الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الجمعة, آذار 6, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

العابد الموحِّد الزَّاهد الصحابيّ الجليل أبو ذر الغفاريّ

ذَكَرَتْ بَعْضُ الْمُدَوَّناتِ التَّوْحِيدِيَّةِ الْقَدِيمَةِ ما اسْتَخْلَصَهُ وَاعْتَمَدَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الْأُصُولِ الْإِسْلَامِيَّةِ التَّارِيخِيَّةِ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ الْكِنَانِيُّ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَماءِ وَالزُّهَّادِ…»، وَأَنَّهُ ذَهَبَ بِعَقْلٍ رَجِيحٍ فِي التَّوْحِيدِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ بِسِنِينَ مَذْهَبًا مُتَبَرِّئًا مِنْ تَوْسِيطِ الْأَوْثَانِ وَسِيلَةَ عِبَادَةٍ كَمَا فَعَلَتِ الْقَبائِلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ.

وَالْغِفَارِيُّونَ، نِسْبَةً إِلَى قَبِيلَةِ غِفَارَ مِنْ كِنَانَةَ، أَهْلُ بَادِيَةٍ، سَكَنُوا فِي مَنْطِقَةٍ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ (الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ فِيمَا بَعْدُ) وَوَادِي الصَّفْرَاءِ وَمَا يَلِيهَا مِنَ الْحِجَازِ. وَكَانُوا عَلَى تَمَاسٍّ مَعَ خَطِّ سَيْرِ قَوَافِلِ قُرَيْشٍ لِقُرْبِهِمْ مِنَ الطُّرُقِ التِّجَارِيَّةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانُوا «يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ» (ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ). عُرِفُوا بِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وَدَأْبِهِمْ عَلَى مُنَاكَفَةِ بَعْضِ الْقَوَافِلِ الْمَكِّيَّةِ بِالْإِغَارَةِ عَلَيْهَا دُونَ الْتِزَامٍ بِأَعْرَافِ الْأَمَانِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتِّجَارَةِ، مَا يَعْنِي قِلَّةَ اكْتِرَاثٍ بِغَضَبِ قُرَيْشٍ عُمُومًا.

وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ لِابْنِ أَخِيهِ كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ سَعْدٍ: «… صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ… أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي اللَّهُ، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَر،ِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعْلُونِيَ الشَّمْسُ»، كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِحَالِهِ بَعْدَ طُولِ الْمُجَاهَدَةِ فِي سَكِينَةِ اللَّيْلِ تَعَبُّدًا، فَكَأَنَّهُ ثَوْبٌ بَالٍ مُلْقًى مِنْ أَثَرِ اسْتِشْعَارِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَخُشُوعِهِ.

وَأَبْطَأَ أَخُوهُ أُنَيْسٌ فِي مَكَّةَ ذَاتَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: «مَا حَبَسَكَ؟»، قَالَ: «لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ». فَقَالَ: «اكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ». وَجَاءَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَشَهَّدَ وَرَأَى الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ الَّذِي قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي». فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ»، أَرَادَ بِذَلِكَ الْوُقُوفَ أَمَامَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ عَلَى الرَّسُولِ دَعْوَتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ مُنَادِيًا بِأَعْلَى صَوْتِهِ بِالشَّهَادَةِ، فَغَاظَهُمْ وَقَابَلُوهُ بِعُنْفٍ حَتَّى أَدْمَوْهُ وَأَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارَ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارَتِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ؟»، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا… فَـ«أَثَارَ غَضَبَ الْمُشْرِكِينَ» فَآذَوْهُ «حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ» كَمَا وَرَدَ بِمَعْنَاهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لَهُ: «فَارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي خَرَجْتُ فَأْتِنِي» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)
يَجْمَعُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي «حِلِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ» فِي اِسْتِهْلَالِهِ الْحَدِيثِ عَنِ أَبِي ذَرٍّ الْمَنَاقِبَ الْأَثِيلَةَ الَّتِي مَيَّزَتْ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ الْفَذَّ، قَالَ: «الْعَابِدُ الزَّاهِدُ، الْقَانِتُ الْوَحِيدُ، رَابِعُ الْإِسْلَامِ، وَرَافِضُ الْأَزْلَامِ، قَبِلَ نُزُولَ الشَّرْعِ وَالْأَحْكَامِ، تَعَبَّدَ قَبْلَ الدَّعْوَةِ بِالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ حَيَّا الرَّسُولَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي الْحَقِّ لَائِمَةُ الْلُوَّامِ، وَلا تُفْزِعُهُ سَطْوَةُ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ، أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي عِلْمِ الْبَقَاءِ، وَثَبَتَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ، وَحَفِظَ الْعُهُودَ وَالْوَصَايَا، وَصَبَرَ عَلَى الْمِحَنِ وَالرَّزَايَا، وَاعْتَزَلَ مُخَالَطَةَ الْبَرَايَا إِلَى أَنْ حَلَّ بِسَاحَةِ الْمَنَايَا، أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خَدَمَ الرَّسُولَ، وَتَعَلَّمَ الْأُصُولَ، وَنَبَذَ الْفُضُولَ».

فِي عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – حَتَّى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ

أَقْبَلَ أَبُو ذَرٍّ يَسْأَلُ عَنِ الرَّسُولِ «وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو مُتَخَفِّيًا» (الذَهَبِيُّ)، وَكَانَ «أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ»، وَأَصَابَ بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ «رابِعُ الْإِسْلَامِ» لَمْ يُسْلِمْ قَبْلَهُ «إِلَّا النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ» (الطَّبْرِيُّ – وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّهُ كَانَ الْخَامِسَ). وَبَاتَ أَبُو ذَرٍّ «رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُلاَزِمًا وَجَلِيسًا، وَعَلَى مُسَاءَلَتِهِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْهُ حَرِيصًا…» (حلية الأولياء). وَسَمِعَ مِنْهُ طَلَبَ الْعَوْدَةِ إِلَى دِيَارِهِ، فَعَادَ لِدَعْوَتِهِمْ إِلَى الْهُدَى، وَاسْتَجَابَ الْكَثِيرُ فِي الْبِدَايَاتِ، وَتَبِعَهُمْ الْبَاقُونَ لَاحِقًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «غِفَارُ، غَفَرَ اللَّهُ لَهَا» (الذَهَبِيُّ وَغَيْرُهُ).

وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ إِلَى يَثْرِبَ، هَاجَرَ إِلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ وَلَازَمَهُ وَجَاهَدَ مَعَهُ (الذَهَبِيُّ). وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ شَارَكَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنَ الَّتِي وَقَعَتْ لِمُوَاجَهَةِ زَحْفِ قَبِيلَتَيِ هَوْزَنَ وَثَقِيفَ نَحْوَ مَكَّةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ حَامِلَ رَايَةِ غِفَارَ» يَوْمَ ذَلِكَ.
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ فِي الْلِحَاقِ بِالرَّسُولِ إِلَى تَبُوكَ بَعْدَ أَنْ «أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ… فَأَخَذَ مُتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ مَاشِيًا…». وَحِينَ لَاحَ لِبَعْضِهِمْ قُدُومُهُ قَالَ الرَّسُولُ: «كُنْ أَبَا ذَرٍّ!»، فَقَالُوا: «هُوَ أَبُو ذَرٍّ». فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ! يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» (الطَّبْرِيُّ). وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ مَضَى إِلَى تِلْكَ الْمَنَازِلِ لِمُوَاجَهَةِ الْجَيْشِ الْبِيزَنْطِيِّ، وَقَدِ ارْتَبَكَتْ تَحَالُفَاتُهُ وَاسْتُنزِفَتْ مَوَارِدُهُ فَتَرَاجَعَ دُونَ صِدَامٍ، وَكَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ الْغَزَوَاتِ.

كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْنَسُ بِأَبِي ذَرٍّ وَيَحْتَرِمُهُ وَيُقَدِّرُهُ حَتَّى أَنَّهُ «كَانَ يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ» (حَدِيثٌ مَسْنُدٌ عَنِ أَبِي الدَّرْدَاء). وَفِي حَدِيثٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ…». وَكَانَ ثَمَّةَ أَلْفَةٌ بَيْنَهُمَا حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ بِيدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَنَحْنُ نَتَمَاشَى جَمِيعًا نَحْوَ الْمَغْرِبِ…» وَالْحَدِيثُ دَائِرٌ عَنْ «صُنْعِ الرَّبِّ الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ، الْعَلِيمِ بِخَلْقِهِ» (الطَّبْرِيُّ). وَقَالَ فِي «الْحِلِيَّةِ» إِنَّهُ «كَانَ أَكْثَرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ لَهُ سُؤَالًا». وَلِأَبِي ذَرٍّ الْكَثِيرُ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَرَدَتْ عَدِيدَةٌ مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ.

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَة لِلْهِجْرَةِ

مَا إِنْ شَاعَ خَبَرُ وَفَاةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَدَاعَى بَعْضُهُمْ إِلَى «سَقِيفَةِ بِنِي سَعْدَةَ» وَكَانَ لِلْأَنْصَارِ رَأْيٌ فَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَكَثُرَ الْلَغْطُ (الطَّبْرِيُّ). غَيْرَ أَنَّ الْأُمُورَ آلتْ إِلَى مُبَاَيَعَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ حُضُورِهِ وَمُؤَازَرَةِ عُمَرَ لَهُ. وَيَذْكُرُ الْيَعْقُوبِيُّ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ مِنَ الَّذِينَ «تَحَفَّظُوا» عَلَى الْأَمْرِ وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ، وَمَحَطُّ مَوْقِفِهِمْ هُوَ غِيَابُ كِبَارٍ مِنْ آلِ بَيْتِ الرَّسُولِ وَغَيْرِهِمْ. غَيْرَ أَنَّ عَلِيًّا بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ، وَتُورِدُ بَعْضُ الْمَصَادِرِ أَنَّ الْأَمْرَ حَصَلَ قَبْلَ ذَلِكَ

وَكَانَ لِأَبِي ذَرٍّ مَقَامُ الْمُحَدِّثِ الصَّادِقِ، وَالْعَالِمِ الزَّاهِدِ الثَّابِتِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ. وَثَبَتَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ الرِّسَالَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْعَظِيمَةِ. وَيُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُ سُلُوكِهِ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ، وَأَخْرَجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْمَدُ، جَاءَ فِيهِ:
«أَمَرَنِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ، وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُونِي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَقُولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أَلَّا أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ.»

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – حَتَّى السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ

فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ، «فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ… وَفَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ (مَا فَرَضَهُ)، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، وَأَبَا ذَرٍّ، وَسَلْمَانَ…» (الطَّبَرِي).
لَمْ يَشْهَدْ أَبُو ذَرٍّ بَدْرًا إِذْ كَانَ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ (وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ أَوَّلَ مَعْرَكَةٍ مِنْ مَعَارِكِ الْإِسْلَامِ الْفَاصِلَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُشْرِكِينَ). إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِأَهْلِ بَدْرٍ فِي الْعَطَايَا مِنْ قِبَلِ الْخَلِيفَةِ دَلَالَةٌ عَلَى رِفْعَةِ قَدْرِهِ وَمَكَانَتِهِ عِنْدَهُ.

وَقَدْ أَوْرَدَ الذَّهَبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ أَنَّ عُمَرَ «أَلْحَقَهُ مَعَ الْقُرَّاءِ»، وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ «كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْجِهَادِ وَصِدْقِ اللَّهْجَةِ وَالْإِخْلَاصِ.. وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ مَالًا، وَيَصْدَعُ بِالْحَقِّ».

يُورِدُ الطُّبَرِيُّ فِي مُجْرَيَاتِ أَحْدَاثِ السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ خَبَرَ «فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». وَيَذْكُرُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ «شَهِدَ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْجَابِيَةَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ، وَرَآهُ بِهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ». وَكَانَتْ لِجُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ سَابِقَةٌ فِي «فَتْحِ الْجَابِيَةِ» بَعْدَ النَّصْرِ الْمُؤَزَّرِ فِي الْيَرْمُوكِ
وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ غَزَا مُعَاوِيَةُ (وَكَانَ آنَذَاكَ أَمِيرَ الشَّامِ) الصَّائِفَةَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، وَمَعَهُ رَهْطٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ (الطَّبَرِي).

وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ لِلْهِجْرَةِ تَمَّ «فَتْحُ قُبْرُسَ عَلَى يَدِ مُعَاوِيَةَ، غَزَاهَا بِأَمْرِ عُثْمَانَ (هُوَ عُثْمَانُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.. كَمَا وَرَدَ فِي الطَّبَرِي، وَلِلْوَاقِدِيِّ تَدْوِينٌ مُخْتَلِفٌ فِي تَحْدِيدِ السَّنَةِ). وَثَمَّةَ اتِّفَاقٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْوَاقِدِيِّ وَالطُّبَرِيِّ عَلَى مُشَارَكَةِ «جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِيهِمْ أَبُو ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادُ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ…» فِي هَذَا الْغَزْوِ الْبَحْرِيِّ.

فِي عَهْدِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ – حَتَّى وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِلْهِجْرَةِ

إِنَّهَا حُقْبَةٌ اسْتِثْنَائِيَّةٌ فِي تَارِيخِ الْأُمَمِ أَنْ تَرَى مَجْمُوعَةً مِنَ الْقَبَائِلِ – كَانَ الْعَالَمُ بِمُعْظَمِهِ مِنْ حَوْلِهَا بَوَادٍ وَقِفَار – أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى اجْتِيَاحِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَعَلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الْفَارِسِيَّةِ السَّاسَانِيَّةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْقَادِسِيَّةِ، وَأَبْوَابِ إِمْبِرَاطُورِيَّةِ الرُّومِ الْبِيزَنْطِيِّينَ (الرُّومَانِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ) بَعْدَ مَعْرَكَةِ الْيَرْمُوكِ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّه خِلَالَ مَا يُقَارِبُ رُبْعَ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ.

وَكَانَ بِإِمْكَانِ الْخَلِيفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنْ يَرَى دَوْلَتَهُ بِحَجْمِ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ تَمْتَدُّ آفَاقُ جُغْرَافِيَّتِهَا وَإِمْكَانُ اتِّسَاعِهَا الْجَارِي مِنْ مِصْرَ وَالْمَدَى الْأَفْرِيقِيِّ الْمَفْتُوحِ إِلَى سَوَاحِلِ الْأَطْلَسِيِّ غَرْبًا، إِلَى أَذْرَبِيجَانَ وَالْمَدَى الْمَفْتُوحِ إِلَى أَقَاصِي الشَّرْقِ شَرْقًا.

«الْفُتُوحُ لَمْ تَقِفْ أَيَّامَ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا مَضَتْ فِي طَرِيقِهَا عَازِمَةً حَازِمَةً غَيْرَ مُتَرَدِّدَةٍ… وَكَانَتْ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنَائِمِ تُقَسَّمُ بَيْنَ الْفَاتِحِينَ، وَهَؤُلَاءِ الْفَاتِحُونَ مُسْتَقِرُّونَ فِي أَمْصَارِهِمْ، لَا يَخْرُجُ أَحَدُهُمْ إِلَى الثَّغْرِ الَّذِي يَلِيهِ إِلَّا مَرَّةً كُلَّ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ… فَهَذِهِ الْغَنَائِمُ إِذَنْ، وَفِيهَا الرَّقِيقُ، كَانَتْ تَثُوبُ مَعَ أَصْحَابِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ، فَكَانَ عَدَدُ الرَّقِيقِ فِي ازْدِيَادٍ مُتَّصِلٍ… فَظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ طَبَقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ النَّاسِ، هِيَ طَبَقَةُ الْبْلُوتُوقْرَاطِيَّةِ، الَّتِي تَمْتَازُ إِلَى أَرِسْتُوقْرَاطِيَّتِهَا الَّتِي تَأْتِيهَا مِنَ الْمَوْلِدِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَضَخَامَةِ الثَّرَاءِ وَكَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ أَيْضًا…» (طَهْ حُسَيْن، الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى، عُثْمَان).

وَاسْتِخْدَامُ تَعْبِيرِ «بْلُوتُوقْرَاطِيَّا» مِنْ أَزْهَرِيٍّ قَدِيمٍ فِيهِ دَلَالَةٌ شَدِيدَةُ الْإِيحَاءِ عَلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ ذَاتُهُ «الِانْقِلَابَ الِاجْتِمَاعِيَّ الْجَذْرِيَّ» الَّذِي حَدَثَ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ يَعْنِي «حُكْمَ أَصْحَابِ الثَّرَوَاتِ». وَقَدْ ذَكَرَ الْكَثِيرَ مِنَ التَّفَاصِيلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالثَّرَوَاتِ الْهَائِلَةِ الَّتِي حَقَّقَهَا بَعْضُ الْقَادَةِ وَغَيْرُهُمْ خِلَالَ تِلْكَ السِّنِينَ، وَتَرَتَّبَ عَنْهَا وُجُودُ «الْإِقْطَاعَاتِ الْكَبِيرَةِ الضَّخْمَةِ وَالضِّيَاعِ الْوَاسِعَةِ الْعَرِيضَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَنَشَأَ عَنْ هَذَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ جُلِبَتِ الْحَضَارَةُ جَلْبًا إِلَى الْحِجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، فَكَانَ التَّرَفُ…»، فِيمَا «عَاشَتْ طَبَقَةٌ أُخْرَى مِنَ الْعَرَبِ الْبَادِينَ الْمَحْرُومِينَ لَمْ تَمْلِكْ قَطُّ أَرْضًا…» .

كانَ عُثْمانُ قدْ أمَرَ أبا ذَرٍّ بأنْ «يَرْتَحِلَ إلى الشَّامِ فَيَلْحَقَ بِمُعاوِيَةَ» (الذَّهَبِيّ). وَيَتَبَيَّنُ مِمَّا وَرَدَ آنِفًا حُضُورُهُ في مَيادينِ وَقْعاتٍ تَأْرِيخِيَّةٍ خاضَتْها جُيُوشُ المُسْلِمِينَ. فَما كانَ أبو ذَرٍّ مُنْكَفِئًا في «وِعاءِ عِلْمِهِ وَزُهْدِهِ»، بَلْ كانَ شُجاعًا مُقْدامًا حَتّى أَنَّهُ خاضَ البَحْرَ في أَوَّلِ وُلُوجٍ لِلْمُسْلِمِينَ في عُبابِ الماءِ إلى قُبْرُصَ.

لَكِنَّ مَناقِبَ أَبي ذَرٍّ بَقِيَتْ راسِخَةً في ثَباتِ قَلْبِهِ عَلى ما هُوَ عَلَيْهِ أَصْلًا، فَقَدْ كانَ – كَما قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في «الاسْتِيعابِ»: «مِنْ أَوْعِيَةِ العِلْمِ الْمُبَرَّزِينَ في الزُّهْدِ وَالوَرَعِ وَالْقَوْلِ بِالْحَقِّ…». وَكانَ «يُحَدِّثُ بِالشَّامِ، فَاسْتَهْوى قُلُوبَ الرِّجالِ»، «فَإِذا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اجْتَمَعَ النّاسُ عَلَيْهِ، فَقالُوا: حَدِّثْنا…» (الذَّهَبِيّ).

وَمَعَ تَفاقُمِ مَشاهِدِ التَّداعِياتِ النّاتِجَةِ عَنِ «الانْقِلابِ الاجْتِماعِيِّ» في أَوْساطِ الْمُجْتَمَعِ الإسْلامِيِّ آنَذاكَ، اشْتَدَّتْ حِدَّةُ لَهْجَتِهِ حينَ رَأى انْغِماسًا في نَوافِلِ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِما يَتَجاوَزُ الْحُدودَ الَّتي ما قامَتِ الشَّريعَةُ إِلّا لِتَرْسيخِها وَتَعْلِيمِها وَالأَخْذِ بِها، وَبِالأَخَصِّ مِنْها الاسْتِقامَةُ سَبيلًا إلى العَدْلِ الاجْتِماعِيِّ: ﴿كونوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ (النِّساء ١٣٥)، ﴿إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدْلِ﴾ (النَّحْل ٩٠)… وَتَحَقَّقَ بِيَقِينِهِ أَنَّ اسْتِشْراءَ تَراكُمِ الثَّرَوَاتِ في الظُّرُوفِ الَّتي يَشْهَدُها هُوَ سَبَبٌ أَساسيٌّ في تَعْميقِ الْهُوَّةِ الاجْتِماعِيَّةِ في زَمَنِ الْمَعْنَى الأَثِيلِ لِمَفْهُومِ «بَيْتِ مالِ الْمُسْلِمِينَ» (بَيْتُ مالِ اللهِ – كَما كانَ يُسَمِّيهِ أبو ذَرٍّ) وَمَقاصِدِ عِلَّةِ وُجُودِهِ.

وَلافَ الصَّحابِيُّ الْجَليلُ أبو ذَرٍّ الغِفاريُّ آياتِ اللهِ الَّتي حَقَّقَ مَعانيها في قَلْبِهِ، فَباتَ يُسَدِّدُ الْقَوْلَ بَلا مَجازٍ مُسْتَعينًا بِالآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في سَبيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليمٍ﴾.

سَأَلَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ أبا ذَرٍّ (لاحِقًا) قالَ: ما أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هذا؟ قالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنا وَمُعاوِيَةُ في الآيَةِ ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ…﴾، وَقالَ مُعاوِيَةُ: نَزَلَتْ في أَهْلِ الْكِتابِ، قالَ: فَقُلْتُ: نَزَلَتْ فينا وَفيهِم. بَعْدَ ذَلِكَ، كَتَبَ مُعاوِيَةُ إلى عُثْمانَ: إنَّ أبا ذَرٍّ قَدْ أَعْضَلَ بِي… (بِمَعْنى ضاقَتْ عَلَيْهِ فِيهِ الْحِيَلُ)… فَكَتَبَ إلَيْهِ عُثْمانُ: … جَهِّزْ أبا ذَرٍّ إلَيَّ… فَأَتى إلَيْهِ وَقالَ: مالُ اللهِ، وَلا يَنْبَغي لِلْأَغْنِياءِ أَنْ يَقْتَنُوا مالًا… فَقالَ: يا أبا ذَرٍّ، عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ ما عَلَيَّ، وَآخُذَ ما عَلَى الرَّعِيَّةِ، وَلا أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ… فَاسْتَأْذَنَهُ، وَقالَ: فَإنَّ الْمَدِينَةَ لَيْسَتْ لِي بِدارٍ؟… فَخَرَجَ حتّى نَزَلَ الرَّبَذَةَ، فَخَطَّ بِها مَسْجِدًا… (ابْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرِيّ).

وَتَخْتَلِطُ الْأَخْبارُ في الْمَصادِرِ بَيْنَ أَنَّ الْأَمْرَ كانَ خِيارَ أَبي ذَرٍّ وَبَيْنَ أَنَّهُ كانَ النَّفْيَ. في كُلِّ حالٍ، كانَتِ الرَّبَذَةُ «مُسْتَوْطَنَةً صَحْراوِيَّةً مَعْزُولَةً تَبْعُدُ حَوالَيْ ١٢٥ ميلًا شَمالَ شَرْقِ مَكَّةَ. وَكانَ الْخَليفَةُ يَعْلَمُ أَنَّ الظُّرُوفَ في هذا الْمَنْفَى الْكَئِيبِ سَتَكُونُ صَعْبَةً، فَأَرْسَلَ لَهُ عُمُلاتٍ ذَهَبِيَّةً… فَأَعادَها أبو ذَرٍّ عَلَى الْفَوْرِ…» (Baker: Justice in Islam). وَيَجْعَلُ بَيْكَرْ مِنْ هذا الْأَمْرِ مِثالًا عَلَى «مَوْقِفٍ لاعُنْفِيٍّ»، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ في الرُّوحِ يُقَدِّمُها الإسْلامُ أَمْثُولَةً لِتَفَوُّقِ مَفْهُومِ «الْقِيَمِ» عَلى أَيِّ أَمْرٍ آخَرَ.

مَضى أَبو ذَرٍّ إلى الرَّبَذَةِ وَلِسانُ حالِهِ ما قالَهُ أَمامَهُمْ: «لا حاجَةَ لي في دُنْياكُمْ» (ابْنُ سَعْدٍ)، وَقالَ: «دُنْياكُمْ فَاعْذِمُوها، وَدَعُونا وَرَبَّنا» (الذَّهَبِيّ). وَالْمَعْنى الْأَقْرَبُ إلى رُوحِيَّةِ الْعِبارَةِ هُوَ: «خُذُوا دُنْياكُمْ بِالْعَضِّ وَالْأَكْلِ بِجَفاءٍ – وَهُوَ مَعْنى «الْعَذْمِ» -، وَدَعُونا نَخْلُو إلى سَكِينَةِ الْمَعْنى في مَكْنُونِ الآياتِ».

وَقَدْ قالَ عَلِيٌّ (ع) عَنْ أَبي ذَرٍّ: إنَّهُ «وَعى عِلْمًا عَجَزَ النّاسُ عَنْهُ». وَكانَ أبو ذَرٍّ – كَما كانَ يُحَدِّثُ -: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَليلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثيرًا، وَلَما ساغَ لَكُمُ الطَّعامُ وَالشَّرابُ…»، «يا أَيُّهَا النّاسُ إنِّي لَكُمْ ناصِحٌ، إنِّي عَلَيْكُمْ شَفيقٌ». وَقِيلَ عَنْ أَبي ذَرٍّ إنَّهُ «أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ في عِلْمِ الْبَقاءِ وَالْفَناءِ»، وَالْبَقاءُ عِنْدَهُ هُوَ التَّحَقُّقُ في مَعاني الرِّسالَةِ الإِلَهِيَّةِ اسْتِشْعارًا وَسُلُوكًا وَمَوْقِفًا في الْحَياةِ، فَأَمَّا الْفَناءُ فَهُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ نُورِ الْهُدى وَاسْتِهْلاكُ النَّفْسِ في جائِحاتِ الْهَوى.

كانَتِ الرَّبَذَةُ لِأَبي ذَرٍّ فُرْصَةً لِوَحْدَةٍ أَحَبَّها لِأَنَّها تَصِلُهُ بِإشاراتِ الحَقِّ. وَكانَ ابْنُ مَسْعودٍ ذاتَ يَوْمٍ مُقْبِلًا مِنَ الْمَدينَةِ إلى الْكُوفَةِ، فَدُعِيَ إلى الصَّلاةِ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَنْ هذا؟ قيلَ: أَبو ذَرٍّ. فَبَكَى طَويلًا، وَقالَ: أَخي وَخَليلي، عاشَ وَحْدَهُ، وَماتَ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ، طُوبى لَهُ.

وَكانَتْ وَفاتُهُ بِالرَّبَذَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاثينَ، وَصَلّى عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ).


جلال الدين الرّومي المتصوّف والفيلسوف

ولد محمّد بن محمّد بن حسين بهاء الدّين الخطيبي البلخي (المعروف بجلال الدين الرّومي) يوم 6 ربيع الأول سنة (604 ه-الموافق 30 سبتمبر 1207م) في مدينة بلخ في أفغانستان.

كان والده بهاء الدين ولد أحد علماء المذهب الفقهي الحنفي، وقد لقّب لمكانته العلميّة وجراءته في قول الحقّ، والإنكار على العلماء الظلمة «بسلطان العلماء». اضطرّت عائلة الرّومي، أن ترحل عن البلد الأم نظراً لهجمات المغول الشّرسة والمدمّرة، وتتنقّل في عددٍ من المدن مثل بغداد، ومكّة المكرمة وغيرها، ولكن استقرّت في نهاية المطاف في قونية- تركيا، عام 623ه، في عهد دولة السّلاجقة. وكان لمحمّد الإبن من العمر أربع سنوات.

أهمّ أساتذته والده بهاء الدين، وبرهان الدّين التّرمذي، لكنّ أهمّ أساتذته وصاحبه المقرّب إلى روحه، كان شمس الدين التّبريزي الّذي عاش معه لسنوات طويلة في بيت واحد، وكان له الأثر الكبير في تغيير الكثير من عادات الرّومي، نذكر منها المولويّة، وتحوّله من الفقه إلى التّصوف الفلسفي. عبّر الرّومي في معظم كتبه عن هذه العلاقة الوثيقة بمعلّمه شمس الدّين التّبريزي، حيث وجد نفسه معه وأدرك حقيقته في رباعيّات الرّومي؛ حيث قال: «عندما اشتعلت نيران الحبّ في قلبي، أحرق لهيبها كلّ ما كان في قلبي، فازدريت العقل الدّقيق والمدرسة والكتاب، وعملت على صناعة الشّعر، وتعلّمت النّظم».

يقول عبد السلام كفافي: «والمحقّق-على أيّة حال – أنّ التّبريزي قد أثّر في حياة شاعرنا أعمق الأثر إلى حدّ أنّه صرفه عن تلاميذه صرفاً كاملاً، وجعله يُعرض عن الوعظ، وينصرف إلى حياة التّأمّل الصّوفي، وينطلق في التّفسير عن حياته الجديدة بفيضٍ غامر من الشّعر، بلغ أسمى درجات العبقرية «. انكشف للرّومي مع التّبريزي عالمٌ جديد من الحقائق والأذواق حيث قال: «إنّ «شمسًا» هو الّذي أراني طريق الحقيقة، وهو الّذي أدين له في إيماني ويقيني».

رأى جلال الدّين الرّومي أنّ شمس الدين قبسٌ من نور الإله على الأرض، لهذا كان وجدُه وحبُّه له لا يقدّر بثمن، فكان إذا غاب «شمسٌ» أو رحل عن «قونية» شعر جلال الدّين بإكتئابٍ شديد. وعندما فقده هتف من أعماق قلبه قائلاً: «من ذا الذي قال إنّ شمسَ الرّوح الخالدة قد ماتت؟»
من الّذي يتجرّأ على القول بأنّ شمس الأمل قد تولّت؟
إنّ هذا ليس إلاّ عدوٌّ للشّمس وقف تحت سقف وعصب كلتَا عينيه ثمّ صاح، ها هي الشّمس تموت».
يرى الرّومي، في الإيمان فريضة كلّ وقت، ويدعو الإيمان إلى الصّلاة، مع العلم أنّ الإيمان ينفع بلا صلاة، أمّا الصلاة فلا تنفع بلا إيمان. يقول الرّومي: «وللإيمان فضل آخر على الصلاة، وهو أنّ الإيمان لا يسقط بأيّ عذر ولا يرخّص تأخيره، والإيمان ينفع بلا صلاة، ولا تنفع الصّلاة بلا إيمان كصلاة المنافقين. والصّلاة في كلّ دين تتنوّع، لكنّ الإيمان لا يتبدّل مع كلّ دين، ولا تتبدّل أحواله وقِبلته».

يرى الرّومي أنّ الإيمان يُدخل الرّاحة إلى الذّات، وهذه الرّاحة تحقّق الانسجام مع الذّات، وبالتّالي الانسجام مع المحيط. الإيمان بالله يدفع المرء للتحلّي بالخصال الحميدة، والابتعاد عن الأخلاق الذّميمة الفاسدة. جعل الرّومي مثاله الله في الخلق السّليم حيث قال: «تخلّقوا بأخلاق الله «، ثمّ بعد الإيمان بالله، يأتي الإيمان بالرّسل والأنبياء لأنّهم القدوة الصّالحة لكلّ النّاس. إذن الإيمان من أهمّ أركان الدّين والأخلاق.
يرى الرّومي في كتابه المجالس السّبعة، أنّ الله من فيض حبّه ورحمته للعارفين نبّههم من المعاصي، وشملهم بعطفه وحبّه، وألهمهم ذكره، وقدّرهم على الصبرفي الشّدائد قال الرّومي: «الحمد لله الذي صيَّر نفوس العارفين طائرةً في مطار امتثال أمره، وزجرها بنهيه عن المعاصي فانزجرت عنها بزجره، وسقى قلوب العاشقين محبّته فما صحت من سكره، ألهمها إدامة ذكره، فما تفتر عن ذكره، وأرى المبتلى جزيل ثواب صبره، ونصب للغني علم إحسانه إليه وإنعامه عليه، ليستدلّ به على وجوب حمده وشكره».

طلب الرّومي من الإنسان أن يتخلّق بأخلاق الله، وبهذا يكون ناجياً من الشّرور، ومن شرك الشّيطان، والنّفس الأمّارة بالسّوء، كما يعتبر الرّومي أنّ الله قد أعطى الإنسان الكثير من الكمالات والمنازل الرّفيعة، حيث خلقه في أحسن تقويم، وهو يعيش في عالمه الصّغير ناسياً أنّه عالمٌ كبير، وإذا كان حظّه مميّزاً، وعكس الصّفات الإلهية فيه كان «أَسطُرْلاب» الصّفات الإلهية. قال الرومي:
«وجود الآدمي، إذ يقول الحقّ «ولقد كرّمنا بني آدم» أسطرلاب الحق، عندما يجعل الحقّ تعالى الإنسان عالماً به عارفاً له.
فإنّه يرى بأسطرلاب وجوده تجلّي الحق وجماله الّذي لا يوصف لحظةً لحظةً ولمحةً لمحة، وأنّ ذلك الجمال لا يغيب عن مرآته».

قسّم الرّومي النّفس إلى سبع درجات أو سبع منازل؛ وهي: النّفس الأمّارة بالسّوء، وهي أدنى الدّرجات، تليها النّفس اللّوّامة، ثمّ المُلهمة، ثمّ المطمئنّة، النّفس الرّاضية، ثمّ المَرضيّة، وأخيراً النّفس الكاملة. لكن في كلّ مرحلة من هذه المراحل يجب جهادها ومراقبتها حتّى تستقيم وتصبح طوع الإرادة، بحيث يصل المؤمن الى مرحلة التّسليم الكامل له تعالى، فيعلم أنّه لا يريد إلّا ما يريده الله، وأنّ الحقّ هو الذي يخطّ الأقدار، ويسيّرجميع أمور هذا العالم بدقّة وانتظام، في هذه الحال يعرف العبد نعمة التّوكّل الكاملة وأهميّة وجود الله في حياته. هكذا سلك الرّومي طريقه برضى وتسليم متوكّلاً عليه حقّ التّوكُّل: «لا يمكن أن نفهم هذه الحركة الشّاملة لمبدأ النّفس طالما بقيت مغلقةً، وبعد فتح النّافذة، ومشاركة النّفس الرّبّانيّة فقط ستحسّ أنّ المؤمنين، رغم انفصالهم بعوائق الوجود الجسدي، متحدون في النّفس، ويهتزّون في إيقاع واحد. ولا اختلاف باقٍ بين أنفس الأولياء الّذين هم نفس واحدة، «ويموت كلّ منهم في عشق الآخر».

يميّز الرّومي بين العقل الجزئي أو المكتسب، والعقل الكلّي، والفكر. يعتبر الرّومي العقل الجزئي العقل الواهم والّذي يمكن أن يضلّ، وغير قادر على التّخطي والتّجاوز وصولاً الى الأنوار الحقيقية، وهذا العقل يكون مشغولاً بكلّ المتابعات والدّراسات العلميّة، لكنّه غير قادر على تلقي الإلهام، ولا ينبغي الإعتماد عليه كثيراً، لأنّه يؤدّي إلى الطّريق المسدود، ولا يستطيع هذا العقل المكتسب أن يُبدع إن لم يتصل بالعقل الكلّي.

يرى الرّومي، أنّ العقل الإيماني هو عقل مهمّ جدّاً لأنّه يحمي الإنسان من الإنزلاق والتّهور، يمنعه من اقتراف الفواحش والمنكرات، فهو حارس وحاكم لمدينة «القلب «. قال الرّومي:
«والعقل الإيماني كالشّرطيّ العادل، فهو حارس لمدينة القلب، حاكم عليها.

يكون كالقط يقظ اللّب، يبقى اللّص قابعًا في حجره كالفأر».
كما هو معروف عن الصّوفية أنّهم رفعوا مقام القلب على العقل، واعتبروا أنّ القلب أسمى الأجزاء، لأنه كرسيّ العشق، وأتباعه هم العشّاق والسّالكون الصّادقون.

هذا القلب هو عرش الله الّذي أنزل بشأنه التّعبير القرآني (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)1، وهو منطق الحقّ، وكلّ من له قلب صادق لديه مرآة تعكس جهات العالم، بحيث إنّ الحق سبحانه، يرى هذا العالم في قلب الإنسان. هذا القلب في شوق وهيام دائمَين لله تعالى، فهو يهجر الجسم ويلحق بالمعشوق أينما كان: «صحت: «أين يمضي قلبي الثّمل؟ «قال الملك:»صه، يمضي الى جنابي!»
وإذ يكون تائهاً في بحر العشق، فإنّه يضيء الأعين، وهكذا فإنّ نور العين من نور القلوب».

هكذا أجمع الصّوفيون على أنّ الكنز الإلهي محفوظ في قلب الإنسان، وهو أداة إدراك الحق المطلق، والحقيقة تُدرك بالقلب (في القلب وبالقلب) تعني العضو المحبّ، عضو إدراك المعرفة، وفي المعنى الباطني هو مستودع الإلهيّات الّذي يتضمّن الحقيقة المطلقة. علامات الحقّ في القلب، وما هي خارج القلب، لذلك اعتبرالقلب عرش الرّحمن، الأولياء هم الّذين اكتشفوا هذا الكنز، لأنّهم أقرّوا واعترفوا وسلّموا تسليماً كاملاً له، فاستحقّوا المنازل الرّفيعة والإشراق المبين: «ولمّا كان الصّوفيّة قد تحابّوا في الله، فإنّهم في هذا المقام قد دخلوا في طاعة الله جميعاً عن طواعيّة لأمر المحبّة ولأمر الله فيها، وليس عن رهبة، ولهذا المعنى الكريم كانت صحبة الصّوفية مؤثّرة من البعض في البعض، ولأنّهم لمّا تحابّوا في الله تواصَوا وسلكوا محاسن الأخلاق».

أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه

نسبه وإسلامه

عمر ابن الخطاب كنيّ بأبي حفص ولقّب بالفاروق قرشيّ النسب طويل القامة في وجهه حمرة.
كان والده الخطّاب بن نفيل حكما في قريش تتحاكم القبائل اليه.
لما عرف عمر (ر) باسلام اخته وزوجها داهم بيتها وبطش بهما وكان في يد اخته صحيفة رفضت تسليمها لعمر قبل ان يغتسل أولا فذهب واغتسل ثم عاد اليها فأخذ الصحيفة وقرأ ما فيها من القراّن الكريم حتى وصل الى قول الله تعالى في سورة طه: «انني انا الله لا اله الا انا فاعبدني واقم الصلاة لذكري ان الساعة اّتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنّك عنها من لا يؤمن بها واتّبع هواه فتردى». (الاّية 16).
عند انتهائه قال: ينبغي لمن يقول هذا الّا يعبد معه غيره دلوني على محمد. وذهب الى الرسول محمد (ص) وكان عند الصفا وأعلن إسلامه فكبّر رسول الله لاسلام عمر.

صفاته وموافقاتها للقراّن (الوحي)

كان عمر (ر) مهتما بالشعر والأدب وعمل في أول حياته برعاية الابل والغنم لوالده واشتغل بعد ذلك بالتجارة. واشتهر بشجاعته وفقهه وحسن معاملته للرعية لما تولّى الخلافة ورد المظالم والانصاف والعدل دون اي تمييز بين مسلم وغير مسلم. كان عمر (ر) صاحب ارادة قوية وشخصية مميزة وادارة حكيمة وفراسة ملفتة.

اشتهر عمر (ر) بكثرة السؤال لقربه من رسول الله (ص) واجتهاده الصائب وابداء الرأي بجرأة ودونما تردد وإطلاع عميق على مقاصد الشريعة وقد وافق رأيه التنزيل في مواطن كثيرة نذكر منها:
من موافقات الوحي انه أشار يوما على رسول الله (ص) قائلا» له يا رسول الله لو اتخذت من مقام ابراهيم مصلّى. فأنزل الله قراّنا: وإتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى. (سورة البقرة الاّية 125)
وكذلك في أمر الحجاب لأمهات المؤمنين نزلت اّية الحجاب موافقة لمشورة عمر (ر) وموافقة رأيه في معاتبة أزواج النبي (ص):
«عسى ربه ان طلقكن ان يبدله أزواجا خيرا منكن..» (سورة التحريم الاّية 5)
ونذكر اخيرا موافقة رأي عمر (ر) يوم بدر بشأن الاسرى فنزلت الاّية الكريمة مؤيدة لمشورته: «ما كان لنبي ان يكون له اسرى حتى يثخن في الأرض.» (سورة الأنفال الاّية 68)
وغير ذلك من موافقات رأيه للوحي الكريم ويذكر انها بلغت إثنا عشر موضعا».

العهدة العمرية وأهم إنجازاته

قبل اسلام عمر (ر) كان المسلمون يتخفون ولا يعلنون دخولهم في الدين الجديد خوفا» من اضطهاد المشركين لهم في مكة المكرمة عند بدء البعثة النبوية المباركة.

لما اسلم عمر بن الخطاب أسد قريش الذي يجيد كل فنون المصارعة والقتال وركوب الخيل ومتمرس في فن الخطابة والصلح ويملك من الشجاعة والجرأة والقوة ما يجعل الناس يحسبون له الف حساب ويهابون منازلته او اعتراضه.

جاء عمر (ر) الحريص على اعلان اسلامه وتحمل كل الصعاب في سبيل ذلك لاعلاء كلمة الله في مكة المكرمة الى رسول الله (ص) وقال له: «يا رسول الله ألسنا على الحق؟ ففيم الاختفاء؟
وكان قد اّن الاوان لاعلان الدعوة ونزلت الاّية الكريمة: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين.» (سورة الحجر الاّية 94)
وبات الجهر بالدعوة للاسلام بعد اخفائه أمرا» منزّلا» سمح الرسول (ص) بإظهاره ونشر الدين في أرجاء مكة فما كان من حمزة وعمر (ر) الا ان ذهبا للكعبة واشهرا اسلامهما وصلّيا بعد ان أذّنا متحدّين كفار مكة لما يتمتعان به من هيبة وقوة وشجاعة واحترام.

تربى عمر (ر) على مصدر وحيد للتلقي لملازمته رسول الله (ص) الا وهو الوحي (القراّن الكريم) فكان صفيّ النفس مستقيم الفطرة يعرف ان الكمال لله وحده وان الانسان في صراع دائم مع الشيطان.

عرف عمر (ر) ان الله مصدر كل نعمة وان علم الله يحيط بكل شيء وان الحياة دار ابتلاء وان لا ملجأ من الله الا اليه وانه ولي الصالحين ولذلك رشّحه أبو بكر (ر) لخلافته وقبل ان يأخذ الترشيح قوته الشرعية بالتكليف من أعيان الصحابة أهل الحل والعقد باشر عمر (ر) مهامه كخليفة للمسلمين وكان ذلك أقرب الى التعيين إنصافا للتاريخ ونزولا عند رغبة الصدّيق (ر).
عندما تولّى عمر (ر) الخلافة ختم خطبته قائلا»:
وإني انزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم ان استغنيت عففت وان إفتقرت أكلت بالمعروف.
أكّد عمر (ر) في قولته نهج الزهد وعدم الفتنة بالمال والسلطة وحرصه الشديد على موارد الأمة والدولة وحفظ ثرواتها من قبل الحكام.

اشتهرت خلافة عمر (ر) بالعدل بين الرعية ومحاسبة الولاة دونما اي محاباة او تمييز واهتم بتوزيع الثروة على الناس بحسب حاجاتهم لها وفقا للامكانيات المتوفرة لديه.

حرص عمر (ر) على قاعدة التشاور وقد أثر عنه (ر): لا خير في أمر أبرم من غير شورى. وكان علي بن ابي طالب عليه السلام اهم المستشارين لديه وقد نصحه بعدم الذهاب لقيادة جيش المسلمين في معركة القادسية بنفسه وتكليف غيره من الصحابة وأشار عليه بالذهاب الى القدس لاعطاء الأمان للنصارى فيها فيما إشتهر تاريخيا «بالعهدة العمرية».

لما فتحت فلسطين ودخل المسلمون القدس اشترط أسقفها ان لا يسلم مفتاح المدينة الّا الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (ر).

حضر عمر (ر) الى القدس ووقع العهدة العمرية مع أسقفها في ايله ومما جاء فيها عن إعطاء الامان للنصارى:
لهم كنائسهم وصلبانهم لا ينتقص منها ولا يكرهون على دين. ومن اراد ان يقيم منهم في القدس له ذمة الله وذمة رسوله وعهد امير المؤمنين عمر ومن جاء من بعده لا يعتدى عليه وله الامان في ماله وعرضه وإن اراد ان يلحق بقومه من الروم فله الامان حتى يبلغ مأمنه.

وطلب الاسقف ان يضيف عمر بندا: أن لا يسكن معهم في القدس يهوديا قط فانه لا امان مع اليهود. ابتسم عمر (ر) ووافق قائلا نعم الرأي نضيفها إذا». وأمهل عمر (ر) اليهود أربعة أشهر للخروج من المدينة (القدس).

كفل عمر أثناء خلافته الحريات العامة من الاعتقاد والتنقل والملكية الفردية والتجارة والأمن للناس كافة ضمن حدود الشريعة دون تمييز بين مسلم وغير مسلم.

حافظ عمر (ر) على حقوق الأقليّات في دولة الاسلام ولم يسمح بالتعرض لهم او الضغط عليهم او الكبت والظلم والاضطهاد واشتهر عمر (ر) بانصاف اهل الكتاب من اليهود والنصارى فأعطاهم العهد ولا يحملهم ما لا يطيقون وان ارادهم عدوهم بسوء قاتلنا دونهم وثبت عن عمر (ر) انه كان شديد التسامح معهم حيث كان يعفيهم من الجزية (الضرائب) عندما يعجزون عن تسديدها في حين كان يتشدد في دفع الزكاة والصدقات ومصاريف الجنود على المسلمين.

وعرف عن عمر (ر) أنه أمر لأهل الكتاب عند عجزهم بنصيب من بيت مال المسلمين قائلا»: ما انصفناهم ان اكلنا شيبتهم ثم نخذلهم عند هرمهم فأعفى الكتابي (النصراني واليهودي) المسنّ الهرم من الجزية بل وخصص له معاشا» من بيت مال المسلمين وأمر بمعاملتهم برفق وإنسانية وكفالتهم من دولة الإسلام.
كان عمر أول من اعتمد التاريخ الهجري واول من خصص نفقات للعاملين في الدولة واشتهرت خلافته بالفتوحات في العراق ومصر وليبيا والشام وبلاد فارس (معركة القادسية) وشرق الأناضول وجنوب أرمينية وفلسطين وظهر في عهده التطوير العمراني.
ومما يذكر لعمر (ر) انه رفض ان يصلي داخل الكنيسة في القدس لكي لا يحولها المسلمون الى مسجد من بعده بحجة صلاته فيها وصلّى بقربها فكان المسجد العمري اقرب المساجد لها في القدس.

كان من فطنة عمر (ر) انشاء بيت مال المسلمين ودار القضاء وبناء المدارس في كل الامصار التي فتحها والمساجد لنشر الدين والعلم واللغة العربية واهتم برعاية النساء وبنى السجون للمجرمين ووضع نظام البريد والقوانين للخراج والفيء والغنائم إنه الفاروق عمر الذي فرّق الله به بين الحق والباطل او عمر الفاروق وما ادراك ما عمر! عدل في الرعيّة وفتوحات سجيّة.

مصرع أمير المؤمنين عمر وجمع من الصحابة

كان عمر (ر) حصنا» منيعا» للأمّة فهو القائد والفقيه والقاضي والجريء والسلطان. من قرارات عمر (ر) بعد ان حرر العبيد وترك السبايا قال قولته المشهورة: «متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا». لعمرو بن العاص وهو والي مصر.

كره عمر (ر) ان يدخل العبيد والسبايا الى المدينة المنورة عاصمة دولة الإسلام وأغلبهم من نصارى الشام ومصر ومجوس العراق وفارس وحذّر من تاّمرهم وكيدهم وحقدهم على أهل الإسلام وبغضهم للخلافة وكان ان قرر منعهم من دخول المدينة والسكن فيها الّا بإذن خاصّ وقد سمح لبعضهم بدخول المدينة على كره منه وحذر شديد.

وعند صلاة الفجر وبحضور عبدالله بن عباس وبعد الإنتهاء من القراءة في الركعة الأولى هجم أبو لؤلؤة وكان عبدا» مجوسيا» للمغيرة وطعن عمر (ر) بسكين مسموم وما مرّ على أحد يمينا» وشمالا «الّا طعنه وبلغ عدد ضحاياه ثلاثة عشر رجلا» مات منهم سبعة ولما تمكن منه الصحابة وأمسكوا به طعن نفسه فقتل.

توجه عمر (ر) بعد طعنه الى إبنه عبدالله قائلا» له: أنظر ما عليّ من دين فوفّه عني من أموال ال عمر لا من بيت مال المسلمين.

طلب من إبنه ان يؤد عنه دينه من ماله حرصا» على أموال الأمّة واستأذن عائشة ان يدفن مع صاحبيه الرسول (ص) و«ابو بكر» فأذنت له.

مات عمر (ر) بعد حكم دام لقرابة عشر سنوات وضاع عدل عمر وإنسانية عمر ونهج الأحرار واشتراكية عمر في الماء والكلأ والنار (الطاقة).

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

نسبه الشريف وفضائله

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب من مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو من قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

وهو ابن عم رسول الله (ص) الّذي نصره وأواه وحماه في أوّل بعثته، ومنع المشركين من إيذائه وقتله حتّى أتاه اليقين.

قال فيه الرسول محمد (ص): «عليّ مني وأنا من علي».
كان علي أوّل رجل أسلم مع الرسول ولم يسجد لصنم قطّ، وأوّل من صلّى مع النبي في مكة المكرمة.

هو الطاهر وإمام أهل بيت النّبوة بنص اّية التطهير. فاتح خيبر في المدينة المنوّرة. حبّه حبّ للنبي وطاعته طاعة للرسول.

هو من رسول الله كمنزلة هارون من موسى (ص) دون النبوة. علي ولي الله وأمير المؤمنين. قال فيه الرسول الكريم (ص):» الزموا عليًّا في الفتن من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه .علي أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم. اللّهم والِ من والاه وانصر من نصره، واخذل من خذله وأَدِرِ الحق معه.

من ميزاته عليه السلام

العلم والحكمة والشجاعة والتواضع والعدل والنباهة والهيبة والتسامح والكرم والسخاء والفراسة والبصيرة.

ومن ألقابه عليه السلام: أسد الله، وعمود الدين، والعروة الوثقى، وقائد الغُرّ المُحجَّلين، حيدرة الكرّار وأبو تراب، ويعسوب الدين، وزوج البتول، وباب مدينة العلم.

من تراثه «نهج البلاغة». جمعت فيه سيرته وأقواله وحكمه، وخبراته في شتّى الميادين. كان عليه السلام إذا دعي للطعام قال: «أجيب ونأتيك على ألّا تتكلف ما ليس عندك».

اشتهر بحبّه للمساكين، ونصرة المظلومين، والمساواة والعدل بين المتخاصمين. وامتاز بخشونة اللباس، وتبنى قضايا الفقراء لتحقيق العدالة الاجتماعية، والتجرّد عن المحسوبيات في السلطة والحكم والقضاء العادل.

من انجازاته

– إفتدى رسول الله (ص)، وبات في فراشه ليلة الهجرة المباركة لما تاّمر المشركون لقتله واجتمعوا عليه.
– كان مؤتمنًا على كتابة الوحي القراّني لثقة رسول الله (ص) به.
– شغل سفيرًا للرسول (ص) إلى القبائل كافّة.
– عمل مستشاراً خاصًّا ومقربًّا جدًّا من النبي (ص) في الأمور كلها.
– تثبيت دعائم الدّين الاسلامي ونشره في الأمصار.
– إعزاز الدين وحامليه على أرض الاسلام.
– الاقتداء بالرسول (ص) وتعظيمه والسير على منهجه.
– شارك في الفتوحات الاسلامية: بدر، وأحد، والأحزاب، والخندق، فتح خيبر..
– نصّ وحرّر كتاب صلح الحديبية قبل فتح مكة المكرمة.
– نقل مركز الخلافة الاسلامية من المدينة المنورة إلى الكوفة/العراق وشارك في 26 فتحاً مظفرًا.
– أهم ميراثه الامامين الحسن والحسين، والأئمة الأطهار من ذرية أهل بيت رسول الله (ص) الاثني عشر، حملة لواء الدين وأئمة الهدى. وممّا رُوِي عن رسول الله (ص): «نحن أهل بيت النبوّة لا نورّث درهمًا ولا دينارا، إنّما نورّث العلم. من أخذ به أخذ بحظ وافر».

حادثة مصرعه وإغتياله

كان الفيلسوف الفرنسي» روجيه غارودي» من أشد المتأثرين بفكر ونهج وانسانية وحكمة الامام علي عليه السلام، حيث وصفه بأنّه أول من وضع أسس ميثاق حقوق الانسان، عندما قسّم البشرية إلى: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

وكان يردّد «غارودي» دومًا حادثة إغتيال الامام علي أمام طلابه في الجامعة، ونشرها في مؤلفاته معبّرًا عن مدى تأثّره بالوصيّة وما فيها من قيم الانسانية والرحمة والرّقي والحكمة:
«يا ولدي أوصيك الرّفق بأسيرك الذي ضربني وارحمه، وأحسن إليه واشفق عليه، بحقي عليك أطعمْه يا بني مما تأكل، واسقِه مما تشرب، ولا تقيّد له قدمًا، ولا تغلّ له يدًا ، فإنْ أنا متّ فاقتصّ منه، بأن تقتله بضربة واحدة، ولا تحرقه بالنار، ولا تمثّل بالرجل. وإن أنا عشت فأنا أولى بالعفو عنه».

ويكمل وصيته عليه السلام لولديه الحسن والحسين عليهما السلام:
«أوصيكما بتقوى الله، وأن لا تبغيا الدنيا، ولا تأسفا على شيء منها، وقولا بالحق واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما ً وللمظلوم عونًا… إلى اللقاء على الحوض».

من أجمل ما ورد عنه عليه السلام:
وقال أيضًا:
وكم لله من لطف خفي يدق خفاه عن فهم الذكي
ولا تجزع إذا ما ناب خَطْبٌ فكم لله من لطف خفي.

وقال أيضًا:
دواؤك فيك وما تبصرُ وداؤك منك وما تشعر
أتزعم أنّك جرم صغير وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ.

شخصيات إسلامية تاريخية