطرد شوبرا هنا مرة أخرى بقوله: إننا نرى الأشياء حولنا بأبعادها الثلاثة، كما تمليها علينا حواسنا الخمس وبحسب هذا الإحساس والرؤية تظهر الأرض مسطحة، وثابتة، والشمس تشرق من الشرق وتغرب في الغرب، إلخ… أنشتين بدوره أضاف: إنّ الزمان والمكان هما من صنع الحواس الخمس، نحن نرى ونلمس الأشياء بأبعادها الثلاثة، ونعيش الأحداث حسب نظام زمني متتالٍ، ولكن أنشتين وزملاءه تمكنوا من نقض هذا المفهوم ليسلطوا الضوء على إدراك جديد، وهو أن الزمن ليس له بداية أو نهاية، (كما مر معنا في هذا البحث)، وكذلك المكان ليس له أبعاد مجسمة، أي أن كل جزء مجسم في الكون ما هو إلا حزمة خيالية من الطاقة تتذبذب في فراغ عظيم.

النظرية القديمة حول الزمان والمكان دحضت

يُعْلمنا Chopra أن النظرية القديمة بالنسبة إلى الزمان والمكان دُحضت، وحل محلّها متسع لا يحده زمن، وهو دائم التغيّر. فـ Quantum physics ليس مفصولاً عنّا، إنه نحن، وكما أن الطبيعة تكون النجوم والمجرات، كذلك نحن بنو البشر، نُكوِّنُ أنفسنا. فجسم الإنسان ككل الأشياء في الكون يتجدد كل ثانية. فبالرغم من أن حواسنا ترينا بأننا نحتل جسماً في مكان وزمان معينين، إنه أبعد من ذلك بكثير، إنّه معجزة تمدها بالقوة ملايين السنين من الذكاء. وهذا الذكاء مكرَّس لمراقبة التغيير الدائم في داخلنا، فكل خلية من خلايانا هي قطب صغير جداً يتصل بكمبيوتر الكون الشاسع، إذا جاز التعبير.

الطاقة الكونية لا تتوقف عن تغيير نفسها

من هذا المنظور تصبح الشيخوخة أمراً صعب الحدوث، فلو تمكن طفل حديث الولادة من الحفاظ على حصانته الجسدية، لأمكن له أن يعيش 200 سنة! إذ إن كل خلية من خلاياه التي تبلغ حوالي 50 ترليون (ألف بليون) خلية تكون نقية كقطرة ماء خالية من الشوائب، وليس هناك أي سبب لأن تشيخ إلّا إذا اعتراها ما يعكر صفاءها ووظائفها. إن خلايا الطفل الحديث الولادة ليست خلايا جديدة، فالذرات التي تتألف منها هذه الخلايا قديمة تجوب الكون منذ بلايين السنين أو منذ زمن غير محدود.

ومن المُدهش علمياً، كما في «الكتاب» أن نعرف أن البشرة، تستبدل نفسها كل شهر، وتلافيف المعدة كل خمسة أيام، وخلايا الكبد كل ستة أسابيع، والجهاز الهضمي كل ثلاثة أشهر. تظهر هذه الأعضاء للعين المجردة ثابتة كما هي، ولكنها ليست كذلك.

ففي نهاية هذه السنة 98% من الذرات والخلايا في أجسادنا تكون قد تغيَّرت، واستبدلت بأخرى جديدة. إنّ غاية القول في هذا الكتاب العلمي المدهش في وقائعه، واكتشافاته، أنه غير قابل للاختصار في مقالة واحدة، لقيمته التي لا تقدر، معنوياً، ومادياً، إلا بقراءته كاملاً، فهو في هذا، يتأكد للإنسان منا، أنه لا يمكن أن يعرف نفسه جيداً أو يعرف الحياة أو الكون من حوله إلّا بالمعرفة… المعرفة الكلية التي لا نتوطنها إلّا بالاستجرار الفكري الدائم، فالعرفان أساس كل شيء (سبحان الله).

صورةُ الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله،

بعضُ أهميَّة كتابات السيد بحر العلوم هو ما تمتع به من غنى موسوعي لجهة المادة، والتوثيق الدقيق لجهة المصادر والمراجع، والعَود باستمرار للوقائع والشواهد منهجاً في دعم نتائجه واستنتاجاته. هذا في كتابات السيّد بحر العلوم عموماً، فكيف إذا كان الموضوع سيرة الخليفة الفاطمي السادس، الحاكم بأمر الله، بل صورته التي تناقلتها المُدوَّنات التاريخية.

ولا يَخفى القارئ التحامل والتجنّي اللّذين تعرضت لهما سيرة الحاكم وصورته، من عدد من الكتّاب غير، إمّا لدواعٍ أيديولوجية صريحة، أو نقلاً عن روايات مختلقة اختلط فيها الخبر بالأسطورة، والحقيقة بالخيال. وبعض الصورة التي رُسمت للخليفة الحاكم بأمر الله، قسوته في الأحكام، بل دمويَّته، والتناقض في قراراته.

يفنّد السيّد بحر العلوم في الجزء الثالث من كتابه «تاريخ الدولة الفاطمية» المزاعم تلك جملة وتفصيلاً، ويعيد إظهار سيرة الحاكم الحقيقية، كما كانت في الواقع، نقلاً عن عشرات المصادر والمدوّنات التاريخية: « ….أقف إزاءها بنِظرة عالية فيها من الدقة والتفكير، بالسَّير الاجتماعي الأخلاقي ما يجعلني أُكبِر هذا الرجل وأبعده عن اتهامات الكتّاب». (ص 182)

وضعت وفاة والد الحاكم، الخليفة العزيز، المبَكِّرة الفتى في موقع الخليفة وهو يافع السن لم يتجاوز الثانية عشرة من العمر. لكن الأمر لم يطُل بالفتى حتى أظهر معدنه المتميّز، فتخلّص من قادته الأقربين الفاسدين، ابن عمّار وبرجوان، المتشاحنَين المتطاحنَين على الدوام.

أمسك الشاب اليافع ذو الشخصية الجبّارة، على ما يصفه المؤلف، بناصية الخلافة لثلاثة عقود، مُصلحاً شؤون الدولة ومُندَرجاتها ودوواينها، وباعثاً لسياسة جديدة تخفف عن كاهل مواطني الدولة الأعباء الضريبية حتى الحدّ الأدنى، ومختطّاً لسياسات كانت الأكثر عدلاً، وكأفضل ما يكون عليه الإصلاح، وتكون عليه السياسات على الإطلاق، جالباً من خلالها الأمن والأمان والعدالة لأرجاء الدولة، وضارباً في الوقت نفسه بيد من حديد على أيدي الفاسدين والمحتكرين والمتّجرين بقوت الناس.

يسهب المؤلف في تفاصيل الصعوبات العملية التي واجهها شاب يدير دولة معقدة، وتضم قادةً شرسين وخلفهم قبائل وجيوش؛ لكن الشاب وعلى توقُّع أنجز ما لم يكن بالحسبان. ففي خلال ثلاث سنوات لا أكثر بدت الدولة الفاطمية في ذروة قوتها، وبدت دولة الحاكم بأمر الله، لا دولة سواه، يشرف على الصغيرة قبل الكبيرة فيها، ويتابع القضايا والمسائل الشائكة، يحضر «المجلس الوزاري»، ويكون صاحب الرأي الأخير في كيفية تدبير المملكة. ويعلّق المؤلف على ذلك:

«من الممكن أن تكون قابليته كَيفّته لأن يكون شاباً مثالياً يؤْثر العمل المُتعب، ويعاني الإجهاد المُضني في سبيل مصلحة بلاده حتى أنه أبدى نشاطاً مدهشاً في مجاله، فهو لم ينغمس في اللذة وينهمك في اللهو واللعب كما هو شأن أمثاله من الشبّان ممّن تسنّى لهم هذا المركز، وأتيحت له هذه المكانة، وإنّ حياة العبث والمجون لم تتمكن من الوصول إليه فلم نلمس عنده جانباً ليّناً وميلاً نفسياً، وإنما كان منكبّاً على عمله في تدبير دولته يواصل ليله بنهاره.» (ص 201-202)

في صفات الخليفة الفاطمي الشاب، الحاكم بأمر الله، ينقل المؤلّف عن مؤرّخين معاصرين لحقبة الحاكم الميزات غير الاعتيادية التي كانت له، في هيئته الجسدية، وفي طباعه وخصاله، كما في طبيعة الحكم الذي مارسه لنحو من ثلاثين سنة.

ينقل السيد بحر العلوم عن المؤرخ الأنطاكي (تاريخ الأنطاكي) قوله:
«وأظهر – أي الحاكم – من العدل ما لم يُسمع بمثله، ولعمري إن أهل مملكته لم يزالوا في أيامه آمنين على أموالهم… مطمئنين على نفوسهم، ولم تمتد يده قط إلى أخذ مالٍ من أحد، بل كان له جود عظيم، وعطايا جزيلة، وصلات واسعة…. وأسقط جميع الرسوم والمكوس التي جرت العادة بأخذها، وتقدم إلى كل من قبض منه شيء من العقار والأملاك بغير واجب أو في مصادرة في أيامه وأيام أبيه وجدّه أن يُطلق له ما قُبض منه.» (ص206)

ويورد عن الكاتب عبدالله عنان:
«والخلاصة أنَّ الحاكم بأمر الله لم يكن تلك الشخصية الساذجة ولا تلك العقلية المُخرِّفة التي تُقدِّمها لنا الرواة، ولم تكن أعماله وأحكامه كما صُوِّرت على كرّ العصور….وإنما كان الحاكم لغز عصره، وكان ذهناً بعيد الغَور، وافر الابتكار، وكان عقلية تسمو على مجتمعها وتتقدم عصرها بمراحل، وكان بالاختصار عبقريّة يجب أن تتبوّأ في التاريخ مكانها الحق.»(ص 209)

أمّا في سخائه وكرمه، فيكتب السيّد بحر العلوم:
«ولعل هذه الصفة العالية إحدى الخلال الرفيعة التي كان يتحلّى بها هذا الخليفة، فهو بخلاف غيره من الخلفاء لم تهشّ نفسه للمال أو يهتم لجمعه، رغم وفرته عنده ويسرته لديه. ولقد أجمعت الروايات على اختلاف نزعاتها وأهوائها على جوده وسخائه فلم يحسب له (المال) حساباً ولم يقم له أي وزن، فقد زهد بالمادة وبعُد عن بهرجتها وزينتها، وكان لدى الخزانة الخاصة بالدولة الفاطمية الشيء الغزير من التُّحف والمال والنوادر مما يدل على ثروتها الطائلة الأمر الذي ترك المؤرخين يدونون الكثير عن هذا الموضوع وتكدّس لدى الحاكم من الأموال والتحف ما يجلّ قدره ووصفه. غير أن هذا الخليفة الصلب لم يعبأ بكل هذه الثروة الطائلة، ولم يغرق بذلك البذخ المُسرف وإنما كان مثال السخاء والكرم….. «وما زال التاريخ يروي مثلاً مشاهد السنين التي شحّ فيها ماء النيل وكيف كان الحاكم يقف وسط شعبه مستجيباً لكل رجاء، دائب السعي لدفع ويلات المجاعة» (ص 210-211، الاقتباس الأخير عن دائرة المعارف الإسلامية، مجلَّد 7، ص 269-270).

هذا قليل مما أورده العلاّمة الدكتور محمّد بحر العلوم في الجزء الثالث من كتابه «تاريخ الدولة الفاطمية» من صورة الحاكم بأمر الله وخِلالِه وصفاته المضيئة، أمّا ما يَعلق بتلك الصورة من تجنٍّ فيردّه المؤلف إما لرغبة الرواة المعروفة بنسج الأساطير، أو لجهل بالوقائع، أو حتى «للعصبية (دفعتهم) للطعن بهذه الشخصية الجبّارة» (ص 215) وفي أسباب التحامل والتجني أيضاً، ينقل المؤلف عن دائرة المعارف الإسلامية قولها في الذين تأثروا بروح «التعصب» حتى «أنهم لم يقدِّروا هذه الشخصية الفذّة في نهجها، وعدُّوْه حاكماً متعطِّشاً للدماء، وبادروا فنسجوا حول شخصيته سلسلة من الأقاصيص السخيفة التي ما تزال تفتقر إلى تمحيص دقيق…. فمن البيّن أنَّ كثيراً من النظم التي سنّها واشتدّ الناس في ذمّها قد رمى بها إلى كبح جماح الفساد الذي تردّى فيه شعبه وقد ضرب لهم مثلاً رائعاً بسلوكه الذي لا تشوبه شائبة» (دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 7، ص 269).

كتاب “تحدّي تجديد العروبة”

هو عنوان لمؤتمر نظّمه «النادي الثقافي العربي». بين 4 و5 تشرين الأول أكتوبر 2019 في فندق البرستول، بيروت. شارك فيه اثنان وعشرون مفكراً ومثقفاً لبنانياً وعربيا وقُسِّمَ إلى خمس جلسات: الجلسة الأولى حملت عنوان: «العروبة من الحاضر إلى المستقبل»، والثانية الثقافة والهوية. والثالثة: «التجديد اللغوي» والرابعة: «العرب والعالم» والخامسة والأخيرة: «العرب والاقتصاد». كانت المناقشات والتحليلات التي أسهم بها المنتدون في غير زاوية من أهداف المؤتمر، ذات مستوى فكري ونقدي عاليين إزاء الواقع والمستقبل العربيين رأت غير ورقة وجوب تشييد نظرة موضوعية ونقدية إلى التجارب التي خاضتها وعاشتها العروبة على امتداد عقود من الزمن، لقد دفعت البلدان العربية أثماناً باهظة، ومع ذلك لم تتحقق الوحدة ولا حصل العالم العربي على حريته، ولم يحصل سوى إخفاق التجارب المختلفة المنهجيات، وأثبتت أن مشكلات العالم العربي واحدة، والقضايا التي تشغله واحدة، والقوى التي تناهض تحرره وتقدمه واحدة. وفي الوقت الذي تزداد الضغوط الخارجية والإخفاقات الداخلية يصبح التحدي الأكبر أمام العرب. هو كيف يصوغون فكرة عربية تعددية وديموقراطية، مبنية على مبادئ حرية الفرد في عمله ومعتقده وحقه في الكرامة والعلم والعمل.

ومع هذا تبقى في الزمن الحاضر، إشكاليات العلاقة بين العروبة والإسلام، التي يقف الإسلام السياسي والعقائدي منها عقبة كأداء أمام تحقيق القومية العربية، فجاءت الدعوة إلى «تحدي تجديد العروبة» في موقعها وأوانها على أننا ننصح ألّا يكتفي القاري العزيز بهذه الخلاصة منا بل بمطالعة الكتاب ومختلف الأفكار التي طُرحت فيه للنهوض العام من الواقع البائس الراهن، للعروبة. هل تقوى العروبة على تجديد ذاتها؟ مسألة ربما تبدو من المستحيلات، ولكن لعلّ وعسى.

إضاءاتٌ ملوّنة على فكر جورج شامي

كتاب وضعته بتمكن الإعلامية كلود أبو شقرا مجازة في الصحافة ووكالات الأنباء – كلية الإعلام والتوثيق – الجامعة اللبنانية، حاولت أن تلجَ فيه عالم جورج شامي الصحافي والروائي والمفكر الإنساني، الممتد عبر عقود من السنين، هي عمره، البالغ تسعون عاماً، وأن تدخل «رحاباً» تنبض حجارتها كما تقول: «بحياة محورها: قلم وألم»، يردّد الزمان في حناياها قصصاً وروايات ومواقف ومتاعب، تذخر بثقافة واسعة رائعة، وإبداع يتحدى ويتجدد بجمعه صنوف الحياة بحلوها ومرها، وصياغتها مشاهد ولوحات ملونة، لكل واحدة خصوصيتها الجاذبة والمؤثرة في هذا العالم الذي يصح أن نطلق عليه عالماً شمولياً، تمتزج فيه الأصالة بالحداثة، وتبرز شخصية أديب وإنسان عاش تجارب كثيرة بأبعادها المختلفة. صنع أدبه بقناعته هو، بإرادته هو، وبإيمانه المتأصّل بالحرية وبرفضه الارتهان…

إنها رحلة في حياة مفكّر كبير، شق مسار تعلّمه – من فقر مدقع – بإرادة صلبة وطموح متوثب متدرّج فبلغ أعلى المراتب العلمية، شهادة الدكتوراه في الإعلام، وكُرْسِي الأستاذية في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية… تقرأ سيرة حياته كما في هذا الكتاب، فتقع على نموذج من كفاح ونضال طويلين على المستويين الشخصي والوطني قلما تجده عند غيره من الكتاب، والصحافيين من استقلال في الرأي والثبات على المبدأ، كما نراه لاحقاً في حياته وتقلباتها العملية وما دار فيها من حوادث وأحداث وأشخاص وشخصيات عرفها وقاربها، وصحف تعامل معها وهي بالعشرات، لبنانية وعربية، ودور نشر، طبعت أعماله القصصية ومقالاته ودراساته الأدبية التي بلغت الآلاف، وفي مجمل مضمونها وتفاصيلها هي عبارة عن تأريخ غير مباشر لحقبة سبعين سنة أو يزيد ممّا مر بلبنان… الدكتور جورج شامي يرى من معين خبرته في المسألة اللبنانية، أن لبنان ليكون أفضل يجب أن تزول الطائفية منه، وحين تزول الطائفية يزول الميثاق، وحين يزول الميثاق تزول شعارات الاتحاد الوطني، عندها يقفل الكثير من دكاكين الشعوذة السياسية فيتمكن عند اللبنانيين الولاء للبنان ويصبح بالتالي ولاءً مباشراً غير مرهون بولاء الطائفة أو بولاء دول خارجية تستعمله أو تحركه. إنه كتاب مفيد ومثقِّف، يُقرأ ويُحتفظ به.

 

لبنان في مِئة عام أفكارٌ وتجارب

 

كتاب هدف إلى مراجعة التجربة اللبنانية خلال مئة سنة التي انقضت إلى الآن (1920 – 2020) التي تساوي بالمعنى السياسي عمر «لبنان الكبير»، أي الجمهورية اللبنانية الحالية، بكل إيجابياته وسلبياته، من خلال رجال اختصاص ناقشوا هذه التجربة، من أبواب التاريخ والسياسة، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية والدولية، وقدم هؤلاء أوراقاً بحثية، عكست تجربتهم الشخصية أو الفكرية أو العلمية، وغير ذلك من التجارب والاتجاهات المنوعة من الفكر والسياسة، وقد اختار كل باحث، كما ظهر، من الأوراق، موضوعه وأسلوبه، فاتسمت هذه المساهمات بالحيوية، والغنى والتعبير الحر.

سبعة عشر مفكّراً وباحثاً مرموقاً كانت مساهماتهم أقرب إلى الأبحاث العلمية، ولا سيما تلك التي ناقشت القانون، والاجتماع والسياسة، والفلسفة، وأخرى كانت أقرب إلى المعالجات النظرية التي بحثت في المواطنة والاجتماع اللبناني والتعايش… كان ثمة تباين في القراءات، وهو الأمر الذي أراده هذا الكتاب لإظهار التنوع في الرؤى والمقاربات بين اللبنانيين، إلّا أنّ كل المساهمين عبروا، بالنتيجة، عن إيمانهم بأن هذا البلد هو حقيقة واقعة، لم تنقص، كما يقول: الكاتب خالد زيادة، التجارب والصراعات منها شيئاً، بل لعل التجارب، سلبية أو إيجابية قد كرست لبنان حاجة لبنيه، وحاجة من محيطه إليه.

وإن يكن الكتاب قد أغفل بعض الجوانب، كالاقتصاد، أو دور لبنان الثقافي أو غيرهما اللذين يميزان لبنان وتجربته المئوية… إنّه كتاب غني كثيراً بما حوى من حقائق وما عكس من أضواء على لبنان الراهن، وسبل علاج الأزمات فيه.

الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم

الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم

د.نجوى حسيكي العنداري

لعلّ أعظمَ ما في الوجود، وأخطرَ ما في الوجود، وأجملَ ما في الوجود: الكلمة!
فلنتّقِ الله في الكلمة.
جميعنا يتعطّشُ للكلمةِ الجميلة، والكلمةِ الصافية، والكلمةِ التي ترقى بنا إلى مصافِّ السّببِ الذي كنّا لأجلِهِ على هذه البسيطة… ولعلّ مَكارم من الرّجالاتِ القلائلِ الّذين بذلوا الكثيرَ، فهو اجتهدَ في استثمارِ ما حباهُ الله من قدراتٍ في سبيلِ ما أسماه «تحقيق الكمال الأخص»، والمجتهدُ له الأجرُ سواءَ أخطأ أم أصاب… تبقى النوايا وراء القصد، وتبقى الوِقفةُ الصّادقة أمام النّفس خيرَ مُعين …

وللأمانة، لا تسعُنا بضع كلمات للتعبير عمّا كان فيه سامي مكارم مُجَلّيًا، وهو العرفانيّ والفنّان والشاعر والأستاذ والمفيد وهو الّذي عشق الحرف وعشق الكلمة وسافر فيها وبها ومعها ولها … وما زلت أذكرُه يوم بارك لي العمل قبل رحيلِه، وبدأت مسيرة بحثي، وكان نتاجه «الرؤية العِرفانيّة في فكر سامي مكارم» … لسنا بصدد تكريمِه فهو لا يحتاج لذلك، لكنّنا بحاجة أن نكرّمَ الخيرَ فينا كلٌّ من حيثِه، وكلٌّ من منطلقِه.
في هذا السّياق تتأسّس فكرةُ معرفتنا لمنبعِ آلامِنا، وأُسِّ أحزانِنا، وأصلِ سعادتِنا، ومُنطلقِ حرّيتِنا، تتأسسُ معرفةُ الإنسان لنفسه! ولعلّ هذه الفكرةَ، مع كثرةِ المفكّرين والمتنوّرين الذين تناولوها، تبقى تحمُلُ فرادةَ كلِّ نفسٍ، بما فيها من خصوصيّةٍ وجمالٍ. من هذا المنطلقِ، كان هذا الكتابُ الموسومُ بـ»الرؤية العرفانيّة في فكر سامي مكارم». وهو كتابٌ أُعِدَّ ليكونَ أطروحةَ دكتوراه، وقد تمَّ تلخيصُ بعض أقسامِه والتعديلُ عليها ليصبحَ مناسبًا لكلِّ قارئٍ مثقّفٍ، وليس حصرًا بالمتخصّصين.

ولتقديم لمحة عنه نتساءل:
ما انعكاسُ التجربةِ العرفانيّةِ على الواقعِ المُعاشِ حسب مكارم؟ أيمكن اختزالُها بالقول إنّها عيشُ حالٍ من الصفاءِ والطهرِ، في عالمٍ مترفّعٍ عن الماديّات؟ أم إنّه إشراكُ العرفان بنبض الحياة اليوميّة؟ ما الخصوصيّة التي ميّزت الرؤية العِرفانيّة في تجربة سامي مكارم، من ناحيةِ الأخلاقِ والدينِ والتصوّفِ؟ هل يتّصلُ، بحسب تجربةِ مكارم، العالمُ الأكبرُ – الله وعللُ الكائنات- بالعالمِ الأصغر – الإنسان، فيشكّلان عالمَ الوحدة؟ وهل انفصلا حتّى يتّصلا؟ وبأيٍّ من العالَمين يتحدّدُ موقعُ الضدِّ أو إبليس في هذه المعادلة؟ ومن ثمّ أينتفي دورُهُ؟ أم يُسَخَّر للخدمة؟ وما الذروةُ الروحيّةُ التي يصلُها الإنسانُ؟ وهل هي واحدةٌ أم أكثر؟ أم يتوقّفُ الأمرَ على قدرةِ الإنسان نفسه؟ وإلى أين وصل مكارم في تجربتِه ورؤيته؟
وبعد، ما هي أبرز المشاربِ الفكريّة التي استقى منها مكارم حتّى كوّنَ رؤيتَه العرفانية؟ وكيف تجلّى الإله الخفي في تجربتِه؟ وما هي النظريّةُ الأساسيّة التي انبنت عليها رؤيتُه؟ وهل قدّمت رؤيته في مختلف زواياها فرادةً وخصوصيّة أم كانت في بعضِها انتقاءٌ لما يتلاءمُ مع بعض الثوابتِ أو امتدادٌ لرؤيةٍ ما؟ هل هناك جوانبُ متناقضةٌ في تجربتِهِ؟
هذه الأسئلةُ وغيرُها تمَّت الإجابةُ عنها في هذا الكتاب الذي استُهلّ بمدخلٍ قدّم العرفان ومصدريّته ومعراج الترقّي ونهج المساررة، كما ألمحنا إلى أبرز مدارسه، وذلك من منظور التمايز والخصوصيّة. وفي الأبواب السّتّة تدرّجنا من دراسة رؤية مكارم للبنى الاجتماعيّة ثم رؤيته للبنى الأخلاقيّة، بعد ذلك درسنا رؤيته للعالم الأصغر – الإنسان، ثمّ تتبّعنا رؤيته للعالم الأكبر، ما سنح باستنباط رؤيته المعرفيّة للوحدة، بعد ذلك تجلّت رؤيته للثورة وصولا إلى كيفيّة تحقيق الإصلاح المؤدّي إلى تحقيق المدينة الفاضلة.

نضيف إلى ذلك ما قدّمته الدراسة في مجال تحديد الإله الخفيّ في فكر مكارم، والمشارب الفكريّة التي غذّت تجربته، والعرفان النظري العملي الذي تبلور في تحقيق الكمال الأخصّ، كذلك تحديد خلاصة الوعي الممكن وهو البراءة من الأنويّة، بالإضافة الى الجوانب المتناقضة لديه، زِد إلى ذلك ملحق معجم الرّموز الذي أظهر فرادة تجربة مكارم، وغيره ممّا لا يتّسع المجال هنا للحديث عنه.
ختامًا، يبقى للكلمة وقعها حسب تربة كلّ نفسٍ وحسب صفاء توقِها وقوّة شوقها وحثيث سعيها.

قراءة في كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»

قراءة في كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»

د.عبد الله سعيد (2)

يقول مثل قديم، ثلاثةٌ لا يموتون أبداً: واحدٌ زرع شجرةً، وواحدٌ خلّف ولداً، وشخصٌ ألّف كتاباً. من هذا المنطلق أحيا المؤلفان الماضي الريفي، عبر قرية بشتفين، بكل تفاصيله؛ الزراعية والحرفية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، حتى الدقيقة منها. فتُعجب لسير أحداث وحياة بلدة ريفية منسية في جبل لبنان تقع على كتف جسر القاضي الأثري، ووادي نهر الدامور، كعقدة مواصلات هامة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
إنّ الكتابة في التاريخ الاقتصادي الاجتماعي، تعني أنك تؤرخ لصالح وحدة المجتمع بكل عناصره وفئاته، وبكل تفاعلاته الجغرافية والحضارية والسياسية والنفسية والثقافية. وتعني أنّك أخذت جانب منهج التأريخ العلمي الذي يرصد حراك المجتمعات البشرية وفقاً لقوانين تطورها الطبيعية بمعزل عن ميول ونزعات الباحثين والدارسين… فالتاريخ الاجتماعي الاقتصادي هو تأريخ توحيدي تطوّري، بينما التأريخ السياسي الطوائفي، هو تأريخ تفتيتي تصادمي يحمل، غالباً، في طياته بذور الإقتتال والضغينة.
إن ما قام به المؤلفان هو قمة الإلتزام بمنهج البحث التاريخي العلمي للتاريخ الاجتماعي من حيث العودة إلى الوثيقة الأصلية والمقابلات الشفوية الحيّة المعاصرة للحدث، التي لا تقلّ أهمية عن الوثيقة المكتوبة في القراءة العلمية للتاريخ وأحداثه… كما أنهما قاما بالمهمة التأريخية بأفضل ما يكون من حيث ربط الجغرافية بالتاريخ، واتباع التسلسل التاريخي السليم في كل فرع من فروع التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والإداري لبلدة بشتفين.
إنه كتابٌ يسجّل تاريخ كل شخص في القرية صغيراً كان أم كهلاً أو شيخاً، شاباً أو فتاة أو إمرأة، عاملاً أم تاجراً أم شاعراً وأديباً وموظفاً وضابطاً، أم سفيراً أو مدرساً ومدرّسة، وطالباً وطالبة. ويخصص حيزاً هاماً لمكانة المرأة البشتفينية في الأسرة والمنزل والعمل الزراعي والحرفي والصناعي، والتعليم والتمريض والطب والوظيفة الخاصة والعامة، إلى جانب ممارستها حق الملكية الخاصة وتصرّفها الحر بحيازتها الشخصية بيعاً وشراءً وإرثاً.
من هنا، فالكتاب هو كناية عن دراسة ميدانية، ومسحٍ اجتماعي اقتصادي كاملٍ لقرية بشتفين الشوفية كمحاولة جريئة لالتقاط صورة حية للقرية اللبنانية المكافحة في صمودها أمام غضب الطبيعة، وإهمال السلطات المتعاقبة منذ عهد المتصرفية حتى الآن. فالكتاب أشبه بلوحة فنيّة بيانيّة لطبيعة ومعالم بشتفين الجغرافية وأراضيها الزراعية والمشاعية والحرجية وينابيعها ومياهها، وأحياءِها وطرقاتها المنبسطة والوعرة.
إنّه دراسة علميّة قيّمة لسكّانها وتحركاتهم ونشاطهم، ولمؤسساتهم الإدارية المحلية من شيخ الصلح والمختار إلى رئيس البلدية وأعمال المجالس البلدية المتعاقبة. كما أساليب أعمالهم الزراعية، والمهنية والصناعية، وتحرّكاتهم السكانية المحليّة والاغترابية، ونشاطاتهم الثقافية والأدبية والحزبية والكشفية.
فهكذا خلّد المؤلفان من خلال كتابهما هذا، بلدة بشتفين، حيث يمكن لكل شخص فيها أو قريب من أهلها، أن يعتزّ بصدور هكذا كتاب خالداً أبداً عن قريته، فهو طال الجميع بدون استثناء من خلال الحديث عن مجمل نشاطات القرية، وانضواء معظم أهاليها أفراداً وجماعات في تلك النشاطات.
وأخيراً، إن كتاب «بشتفين في صفحات من تاريخها»، لا يمكنه أن يشيخَ أو يموت، فهو يصلحُ لكلّ زمانٍ ومكانٍ، ولكلّ عصرٍ أو جيلٍ جديد يريد الإطّلاع على تراث الأجداد وأنماطِ معيشتهم السابقة، وتطوّر ثقافتهم في الوجود والحياة، والعمل والتفكير. إنه حقاً كتابٌ يُقرأ بإمعان، وفي كل مرة تقرأه تستفيد من معلوماته وكأنك تقرأه للمرّة الأولى.


المراجع:

1. مداخلة أُلقيت بمناسبة حفل توقيع كتاب “بشتفين في صفحات من تاريخها” في دار بلدة بشتفين بتاريخ 18/9/2020.
2. أستاذ متقاعد في الجامعة اللبنانية وعميد سابق لكلية السياحة فيها، له مجموعة مؤلفات وأبحاث في التاريخ الريفي الاقتصادي والاجتماعي.

جمال الدين جنبلاط، تاريخ الأسرة الجنبلاطية السياسي، 1185-1977

النّوع: باب التاريخ، الوسيط والحديث.
كتاب ضخم لجهة الحجم (ثمانية عشر فصلاً في 848 صفحة من القطع الكبير).
هو بالغ الأهمية لجهة المحتوى، إذ يغطي تاريخ أُسرة معروفيّة عريقة لعبت دون انقطاع أدواراً حاسمة، في شمال العراق، وجنوب غرب تركيا، وشمال سوريا، واستقرّت أخيراً في جبال الشوف اللبنانية بدءاً من القرن السابع عشر، ولتتحوّل ولأكثر من ثلاثمئة سنة دون انقطاع حجر الرّحى في الأحداث السياسية والتاريخية المتصلة بجبل لبنان، وربما بلبنان عموماً أيضاً. لم يسبق لي، في حدود معرفتي، أن توفّر للمكتبة العربية أيُّ مرجع تاريخي تمكّن من الإحاطة الشاملة بتاريخ الأسرة الجنبلاطية السياسي لفترات تاريخية امتدت لثمانية قرون (منذ نهاية القرن الثاني عشر الميلادي إلى نهاية القرن العشرين الميلادي).
وإلى وَجْهَي الأهميّة أعلاه، اتَّسم عمل المؤلف، الباحث التاريخي جمال الدين جنبلاط، بالحِرَفية البحثية الواضحة، لجهة الإسناد المرجعي الشامل، من الوثائق والمصادر التي تُعْتَبَر من الدرجة الأولى، من الأرشيف العثماني في اسطنبول إلى مكتبات مهمّة أخرى، إلى الموضوعية والدقة في متابعة المعطيات والأحداث، إلى اللغة الباردة في نقل الأحداث أو مقاربة مكوّناتها المختلفة، (وعلى سبيل المثال، فقد غطّت مكتبة البحث والملاحق والخرائط والصور التوضيحية أكثر من 50 صفحة ختامية من الكتاب).

ميزة أخرى لافتة في عمل جمال الدين جنبلاط الضخم هي عدم أخذه (وكما يجب أن يفعل كل مؤرِّخ مدقّق وفق نصائح إبن خلدون) بسيل المعطيات التي تَرِدُه كما هي من دون تمحيص ومقارنة. إنّ قارئ الكتاب ليلفته حقاً أمران – بين أمور أُخرى كثيرة – الأوّل، تلك المروحة الواسعة جداً من المصادر والوثائق القديمة والحديثة التي أتيح للمؤلف أن يصل إليها، ولا أظن عملاً آخر في الموضوع أبداً أتيح له ذلك، والثاني، تعامله العلمي بل المحايد إلى حد كبير مع ما تضمنته المصادر والوثائق تلك من روايات ومعطيات ومعلومات، إذ إنّه أَعمل عقله البحثي النقدي في غربلة الروايات والأخبار، مقارناً بعضها بالبعض الآخر، وبسواها من مصادر معرفية، مُسْقطاً ما لا ينسجم مع ما هو مستقر وعليه إجماع من معطيات، ومفضِّلاً حين لا تكون الأمور بالوضوح البحثي ذاك إحالة الرواية إلى المزيد من التدقيق، بل وتعليق حكمه أحياناً. اتساع مروحة المصادر والمراجع والوثائق على نحو كبير جداً، من أكثر من بيئة ثقافية ومعرفية، وتدعيمها أحياناً بمشاهدات عيانية لأمكنة الأحداث في كردستان وتركيا وقبرص ولبنان وسواها، يجعل العمل وثيقة لا تُقَدّر بثمن، ومن النوع العلمي والبحثي الذي يصعب غالباً الحصول عليه.
تتوزّع فصول الكتاب على أبواب ثلاثة: الأوّل، بدايات التمركز الجغرافي للأسرة الجنبلاطية في الهكاري والعمادية؛ الثاني، الجنبلاطيون حكّام كيليس وحلب؛ والثالث، دور الأسرة الجنبلاطية في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر – وهو الأضخم لناحية الحجم إذ يقع الباب هذا في 500 صفحة تقريباً.
لا يغيب عن البال بالتأكيد أن العمل هذا هو ثَبْتٌ عائليٌّ – كما يظهر صراحة من العنوان – أي تاريخ الأسرة الجنبلاطية، وأعلامها البارزة، والوقائع الأكثر أهمية التي انخرطت فيها طيلة ثمانمئة عام؛ وعلى نحو لن يتمكن من إنجازه كما أعتقد أيُّ مؤرِّخ آخر من خارج الإطار العائلي والثقافي الذي أتيح للمؤلف. وعليه، يجب أن لا يتوقّع القارئ مباحث تاريخيّة شاملة للعصور التي تضمنتها الحقب الطويلة تلك: لجهة السياق التاريخي، أو الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو العمراني، أو العلمي والثقافي وما شابه. ربما يَرِدُ بعضٌ من ذلك في سياق التأريخ لهذا العَلَم الجنبلاطي أو ذاك، في هذه الحقبة أو تلك، ولكن من دون أن يخرجنا الأمر عن سياق الكتاب الأصلي وهو التأريخ للأسرة الجنبلاطية السياسي حصراً – وقد أحصيت على وجه تقريبي ورود توثيق تاريخي لأكثر من 30 عَلَماً جنبلاطيّاً سياسيّاً لعبوا أدواراً بارزة من حكم الهكاري والعماديّة إلى حلب وحمص وحماه والساحل وقبل أن تبدأ مرحلة تاريخ الأسرة الجنبلاطية في جبال الشوف اللبنانية. وأقول، مرّةً أخرى، إنّ ذلك لم يكن ليتاح لأكثر المؤرخين خبرة لو لم يكن الباحث من داخل الأسرة الجنبلاطية والمُناخ المعرفي والثقافي تحديداً – أي امتداداً لتراث رشيد جنبلاط – والد المؤلف – صاحب السيرة البارزة بأهمية حدثانها ومتابعته السياسية اللّصيقة. والراوي الضمني أحياناً، على نحو أو آخر.

جمال الدين جنبلاط

ليس سهلاً اختصار 800 صفحة في 800 كلمة، وعليه أترك للقارئ بل أنصحه أن يقرأ بإمعان هذا السفر التاريخي الممتاز، لطوفان من المعلومات التي لم نكن نعرفها، وللتوثيق العلمي الدقيق، الذي يعطي العمل المكانة العلميّة التي يستحقها. وعليه، أختم هذه المراجعة السريعة بما بدأ به المؤلف من مقدمات، كتب:

«لا أنكر أن اختياري لتاريخ الأسرة الجنبلاطية، موضوعاً للدراسة، كان استجابة لهوى في النفس. ولا أنكر أيضاً أن ذلك الهوى وليد عصبية لا وليد تعصّب….حين كنت أستمع وأنا في مقتبل العمر إلى ما رواه المرحوم والدي وآخرون من أفراد عائلتي، كانت تنتابني مشاعر شتّى يتداخل فيها الفرح والاعتزاز والخوف والدهشة والفضول المعرفي الذي كان له بعض الأثر في التخصص الجامعي واختياري لمادة التاريخ. أذهلني وأنا أطّلع على تاريخ الأسرة الجنبلاطية ما أدّته من أدوار كان لها تأثيرها في منطقة الشرق الأدنى على مدى قرون عدّة. وهي أدوار يمكن ربطها بجملة من العوامل أهمُّها: بروز زعماء ذوي قدرات هائلة أنجبتهم تلك الأسرة والتلازم الدائم بين السياسة والحرب، امتياز الدروز بكونهم طائفة محاربة، واستمرارية الزعامة الجنبلاطية باعتبارها ملازمة للكيانية التوحيدية الدرزية، المتغيرات السياسية والعسكرية الناتجة عن الأحداث التي عصفت بمنطقة الشرق الأدنى….وهنا يبرز تساؤل منهجي: ما الجديد في هذا المؤلَّف على صعيد التأريخ للأسرة الجنبلاطية؟ ذلك أنّ الدراسات السابقة اقتصر كل منها على دراسة شخصية واحدة من شخصيات تلك الأسرة كالدراسات التي تناولت كلاً من الشيخ بشير قاسم جنبلاط وسعيد بك جنبلاط والمعلّم كمال جنبلاط…. أمّا هذا المؤلَّف فإنه يضمّ بين دفتيه دراسة جامعة شاملة للأسرة الجنبلاطية وزعمائها منذ مهد عهدها بالحكم… ليست الدراسة سجّلاً لأحداث وسيراً لأشخاص على الرّغم من كون ذلك يشكل بعضاً من جوانبها. بل هي مرآة تعكس الواقع بكل جوانبه من خلال تصويره ونقله نقلاً لا تفوته التفاصيل والجزئيات المتعلّقة بالحياة اليومية…..يمكن القول إنَّ هذا المؤلف يشكل مرجعية وحيدة من حيث طبيعته ومادته وموضوعه، هي خطوة أولى يؤمل أن تكملها وتعقبها على هذا الصعيد خطوات لاحقة يخطوها ذوو الباع الطويل من الباحثين والمؤرخين…..» (من مقدمة العمل، ص 7-12)

هكذا يفتتح جمال الدين جنبلاط ثَبْتَهُ التاريخيّ المميّز، مرجعاً ثرّاً لا غنى عنه لفهم تعقيدات السياسة والحرب في لبنان والمنطقة.

طارق آل ناصر الدين

الشعرُ حياةٌ لحياة، ظِلٌ أزليٌّ يحمي شمس الرؤيا، ويحوِّل صحراء اللغة إلى واحات. هكذا تحت عنوان: أنا والشعر، في مُقَدَّمة كتاب: «شهاداتٌ فيه ومختاراتٌ من شعره» كتب الشاعر طارق آل ناصر الدين مُفصحاً عن ذاته الأدبية بصدق، بما لا يستطيع غيره إدراكه أو التعبير عنه بنقاء «لم يجدني الشعر ضالاً فهداني أو يتيماً فآوى، بل كان قَدري أن أُولد في (بيت الشعر).. والدي نديم الأديب، والعالم اللُّغَوي، والجدّ أمين من كبار شعراء النهضة وعلمائها، ربياني طفلاً وزرعا في طفولتي جناحين: العربية والعروبة»: شاعر غزير الإنتاج، يكتب الشعر بجميع أنواعه الموزونة والحرّة، ويكتب المحكية، والزجل والنثر، إلّا أنه كان يربأ بنفسه في آن تقديم تنازل لشاعر أو رشوةٍ لناقدٍ أو هوية جديدة لمحتل. كان يرى أن الشاعر لا يستطيع تطوير نفسه وشعره وفكره وثقافته خارج انتمائه، وخارج هموم أمته، ولذلك كان يقاوم الحداثة الوافدة بالحداثة المقيمة، ويقاوم التغريب بالتعريب!!
عشق المنابر والخطابة والغناء كما يقول: «لأنّه من أمةٍ ما زال قرآنها يُرتّل ترتيلا، وما زال جرسُ كنيستها يَسْبقها إلى الصلاة». آمن بالحداثة إيمانه بالشعر نفسه، بدأ كتابة شعر التفعيلة (الحر) منذ الستينيّات. وحين بدأت الهجمة الثقافية الغربية تحاول تدمير اللغة والهوية، رَجَعَ إلى التراث راضياً مرضياً، فالمهم كما يقول: أن تبقى اللغة ليجري تحديثُها، والحداثة عنده تبدأ بالذات قبل الموضوع، وهي تُعمِّق الانتماء ولا تستبدله، ولا تعني استيراد الأعمال الأدبية الأجنبية وترجمتها، وتسمية ما نفعله أدباً حديثاً، ما زال الشعر عنده أقصى ما تصل إليه اللغة، وما زالت اللغة أقصى ما يصل إليه الوجدان.

نبذة عن الشاعر طارق آل ناصر الدين
الشاعر طارق آل ناصر الدين

الولادة والنشأة
وُلِد في كفر متى من جبل لبنان عام 1943، وينتسب إلى عائلة الأمراء التنوخيين. تلقّى علومه الابتدائية والمتوسطة في مدرسة «الداودية» في «اْعبيه» وأكمل دراسته الثانوية في كلية المقاصد، بيروت. في الثانية عشرة من عمره ترأس الجمعية الخطابية في المدرسة الداودية، نظراً إلى تفوقه اللافت في الخطابة، والأدب والشعر. وفاز عام دخوله كلية المقاصد بالمرتبة الأولى في مباريات الشعر والخطابة.

الأنشطة الوطنية والأدبية
من بوابة «فاطمة» في أقاصي الجنوب، إلى «وادي خالد» في أبعد شمال الوطن، وقف الشاعر طارق آل ناصر الدين على منابر المقاتلين والصامدين داعيةً متطوعاً من أجل وحدة الوطن وعروبته وسلامه الداخلي… مئات الأمسيات الشعرية، مئات المحاضرات والندوات والمهرجانات… وأكثر من مرّة تعرّض الشاعر لمحاولات اغتيال.

مؤلفات الشاعر
له ستة دواوين شعرية مطبوعة هي:
1- العائد من كلّ الأشياء.
2- قصائد مؤمنة.
3- تابعوا موتنا.
4- أماكن الروح.
5- حبٌ وحب.

أنشطة متنوّعة
‌أ- مستشار ثقافي للمؤتمر الشعبي اللبناني.
‌ب- مستشار الحركة الثقافية في لبنان.
‌ج- مستشار في منتدى «شهريار» الثقافي.
‌د- رئيس «جمعية أبناء العربية».
‌ه- من مؤسسي «بيت الشعر».
ولكي نعرف جيداً قيمة شعر طارق آل ناصر الدين، ومكانَتَهُ بين الشعراء، فهو كما وصفه أمين عام اتحاد الكتّاب اللبنانيين د. وجيه فانوس: يتعملق شعراً بموضوعات وقضايا ورؤًى وفنون بناءٍ وتشكّلٍ بين ما يمكن اعتباره من الأساسيات العامة العظمى في العيش الإنسانيّ، وبين ما يمكن النظر إليه على أنه من الخصوصيات المرتبطة بالحضور الذاتي، بيد أن كل هذا لا يصدر في شعر هذا الشاعر إلّا بعمق رؤيوي، جمالي إبداعي، ولغةٍ صافيةٍ رائعة تراعي مناحي المعاصرة، ولا تخون جذور الأصالة، أدخل الشعر في نسيج السياسة الوطنية والقومية في آن:

صُوفيُّ شعرٍ بِرُوحِ الحَرْفِ ممتزِجُ مصنَّفٌ فيه من أَهلِ الكفايات

في شمولية شعره من الوطني إلى العاطفي إلى الاجتماعي ما جعل منه حالةً ناضجة في موسم المحل الشعري… هذا الممسك بالقلم، بالريشة بالوتر، بالإزميل، يتعاطى الكلمة خلقاً، لوناً، نغماً نحتاً يسكب في عروقها نسغ دمه:

عَرَفَتْهُ أَرضُ الشام فهو منارُ والشعرُ من فمِهِ حُلَى وشِفارُ
فإذا أَرادَ سَبَا الحِسَانَ قريضُهُ أو ثارَ شَبَّتْ في الحروفِ النارُ
هذا أمير الشعر، مِنبرنا له ولشعره فلتخشع الأبصار

جَمَعَ الفكر والفلسفة في شعره، شأنه شأن المصلحين الكبار، متناولاً مشاكل الفردِ والمجتمع والدولة، ولم يترك حالةً ظالمة إلا وتدخَّل بشعره الحر، لأنه يعتبر ذاته معنياً بقضايا التحرر:

من أين جئنا من التاريخ من غدنا من طُهر أمٍ ومن إبداع أجدادِ
وَجَوَّعُونا وما جاعَتْ إرادتنا خبزُ الكرامة قد يُغني عن الزادِ
هي العروبة آختنا على قَسَم وَرِثْتُهُ من أبي إرثاً لأولادي
والدَعْشُ والفَحْشُ والبَطْشُ المُبرمَجُ هل من صُنعِ رَبِّكِ أو من ربِّ أَحقادِ
فلا عليُّ يَرْضاهُ ولا عُمَرُ سيفانِ للحق ما كانا بأضداد
لبنانُ ماذا جَرَى ماذا أرى، وغداً ماذا أقولُ لأبنائي وأحفادي
فَكَيْفَ يحكمُ لبنانَ الفسادُ وقد أعطى العروبة يوماً خَيْرَ روَّادِ
اليازجيان والشدياقُ أعمدةٌ حَمَتْ رسالةَ أهلِ الضادِ بالضادِ

في أوائل الخمسينيات دخل جمال عبد الناصر إلى حياة الشاعر طارق آل ناصر الدين، مُلهِماً ومثالاً فأصبح وما زال مِحور قصائده الوطنية، يومها صرّح: أن فلسطين والوحدة والتقدم والعدالة أصبحت كل أحلامه:

الثورة الأم مُذْ أعطيتها اللقبا لم تَنْسَلِخْ عنكَ يا إبناً لها وأبا
أَلَذُّ من عُمْرِكَ الدامي نهايتهُ وقد كَتَبْتَ بها أَغلى الذي كُتِبا
لمن تَرَكْتَ ملاييناً، على غدِها حَفَرْتَ قلبَكَ مجروحاً ومضطربا
ويسترد صَلِيلُ السيفِ نشوتَهُ وتُبْصِرُ النجمَ من أقدامِكَ اقتربا
صَلُّوا على القبر يُنبِتُ أَلفَ عاصِفةٍ ويستحيلُ به دمعُ الأسى لهبا
أين الشعاراتُ؟ أين المالئون بها الدنيا، لَكَم زوَّروا التاريخ والكُتبا
فلا اليسارُ يساراً في مصائبنا ولا اليمين يلبي الحق إن طُلِبا…

تقرَأُهُ، تُحِسُّ به في أعلى شجرة الإبداع، خُلِق عبقريَّ فنٍ، تتسقَّطُ عليه الرؤى صوراً من نقاء الروح، تغزلُها النفس قطراتٍ من مسك وعَنْبَر، لأنّ الشعر لديه لا يحتملُ، خصوصاً في الغزليات والوطنيات إلّا التصديق مع المُصدِّقين، إنّه أمير شعراء العروبة، حقّاً، يجري ومن الصعب أن يُجرى معه.

قرأْتُكَ شاعراً… أدباً وفكراً فأدهشني تَفَوُّقَكَ الكبيرُ
فَأَنْتَ بِمُلْهَمٍ سَطَعَتْ رُؤاهُ فمـا لَكَ طارقٌ أحَدٌ نَظِيرُ
على سَنَنِ الأُلَى بَدَعُوا فَصَاغوا قلائدَ (1) نَسْجُها ذَهَبٌ نَثِيرُ (2)
أميرُ أَصَالةٍ وَوَفًا وَصِدْقٍ فَضَائِلُ زَانَها عِلْمٌ غَزيرُ
لَكَ الرَجَحُ المُعَلَّى بغِيرِ فَنّ تَدَارَسَهُ (3) وَأَنْتَ به خَبيرُ
فَأَرْقَى ما يُرى الإنسانُ حُرًّا له حُلُمٌ وَعَقْلٌ مُسْتَنيرُ

 

الشاعر سعيد عقل

ومن أجمل وأروع ما كتب، قصيدتهُ: «دمعة على البردوني» في الثامن من أيلول عام 2011 في ذكرى الشاعر سعيد عقل، قصيدة وقف لها الحاضرون، وصفقوا طويلاً، نقتطف منها هذه الأبيات:

جَفَّتْ ليالٍ لنا ظلَّتْ لياليها… مخضرةً ترتوي منها وترويها
وكلَّما خَمَدَ الحِمرُ العتيقُ بنا توهج الجمرُ في فينيق ماضيها
يا للحبيبةِ كم أحبابها رحلوا وراسياتٌ كما الدنيا رواسيها
غاوون هِمنا بوديان الجمال وما قلناهُ نِلْناهُ، واختالَ الغوى تيها
يا زَحْلُ شبنا وما تِبْنا، ومن عَلَقتْ عليه جَمْرَةُ شِعْرٍ كَيفَ يطفيها
فذكريات الصِبا صارت أماكنُنا ودندناتُ الهوى صارتْ مقاهيها
جئنا إليها بشكوانا وقد سَمِعَتْ وكم غَفِلْنا، ولم نسمع شكاويها
هي المدينةُ ظَلَّ النهرُ يحملها حتى تلاشتْ وَحَلَّتْ روحُهُ فيها
فزحْلَةُ الحسنُ، رَبُّ الحُسْنِ توَّجها مليكةً والبوادي من جواريها
إيماءةٌ.. فملوكُ الأرضِ زاحفةٌ وهي التي أحْصَنَتْ، سبحانَ باريها
وزحلةُ اللغةُ الفُصحى وما نَطَقَتْ إلا وطأطأ شعري في معانيها
تأتي القوافي إليها وهي طائِعَةٌ وكيف لا، وقوافيها دواليها
فيها معالِفَةٌ دان الزمانُ لهم فيها السعيد غَوى فيها ليغويها
همُ النجومُ وليلُ الوحي مُنبسطٌ هُمُ الكلامُ متى السُمّار ترويها
يا بُحتريُّ تأكَّدْ إنّها فلكُ عالٍ، وأنَّ سماءً رُكِّبَتْ فيه
قِيلَ العجائبُ سَبْعٌ مَنْ يُصَنِّفُها وزحلةُ أينَ؟ إن الله بانيها
هنا أسُودٌ وغزلانٌ تعيش معاً وتستقي الحُبَّ من يُنبوع ساقيها
فالحبُّ مهنتها والشعرُ مهنتنا بالروح بالدم ها جئنا نلاقيها
وليس يحمي حماها غير عاشقها فإن تهاونَ، فالعذراءُ تحميها

 


المراجع:

1. قصائد لا تُنسى لنفاستها.
2. تَدَارَسَهُ: تتدارسُهُ.
3. المنثور “كلامه درٌ نثير.

مراجعات و إصدارات جديدة