الانفجارُ الكبيرُ
أثبتَ خلقَ الكونِ ودحضَ المادّيّين
«لو كان معدّل التّمدّد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أقلّ بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء لكان الكون قد انهار على نفسه قبل أن يصل إلى حجمه الحاليّ”.
(عالم الفيزياء الشّهير ستيفن هوكنز)
إذا نشأ نظام مُحكم للغاية بواسطة انفجار، فعلى الجميع أن يعترف بأنّ كلّ لحظة تمرّ تُنبئ عن وجود إبداع من عقل أسمى، وبعبارة أخرى فهذا هو عمل الله.
(العالم فريد هويل)
نظرية الانفجار الكبير أظهرت أن الكون اللانهائي خلق من لاشيء من قبل خالق عظيم رتب كل أمر بحسابات دقيقة لا يمكن أن تتم بفعل الصدفة
أكثرُ العلماء المادّيّين قاوموا نظرية الانفجار الكبير
لأنّها أثبتت وجود بداية للكون وبالتالي وجود الخالق
نظـــــــــــرية التّمـــــــــــدّد الكونـــــــــــيّ
لأنّ الأجرام الفضائيّة تبتعد عنّا وعن بعضها باستمرار
فذلك يعني أنّ الكون يتمّدد وأنّه نشأ من نقطة واحدة
المقصود من عرض هذا الموضوع هو إظهار مدى التقدم العلمي في تأكيد واقعة خلق الكون من العدم، وهو ما يدحض نظريات الإلحاد التي ترفض نظرية الخلق وتزعم أن الكون موجود منذ الأزل بذاته، وهو أمر بات العلماء مقتنعون إنه لا يمكن أن يتم بالصدفة بل هو إعجاز من الله تعالى، وقد أثارت النظرية اهتمام الأوساط الدينية في العالم ورأى فيها البعض دعما علميا حاسما لنظرية الخلق، ونحن نعرضها هنا انطلاقا من احترام البحث العلمي دون اتخاذ موقف منها وهو أمر يتطلب إمعانا وتمحيصا بسبب طبيعته المعقدة ، مع التأكيد على أن العقيدة التوحيدية عقيدة تقوم على العقل وعلى اليقين الإيماني الذي لا يفترض بناؤه على براهين علمية لأن الإيمان يقوم على التصديق بالرسالات السماوية وما جاء فيها وعلى اجتناب الجدل وصون الإيمان عن الأخذ والرد، فالمؤمن دليله قلبه كما يقال وهو مصدق لأنبيائه مطمئن لعقيدته راسخ في سلوكه وطاعته لخالقه وكفى بالله شهيدا.
السّؤال البديهيّ الذي يرد على خاطر أيّ إنسان متفكّر هو ولا شكّ: كيف وُجِد هذا الكون العظيم؟ وما هو مغزى هذا الانتظام المذهل في عمله وهو انتظام مضت عليه ملايين السّنين، والذي لو اختلّ ولو بشكل بسيط جدّاً فإنّ الحياة كما نعرفها قد تنتهي في طَرْفة عين. وعندما نتكلّم عن الوجود فإنّنا لا نعني فقط الفضاء ومليارات المجرّات والكواكب والظّواهر الكونيّة التي لا تحصى بل نعني أيضا أرضنا العجيبة ببحارها وأسماكها وبراريها وأنهارها وكائناتها الحيّة حتى أصغر كائن مجهري.
لقد اجتهد العلماء والفلاسفة والمفكرون عبر القرون في محاولة إيجاد جواب على ذلك السّؤال المحيِّر. فنشأ مع الزّمن عدد كبير من النّظريات، لكنّ الاختلاف تركّز مع الوقت بين القول بأنّ العالم أزليّ وقديم ممّا يعني أنّه لم يُخلق وبين القول بأنّ العالم ليس قديماً بل هو مخلوق بقدرة خلّاق عظيم هو نفسه غيرُ مخلوق وقديم أي أنه سابق لكلّ وجود متصوَّر.
لقد ساد الاعتقاد خلال القرن التّاسع عشر بأنّ الكون عبارة عن مجموعة من المواد لا نهائيّة الحجم تواجدت منذ الأزل وسيستمرّ تواجدها للأبد، وقد مهدت تلك النّظرية للفلسفة الماديّة، التي تنكر وجود الخالق والتي تشدّد على أنّه لا توجد بداية أو نهاية للكون.
وهذ النّظرية رغم عدم استنادها إلى أيّة أدلّة علميّة بل رغم كونها تناقض العلم الحديث فإنّها حازت على قبول متزايد في القرن التّاسع عشر، واشتُهر هذا النّظام الفكري بشكل خاصٍّ في الفلسفة الماديّة الجدلية لكارل ماركس.

خرافة الكون الموجود بذاته
يعتبر الماديّون فكرة أّنّ الكون لا نهاية له وأنّه موجود منذ الأزل بمثابة الأساس الأهمّ لرفض فكرة الخلق ولتبنّيهم الإلحاد أي رفض وجود الخالق. وعلى سبيل المثال، كتب الفيلسوف الماديّ جورج بوليتزر يقول “الكون ليس شيئًا مخلوقًا” لكنّه أضاف قائلاً: لو كان قد تمّ خلق العالم من لاشيء، فلا بدّ أنّه خُلق بواسطة الإله على الفور ومن العدم.
لقد استند المادّيّون دوماً على الفكرة الساذَجة التي تعتبر أنّ من غير الممكن خلق شيء من لاشيء، وسبب وقوف النّظرية الماديّة عند هذه النّقطة هي أنّ الفكر الماديّ التصق بصورة عمياء بقانون السّببيّة الذي هو قانون يسري على الإنسان المحدود بالحواسّ الخمس وبالفكر، لكنّ المادّيّين نَسَوْا أنّ قانون السّببيّة هو نفسه مثل بعد الزمان أو المكان مخلوق ولا وجود مستقل له إلّا في الاختبار الإنسانيّ. كما أنّهم لم يستطيعوا الإجابة عن السّؤال: إذا كان لا يمكن خلق شيء من لاشيء فكيف وُجِد العالم الذي يعتبرونه قديماً من لاشيء؟
لقد أثبتت الاكتشافات العلميّة في القرن العشرين تهافت الفكرة البدائية عن قدم الكون، إذ تبين أن الكون غير ثابت كما يفترض المادّيّين، بل إنّه هو على النّقيض من ذلك، آخذٌ في التّوسّع. وإلى جانب ذلك، فقد ثبت من خلال العديد من الملاحظات والحسابات أنّ الكون كان له نقطة بداية محدّدة نشأ منها من لا شيء بواسطة ما اصطُلح على تسميته في ما بعد بـ “الانفجار الكبير”
معاندة العلماء المادّيّين
رغم ذلك ورغم كل الشّواهد العلميّة، فقد استمرّت الأوساط المادّيّة في رفض قبول حقيقة أنّ الكون قد تمّ خلقه من لا شيء. وعندما سُئل الفيزيائيّ الألماني فالتر نيرنست عن رأيه في نظريّة الانفجار الكبير، أعطى أجوبة غير منطقية عن تأثير قبول هذه الاكتشافات، حيث قال “سيكون ذلك خيانة لأُسس العلم”. وقال أستاذ الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتّكنولوجيا MIT فيليب موريسون في فيلم وثائقيّ بريطانيّ: “أجد صعوبة في قبول نظريّة الانفجار الكبير، وأرغب في رفضها”، لكنّ الكثير من العلماء من أصحاب النّزاهة وأخلاقيّات العلم، باتوا يؤكّدون أنّ نظريّة الانفجار الكبير صائبة وينتقدون العلماء المادّيّين الذين لم يعترفوا بصحّتها بعد إرضاء لأهوائهم السّياسيّة أو الأيديولوجيّة.
ففي مقال بعنوان “الانفجار الدّينيّ الكبير” كتب جيم هولت في مجلّة نيويوركر يقول: “الانفجار الكبير هو على الأرجح الفكرة الوحيدة في تاريخ العلم التي تمّت مقاومتها فقط لدعمها لنظريّة خلق الكون من قِبل الإله”، كما انتقد عالم الفيزياء الفلكيّة البارز روبرت جاسترو في كتابه “الله وعلماء الفلك” العلماء المادّيّين لتردّدهم في قبول نظريّة الانفجار الكبير بسبب الهواجس العقائديّة، يقول:
“خَلْف ردود الأفعال هذه هناك قدْر غريب من العواطف والمشاعر، فقد تمّ انتهاك “العقيدة الدّينيّة” للعلماء بسبب اكتشاف أنّ العالم كانت له بداية. وعندما حدث ذلك، فَقَدَ العالِم توازنه وهو لو فحص النّتائج حقًا، فإنه سيصاب بصدمة، لكنْ كالعادة فإنّه عندما يصاب إنسان بصدمة فإن عقله يتّجه بصورة عفوية إلى تجاهل الأسباب التي أدت إليها. فانظر إلى فداحة المشكلة التي يعاني منها هؤلاء العلماء. لقد أثبت العلم أنّ الكون انفجر إلى الوجود في لحظة محدّدة، فمن الذي وضع المادّة أو الطّاقة المُوجِدَة للكون؟ هل أُنشئ الكون من العدم؟ هذا تطوّر غريب وغير متوقّع للجميع عدا علماء الدّين”
(روبرت جاسترو : “الله وعلماء الفلك”.)
لكن كيف حدثت هذه العمليّة التي يصفها المادّيّون بأنّها “غريبة” و”غير متوقّعة”؟ فلنلق نِظرة على تاريخ الاكتشافات العلميّة في موضوع ظهور الكَون.

“ما الّذي كان موجودًا قبل الانفجار الكبير؟ وما هي القوّة التي وضعت الكَون كلّه في نقطة واحدة قبل أنْ تقول له “كُن”: إنّها اللهُ سُبْحانَه”
كيف تمّ اكتشاف الانفجار الكبير
اعترف المجتمع العلميّ بأنّ الكون كلّه جاء إلى الوجود في لحظة واحدة نتيجة لحدوث انفجار، أو بتعبير آخر: تم خلق الكون، وقد تم اكتشاف هذه الحقيقة المهمّة نتيجة للعديد من الملاحظات والاستنتاجات الثّورية.
ففي المرصد الفلكيّ في جبل ويلسون في كاليفورنيا، حقّق فلكيٌّ أمريكيّ يُدعى إدوين هابل عام 1929 أحد أعظم الاكتشافات في تاريخ علم الفلك، فبينما كان يراقب النّجوم من خلال تلسكوب عملاق، اكتشف أنّ شدّة الضّوء الأحمر المنبعث منها تعتمد على مدى بُعدها، وكان ذلك يعني أنّ النّجوم “تبتعد” عنّا. ووفقًا للقواعد الفيزيائية المتعارف عليها، فإنّ طيف أشعّة الضّوء للجسم المتحرّك باتّجاه نقطة المراقبة يميل إلى اللّون البنفسجيّ، في حين أنّ طيف أشعة الضوء للجسم الذي يتحرّك مُبتعدًا عن نقطة الرّصد يميل إلى اللّون الأحمر. والضّوء المنبعث من النّجوم الذي لاحظه هابل أثناء مراقبته كان يميل إلى اللّون الأحمر، أيْ: إنّ النّجوم كانت تتحرّك باستمرار مُبتعدة عنّا.
قبل مرور فترة طويلة، قدم هابل اكتشافًا آخر مهمًا جدًا: إذ أثبت أن النجوم والمجرات ليس فقط تبتعد عنا، بل هي تبتعد عن بعضها البعض أيضًا، والاستنتاج الوحيد الممكن في كون يبتعد فيه كل شيء عن بعضه البعض، هو أن هذا الكون يتسع أو”يتمدد” باستمرار.

ما الذي يعنيه تمدّد الكون؟
تمدّد الكون يعني ضمنيًّا أنّه إذا استطعنا السّفر إلى الوراء في الزّمن، فإنّنا سنصل إلى النّقطة التي نشأ منها الكون قبل أنْ يبدأ بالتّمدّد وسنرى أنّ الكون نشأ بالفعل من نقطة واحدة، وأظهرت الحسابات أنّ هذه “النّقطة الواحدة” التي تحوي كلّ مادّة الكون يجب أن تكون “صفريّة الحجم” و”لا نهائيّة الكثافة”، وقد نتج الكون من جرّاء انفجار هذه النّقطة الوحيدة صفريّة الحجم.
سُمّي هذا الانفجار الضّخم الذي حدد بداية الكون بـ “الانفجار الكبير” Big Bang وسُمّيت النّظريّة بهذا الاسم تِبعًا لذلك.
تجدر الإشارة إلى أنّ “الحجم الصّفْرِيّ” هو مجرّد تعبير نظري يُستخدم لأغراض رياضيّة وصفيّة فقط. ولا يُمكن للعلم وصف مفهوم “العدم”، الذي هو أبعد من حدود الفَهم البشريّ، إلّا من خلال التّعبير عنه بأنّه “نقطة صِفريّة الحجم”. في الحقيقة، “نقطة بلا حجم” تعني “العدم”.
وهكذا جاء الكون إلى الوجود من العدم. وبعبارة أخرى، قد خُلق. وهذه الحقيقة والتي تمّ اكتشافها بواسطة الفيزياء الحديثة في القرن العشرين، ذُكرت في القرآن الكريم إذ وصف الله تعالى نفسه بأنه }بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وإذا قضى أمرا فإنّما يقول له كن فيكون{ سورة البقرة: الآية 117. وكلمة “بديع” التي وردت في كتاب الله العزيز تعني الخلق والإبداع من لاشيء.
أظهرت نظريّة الانفجار الكبير أنّ كلّ الموجودات كانت في البدء كتلة بسيطة واحدة ثم تعدّدت وافترقت بعد ذلك يقول تعالى: }أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا{ سورة الأنبياء:الآية 30. وهذا يعني أن كلّ المادة الموجودة في الكون تم إنشاؤها بواسطة انفجار كبير لنقطة واحدة وتشكل الكون الحالي بواسطة افتراق أجزائه عن بعضها البعض.
وتُعْتَبر ظاهرة تمدّد الكون التي أثبتها العلم أحد أهم الدّلائل على أنّ الكون تمّ خلقه من العدم، وعلى الرّغم من عدم اكتشاف هذه الحقيقة من قِبل العلم حتّى القرن العشرين فقد ألمح الله تعالى إليها في القرآن الكريم بقوله }وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ{ (سورة الذّاريات: الآية 47).وعبارة “وإنّا لَمُوسعون” فيها إيحاء واضح إلى اتّساع الكّون لأنّ الله تعالى يستخدمها بعد عبارة “والسّماء بنيناها” فهو يعني هنا السّماء أو الفضاء الكوني وليس شيئاً آخر.
رغم الاتّفاق الشامل حول نظرية الانفجار الكبير كتفسير علميّ لسبب وجود الكون فإنّ علماء الفلك من أتباع الدّوغما المادّيّة واصلوا مقاومة نظريّة الانفجار الكبير، ليس بسبب امتلاكهم أدلّة تنقض الأبحاث العلميّة التي أكّدتها، بل بسبب تمسّكهم برفض نظريّة الخلق لأنّها تزعزع معتقدهم الإلحاديّ الذي ينفي وجود الخالق ولا يقيم اعتباراً للدّين. وقد عبّر آرثر إدنجتون، أحد أهم علماء الفيزياء المادّيّين عن هذا الموقف اللّاعقلانيّ والمكابر عندما قال “فلسفيًّا: فكرة البداية المفاجئة للنّظام الحالي للطّبيعة بغيضة بالنّسبة لي”. فهو لا يقوى على نفي الحقيقة العلميّة لكنّه يقول بكلّ صراحة إنّه “يكرهُها” لأنّها ببساطة تُثبت وجود خالق للكون.
انهيار نظريّة “الحالة المستقرّة”
عالم الفلك الإنجليزيّ السّير فريد هويل وهو ماديّ أيضًا، وكان بين الذين انزعجوا من نظريّة الانفجار الكبير في منتصف القرن الماضي سعى إلى مقاومتها عبر دعم فرضيّة تُدعى “الحالة المستقرّة” والتي كانت مشابهة لنظريّة “الكون الثّابت” في القرن التّاسع عشر. وتزعم نظريّة الحالة المستقرّة أنّ الكون لا نِهائيّ وأبديّ العمر وهي بالتّالي تعارض كليًّا نظريّة “الانفجار الكبير” التي تُثْبت وجود بداية للكون.
أبعاد اكتشاف “إشعاع الخلفيّة الكونية”
في عام 1948، قدّم جورج جامو فكرة إضافيّة بشأن الانفجار الكبير. وهي إنّه وبسبب تشكل الكون بسبب الانفجار الكبير فإنّه يجب أن يكون هناك فيض من الإشعاع الذي خلَّفَه هذا الانفجار، وعلاوة على ذلك، يجب أن يكون هذا الإشعاع منتشراً بشكل متجانس في جميع أنحاء الكون.
وقد تم بالفعل اكتشاف تلك الموجات الإشعاعية عام 1965 بواسطة باحثيْن يدعيان أرنو بنزياث وروبرت ويلسون عن طريق الصّدفة. وتُدعى هذه الموجات اليوم “إشعاع الخلفيّة الكونيّة”، ولا يبدو أنّها تشعّ من مصدر مُحدّد بل تتخلّل كلّ شيء، وبناءً على ذلك فقد عرفنا أنّ هذا الإشعاع تخلّف نتيجة المراحل الأولى من الانفجار الكبير، وتمّ منح بنزايث وويلسون جائزة نوبل تقديرًا لهذا الاكتشاف.
قمر من”ناسا” يدعم نظريّة الانفجار الكبير
ثم أرسلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عام 1989 القمر الصّناعي مستكشف الخلفيّة الكونية (كوبي) إلى الفضاء، لإجراء البحوث على إشعاع الخلفية الكونية استغرق الأمر ثمان دقائق فقط لكي يؤكّد كوبي حسابات بنزياث وويلسون حيث، عثر كوبي على بقايا من الانفجار الكبير الذي حدث في بداية الكون، وبرهن هذا الاكتشاف بشكل واضح على صحة نظريّة الانفجار الكبير، ولذا فهو يُعد أحد أعظم الاكتشافات الفلكية على مر العصور.
وأحد أهم الدّلائل العلميّة الإضافيّة على صحّة نظريّة الانفجار الكبير كميّة الهيدروجين والهليوم في الفضاء. فمن المعروف علميّاً أنّ تركيز الهيدروجين والهليوم في الكون لا يزال مطابقًا للنّسب المحسوبة للتّركيز المتبقّي من الانفجار الكبير، ولو أنّ الكون ليس له بداية وموجود منذ الأزل، لكان يجب أن يكون كلّ الهيدروجين الموجود قد استُهلِك بالفعل وتحول إلى غاز الهليوم.
العلماء يعترفون بخطئهم
كلّ هذه الأدلّة المُقنعة تسبّبت في تبنّي المجتمع العلميّ لنظريّة الانفجار الكبير، فقد كان نموذج الانفجار الكبير هو أحدث ما توصّل إليه العلم بخصوص نشأة الكون.
برغم دفاع دينيس سكيما لسنوات طوال عن نظريّة الحالة المستقرة بجانب فريد هويل، إلّا أنه في النهاية وصف الحالة التي وصل إليها مع زميله بعد اكتمال الأدلّة التي تؤيد نظريّة الانفجار الكبير، بالقول أنّه بقي يدافع عن نظرية الحالة الثابتة ليس لاعتقاده بصحتها، ولكن لأنه تمنّى أن تكون صحيحة، واستمرّ سكيما قائلًا إنه بعد أن بدأت الأدلة في التّراكم، كان عليه أن يعترف أنّ اللعبة قد انتهت، وأنّ نظريّة الحالة المستقرّة سقطت ولا بدّ من رفضها.
وأضطُرّ جورج أبيل البروفيسور في جامعة كاليفورنيا أن يعترف بالنّصر النّهائي لنظريّة الانفجار الكبير، وذكر أنّ الأدلّة المتوافرة حاليّاً تدلّ على أنّ الكون قد نشأ منذ مليارات السّنين بواسطة انفجار كبير معترفاً بأنّه لم يعد لديه أيّ خيار سوى القبول بتلك النظريّة بعد أن أثبتها العلم.
ومع انتصار نظريّة الانفجار الكبير، تمّ إلقاء أسطورة “المادّة الأبديّة” التي تُشكّل أساس الفلسفة الماديّة في سلّة مهملات التّاريخ. لكنّ السّؤال يبقى: ما الذي كان موجودًا قبل الانفجار الكبير، وما هي القوة التي جلبت الكون إلى “الوجود” بواسطة ذلك الانفجار الكبير؟
الانفجار الكبير والخلق
الجواب على هذا السؤال يعني بكل تأكيد وجود الخالق. وقد علّق الفيلسوف أنطوني فلو المُلْحد لوقت طويل جدّاً والذي أعلن في وقت لاحق أنّه يعتقد بوجود الله – على الموضوع قائلًا:
“من المعروف أنّ الاعتراف مفيد للرّوح، لذا سأبدأ بالاعتراف أنّ على الملحد الستراتوني1 أن يشعر بالخجل بسبب إجماع علماء الكونيّات المعاصرين الذين يقدّمون لنا براهين علميّة على وجود بداية للكون”
وقد اعترف العديد من العلماء الذين لا يعتنقون الإلحاد بشكل أعمى بدور الخالق سبحانه وتعالى في خلق الكون. إذ يجب أن يكون هذا الخلّاق العظيم هو الذي خلق كلًّا من المادّة والوقت، وفي الوقت نفسه يجب أن يكون مستقلّاً عن الاثنين. قال عالم الفيزياء الفلكيّة المعروف هيو روس:
“إذا كان الزّمن بدأ مع نشوء الكون، كما تقول نظريّة الفضاء، فذلك يعني أنّ سبب وجود الكون يجب أن يكون كياناً يعمل بشكل مستقل تمامًا عن بعد الزّمن، بل وموجود بشكل يسبق البعد الزّمني للكون. وهذا الاستنتاج يخبرنا أنّ الإله ليس هو الكون نفسه، وأنّ الكون لا يحتوي الإله أيضًا”.

“معجزة الانفجار الكبير أُضيفَ إليها معجزة خلق كون صالح للعيش وهو ما يتطلّب تضافر ألوف العوامل المؤاتية التي لا يمكن أن توجد بفعل الصُّدفة”
سرّ النّظام البديع الذي يحكم الكون
في الحقيقة، تسبّب الانفجار الكبير في متاعب أكبر بكثير للمادّيّين من مجرد اعترافات أنتوني فلو، إذ إن العلم بات يثبت أنّ الكون ليس فقط تمّ إيجاده من العدم بواسطة الانفجار الكبير بل أثبت أيضا أنّ إيجاده تمّ بطريقة مُحكمة ومُمَنْهَجة جدّاً.
لقد حدث الانفجار الكبير مع انفجار النّقطة التي تحتوي كلّ المادّة والطّاقة في الكون، وتشتّت كلّ هذا في كلّ الاتّجاهات في الفضاء بسرعة رهيبة، ومن هذه المادّة والطّاقة جاء عدد ضخم ومتوازن من المجرّات والنّجوم والشّمس والأرض وجميع الأجرام السّماوية الأخرى. وعلاوة على ذلك، تشكّلت القواعد التي تحكم هذا الكون والتي سُمّيت بـ “قوانين الفيزياء”، وهي قواعد موحَّدة في جميع أنحاء الكون كلّه لا تتبدّل ولا تتحوّل. وقوانين الفيزياء التي تحكم الكون والتي ظهرت مع حدوث الانفجار الكبير لم تتبدّل على الإطلاق على مدى 15 مليار عام. وعلاوة على ذلك، فإنّ هذه القوانين تُنْتِج حسابات دقيقة للغاية، حتى أنّ الاختلاف في مجرّد مللّيمتر واحد من قِيَمِها الحاليّة يمكن أنْ يؤدّي إلى تدمير بنية وحركة الكون كلّه.
إنّ أيِّ “انفجار” لا ينجم عنه في العادة أجزاء أو نتائج مُنظّمة، وكلّ الانفجارات التي نعرفها تميل إلى إحداث أضرار، وتحطيم، وتدمير ما حولها. لذلك فإنّنا إذا علمنا أنّه وعلى عكس ذلك فإنّ الانفجار الكبير أنتج نظاماً دقيقاً جدّاً يسير وفق قوانين محكمة وحركة أزليّة منتظمة فإنّه لا بدّ من أن نستنتج عندها أنّ هناك “أمراً خارقاً للعادة” تدخّل في هذا الانفجار، وأنّ جميع القطع المتناثرة جَرّاء هذا الانفجار قد تمّت السّيطرة عليها وتمّ إدماجها وتركيبها وتشغيلها بطريقة مُحكمة للغاية.
السّير فريد هويل، الذي اضطُر إلى قبول نظريّة الانفجار الكبير بعد سنوات طويلة من معارضتها، عبّر عن هذا الموقف بشكل جيّد للغاية عندما قال:
“إنّ نظريّة الانفجار الكبير تذهب إلى أنّ الكون قد بدأ بانفجار واحد، ولكن كما يمكننا أن نرى، فإنّ أي انفجار سيجعل الموادّ تتناثر في كلّ مكان، في حين أنّ الانفجار الكبير قد أوجد بصورة غامضة ظروفاً معاكسة لذلك، حيث تكتّلت المادّة معاً في شكل المجرّات، ومما لا شكّ فيه، أنه إذا نشأ نظام مُحكم للغاية بواسطة انفجار، فعلى الجميع أن يعترف بأنّ كلّ لحظة تمرّ تُنبئ عن وجود إبداع من عقل أسمى، وبعبارة أخرى فهذا هو عمل الله.
أمرٌ آخرُ حصل في هذا النّظام الرّائع الموجود في الكون بعد الانفجار الكبير، هو خلق “كون صالح للعيش”. إنّ خلق كوكب صالح للحياة يحتاج إلى اجتماع مئات بل ألوف العوامل المعقّدة والمتداخلة لدرجة تجعل من المستحيل الاعتقاد أنّ هذا التّشكيل يمكن أن يتمّ بفعل الصّدفة.
وذكر بول ديفيز – وهو أستاذ مشهورٌ للفيزياء النّظرية – في نهاية الحسابات التي قام بها لحساب معدّل توسّع الكون، أن هذا المعدّل دقيق بشكل لا يُصدّق. فقال:
“معدّل تمدّد الكون يخضع لقياسات دقيقة للغاية، فهي ذات قيمة حرجة والتي بسبّبها حافظ الكون على جاذبيته الخاصّة ممّا جعله يتمدّد إلى الأبد، ولو كان الكون أبطأ قليلًا في تمدده فإنّه كان سينهار على ذاته كما أنّه لو كان أسرع قليلاً في تمدّده فإنّ المادّة الكونيّة كانت ستتبدّد تماماً منذ زمن طويل، فلم يكن الانفجار الكبير مُجرّد انفجار قديم عاديٍّ، لكنّه كان انفجاراً مُرتبًا ذا قيمة مُحدّدة بدقّة”.
عالم الفيزياء الشّهير البروفيسور ستيفن هوكينج يقول في كتابه تاريخ موجز للزّمن، إنّ الكون مُحكم بحسابات وموازينَ مضبوطة بدقّة أكثر ممّا يمكننا أن نتصوّر، ويُشير هوكينج إلى معدّل تمدّد الكون فيقول:
“لو كان معدّل التمدّد بعد ثانية واحدة من الانفجار الكبير أصغر بجزء واحد من مائة ألف مليون مليون جزء، لكان الكون قد انهار على نفسه قبل أن يصل لحجمه الحاليّ”.
كما يوضح بول ديفيز التّبعات الحتميّة النّاتجة من هذه الموازين والحسابات الدّقيقة فيقول:
“إنّ من الصّعب مقاومة الانطباع بأنّ الهيكل الحاليّ للكَون، بما فيه من حساسيّة لأيّة تغيرات طفيفة في الأرقام، كان وراءه من يقوم على العناية به. بالإضافة للتّوافق الذي يبدو خارقاً في القِيَم العدديّة الموجودة في الطّبيعة كثوابت أساسيّة، والذي يجب أن يُمثّل أقوى أدلّة دامغة على تواجد عامل التّصميم الكونيّ” (وهو يقصد بذلك:الخلق).
وعن الحقيقة نفسها ، كتب عالم الفلك الأمريكيّ جورج جرينشتاين في كتابه “الكون التّكافلي” يقول: “بينما نقوم بحصر جميع الأدلّة، فإنّ الفكرة الّتي تطرح نفسها بإلحاح هي أنّ قوى خارقة قد شاركت في إنتاج ما نحن فيه”.
حظيت نظريّة الانفجار الكبير لاحقاً بدعم مستمرٍّ جَرّاء دراساتٍ عدة أجريت في أواخر التّسْعينيّات من القرن الماضي، وجاءت أوّل البيانات المؤيّدة لنظريّة الانفجار الكبير من بالون مراقبة يُدعى “بومرانج” عام 2000 على شكل معلومات دقيقة حول إشعاع الخلفيّة الكونيّة، وهو أحد أهم الأسس لنظريّة الانفجار الكبير. وكان تمّ إطلاق هذا البالون عام 1998 ليرتفع 120,000 قدم فوق القارّة القطبيّة الجنوبيّة Antarctica ويقول مايكل تيرنر وهو أحد علماء جامعة شيكاغو الذين حلّلوا تلك البيانات:
“لقد عبرت كلّ من نظريّة الانفجار الكبير والنظريّة النّسبيّة العامّة لأينشتاين اختباراً رئيسياً جديدًا”.
كما أرسل مسبار مُصمّم للتّحقّق من تباين خواص الإشعاع ويلكنسون، والذي أُطلق إلى الفضاء في عام 2001، البيانات للأرض عام 2003، وكشف عن تفاصيل هامّة مطابقة للبيانات التي تمّ الحصول عليها من البالون بومرانج. بعض المعلومات التي أكّدها المسبار تُعتبر أحد أهم الإنجازات في العقد الأوّل من الألفية الثّانية، وهي كما يلي:
• عمر الكون يبلغ 13.73 مليار سنة، هامش الخطأ هنا حوالي 1%، وكان يُقدّر عمر الكون قبل ذلك بفترة تتراوح بين 15 و20 مليار سنة.
• بدأت أولى النّجوم بالسّطوع بعد ما يقارب 400 مليون سنة من الانفجار الكبير، وقد أدهش هذا التّاريخ المبكر العلماء.
• يتكوّن الكون من 4.6% ذرّات عاديّة، و23.3% من المادّة المُظْلِمة و72.1% من الطّاقة المظلمة. وهذه القياسات الجديدة ستمكّننا من الحصول على بيانات هامّة عن طبيعة الطّاقة المظلمة، والتي تُمزّق المجرّات.
أنتجت مجموعتان دراسيّتان منفصلتان تتكونان من علماء بريطانيّين وأستراليّين وأمريكيّين خريطة ثلاثية الأبعاد لما يقارب 266,000 مجرة بعد عدّة سنوات من البحث. قام العلماء بمقارنة البيانات التي تمّ جمعها حول توزيع المجرّات مع البيانات حول إشعاع الخلفية الكونية المنبثّ في جميع أنحاء الكون، وحصلوا على العديد من النّتائج الهامّة عن أصل المجرّات. وخلص الباحثون بتحليل الدّراسات إلى أنّ المجرّات تكوّنت نتيجة تجمّع الموادّ مع بعضها البعض بعد حوالي 350,000 سنة من الانفجار الكبير، واتّخذت هذه الأشكال نتيجة لقوّة الجاذبية، وقدّمت نتائج هذه الدّراسات أدلّة جديدة على صحّة نظريّة الانفجار الكبير.
“العلم أثبت أنّ عمر الكون 13.73 مليار سنة وأنّ أُولى النّجوم بدأت بالسّطوع بعد 400 مليون سنة من حصــول الانفجــار الكبير”

راهين جديدة
عزّزت النّتائج التي تمّ الحصول عليها من هذه الدّراسات نظريّة الانفجار الكبير. وأكّد الدّكتور رسل كانون هذا التّأييد في عبارته التّالية:
“لقد عرفنا منذ وقت طويل أنّ أفضل نظريّة عن نشأة الكون هي الانفجار الكبير، حيث بدأ كلّ شيء بانفجار هائل في مساحة صغيرة، وتمدّد الكون منذ ذلك الحين. وفي إمكاننا القول الآن وبدرجة من اليقين تفوق ما كنّا عليه في أي وقت مضى أنّ تلك الفكرة هي الفكرة الأساسيّة الصّحيحة وقد تجمّعت كلّ أجزائها معاً بشكل مقنع للغاية”.
باختصار، فإنّنا عندما ندرس النّظام البديع للكون، نرى أنّ وجود الكون وعمله يقوم على توازن دقيق للغاية، ونظام معقّد جدًّا بحيث لا يمكن تبرير حدوثه بالصّدفة. وكما هو واضح، فليس من الممكن بأيّة طريقة أن يتكوّن هذا التّوازن والنّظام الدّقيقين من تلقاء نفسيهما بالصّدفة بعد انفجار ضخم كهذا. فتشكيل مثل هذا النّظام في أعقاب الانفجار الكبير هو دليل واضح على خلق خارق للطّبيعة.
هذه الخطة التي لا تُضاهى والنّظام الموجود في الكَون بالتأكيد يُثبت وجود خالق ذي معرفة لا نهائيّة، وقوّة، وحكمة، والذي خلق كلّ شيء من العدم، والذي يتحكّم ويُدير ذلك باستمرار، هذا الخالق هو الله ربّ العالمين.






















