السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الاقتصاد العالمي في مهب الحرب على إيران

الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة الأميركية على الجمهورية الإسلامية في إيران، بالتكافل والتضامن مع إسرائيل، تهدد الاقتصاد العالمي وتدفع الأسواق إلى مواجهة أزمة جديدة مع تنامي المخاوف من توسع المواجهات وطول أمدها، خاصةً أن هذه الهجمات تأتي بعد نحو ثمانية أشهر على المواجهات التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، واختتمتها الولايات المتحدة بضرب منشآت نووية إيرانية في حينه.

وما يعزز هذه المخاوف هو أن تتطور هذه المواجهات إلى حرب مفتوحة لا تنتهي ضمن الإطار الزمني الذي أراده لها من أشعلها، وتضع معها الوضع الاقتصادي العالمي في مواجهة جميع الاحتمالات. ومن شأن ذلك أن يسرع من وتيرة تباطؤ الاقتصاد العالمي، نظرًا لما قد تسببه من انتكاسات في عدة قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الطاقة والسياحة والطيران، فضلاً عن الارتفاع المتوقع في تكاليف التأمين والشحن.

نمو اقتصادي تحت التهديد

وخلال العام الماضي، تمكّن الاقتصاد العالمي من الحفاظ على قدر ملحوظ من النمو على الرغم من الحرب التجارية العالمية التي تسبب فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من خلال الزيادات التي أقرها على التعرفات الجمركية، إضافةً إلى تهديده لاستقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي وغيرها من الممارسات. وعلى الرغم من هذه الصدمات، واصل التضخم تراجعه، وسجلت أسواق الأسهم في أوروبا ومناطق أخرى من العالم مستويات قياسية جديدة، وفقًا لتقارير صحفية متخصصة.

غير أن هذا النمو في الاقتصاد العالمي قد لا يصمد طويلاً في مواجهة التطورات التي تسببها الهجمات الأميركية والإسرائيلية، والتي سرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي مع استهداف إيران لبلدان الخليج العربي ومنشآتها الحيوية. وتوحي المؤشرات الميدانية بأن المواجهات العسكرية لا تزال في مراحلها الأولى، الأمر الذي يجعل من المبكر جدًا تحديد مآلاتها على المدى المتوسط والبعيد.

مضيق هرمز وأسعار النفط والغاز

وتأتي محاولة إيران لإغلاق مضيق هرمز لتتسبب بتداعيات سلبية مباشرة على إمدادات الطاقة، وتعطيل حركة الملاحة البحرية، وإرباك سلاسل التوريد العالمية، مما يهدد بتباطؤ الاقتصاد العالمي جراء نقص مدخلات الإنتاج. ويترتب على ذلك انخفاض في معدلات إنتاج السلع، يقابله ارتفاع في أسعارها، الأمر الذي يدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات أعلى.

وسيكون لإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية تداعيات مباشرة على الدول المنتجة للنفط والغاز والمطلة على الخليج العربي، ولا سيما تلك التي لا تملك منافذ بديلة لتصدير إنتاجها سوى عبر هذا الممر البحري الحيوي. وتُعدُّ العراق وقطر والكويت من أكثر الدول المنتجة عرضةً للضرر الاقتصادي، لاعتمادها شبه الكامل على المضيق في تصدير نفطها وغازها، واللذين يُشكلان مصدرًا رئيسيًا لإيراداتها العامة.

والمفارقة أن إيران، التي تعمل على إغلاق المضيق كورقة ضغط جيوسياسية، ستكون بدورها من أبرز المتضررين اقتصاديًا من هذا الإجراء، إلى جانب شركائها التجاريين الرئيسيين، وفي مقدمتهم الصين، المستورد الأكبر لنفط المنطقة عامةً والإيراني خاصةً.

وقد بدأت بوادر ارتفاع أسعار النفط والغاز منذ اليوم التالي لبدء المواجهات، حيث سجل برميل النفط نحو 80 دولارًا، وهو أمر متوقع نظرًا لمرور نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. وكان خام برنت قد ارتفع نحو 12 بالمئة ليبلغ نحو 73 دولارًا للبرميل خلال الشهر الماضي، نتيجة تزايد احتمالات اندلاع صراع بين الولايات المتحدة وإيران. ويُنذر استمرار إغلاق مضيق هرمز بإحداث صدمة كبيرة في أسعار النفط العالمية، وقد يدفع بها إلى ما يفوق الـ 100 دولار للبرميل، وفقًا لما يتوقعه خبراء.

كما أن أسواق الغاز الطبيعي ليست بمنأى عن تداعيات إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، والتصعيد العسكري الذي يستهدف المرافق الحيوية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن إعلان قطر عن وقف إنتاج الغاز المُسال أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 45%. وهذا من شأنه أن يفاقم الضغوط التضخمية على الاقتصادات العالمية، وبخاصة الأوروبية التي تعتمد على واردات الغاز المُسال. كما قد يضعف نشاطها الصناعي ويرفع احتمالات تباطؤ النمو أو حتى الدخول في ركود.

في المقابل، فإن أسعار النفط مرشحة للارتفاع في الأسواق العالمية بمجرد توقف تصدير النفط الإيراني، وإن استمرت الملاحة عبر مضيق هرمز متاحة أمام السفن. خاصةً أن إيران تحتل المركز السابع بين الدول المصدرة للنفط مع 1.66 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025 بعد السعودية، وروسيا، والولايات المتحدة، والعراق، والإمارات، والبرازيل، ما لم تعمد الدول المنتجة الأخرى إلى تعويض التوقف بزيادة إنتاجها.

النمو العالمي ومخاطر التضخم

وتُعدّ الدول الآسيوية الأكثر عرضة للتضرر في حال تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وفي مقدمتها الصين، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من منطقة الخليج، وخاصة النفط الإيراني. ووفقًا لبيانات (EIA) لعام 2024، فإن نحو 84% من صادرات النفط الخام والمُكثفات، وحوالي 83% من شحنات الغاز الطبيعي المُسال التي عبرت المضيق، كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية، وفي طليعتها الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتجدر الإشارة إلى أن عدم استقرار أسعار النفط يُشكّل عائقًا مباشرًا أمام النمو الاقتصادي المستدام، فكل ارتفاع مستجد في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات للبرميل خلال سنة معينة، يمكن أن يُخفض معدلات النمو من 10 إلى 20 نقطة أساس خلال السنة التالية. وبالتالي، فإن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط سينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمي.

خاتمة

وعليه، فإن استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وعرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز، لا يُمثّلان أزمة إقليمية فحسب، بل صدمة اقتصادية عالمية. ذلك أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بشكل كبير على تدفقات الطاقة من الخليج، وأي اضطراب في هذا الشريان الحيوي من شأنه أن ينعكس مباشرة على أمن الطاقة العالمي من ناحية، وعلى الاقتصاد العالمي من ناحية أخرى.

كما قد يسهم في تصاعد معدلات التضخم على المستوى الدولي، واضطراب أسواق المال، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين البحري، الأمر الذي من شأنه أن يحدّ من وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، ويُفاقم حالة عدم اليقين في الاقتصاد الدولي. وفي عالم مترابط اقتصاديًا، قد تكون تكلفة الحرب على الصعيد الاقتصادي أعلى بكثير من تكلفة ميدان القتال نفسه.

دور المباحث العلمية بكشف أكثر الجرائم غموضا ووحشية

يعيش سعيد 80 سنة، بعد أن أمضى أكثر من 40 عاما كموظف فئة أولى في الدولة اللبنانية، مع زوجته سلمى 75 سنة، في شقة فخمة في محلة المصيطبة، بيروت، الطابق الأول على شارع فرعي.

ليل 2/3 أيلول 1996 كان الحر شديدا فأخلد الى النوم وترك بوابة الشرفة مفتوحة لانقطاع الكهرباء ولينعم ببعض الهواء ليعدل الحرارة المرتفعة التي تجعل نومه متقطعا.

حوالي الساعة الثالثة فجرا استيقظ مذعورا وأنفاسه مكتومة وضربات على رأسه وفمه مقفلا بيد أحدهم. لم يتمكن من الصراخ معتقدا أنه بحلم وكابوس وعندما أستعاد وعيه تحقق أنه مقيدا بحبل ومكموم الفم ومطروحا على وجهه أرضا وقربه مسلح غريب يقول:

وين المصاري؟ وين الذهب؟ بدي أقتلك بسرعة قول؟ أوعا تتحرك!

دلّ إلى مكان المال فأخذ المسلح مبلغ ألفي ليرة لبنانية وتركه مقيدا ومربوطا إلى الخزانة وحذّره من الصراخ شاهرا مسدسا حربيا بوجهه. انتقل إلى الغرفة الثانية حيث ترقد الزوجة، أقفل فمها وهي مرتعدة من الخوف ووضع البلستر على فمها وقيد يديها ونزع ملابسها وأغتصبها بوحشية ولم تؤثر فيه مقاومتها ومحاولة الصراخ، هددها بالمسدس ونزع مبرومة ذهب في يدها وأستعان بسكين لقطع شريط معدني لإكمال عملية التقييد لكنه جرح سبابة يده اليسرى. بعد أن أمضى 40 دقيقة في الشقة الغير مضاءة أخذ المال والذهب وقفز من شرفة الشقة إلى الطريق المظلم وترك العجوزين ضحيتين منفردين خائفين من عودة الوحش إليهما.

فور التحقق من ذهاب الجاني، اتصل سعيد برقم الطوارئ 112 في شرطة بيروت، حيث حضرت الدوريات ومنها دورية من التحري في العاصمة مع الأدلة الجنائية والنائب العام الاستئنافي وقائد الشرطة القضائية ضباط التحري وباشروا التحقيق العدلي بعد نقل سعيد وسلمى إلى طوارئ مستشفى الجامعة الأميركية للمعالجة.

أظهرت الصحافة وحشية الجاني وبشاعة الجريمة وخوف السكان من تكرار ما حصل وطالبو الدولة بسرعة توقيفه ومحاكمته.

تمكنت دورية من مكتب حوادث بيروت العاملة في قسم المباحث الجنائية العلمية في الشرطة القضائية من رفع أجزاء عن البصمة المتروكة على مقبض السكين المغمس بالدم حيث تم تصنيفها جزئيا بصعوبة وبدأت مراحل التفتيش والمقارنة.

تعتمد الشرطة القضائية نظام المخبرين ويتم صرف مبالغ ليست كبيرة لبعضهم وتقديم بعض الخدمات لهم تعويضا عن معلومات جنائية مفيدة تُقدم الى التحري، حيث تحقق أحد ضباط مفرزة بيروت القضائية أن أحد عمال السنكرية، يتم استدعاؤه للقيام بإصلاحات لسكان البناية ويُدعى فؤاد، مجهول باقي الهوية، غالبا ما يحضر إلى شقة سعيد، لإصلاح أعطال في الشقة القديمة العهد.

تمكن أحد الفنّيين في مكتب التحقق من الهوية في الشرطة القضائية من مطابقة الجزء من البصمة المتروكة على السكين في الشقة مع بصمة فؤاد الذي سبق وأوقف بجرم سرقة منذ سنتين في بيروت ويقيم في محلة راس النبع.

على الفور توجّهت دورية من مفرزة بيروت القضائية وبدلالة المخبر إلى راس النبع، حيث ترصدوا عودة فؤاد إلى غرفته، فتشوها وعثروا على مبرومة الذهب ومبلغ 1,500 ليرة لبنانية وضبطوا مسدّساً حربياً نوع توكاريف مع 8 طلقات صالحة للاستعمال. اقتادوه إلى المفرزة وباشروا استماعه بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت وقائد الشرطة القضائية وضباط المفرزة الذين تعاونوا لكشف خفايا الجريمة البشعة التي هزت العاصمة. اعترف فؤاد بأنه خطط لسلب العجوزين اللذين يعيشان منفردين في شقة يمكن الدخول إليها من الطريق العام، إذا كانت بوابة الشرفة مفتوحة بظل انقطاع الكهرباء في الشارع العام. تسلق عبر الاستعانة بقسطل من الحديد ودخل الشقة ونفذ عملية السلب وأغتصب السيدة ولم يرد على استغاثتها بإعطائه ما لديهم مقابل تركها مع زوجها. وقد فرّ عبر الشرفة بعد الانتهاء من تنفيذ جريمته.

تعرّفت السيدة سلمى إلى المبرومة الذهبية ورفضت أن تقابله كونها تخاف أن يعيد جريمته بعد خروجه من التوقيف !

بحضور النائب العام الاستئنافي في بيروت والصحافة أعلن قائد الشرطة القضائية التوصل لكشف خفايا جريمة وحشية غامضة نفذها مجرم بحق عائلة تعيش بأمان في شقة ضمن حي راق في العاصمة وأوقف الجاني وضبط المسروق ولم تنفعه أساليب التمويه والتخفي التي اعتمدها، نوه بجدارة التحري والعاملين في قسم المباحث الجنائية العلمية الذين تمكنوا من رفع جزء من البصمة المغلفة بالدم عن السكين ومقارنتها ومن حسن الحظ أن الجاني سبق أن أوقف وحفظت بصمته لديهم.

ترك توقيف الجاني خلال 48 ساعة من الحادث الارتياح العام لدى الضحايا وعامة الناس والثقة بأجهزة الدولة وأنها وحدها مسؤولة عن أمن وسلامة السكان وسوق المجرمين إلى العدالة لأخذ القصاص المناسب.

نوّه قائد الشرطة القضائية بأعمال من تولى التحقيق والمتابعة بسرعة فائقة وبتقنيات مميزة في مكتب التحقق من الهوية والنجاح بمقارنة أجزاء من البصمة مع محفوظات لديهم طابقت مع بصمة موقوف سابق تم أخذ بصماته وتوقيفه. كما أشاد الأستاذ سعيد والصحافة بجدارة الشرطة القضائية بسرعة كشف الجاني وتوقيفه واستعادة المسروقات والثقة بالتحري لنشر الأمن والسلامة العامة في العاصمة.

في ضوء ما تقدم، ونظراً لأهمية وحساسية الدور الذي يقوم به الأمن اللبناني، إننا نطلب وبعد 39 سنة في خدمة الأمن اللبناني:

  • تطويع عناصر كفؤة وإخضاعها لدورات تدريبية وبرواتب مقبولة.
  • تجهيز هذه القوى بالمعدات الحديثة واللوجستية المتطورة
  • أن لا يكون هناك مناطق خارج سلطة الدولة لتسهيل عمل هؤلاء المختصين بمكافحة الجريمة وكشف أكثر الجرائم غموضا وسوق الجناة إلى القضاء لإصدار الأحكام العدلية المناسبة.

لدينا العناصر البشرية الكفؤة تعمل بجدارة ووطنية بإشراف القضاء، لكن هل يتاح لها الفرصة المناسبة للقيام بالمهام الملقاة على عاتقها دون عوائق المناطق المحرمة ونفوذ أصحاب الشأن؟

 

إعداد العميد المتقاعد أنور يحيى

قائد سابق للشرطة القضائية

دبلوم في القانون العام.

عباس افندي المصفي

في عالم الصحافة والأدب، هناك أسماء كثيرة لامعة حفرت في ذاكرة الزمن بأقلامها التي سطرت ملامح الفكر والسياسة، ولكن هناك أيضًا شخصيات ساهمت بقدر كبير في تشكيل هذا العالم، وإن لم تحظَ بشهرة واسعة.

من هؤلاء الأعلام الذين تركوا بصماتهم في الأدب والصحافة، رغم ما شاب مسيرتهم من غربة، عباس أفندي المصفي. وُلد في لبنان عام ١٨٨٢، وشق طريقه إلى مصر ليُصبح جزءًا من الحركة الثقافية والفكرية التي شكلت وجدان الأمة العربية في بداية القرن العشرين. لم يكن صوته عاليًا في الزمان والمكان، لكن مقالاته كانت أشبه بشُعلة ضوء في فجر جديد؛ تستحق الوقوف عندها وتحليلها، لأنها كانت تلامس نبض الأمة وتُحلل الواقع السياسي والاجتماعي بعين ناقدة وحكمة عميقة.

كان عباس أفندي المصفي أحد المنارات التي أضاءت طريق الفكر في فترة كانت تعج بالأحداث التاريخية العاصفة، فكان قلمُه يُنير دروب الصحافة، ويغذي العقول بنكهة أدبية صادقة ورؤية سياسية نافذة.

الميلاد والنشأة:

وُلد عباس أفندي المصفي في بلدة بعقلين، تلك البلدة التي تأخذ من جبل لبنان حضنًا لها وتغذيها بعبق التاريخ، في عام ١٨٨٢. نشأ في قلب بيئة جبلية خلّابة، حيث تمازجت الرياح الطيبة مع التراب الندي، وامتزجت أصوات العصافير مع زقزقة الفكر. في تلك البيئة، ترعرع قلب عباس على حب العلم.

بدأ دراسته في مدارس بلدته، ليكمل بعد ذلك دراسته الثانوية في مدرسة “الداودية” في عبيه، وهي مدرسة عريقة كانت بمثابة مرشد فكري للأجيال التي خَلَت. لكن طموحاته الفكرية كانت أبعد من أسوار البلدة، فانتقل إلى دمشق، في خطوة نحو تأصيل معرفته القانونية، حيث التحق بمكتب الحقوق بدمشق، الذي أتاح له فرصة التعرف على تيارات فكرية غزيرة كانت تزدهر في تلك الفترة. كانت دمشق، حينها، قبلة العلماء والمفكرين، المكان الذي جَمعَ بين سحر الماضي وزخمه.

الهجرة إلى مصر:

ومع بزوغ شمس عام ١٩٠٤، قرر عباس أفندي المصفي أن يفتح لنفسه آفاقًا جديدة، فهاجر إلى مصر. مصر، التي كانت في تلك الفترة تعيش حالة من التنوع الثقافي والإنفتاح على مختلف التيارات الفكرية. وصل المصفي إلى الإسكندرية، تلك المدينة التي كانت بمثابة معبر بين الشرق والغرب، حيث الهوى المصري الأصيل يلتقي مع الرياح الأوروبية العاتية. في هذه المدينة، وجد المصفي ضالته، فانتقل إلى الصحافة والأدب، وراح ينقش بأقلامه خواطره وتحليلاته السياسية.

الصحافة والأدب:

انغمس عباس أفندي المصفي في عوالم الصحافة سريعًا، فبدأ العمل في “الإيجيبيشيان جازيت”، تلك الجريدة التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية في الإسكندرية، وجاءت اللغة الإنجليزية التي كان يتقنها جسرًا له ليعبر عبره إلى الصحافة الأوروبية. لكن علاقته مع الصحافة لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت رحلة فكريّة فلسفية. كان يكتب، ليس فقط بما يراه، بل بما يشعر به من تعقيدات اللحظة السياسية والاجتماعية. وبدون توقف، انطلق في نشر مقالاته في جريدة “الأهرام”، التي تأسست عام ١٨٧٥، لتصبح لاحقًا من أهم الصحف في العالم العربي. كانت مقالاته دائمًا تُنير الطريق وتكشف الغموض عن الواقع السياسي.

المقالات والتحليل السياسي:

ولم يكن عباس أفندي المصفي كاتبًا يتبع الحروف والنقاط فحسب، بل كان يُجسد الحياة في كلماته. كانت مقالاته تتسم بجمالية اللغة وعمق التحليل، فكان يجمع بين الأدب والسياسة في مزيج فريد. في مقاله الشهير عن المعاهدة المصرية البريطانية، الذي نشره في ٣ سبتمبر ١٩٣٦ في “الأهرام”، استخدم المصفي أسلوبًا بلاغيًا ساخرًا، حيث قارن بين المعاهدة “الثريد” – أكلة بادية قديمة – التي تجمع “السويق” من هنا و”النار” من هناك، ليصف الحالة السياسية بين مصر وبريطانيا. فقد كان المصفي يرى في المعاهدة نوعًا من الخداع المستمر، حالة من الاتفاق غير المتكافئ، التي تُطعم الجياع بنصف الحقيقة وتغذي الساكنين في القصور بالنصف الآخر.في مقال آخر نشره في ٦ نيسان ١٩٣٧، تناول “الامتيازات الأجنبية” في مصر، مؤكدًا أن القضاء على الاحتلال البريطاني سيكون خطوة أولى نحو التحرر الحقيقي، وأن مصر يجب أن تتخلص من كل أعباء التبعية. كانت كلماته كالرعد، لا يترك أذنًا إلا وقد سمعت صوته.

 الحياة الشخصية والعائلية:

وفي عام ١٩١٠، عاد عباس أفندي إلى لبنان لفترة قصيرة بحثًا عن الحب في قلب الطائفة التي انحدر منها. تزوج من خانم محمد طليع من جديدة الشوف، وهي سيدة ذات مكانة اجتماعية متميزة. ومن ثم رزق المصفي بابنه الوحيد سامي، الذي سيصبح في المستقبل مديرًا للدائرة التجارية في شركة طيران الشرق الأوسط. لكن المصفي عانى مرارة فقدان أولاده الثلاثة، الذين رحلوا في سن مبكرة، ما شكل له حزنًا عميقًا لا يُمكن أن يُمحى. هذا الحزن كان يشبه الندبة التي لا تُشفى في قلبه، لكن في عزاءه، كان يلوح دائمًا بفكره وبقلمه، مستمرًا في إلهام من حوله.

المشاركة في الأحداث التاريخية الكبرى:

كان عباس أفندي المصفي شاهدًا حيًا على الثورة المصرية ١٩١٩، التي كانت محورية في تاريخ مصر. وقد كانت الإسكندرية أحد معاقل هذه الثورة، حيث التحم الشعب المصري في معركة تحرير وطنه. كان المصفي حاضرًا في تلك اللحظات الفارقة، يرصد التغيرات ويحمل على عاتقه مهمة توثيق هذه اللحظات، ليُبقيها حية في الذاكرة. وقد عاش أيضًا فترة الاستقلال المصري، وكان أحد الأسماء التي تابعت بحذر وتفكير عميق التغيرات الكبرى في البلاد، عبر حروفه التي كانت تُحلل الوضع السياسي بكل موضوعية، مستندًا إلى عقله الناقد وقدرته على فهم ما وراء الأحداث.

إرثه الأدبي والفكري:

عباس أفندي المصفي لم يكن مجرد كاتب أو صحفي، بل كان منارة فكرية، يكتب من أجل الوعي، ويلهم العقول. ورغم أن اسمه قد لا يكون مدونًا بحروف ضخمة في سجلات الأدب والصحافة، إلا أن تأثيره كان واضحًا من خلال مقالاته التي كانت تمزج بين الأدب والتحليل السياسي، وتقدم رؤية لمستقبل أكثر نضوجًا ووعيًا. كانت أفكاره تتجاوز حدود الصحافة التقليدية لتكون نبعًا للفكر العربي الذي يسعى لفهم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية في تلك الحقبة.

الخاتمة:

عباس أفندي المصفي كان شاعرًا للصحافة وأديبًا للسياسة، فقد كتب بعين المثقف وبقلب الوطني المخلص. ورغم أنه لم يكن في مصاف الأسماء الأكثر شهرة، إلا أن أثره الأدبي والسياسي لا يمكن إنكاره. كان قلمُه شاهدًا على أحداث الزمن، فكأنما كان يكتب بحروفٍ من دمٍ وأمل. وإن كان صوته قد تلاشى مع مرور الزمن، إلا أن صدى كلماته يبقى يتردد في عقولنا، كصوت أديب فكر بأدب وصحفي سرد الحقيقة بأمانة.


الشعر العربي في العصر الجاهلي: الجذور الفنيّة والإنسانيّة

وُلد الشعر العربي مع نبض الصحراء، حين كانت الكلمة ملجأ العربي وسلاحه، وحين كان البيت الشعري يُنصب في الذاكرة كما تُنصب الخيام في الفلاة. ففي العصر الجاهلي، سبق الشعر التدوين، وحمل عبء التاريخ والوجدان، فغدا ديوان العرب ولسان حالهم، يروي قصص الحبّ والفقد، ويخلّد البطولات، ويؤرّخ للحروب والقيم. ولم يكن الشعر آنذاك ترفًا فنيًا، بل ضرورة وجوديّة، به يفاخر العربي، وبه يُعرف، وبه تُحفظ مكانة القبيلة بين سائر القبائل. من هنا، تأتي دراسة الشعر الجاهلي بوصفه الأساس الأصيل الذي قامت عليه الهويّة الأدبيّة العربيّة.

أولًا: البيئة الجاهليّة وأثرها في الشعر

نشأ الشعر الجاهلي في بيئة صحراويّة قاسية، اتّسمت بالتنقّل وشظف العيش، فكان الشاعر ابن هذه البيئة، ينقل تفاصيلها بصدقٍ وعمق. وقد انعكس هذا الواقع في موضوعات الشعر وصوره، فكثر وصف الصحراء والليل والناقة والرحلة. ويتجلّى هذا التأثير على حدّ قول امرئ القيس: «وَقِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ»،

حيث يبدأ بالوقوف على الأطلال، في صورة تعبّر عن حياة الارتحال وعدم الاستقرار. ويكشف هذا الشاهد عن ارتباط الشعر الجاهلي بالمكان والذاكرة، وعن كون القصيدة مرآة صادقة للبيئة الجاهليّة بكلّ قسوتها وحنينها.

ثانيًا: مكانة الشاعر في المجتمع الجاهلي

احتلّ الشاعر مكانة رفيعة في المجتمع الجاهلي، إذ كان لسان القبيلة والمدافع عن شرفها، والمعبّر عن قيمها في السلم والحرب. وكانت القبيلة تحتفل بولادة شاعر فيها، لما لكلمته من تأثير يعادل وقع السيوف. ويظهر ذلك على حدّ قول عنترة بن شدّاد: «وَلَقَدْ ذَكَرْتُكِ وَالرِّمَاحُ نَوَاهِلٌ مِنِّي»،

حيث يجمع بين البطولة والفروسية من جهة، والعاطفة والشعر من جهة أخرى. ويُفهم من هذا أنّ الشاعر لم يكن مجرّد قائل شعر، بل رمزًا للقوّة المعنويّة والفكريّة، وصاحب دور اجتماعي مؤثّر.

ثالثًا: الخصائص الفنيّة للشعر الجاهلي

تميّز الشعر الجاهلي بجزالة الألفاظ، وقوّة الأسلوب، وصدق العاطفة، فجاء بعيدًا عن التكلّف والتصنّع. وقد عبّر الشاعر عن تجربته الحياتيّة بوضوح، مستندًا إلى الخبرة والمعاناة. ويؤكّد ذلك قول زهير بن أبي سلمى:

«وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ»،

إذ يعبّر عن الحرب بواقعيّة صادقة، لا بمبالغة جوفاء. ويكشف هذا الشاهد عن نضج فكري وفنّي، جعل الشعر الجاهلي قريبًا من النفس، صادقًا في التعبير عن الحياة.

رابعًا: بنية القصيدة الجاهليّة

اتبعت القصيدة الجاهليّة بناءً فنّيًا متماسكًا، يبدأ غالبًا بالوقوف على الأطلال، ثم الغزل، فالرحلة، وصولًا إلى الغرض الرئيس. وهذا البناء يعكس تدرّجًا نفسيًا في تجربة الشاعر. ويتجلّى ذلك على حدّ قول طرفة بن العبد: «لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ»،

حيث يستهلّ قصيدته بذكر الديار قبل الانتقال إلى سائر الأغراض. ويُظهر هذا الأسلوب وعي الشاعر ببنية النصّ، ويؤكّد أنّ القصيدة الجاهليّة لم تكن عشوائيّة، بل عملًا فنيًا قائمًا على نظام واضح.

خامسًا: أغراض الشعر الجاهلي

تنوعت أغراض الشعر الجاهلي بتنوّع حياة العرب، فبرز الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل والوصف، وكلّها كانت انعكاسًا مباشرًا لقيم المجتمع. ولم يخلُ الشعر من الحكمة والتأمّل في مصير الإنسان، كما يقول لبيد بن ربيعة: «أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ»،

حيث يعبّر عن رؤية فلسفيّة عميقة للحياة. ويكشف هذا الشاهد عن بُعد فكري وإنساني في الشعر الجاهلي، يتجاوز حدود القبيلة إلى التأمّل الوجودي.

سادسًا: المعلّقات وقيمتها الأدبيّة

تُعدّ المعلّقات قمّة الإبداع الشعري في العصر الجاهلي، لما تميّزت به من جودة فنيّة وثراء معنوي. وقد عُلّقت – رمزيًا – لمكانتها الرفيعة في الوجدان العربي. ويبرز هذا المستوى الرفيع على حدّ قول عمرو بن كلثوم:

«أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِينَا»،

حيث يجمع بين الفخر والقوّة والاعتزاز بالقبيلة. وتدلّ المعلّقات على بلوغ الشعر الجاهلي مرحلة النضج والكمال الفني قبل الإسلام.

الخاتمة

وخلاصة القول، إنّ الشعر الجاهلي لم يكن مجرّد فنّ لغوي، بل كان سجلًّا حضاريًا وإنسانيًا حفظ تاريخ العرب وقيمهم ومشاعرهم. وقد أرسى هذا الشعر الأسس الفنيّة التي قام عليها الأدب العربي في العصور اللاحقة، من صدق التعبير، وجزالة اللغة، ووحدة البناء. وإذا جاء الإسلام ليهذّب الكلمة ويوجّهها، فإنّ الشعر الجاهلي بقي شاهدًا خالدًا على عبقريّة العربي في البيان، ودليلًا على أنّ هذه اللغة بلغت أوج نضجها منذ فجرها الأوّل، فاستحقّ هذا الشعر أن يُخلَّد بوصفه ديوان العرب وأصل تراثهم الأدبي.

الأستاذِ يوسفَ خطّارٍ أبو شقرا

النهضةُ العربية، كما تُعرفُ باسمِ اليقظةِ العربية، أو حركةِ التنويرِ العربية؛ هي الحالةُ الفكريةُ والاجتماعيةُ التي سادتْ أساسًا في مصرَ ولبنان، وامتدّت لتشملَ عواصمَ عربيةً أخرى كدمشقَ وبغدادَ وبيروتَ، خلالَ القرنِ التاسعَ عشر. بدأتْ في مستهلِّ القرنِ التاسعَ عشر، ويضعُ بعضُ المؤرخينَ العربِ تاريخَ بدءِ النهضةِ عامَ ١٧٩٨ بالحملةِ البونابرتيّة. ومن أبرزِ مظاهرها انتشارُ الطباعةِ، وظهورُ الصحافةِ ودورِ النشرِ، والتوسّعُ في إنشاءِ المدارسِ والجامعاتِ، وإحياءُ التراثِ العربيِّ وتحقيقُه، ونهوضُ اللغةِ من كبوتِها التي عرفتْها في عصرِ الانحطاط، وتفاعلُ الأدبِ العربيّ مع الآدابِ الغربيةِ تفاعلاً عميقًا أدى إلى ظهورِ فنونٍ أدبيةٍ جديدةٍ لم يكن لها في العربيةِ وجودٌ من قبل، كالأقصوصةِ والروايةِ والمسرحيةِ.
أفضتِ النهضةُ إلى إعادةِ انتشالِ اللغةِ العربيةِ مما طرأَ عليها من تقهقرٍ، وقدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرةِ الأولى منذ قرون. وعبرَ الجمعياتِ السياسيةِ بعثتِ النهضةُ مشاعرَ الهويةِ العربيةِ مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية للبلادِ العربيةِ المختلفةِ والمطالبةَ بإصلاحِ الدولةِ العثمانيةِ ثم بروزَ فكرةِ الاستقلالِ عنها. رفعَ أغلبُ رجالِ النهضةِ شعاراتِ الثورةِ الفرنسيةِ، بالحريةِ والعدالةِ والمساواة، كما تأثروا تأثرًا بالغًا بفلاسفةِ عصرِ الأنوارِ الأوروبي. ومن أبرزِ النهضويينَ المُوحّدينَ الدروزِ كان الفقيهُ يوسفُ خطّارٍ أبو شقرا.
* مولدُه ونشأتُه
وُلِدَ يوسفُ أبو شقرا في بلدةِ عماطورَ، قضاءَ الشوفِ، محافظةَ جبلِ لبنانَ سنةَ ١٨٧٥. والدهُ السيدُ خطّارٌ أبو شقرا من أعيانِ بلدةِ عماطورَ. تلقّى علومَه في مدرسةِ القريةِ، ثم انتقلَ إلى مدرسةِ سوقِ الغرب، ومن بعدها انتقلَ إلى بيروتَ ليتابعَ دراساتِه العليا في مدرسةِ الحكمةِ سنةَ ١٨٩٢. بعد ذلك درسَ الفقهَ على يدِ الأستاذِ عباسِ حميه، وزاولَ مهنةَ المحاماةِ مدةً من الزمنِ في محكمةِ الشوف.
كان ضليعًا في اللغةِ الفرنسيةِ والإنكليزيةِ، وكان يقرأُ ويكتبُ في اللغةِ التركيةِ. تعلّمه لكلِّ هذه اللغاتِ جعلَ منه فقيهَ الجبل، كما كان أديبًا وشاعرًا وله العديدُ من المقالاتِ التي نُشرت في جريدةِ الصفا، الموجودةِ في أرشيفِ الجامعةِ الأميركيةِ في بيروت. وله قصائدُ وافرةٌ تؤلّفُ ديوانًا إذا جُمعت، ولكنَّ قضاءَ الله وقدرَه قدّرَ أن يتوفّى في ريعانِ شبابهِ سنةَ ١٩٠٤ عن عمرٍ يناهزُ تسعةً وعشرين عامًا، وله كتابٌ في التاريخِ طبعهُ الأستاذُ عارفٌ أبو شقرا بعدَ وفاته.
* مؤلّفاته
١- الحركات في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية
يوسفُ أبو شقرا، الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية، طباعةٌ خاصةٌ، بيروت، ١٩٥٢.
كتابُ “الحركاتُ في لبنانَ في أيامِ المتصرّفية” للأستاذِ يوسفِ خطّارٍ أبو شقرا، هو شهاداتٌ توحيديةٌ لنهضويٍ عاصرَ هذه الحقبة، وهي مخطوطةٌ مهمةٌ تلمُّ بحوادثِ لبنانَ وأحوالهِ. يُدلي بها من رواةِ الموحّدينَ الدروزِ شاهدٌ عيان، ويساهم بها واحدٌ من النهضويينَ الموحّدينَ لأول مرةٍ في تأريخِ لبنان، والمخطوطُ مؤلّفٌ من ٢٤٤ صفحةً.

فك المس الأيديولوجي
في جدل خطاب الكراهيّة وانتهاج التطرف والعنف

د. عدنان الأحمد

كيف يمكن لنا أن نتجاوز هذه المعاناة المريرة المؤلمة؟ كيف يمكن لنا الوصل إلى قدر من الاتفاق والائتلاف بين النّاس لكي تتحقّقَ النجاةُ من مخاطر خطاب الكراهيّة؟ كيف يمكن أن نجعل من هذا التّنوع الثّقافي أسرة واحدة تضمّ تحتها الإنسانيّة جمعاء؟

إنّ الحمولة الأيديولوجيّة من أهمّ ملامحها إلغاء الآخر، وهذا سببه بالدّرجة الأولى اليقينيّات الّتي تسيجها الأفكار الأيديولوجية.

إنّ ضبط الخطاب بكلّ أشكاله، ونبذ الكراهيّة، جزءٌ من معركة إنسانيّة واسعة ضدّ العنصريّة وكراهيّة الآخر المختلف، دينيًّا وثقافيًّا وعرقيًّا وسياسيًّا ووطنيًّا. إنّ نقل هذا الجدل إلى منصة حوار موضوعيّة تضمّ كلّ الأطراف هدف نبيل في بناء الوطن.

خطاب الكراهيّة يهدّد السّلم الأهلي، من هنا كان لزامًا علينا أن نؤسّس لوعي تواصلي، لوعي يؤمن بالرّأي والرّأي الآخر، وهذا لا يمكن أن يحصل دون تحرير الفرد من كل أنواع السّياقات المنغلقة. فمن أشدِ الأمراض فتكًا التّعصبُ الّذي يؤدّي إلى الكراهيّة، والّذي بدوره يؤدّي إلى نفي المختلف. والمتعصّب إن لم يكن مجرمًا قاتلًا فهو بالضّرورة مشروع مجرم وقاتل.

ضرورة البدء بالحوار والتّعاون والتّفاهم، من خلال المجتمع المدني والقيادات الدّينيّة المعتدلة، ووسائل إعلام وطنيّة من أجل نبذ التّطرف والوثوقيّة، وأن نجري مراجعات حادّة ومؤلمة لأدبيّاتنا ومنطلقاتنا وثقافتنا، وهذا يحتاج إلى تمرين ينبغي علينا أن نخضع أنفسنا له، هذا التمرينُ القائمُ على رفض النّظرة الأحاديّة والاعتراف بالآخر المختلف، فالجهل بالذّات وبالآخر يخيف كلّ طرف من الآخر. ولهذا فإنّ استبعاد ما يفرق من الحوار والاقتراب من المشترك كالقيم العليا بين الإسلام والمسيحية بما هما دينا رحمةٍ ومحبةٍ… الحوار الّذي يجعل باب المعرفة ممكنة، وباب التّفكير مفتوحًا، وعدم الاقتناع بالأنساق المغلقة الّتي لا تقبل النّسق المخالف، والانخراط في مشروع اكتساب المعرفة الحقّة. فثقافة الأجوبة روح عدميّة، إنّها روحٌ ميّتة غير مبدعة، ولا تعمل على بناء صروح جديدة للمعرفة، والذّات المبدعة الحرّة هي روح المشروع النّقدي، بل إنّها المؤشر اللّصيق بالرّوح الفلسفيّة. لذلك إنّ فتح المجال أمام هذه الرّوح يؤدّي إلى عقليّة منفتحة قابلة للنّمو، بعكس إغلاق النّوافذ أمامها، والّتي تؤدّي إلى عقليّة منغلقة دغمائيّة.

يجب علينا أن نحترم حقّ الاختلاف، أن نقرّ بأنّ هناك اختلافات بين النّاس بين المسلمين والمسيحيّين، بين المسلمين والمسلمين، بين المسيحيين والمسيحيّين، هذا الاختلاف يجب أن نحترمَه ولا يحاول أحد منّا إلغاءه أو احتكار الحقيقة، أو يقول إنّ الآخر مرفوض لأنّه مختلف. ولهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى المكاشفة والشّفافيّة، وأن نقدّم أنفسنا للآخر المختلف كما نحن، وأن نتعامل معه كما هو، وأن نبحث معًا عن مشترك. التّحدي هو أنّ الحوار يؤهّلنا جميعًا إلى المشاركة في رؤية ثقافة حقيقيّة حضاريّة إنسانيّة نشترك في إنتاجها معًا ونشتغل فيها معًا.

الخطاب الطّائفي توترٌ لا يعطي فرصة لحياة جديدة. الحوار وحده يوقظ هذه التّوترات، يعطي فرصةً أكبر لهذه المجتمعات لكي تأخذ مسارًا أفضل. وخطورة الحوار تقوم على فضح تلك المنظومة وفضّها. الحوار الهادئ الصّريح الحقيقي يمسّ مناطق مظلمة (تابوهات)، ويهدِم أصنام التّخلف والرّجعية والطّائفية الحاقدة العنيفة.

التّأكيد على أنّ الأوطان لا يمكن أن تقوم على أساس أكثريّة وأقليّة طائفيّة، بل على أساس هويّة وطنيّة مدنيّة يتساوى فيها الجميع أمام القانون على أساس مجتمع إنساني، يجعل من الاختلاف ثراءً في ظلّ الحريّة والدّيمقراطيّة والسّلام الأهلي.

تأهيل التّربية الأسريّة القائمة على زرع ثقافة المحبّة لدى الأجيال الجديدة القادمة، حيث إنّ تربية الأطفال الصّحيحة من قبل الأهل هي البذرة الأولى التي يجب أن نبدأ بها.

العمل على تغيير المناهج التّربويّة الّتي تعمل على أدلجة أفكار التّلامذة منذ التحاقهم بها، فالكثير من هذه المناهج تبثّ السّموم الطّائفيّة والتّفرقة الهادفة، وتعزيزِ خطابِ الكراهيّة على أساس الدّين، والعرق والطّائفة والمذهب.

يجب البدء بتعزيز ثقافة السّؤال، ضدّ كلّ من يمتلك أيديولوجيا يقينيّة دغمائيّة لا تقبل الشّك، والّذي يعتقد أن أفكاره ومعارفه هي ثوابت، وبالتّالي فالسّؤال بما هو فحص وتمحيص، لا بدّ له أن يزعزع هذه الثّوابت واليقينيّات. فالسّؤال خلخلة وهدم وإعادة تركيب وبناء لأفكار بمنطق عقلي، ومنهج نقدي، من أجل الكشف عن زيف اليقينيّات والثّقافة المسيطرة. هنا تتحوّل النّعم إلى مصدر ضعف بعدما كانت تعتبر مصدر قوّة. بهذا النّوع من الحوار نرغم من نحاورَه على أن يرى أفكاره هي أفكار متناقضة وليس يقينيّة وثابتة، ولهذا فحص أيّ موضوع من أجل نقده يحتاج إلى معرفة كافية.

تحويل النّسق الأيديولوجي إلى أسئلة مفتوحة لا حدود لها، السّؤال لا يراهن على الجواب، بل يحوّل الأجوبة ذاتها إلى أسئلة. إنّ عدمَ الاعترافِ بوجوب التّعامل مع الإجابات الجاهزة من حيث هي معرفةٌ قائمة وأزليّة هو ما يجعل السّؤال الفلسفي مرتبطًا بطابع تاريخاني.

إنّه نتيجةُ وعيٍ واضح بأهميّة استحضار البعد الزّمني للمعرفة، ولأنّ هذا البعدَ لا ينتهي، ويظلّ على الدّوام منفتحًا، فإنّ كلّ المعارفِ ملزمةٌ بالخضوع لحيويّة التّغيير والنّسبيّة.

السّؤال مشاغبة، وعدم استقرار، ودائم الانفتاح على كل طرح جديد، يربط المعرفة بالرّاهن والواقع، بعيدًا عن أي أجوبة معطاة سلفًا، وهذا ما ينفي الطّابع القدسي عن المعارف.

السّؤال الفلسفي يراهن على أنّ المعرفة لا ينبغي أبدًا أن تنتهي إلى نسق مغلق بأيّ وجه من الوجوه. وبالتّالي العمل على تقويض الجواب وإظهار تهاويه الذّاتي ممّا يمنح هذا السّؤال بعدًا تفكيكيًّا، هنا يلعب السّؤال دور القوّة التّدميريّة الّتي تفرض على الأنساق المغلقة أن تبحث على أسس بديلة وأقوى، ومن هنا فائدة هذا العنف الرّمزي الّذي يمارسه السّؤال في الإجهاز على السّياجات الدّغمائية المكبّلة بأسيجة أيديولوجية داخل الثّقافات.

بهذا التّوتّر الإيجابي، وهذا التّمرين القاسي الّذي ندعوه لحظات فضّ وتهاوٍ وتفكيك للخطاب، يسعى هذا الأخير للبحث عن أرضيّة أكثر جذريّة، وأكثر علميّة ومنطقيّة في تبرير وجودة فعاليّتة وحضوره الأخّاذ.

ختامًا، لا بدّ من تأسيس أفكارِنا بكيفيّةٍ جذريّةٍ تدشينيّة. فداخل الأيديولوجيا يوجد أجوبة جاهزة عن كلّ سؤال، أي أنّه لا أجوبة أخرى خارج النّسق العام للأيديولوجيا، ولهذا نشر ثقافة الرّأي والرّأي الآخر ضرورة حتميّة للخروج من هذه العزلة المفروضة من قبل هذا المقدّس. ففي السّؤالِ اكتشاف وفضّ التباسات المعرفة الجماعيّة، الّتي لا يتجاوز غرضها المصلحة الآنيّة لمجموعة أيديولوجيّة تسعى بكل قوة لبناء نسقٍ ومرجع مغلق.


شروط اختيار المحكّم/القاضي الخاص ومهاراته اللازمة

في هذه المقال سيتم التعريف بالتحكيم/القضاء الخاص، واستعراض الشروط والمهارات الواجب توافرها في المحكّم/القاضي الخاص.

ما هو التحكيم

التحكيم هو عملية يتفق فيها طرفان أو أكثر على حل نزاعهما من قبل محكّم/قاضي خاص، وليس من قبل المحاكم والقضاء. والتحكيم هو عمليّة خاصّة، مما يعني أنه لا يخضع لنفس القواعد والإجراءات التي يخضع لها التقاضي أمام المحاكم، وهو ما يجعل التحكيم وسيلة أكثر كفاءة وفعاليّة لحل النزاعات، وذلك لعدة أسباب أهمها، أن التحكيم يعد خياراً أبسط وأسرع وأقل تكلفة من التقاضي. وعمليّة التحكيم تتصف بالسريّة ولا تخضع لنفس قواعد الإثبات والاستدلال مثل القواعد التي يستند إليها أمام القضاء.

الشروط التي يجب توافرها في المحكّم/القاضي الخاص

إنّ أهم الشروط التي يجب توافرها بشكل عام في المحكّم/القاضي الخاص هي:

١- يجب ألا يكون قاصراً أو محجوراً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية بسبب الحكم عليه فى جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو بسبب شهر إفلاسه.
٢ – أن يكون حسن السيرة والسلوك.
٣- أن يكون حاصلاً على الأقل على شهادة جامعيّة، وإذا كانت هيئة التحكيم مكوّنة من أكثر من محكّم فيكتفى بتوافر هذا الشرط في رئيسها.
٤- يكون تعيينه من بين المحكّمين المعتمدين والمقيّدين بسجل قيد المحكّمين بالجهة المعنيّة.
٥- ألا يكون عضواً في مجلس الأمناء أو الجهاز الإداراي لمؤسسة التحكيم المختصة بتنظيم الدعوى التحكيميّة في الدولة.
٦- على من يبلّغ بترشيحه لتولي مهمّة التحكيم أن يصرّح كتابةً بكل ما من شأنه أن يثير شكوكاً حول حيادته أو استقلاله، وعليه منذ تعيينه وخلال إجراءات التحكيم أن يبادر دون أي تأخير بإخطار الأطراف وسائر المحكّمين في حال نشوء أي ظرف قد يثير الشك حول حيادته أو استقلاله، وذلك ما لم يكن قد سبق له إحاطتهم علماً بذلك الظرف.
٧- يجب أن يكون عدد المحكّمين وتراً وإلا كان التحكيم باطلاً.

أهم المهارات الواجب توافرها في المحكّم.

المحكّم هو طرف ثالث محايد، يتم تعيينه للمساعدة في حل النزاعات بعيداً عن النظام القضائي. ومن أجل أن يكون محكّماً فعالاً، يجب أن يمتلك مجموعة من المهارات التي تمكّنه من تقييم الأدلة بنزاهة، والاستماع إلى الحجج التي يقدمها الأطراف، واتخاذ قرارات عادلة ومستنيرة. وتشمل هذه المهارات:
١. المعرفة القانونيّة.
٢. المهارات التحليليّة.
٣. مهارات التواصل والقدرة على إدارة المواقف المعقّدة.
٤. قادراً على البقاء محايداً.
٥. أن يكون لديه فهم عميق لمبادئ التحكيم والقوانين واللوائح التي تحكم النزاع الذي يتم الفصل فيه.
٦. الصبر والتفاهم والمرونة والاستماع الفعال. ٧. منح جميع الأطراف فرص متساوية لتقديم حججهم وشرح دعواهم.
٨. الفهم الكامل لإجراءات التحكيم.
٩. تجنب إطالة النزاع دون داعٍ.
١٠. تجنب خلق نفقات إضافية على الأطراف المعنيّة.
١١. مراعاة الإجراءات القانونية المنصوص عليها في القوانين المتعلقة بالتحكيم.
١٢. مهارات الكتابة القانونية، لأن من واجبه جعل قرار التحكيم مفهوماً وقابلاً للتنفيذ.
١٣. يجب أن تكون المستندات المرسلة إلى الأطراف المتنازعة في شكل مكتوب، سواءً كانت اتفاقيّة أو ملفّات أو حتى رسائل بريد إلكتروني أو قرارات صدرت خلال إجراءات التحكيم، لذا يجب أن تتم كتابتها بطريقة واضحة ومتسقة ولا لبس فيها.
١٤. مهارات التخطيط والإدارة بشكلٍ فعّال، فالتحكيم هو مشروع مدته تتراوح في الغالب بين 6 إلى 24 شهراً. لذا يجب على المحكّم أن يحسن إدارة عملية التحكيم بحيث يتم إنهاء النزاع خلال أقل مدة وبأقل تكلفة، والتي تعد الميزة الأساسية التي تميز التحكيم عن القضاء كوسيلة قانونية لفض المنازعات.
١٥. مهارات صياغة اتفاق التحكيم.
١٦. مهارات إدارة جلسات التحكيم.
١٧. مهارات صياغة حكم التحكيم

 انهيار الأخلاق يعيد البشر إلى ما دون مستوى الحيوانات

في عدد حزيران من مجلة Nature العلمية المعروفة نتائج استفتاء جرى على 12 مليون مستجوب من 60 بلداً، أجاب 83% منهم أن العالم، في معظم أجزائه، ومنذ فترة، يشهد انهياراً أخلاقياً. إلى ذلك، برز توافق واسع في تعيين مظاهر الانهيار ذاك، وأهمها الفساد المتزايد في العلاقات الاجتماعية، فقدان متزايد للعدالة الاجتماعية، تراجع فكرة الدولة ورجل الدولة المسؤول، وانهيار منظومات القيم.

وفي الأسباب، جرى تحميل نمط العولمة التجارية الذي سيطر منذ أواخر القرن العشرين، على وجه الخصوص، مسؤولية إفساد ثقافة المجتمعات والأفراد والأنظمة. فقد غدا الكسب المالي والمادي عموماً هو الهدف الأخير للاقتصادات الجديدة، وبات رأس المال العالمي والشركات العابرة للحدود والبلدان يتحكمان بتوجّه الدول والمجتمعات، حتى في أنظمتها التربوية والاجتماعية، إضافة إلى أنظمتها السياسية والاقتصادية. أدّى ذلك إلى سيطرة “ثقافة” جديدة، غير تلك التي بشّر بها عصر “الأنوار”.

لم يعد تقدّم المجتمعات، وترقي الأفراد، وتحويل العلم والتكنولوجيا أداة لتعزيز رفاه أكثرية أفراد المجتمع وتحقيق سعادتهم وتحرّرهم من الحاجة أو الارتهان لقوى عمياء مستبدة طاغية، هي الغاية الأخيرة من الأنظمة الاقتصادية والسياسية. لم يعد التقدّم غاية حركة التاريخ، بل الأسواق الحرة، ونزع الحواجز والقيود أمام حركة الرساميل والشركات ورجال الأعمال. وباتت الحرية تعني رفع أي قيد من خارج حركة السوق على تدفق السلع ورأس المال، وعدم تدخل الحكومات لحماية منتجاتها وصادراتها وثرواتها القومية، أو حماية مواطنيها من ارتفاع أسعار السلع المستوردة.

لم يعد الفساد نزوة جشعة لموظف عام هنا، أو حالة فردية هناك، مستهجنة ويعاقب عليها القانون. بات الفساد في ظل نظام العولمة التجارية الطاغي إفساداً، يجري القبول به بل والتشجيع عليه من قبل الشركات الدولية وممثليها المحليين. بات الفساد والإفساد نظاماً دولياً متكاملاً متسانداً، ثقافة جديدة في حقل الأعمال، و”صناعة” متقنة، رائجة، لها أربابها، وصنّاعها، ومحاموها، وإعلامها، والمستفيدون من فُتاتها أيضاً.

بين مظاهر الفساد بل الإفساد الكثيرة، نتوقف حصراً عند ما يُخطط له من تدمير ممنهج لنظامنا الأخلاقي والقيَمي، وبكل وسائل الإغراء المالي والإكراه الاقتصادي والضغط الإعلامي. فلنظام العولمة التجارية الفاسد، المُفسِد ذاك، من أدوات الضغط والإكراه ما لا يخطر ببال، وبخاصة الإغراء المالي والمادي من جهة، و”غسل الأدمغة” الجاري على قدمٍ وساق، من جهة ثانية.

ولأن الأسرة، أو العائلة، في بلادنا والشرق عموماً، هي الحصن الأخلاقي والمعنوي الراعي لقيام عائلة طبيعية سوية، والحارس خصوصاً لتنشئة أبناء وبنات طبيعيين، سويين؛ بات ضغط مراكز العولمة والشركات الدولية، بكل الوسائل، يتركّز الآن على الأسرة أو العائلة في بلادنا.

إلامَ أدّت الضغوط تلك؟

يجب الاعتراف، أن الأسرة الشرقية، ومنها اللبنانية، تشهد هذه الأيام، وتحت ضغوط اقتصادية واجتماعية وإعلامية لا تحتمل، مظاهر تراجعٍ كبير في تماسكها واحتفاظها بأدوارها المختلفة. الأسرة اللبنانية عرضة الآن لاختراقات وتداعيات لم تكن موجودة في ذروة سنوات الحرب الأهلية (1975-1990).

الحرب الإعلامية والنفسية الشعواء التي تُشنّ على الأسرة أو العائلة اللبنانية اليوم أقوى من الحرب العسكرية أو الاقتصادية التي تعرضت لها في سنوات التأزم الأهلي.

وإذا قيل أنها الأزمة الاقتصادية والمالية، قلنا أن سنوات الحرب الأهلية شهدت من الأزمة تلك أصنافاً وأصنافاً، ومع ذلك لم تفقد الأسرة دورها أو فاعليتها الحاسمة في حياة الشريكين وأبنائهما.

ما الذي تغيّر إذن؟ وما الذي استجدّ من عناصر بدت أقوى من الأسرة؟

ما تغيّر باختصار هو أولاً المتغيّر المادي، الذي دخل عالمنا منذ ثلاثة عقود، إذ حلّت مرحلة جديدة من الفردية القاتلة، والنفعية المطلقة، والأنانية الجشعة، والحض على الاستهلاك المجّاني في حدّه الأقصى. وثانياً، المتغيّر العلمي والتقني الذي اخترق غرف نوم أطفالنا فسحرهم بصورٍ خادعة، وفصلهم عن واقعهم، عن أسرتهم، بل فصل الأخ عن أخيه، أو أخته (نتفليكس نموذجاً واحداً بين ألاف التطبيقات). تلاعب التطور التقني المجنون بعقل الطفل في سريره، فانفصل عن واقعه، صار أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع؛ بات يعيش شخصية غير شخصيته، يقضي نهاره وليله مع أصحاب غير موجودين وتحت سيطرة مراكز تأثير وتوجية شيطانية خبيثة.

تحطّمت الآن، بعد المجتمع، العائلة، أي النواة الصغرى التي كانت إلى وقت قريب الحضن الدافئ لأفراد الأسرة وحصن الطفل الحصين على وجه الخصوص. انكسرت الآن صورة الوالد أمام أسرته، أمام أطفاله. لم يعد المثال لهم. بل ربما باتوا يخجلون به أمام رفاق وهميين، وصور وهمية، يظن أنها حقيقية، ويعيش أوهامها فلا يجني منها في آخر الأمر غير التعاسة واليأس وربما ما هو أخطر من ذلك. لم تعد الأم المثال لابنتها. صارت قديمة، تقليدية، متأخرة: فهي لا تحمل في حقيبتها أحدث منتجات الـ أي فون، ولا تصبغ شعرها بثلاثة ألوان كما باربي، أو كما “الساحرات” التي تقدمهم شاشات الموبيل والتطبيقات الخادعة.

ويزيد الطين بلة في مجتمعنا وبلادنا نمط “المسؤول” الذي يراه أولادنا في وسائل الإعلام، فإذا هو فاسد تكاد رائحته النتنة تخترق الشاشة إلى أنوفنا، أو هو طائفي مذهبي متزمت مُقرف، أو غبي. والثلاثة يزيدون في دفع أبنائنا بعيداً عن مجتمعهم وواقعهم، ويغدون أرضاً خصبة لكل شيطان خبيث متربصٍ بعائلاتنا وأولادنا الشرّ وينتظر الفرصة المؤاتية لينقض عليهم.

حتى المدارس تخلّت عن واجباتها حيال أطفالنا: فهي إما فاشلة لا تعلّمهم ولا تربيهم ولا تثقفهم، أو هي ناجحة في تعليمهم العلوم واللغات، لكن من غير قاعدة أخلاقية أو وطنية – بل إن مدارس أجنبية معينة منتشرة لا تخفي تحريض طلابها على أسرهم وعلى قيم مجتمعهم الأخلاقية.

هذه صورة بسيطة لمجمل الضغوط التي تحاصر الأسرة في لبنان الآن – وربما في غير لبنان من بلدان المنطقة. فأين الأسرة اللبنانية الشرقية من هذه الضغوط التي لا تقاوم. كيف تستطيع الأسرة في لبنان (وسوريا والعراق ومصر وسواها) أن تواجه تحدي خسارة أبنائها اجتماعياً وثقافياً وأخلاقياً، ولم تُبقِ الأزمة في أيدي الغالبية الساحقة من عائلاتنا الحد الأدنى من المقومات المادية والحصانة الشرعية في دولة استقال مسؤولوها من كل مسؤولية!

العائلة في لبنان تدفع الآن فاتورة الانهيار الأخلاقي الجاري، بعد الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي. وربما الآتي أعظم!

غياب الأخلاق بداية سقوط الحضارات والمجتمعات، ووجودها هو العاصم الأكبر من الانهيار

ونصل أخيراً إلى ما أدهى من ذلك كلّه: إدخال ثقافة الانحلال الجنسي، وممارساته، إلى مجتمعنا اللبناني، بكل وسائل الإكراه والضغط غير المشروعة وغير المسبوقة.

أما الطريق الأقصر إلى ذلك فكان مزدوجاً:

استغلال الضائقة المالية الخانقة التي تتحكم بحياة اللبنانيين، من جهة، وتدمير العائلة في لبنان الحصن الأخير أمام انحراف الأفراد وشذوذهم في ما خصّ الحياة الجنسية والزواج عمّا هو طبيعي وشرعي في أخلاقنا وثقافتنا ومجتمعنا.

وبزعم المساعدة المالية، تقوم سفارات غربية وجهات دولية مشبوهة بتمويل سخي لكل الجمعيات (ميم عين، وسواها) التي تأخذ على عاتقها علانية العمل على إزالة العوائق القانونية أمام حركة الشاذين والمنحرفين وما شابه من حثالة نتنة وأمام تجمعهم وتحوّلهم إلى النشاط العلني. وكان آخر الأنشطة المشبوهة تلك ما دعت إليه “الدولية للتربية” بإقامة ورشة تدريب في أحد فنادق بيروت “لتقبّل المدرسين المثليين في المدارس اللبنانية”. وكافأت المنظمة كل رابطة حضرت بمبلغ 800 دولار، و40 دولار لكل فرد حضر الورشة.

كذلك أمكن لهؤلاء، بالضغط المادي والمعنوي، الوصول إلى بعض غاياتهم بإجبار قضاة ومحاكم (القاضي ربيع معلوف، محكمة المتن، 31-1-2017) على إصدار أحكام قضت بعدم اعتبار المثلية الجنسية والتحول الجنسي جرائم جزائية وإنما حقوق طبيعية. إن مراجعة بسيطة لميزانيات الجمعيات العاملة على تشريع الانحراف والشذوذ الجنسي في بلادنا تظهر أن ملايين الدولارات تصرف لها من منظمات مشبوهة في الولايات المتحدة وأوروبا.

وبسبب من الطمع والفساد نفسه، (على الأرجح) انضم حزب لبناني يميني صغير إلى حملة “مناهضة أفعال الكراهية ضد المثليين”. وبسبب من الإغراء المادي نفسه (على الأرجح) انضم قبل فترة قصيرة بعض النواب في البرلمان اللبناني إلى الحملة المنظمة المدعومة (بل المطلوبة) من الخارج الرامية إلى الدفاع عن حقوق المثليين والشاذين جنسياً.

واشتركت “الجمعية اللبنانية للطب النفسي” في حملة الضغط تلك (وهل تستطيع غير ذلك؟) فأصدرت في وقت مبكر (11 تموز 2013) تقريراً طلبت فيه التوقف عن اعتبار المثلية مرضاً يتطلب العلاج”. وكان لبنان بذلك أول دولة عربية تتوقف عن اعتبار المثلية مرضاً!

وكان آخر ما يُستغرب حقاً أن يكسر مجلس شورى الدولة في حزيران 2022 قرار وزير الداخلية القاضي مولوي “اعتبار تجمع المثليين بناء لدعوة من “ميم” و “المفكرة القانونية” تجمعاً غير شرعي.

أخيراً، لم تتورع الأمم المتحدة نفسها (وبسبب من التمويل المشبوه نفسه) عن إصدار بيان علني في 17 أيار 2021 يدعو إلى “مناهضة أفعال الكراهية ضد المثلية الجنسية” وضمان حماية الجماعات تلك.

غض النظر الرسمي ذاك جعل بيروت – مع الأسف – ثالث وجهة سياحة مطلوبة للمثليين على مستوى العالم!

بل شجع هؤلاء على إصدار مجلات الكرتونية ومنشورات، وسمح لهم بالمشاركة العلنية في انتفاضة 17 تشرين!

وبعض الأعلام فتح الهواء والصورة لهؤلاء ليستخدموا في واحدة من إطلالاتهم مصطلحاً بل مطلباً في منهى الوقاحة لغةً قبل المضمون، إذ طالبوا: “أن تكون منازل الشركاء المثليين، ومنازل الأزواج المغايرين ” على السوية نفسها لجهة المعاملة القانونية والخدمات! تخيلوا مبلغ الوقاحة: الفارق عادي جداً بين زواج مناف للطبيعة، شاذ، أحد أشكال الرذيلة؛ وبين زواج طبيعي شرعي موثّق بالأنظمة الدينية والاجتماعية! هو فقط حسب زعم هؤلاء الوقحين “زواج مغايرين”!.

وآخر انتهاكات القانون دفاع بعض وسائل الإعلام ومثقفون عن عرض فيلم “باربي”، الذي يناقش مشكلة المثلية عند الأطفال، وكأنما أطفالنا لا مشاكل (تربوية وأمنية واجتماعية) لديهم غير المثلية!

وننوه هنا بالموقف العلمي والأخلاقي الشجاع لمعالي وزير الثقافة، القاضي مرتضى. شكراً.

ماذا عن ردود أفعال سواد اللبنانيين الأعظم على حملة الضغط الشرسة من الجماعات المثلية ومحاموها؟ 

هناك لا مبالاة رسمية تكاد لا تصدّق، بل هي أقرب إلى الموافقة، لولا أن اخترقها قرار الوزير المولوي!

في مقابل اللامبالاة الرسمية تولت المرجعيات الدينية اللبنانية التنديد العلني بالنشاط المحموم للمثليين في بيروت. فكانت بيانات منددة من مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدروز ودار الفتوى والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وسواهم، محذرة من أي تعديل في قوانين الأحوال الشخصية بهدف تشريع أفعال الشذوذ والانحراف الجنسي. ومطلب المرجعيات ومها كل اللبنانيين (السويين) التمسك بالتطبيق الدقيق للقانون (وبخاصة المادة 534) التي تحظر هذا الشكل من العلاقة المضاد للطبيعة.

وتبقى مهمة التصدي للأفعال الشاذة تلك، “المخالفة للطبيعة”، (وفق القانون، كما وفق بيان البطريركية المارونية)، واجب جميع اللبنانيين المدركين مخاطر المثلية وسائر أشكال الشذوذ الجنسي على مجتمعنا، وعائلاتنا؛ وعلينا كبشر – إذا كنا لا نريد حقاً الهبوط إلى مستوى الحيوان، الذي لا يرضى بعض أنواعه العليا بالشذوذ الجنسي! حتى الحيوان نفسه لا يرتضي الإخلال بنظام الطبيعة.

إلى ذلك، يتصدى اللبنانيون يومياً، بالمقالات والبيانات والتجمعات، لنشاط أصحاب الشذوذ أولئك، ولا يتوانون عن إظهار فضائحهم وخطورتهم في آن معاً.

اخترت من مظاهر التصدي الإعلامي مقاطع من مقالة للكاتبة ألسي خوري في 2 آب 2023، تحت عنوان “لا للعبث بهوية أطفالنا – نرفض تشريع المثلية الجنسية في لبنان”.

رأت الكاتبة أن مخاطر الشذوذ الجنسي صارت على الأبواب في لبنان، من المثلية الجنسية والتحول الجنسي إلى التلاعب بتسجيل جنس المولود. وهي ترى أن التطور ذاك هو تدمير لـ “قدسية العائلة”، وأنها حرب شرسة على اللبنانيين وقيمهم تريد أن تفرض على اللبنانيين بالإغراء المالي والتهويل الإعلامي ما لم تستطع الحرب العسكرية فرضه عليهم، من تفكيك للعائلة وللقيم التي يؤمن بها اللبنانيون. تضيف الكاتبة: “تتسلح هذه الحرب المشينة ضد المجتمع والقيم بالإعلام المرئي والمسموع والمكتوب لتضلل أولادنا، هو هجوم مسلّح على فلذات أكبادنا لقلب المجتمع وتغيير القوانين”. وتضيف: “الوقاحة في هذا الموضوع وصلت إلى حد تخييرنا بالمطالبة بحقوق أولادنا بعدم شطب كلمة أب وأم عن الهوية واستبدالها ب parent 1 و parent 2، وحتى العبث بتعريف الذكر والأنثى”.

إنها حرب أخلاقية، تقول الكاتبة، “لتغيير أفكار أولادنا وهويتنا وثقافتنا وإيماننا وسط سكوت تام من الجهات المعنية”.

تضيف: “لا لن نجعل من الباطل دستور حياتنا، وسندافع عن قيمنا ومبادئنا مهما كلّف الأمر… إذا لم تستحِ فافعل ما شئت، وإذا فعلت فلن تستطيع المجاهرة به علناً أمام أولادنا… إن الله أنزل العقاب عبر التاريخ بقومٍ آتوا الفاحشة حتى أبادهم عن بكرة أبيهم، وهو يُمهلُ ولا يهمل”.

وتختم ألسي خوري: “انتبهوا لأولادكم على هواتفهم، أولادنا بخطر”.

لا حاجة لأية إضافة إلى صرخة الأم تلك، المرتعبة بحق من شبح المخاطر التي يمثله ممارسو الشذوذ الجنسي (على أنواعه) ودعاته، ومحاموهم المرتشون، على عائلات اللبنانيين ومستقبل أولادهم.

إن عدم التساهل، بأي شكل من الأشكال، مع الممارسات والدعوات المشينة تلك هو حق اللبنانيين وواجبهم في آن معاً، ولا حلول وسط في المسألة هذه. فإما نكون مع كل ما هو طبيعي وحق وشرعي في وضوح الشمس، أو نكون مع ما هو خطأ وباطل وضلال وحرام وارتكاب الفاحشة.

الرحمة” فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ،

يحلُّ عَلَيْنَا شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَك، وَلُبْنَان والأمُّة العربيَّة تتراحم بِالْبَرَكَة والتآزر وَالتَّعَاوُن، رَغِم الْأَوْضَاع الاقتصادية غَيْر الْمَسْبُوقَة الَّتي يختبرها وطننا الْحَبِيب لبنان، والَّتي تُرخي بثقلها عَلَى جَمِيعِ فئات المُجتمع، وَتُطَال القطاعات الإنْتَاجِيَّة اقتصاديًّا ومعرفيّاً وثقافيّاً وتربويّاً وأكاديميَّاً، وطبيّاً، وغذائيّاً، وفنيّاً وثقافيّاً وحِرفيَّاً، وتكنولوجيّاً. كلُّ هَذَا مَعَ تَعَاظَم الْمآسِي عَلَى الْمُسْتَوَى العالميّ مِن حروبٍ وَتَهْجِيرٌ وعُنف وتطرُّف، نَاهِيك عَن تَغْيِيب عُنْصُرٌ “التراحم” بَيْن النَّاس.

مِنْ هُنَا تجدر الْإِضَاءَة فِي هَذَا الشَّهْرِ الفضيل، عَلَى دِينِ التراحم وَالتّعَاطُف والإنسانيَّة، كَوْنِ الإِسْلاَمِ ديناً يُراعي أَحْوَالِ النَّاسِ وحوائجهم فِي الدَّنيا وَالْآخِرَة، وَيَدْعُو إلَى التَّعَاوُنِ وَالتّعَاطُف والتلاحم بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعات كافَّة، لِمَا يُحقِّق خَيْرَهَا وَيَظْهَر وُجُودِهَا الْفَاعِل. ويُطالع المتمعِّن فِي النصِّ الْقُرْآنِيّ وبألفاظهِ وكلماتهِ وَمَعَانِيه، تركيزه عَلَى إظْهَارِ الخُلق مِن مَنْظُورٌ مُتجدِّد دوماً ، مُضيئاً عَلَى قِيَمِ الْأَخْلَاق وَالتَّسَامُح بِوَجْه عَام، وَقِيَم الرَّحْمَة وَالرَّأْفَة وَالتَّوَاصُل بَيْنَ الأفْرَادِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ ، وَمَا تُشكِّلهُ بِاجْتِمَاعِهَا مِن قيمٍ إنسانيَّةٍ ودينيَّةٍ جَامِعَةٍ، سَيَكُون لَهَا بَالِغ الْأَثَرِ فِي بِنَاءِ أَجْيَالِ الْأُمَّة العربيَّةِ والإسلاميَّة ، فِي عَصْرٍ تجتاحه مَوَاقِع التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ ، وَتِلْك الْمَوَاقِع بمُنظماتها الًتي تَقُوم بتشتيت ذِهْن الْإِنْسَان وتغريبه عَنْ ذَاتِهِ وكينونته وَعَن مُحِيطَةِ، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِيَامِهَا بتعريةِ المُجتمعاتِ المعولمة وَتِلْك الريفيَّة أيضاً، مِنْ إيجَادِ أَي فاعليَّة مُجدية فِي صَيْرُورَةِ حَيَاتِهَا المستقبليَّة ، وافساحاً فِي الْمَجَالِ أَمَامَهَا للتفكّر بفاعليَّتها الوجوديَّة والحضاريَّة والثقافيَّة والدينيَّة والتاريخيَّة والإنسانيَّة ، إلَى فاعليَّتها فِي الِاقْتِصَادِ أَوْ التَّنْمِيَة أَو التحفيز أَو الِابْتِكَار والتطوُّرٍ والانتاجيَّة ، أَو حتَّى فِي مَجَالِ مَحْو الأُميَّة . . .لَا بَلْ هِيَ تَسْعَى جاهدةً _ وَمَن خِلَال تشييء الْمُجْتَمَعات كَي تُصبح جَمَاعَةٌ “هجينة” دُون ذَاكِرَة جماعيَّة ،وَدُون قَوَانِين تسترشد بِهَا أَثَرَ الصَّالِحِين هَهُنَا ، يستدلُّ البَاحِث أنَّ لَفْظُة “الرحمة” قَدْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ أَكْثَرَ مِنْ 268  مَرَّةً وَفِي غَيْرِ مَوْقِع ، وَهِي تتبوَّأ ، فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ، محوريَّةً مُتقدِّمة نابعةً مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسنى وَصِفَاتِه عزَّ وَجَلّ شَأْنُه .وَالرَّحْمَةُ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ ، الْمَطَر والغيث ، النِّعْمَة والرِّزق ، الِابْتِهَال وَاسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، النَّصْر وَالْعَافِيَة وَالْخَيْر ، الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ ، الْمَوَدَّة وَالْعَطْف ، وتنحو لِتَشْمَل الْعِصْمَةَ مِنْ اقْتِرَافِ السَّيِّئَات ، فِي صِفَاتِهِ الذَّاتيَّةِ والمعنويَّةِ وَفِي سُلُوكِه مَفَاعِيل الْوُدّ وَالْعَطْف ، فَيَكُون رحيمًا عطوفًا مَعَ مَنْ حَوْلَهُ .بِيَد أنَّ الرَّحْمَة الَّتي هِيَ أَسَاسُ كُلّ تَعَامُلٍ إِنْسانِيٍّ ، تحمِلُ فِي طيَّاتِهَا مَبدأي الثَّوَابِ وَالْأَجْرِ ،وَسِوَاهَا الْكَثِيرِ مِنْ الصِّفَاتِ الأخلاقيَّةِ والإنسانيَّةِ والمُجتمعيَّةِ الَّتي تَرْتَقِي بسُلَّمِ أخلاقيَّاتِ المُجتمعِ.

مِنْ هُنَا ، يُعدُّ جَمَالُ الْإِنْسَان بِسموِّ ورِفعة أَخْلَاقِهِ .وانطلاقاً مِمَّا تقدَّم ، يَسْتَرْشِدُ المُتمعِّنُ فِي النّصِّ الْقُرْآنِيّ مِن صِفات اللَّه الرَّحْمَة ،”الرَّحمن الرحيم” ؛ ويُستدلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، الْآيَة 105 ، قَوْله تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ﴾؛ ﴿ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ بِمَعْنَى أنَّه مَا يُحبُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا المُشركين أَنْ يَنْزِلَ عليكُم مِن خيرٍ مِن ربِّكم. وَعَلَيْه، يَكُونُ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَمْنِ بالمواثيق وَالْعُهُود، وَمَا يَحْصُلُ مِنْ الْخَيْرِ يُنْتَفَعُ بِهِ الْكَافِرُ والمُسلم. وبناءً عَلَيْه، أَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَوَصَف (عَزَّ شأنه) النبيّ ﷺ بأنَّه رَسُولٌ إلَى الجنِّ وَالْإِنْس وَإِلَى الدُّنْيَا؛ وخصَّه كَذَلِك بِصِفَة “الرحمة”. إذْ يرَدُّ فِي سُورَةِ سَبَأ، الْآيَة 28، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؛ كما في سورة الأعراف، الآية 158: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. ويُرشد اللَّهُ تَعَالَى رَسُول (ﷺ) إلَى التمتُّعِ بالحِكمةِ وَطِيب الْقَلْب وَاللِّسَانِ وَالرَّأْفَة والمحبَّة، وَالْخَلْق الطَّيِّبِ فِي تَعَامُلِهِ مَع النَّاس، حتَّى لَا تَنْزِلُ الْكَلِمَات الْقَاسِيَة عَلَيْهِم وكأنَّها سِيَاطٌ، فينفضُّون عَنْه. بِقَوْلِه في سورة آل عُمران، الآية 159: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

وجاء في الحديث الصحيح أنَّ الرسول (صلعم) قال: “إن الله حرم على النار كل هيِّنٍ لينٍ سهلٍ قريبٍ من النَّاس”. وَعَلَيْه ، تتعدَّد مضامين “الرحمة” الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَآيَاتِهِ الْكَرِيمَةِ وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فِي بَابِ الْعَطْفِ وَالْحُنُوّ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْيَتَامَى وَالْعَجَائِز وَالْمَرْضَى وَالضُّعَفَاء، وَالرَّحْمَة بِالصَّغِير وَالْأَرْمَلَة ، وَالْجَاهِل ، وَالْأَسِير ، وَالْأَقَارِب ، ورَحِمَة الْأَبْنَاء بِالْوَالِدَيْن ؛ وَالرَّحْمَة بِالْحَيَوَان وَالطَّبِيعَة .فِي قَوْلِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الضّحَى ، الْآيَات 6-11: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾.﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ في سورة الإنسان، الآية 8.فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) : “الساعي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وَأَحْسَبُهُ قَالَ: كَالْقَائِم لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يفطر”. (صحيح الْبُخَارِيّ ، الْجُزْء الرَّابِع ، ص93) وقَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ، الْآيَة 159: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾وفي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، الَّذي أخرجه مُسلم في باب “فضل الرفق” _ حديث (2594 ) أن: رَكِبَتْ عائِشَةُ بَعِيرًا، فَكانَتْ فيه صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَتْ تُرَدِّدُهُ، فقالَ لها رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عَلَيْكِ بالرِّفْقِ .وهذا يردُ عن عَائِشَة (زوج الرسول ﷺ _ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) رضي الله عنها: أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ.

ويُبيِّن الرَّسُولَ الْكَرِيمَ (ﷺ)  أنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إلاّ زَانَه ، بِمَعْنَى زيّنه وَجَعَلَه جميلاً . والمُراد بِالْمَعْنَى هُنَا، يكمُن فِي تَيْسِيرِ الْأُمُورِ والرِفق بِالْإِنْسَان، وبالحيوان. لِذَا تُعتبرُ الأخلاق جزءاً وثيقاً مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيمَانُ، الْأَمْر الَّذي يُعدُّ فِي صُلْبِ الْأَخْلَاق الإسلاميَّة وَفِي صَمِيم جَوَاهِرَهَا النَّفِيسَة. كلُّ عَام وَلُبْنَان والأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة تتراحم فِي مَا بَيْنَهَا، فِي رَمَضَانَ الْخَيْر وَالْبَرَكَات.

المعاني الاجتماعيّة لانتفاضة 17 تشرين

انتفاضة 17 تشرين هي نتيجة معاناة شعبٍ في كل الميادين وخاصة الميدان الاجتماعي. فالحالة الاقتصادية التي نشأت وانتشرت بسرعة أصابت الفئات الفقيرة لا الميسورة، فباتت العملة الوطنية في أسوأ أزمة عرفتها. ومع انهيار سعر الليرة مقابل الدولار، انهارت مداخيل الطبقة الوسطى، فبات صعباً عليها تأمين الأساسيات من حاجاتها. وهكذا دخلت الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة في قطار انتفاضة 17 تشرين إلى جانب فئات اجتماعية أخرى.

أمّا أسباب الانهيار الاقتصادي والمالي والاجتماعي فكثيرة، لكن أبرزها الفساد السياسي والمالي، وانعدام المسؤولية لدى من تولّى السلطة لسنوات كثيرة فقد انهارت الأوضاع العامة أمام أعين المسؤولين دون أن يحركوا ساكناً، بل ركضوا يحمون ودائعهم التي تبلغ المليارات من خلال تهريبها خارج البلاد ما قاد إلى انهيار القطاع المصرفي. وكانت كارثة المرفأ في 4 آب 2020 ذروة نتائج الفساد والإهمال الرسمي.

كيف تخرج البلاد من هذه الأزمة؟ لا شيء يُخرج البلاد من أزمتها إلّا عودة الضمير إلى المسؤولين، والترفّع عن الفساد الذي كانوا فيه، والتخلِّي عن المحاصصة وتبادل المنافع على حساب المسؤولية التي يتولونها.

لا شيء يُخرج البلاد من أزمتها إلّا بتساوي الجميع أمام القانون، حيث لا ميزة لإنسان على آخر غير ميزة المعرفة والنشاط والعمل.

لا شيء يخرج البلاد من أزمتها إلّا قيام سلطة تتمتع بالنزاهة فتضرب السارق وتعين المقهور والمحروم، فتعيد الأموال المهرّبة، وتصادرها وتستثمرها في مشاريع توفر فرص العمل أمام الشباب…

ولكن هل يتحقّق ذلك. الجواب سلبي حتى الآن. فالقيّمون على السلطات عاجزون عن تحقيق الإصلاح: كيف لفاسد أن يحقق الإصلاح؟ مطلوب إذن سلطة جديدة من الشباب ذوي الكفاءة والنزاهة، وهم موجودون، لو أتيح لهم أن يساهموا في إعادة بناء وطنهمٍ.

مشروع الدّولة الدرزيّة: مخطّط إسرائيلي، رفضه الدروز فلم يُكتَب له النجاح!

أعادت الأحداث الأخيرة في المدن الفلسطينية المحتلّة القضية الفلسطينية إلى الواجهة من جديد. وتصدرت أخبار الانتهاكات الإسرائيلية للحقوق الإنسانية لشعب فلسطين الصحف العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي في سابقة في تاريخ التغطية الإعلامية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هذه الانتهاكات التي شملت التهجير المُمَنهج والتطهير العرقي واستهداف المدنيين، أعادت إلى الأذهان المؤامرات والمشاريع والحروب التي شنتها إسرائيل لا على الشعب الفلسطيني فحسب، بل على شعوب المنطقة قاطبة، لتبرير وجودها وتثبيت شرعية كيانها كدولة طائفية عنصرية استيطانية شرقي المتوسط. وقد تكون أخطر هذه المؤامرات تلك التي يروي قصتها الصحافي السوري الراحل محمّد خالد القطمة في كتابه «قصة الدولتين المارونية والدرزية» الصادر عام 1985. قضت المؤامرة الإسرائيلية المذكورة بتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية بهدف إضفاء الشرعية على كيانها وتشكيل حلف أقليات طائفيّة في منطقة ذات غالبية سنّية، وبالتالي مفاقمة الصراعات بين الشعوب وتعميق الشرخ الطائفي بينها. وتقرَّر بموجب المخطط إقامة دولة مارونية وأخرى درزية تضم جبل لبنان الجنوبي، الجنوب اللبناني، جبل حوران، الجولان، والسويداء والمناطق الواقعة بينها.

ويركز الكتاب على سرد حكاية قيام وسقوط مخطط إقامة الدولة الدرزية بالذات. أما بطلا قصّة فضح وإفشال المؤامرة التي يكشف خيوطها القطمة فهما كمال يوسف أبو لطيف المحامي والسياسي والعسكري اللبناني السوري، وكمال أسعد كنج أبو صالح ابن بلدة مجدل شمس ووريث زعامة سياسية متجذرة في منطقة الجولان. في معرض سرده لقصة «الكمالين»، يستخدم القطمة مصادر متعدّدة، فيلجأ إلى تقارير كتبها كمال أبو لطيف لمسؤولين عرب ووثائق احتفظ بها كمال جنبلاط صاحب الدور الفاعل في إحباط المخطط، وشهادات شفوية لبعض المقرّبين من كمال كنج أبو صالح إضافة إلى حوارات أجراها القطمة مع نقيب الصحافة الأسبق الشهيد رياض طه الذي توصل إلى اكتشاف معلومات قيّمة عن هذا المخطط وسبق أن أفشى عنها في مقالات وأحاديث صحفية قبل وفاته.

رغم أن حلم تقسيم وفرز المنطقة طائفياً راود القادة الإسرائيليين منذ قيام دولتهم، إلا أنّ النكسة العربية عام 1967 شكّلت بالنسبة لهم الفرصة الذهبية للمباشرة بتنفيذ المشروع. في تلك السنة المذكورة اجتاح الجيش الإسرائيلي مرتفعات الجولان فسقطت بلدة مجدل شمس وبقي سكانها صامدون. وفي السياق، يروي القطمة أن شيخ عقل فلسطين المرحوم الشيخ أبو يوسف أمين طريف كان قد بعث برسالة شفوية إلى دروز الجولان يحثهم فيها على استخدام السياسة مع الاحتلال الإسرائيلي تفادياً للتهجير وكسباً للوقت. أعقب الاحتلال فترة زمنية حاولت فيها السلطات الإسرائيلية التودد للسكان الدروز بشكل مُريب ومثير للشكوك. وتُعزى هذه المعاملة المميزة إلى رغبة إسرائيلية باستمالة الدروز وضمّهم إلى حلف الأقليات، تغذية الانقسامات الطائفية بين العرب، والأهم من كل ذلك: دفعهم إلى الموافقة على إقامة دولة درزية تمهد لقيام دويلات طائفية مشابهة للنموذج اليهودي في المنطقة العربية.

في منزل كمال الكنج في مجدل شمس، قدّم ضباط مخابرات إسرائيليين عرضهم هذا أمام عدد من الوجهاء وقد خيروهم بين دعم مشروع الدولة الطائفية الدرزية أو التهجير القسري من مناطقهم. وفي كلتا الحالتين مصلحة لإسرائيل إذ إنهما يخدمان الغرض ذاته: تطهير الدولة من غير اليهود. ولعل هذا الغرض شكّل الهاجس الأكبر لزعماء الصهيونية فهم يعرفون حق المعرفة أن التطور الديمغرافي يصب في صالح السكان العرب ويهدد وجود إسرائيل، فكانت الطريقة المثلى لمواجهة هذا الخطر بالنسبة للإسرائيليين هي التهجير القسري. وبالعودة إلى الاجتماع الذي عُقد في منزل الكنج فقد تقرّر فيه أن يدّعي الدروز الموافقة على العرض والمماطلة لكسب المزيد من الوقت، ريثما يتوصلون للمخرج المناسب. كما وتم الاتفاق على تكليف كمال الكنج بالاتصال بسلطات الاحتلال والتنسيق معها.

في خريف عام 1967 توجه كمال الكنج إلى تل أبيب للقاء مسؤولين إسرائيليين (منهم الوزيران موشيه ديان وإيغال ألون) والبحث في الخطة المقترحة وتحديد دور الكنج في تنفيذها. هناك، حيث وافق الكنج ظاهريا على التعاون مع الصهاينة، دخلت العملية البطولية التي فضحت المؤامرة الإسرائيلية حيّز التنفيذ. طُلب من الكنج التواصل مع إحدى الشخصيات الدرزية الموثوقة للتنسيق مع الإسرائيليين والتعاون معه في تأدية الدور المطلوب منه. فاختار الكنج صديقه وقريبه كمال أبو لطيف لهذه المهمة. التقى الرجلان في أحد فنادق روما يوم 27 تشرين الأول من العام 1967 حيث كان من المفترض أن يحضر اللقاء ضابط «الشين بيت» (جهاز الأمن العام الإسرائيلي) المرافق للكنج. غير أن هذا الأخير تمكّن من الاجتماع بأبو لطيف على انفراد والإفصاح له عن مهمته المُفترضة وعن حقيقة نواياه. اتفق الرجلان على إظهار التعاون مع الضابط المسؤول عن العملية، «الكولونيل يعقوب»، على أن يحاولا انتزاع أكبر قدر ممكن من المعلومات العسكرية والسياسية المتعلقة بالخطة وإيصالها للمسؤولين العرب.
توالت الاجتماعات في العاصمة الإيطالية بين الكولونيل و»الكمالين» تمكن فيها الأخيران من استدراج الأول، فجمعا معلومات قيّمة عن الحيثيات العسكرية والزمانية والسياسية للعملية المخطط لها: كانت إسرائيل تنوي افتعال الأحداث على الجبهتين السورية اللبنانية لخلق ذريعة لاجتياح الجنوب والجبل اللبناني وجبل الدروز في سورية. حتى إذا تقدمت القوات الإسرائيلية واحتلّت هذه المناطق أعلن الزعماء الدروز انفصالهم عن لبنان وسوريا وتأسيس دولتهم الدرزية. الجدير بالذكر أن وثائقيّاً أعدّته الجزيرة أكّد استعداد الولايات المتحدة الأميركية للاعتراف بالدولة المُزمع إنشاؤها فور إعلان قيامها. وهذا ما أكده أيضا الكولونيل الإسرائيلي للكمالين بحسب قصة القطمة.

في المقابل، حرص العربيّان على الإجابة عن أسئلة الضابط بمعلومات عامة وسطحية حول بعض القضايا السياسية والعسكرية والاجتماعية في بلديهما كي يقنعاه بتعاونهما معه. ويعود نجاح الدرزيان في سحب المعطيات من الضابط، حسب كتاب القطمة، إلى ذكاء الرجلين وتنسيقهما المستمر فيما بينهما، ورغبة الكولونيل بإتمام مهمته بأسرع وقت ممكن لإرضاء رؤسائه في إسرائيل. إشارة إلى أن المسؤولين عن الكولونيل يعقوب في «الشين بيت» كانوا على اتصال دائم بمرؤوسهم في روما لإيفائهم بالمعلومات التي يتلقاها من الدرزيين، ما يدل على اهتمام إسرائيلي كبير بالمشروع. من جهة أخرى، وفور عودته إلى لبنان، اجتمع أبو لطيف بالزعيمين كمال جنبلاط وشوكت شقير وأحاطهما بتفاصيل اللقاءات التي جمعته بالكنج والضابط الإسرائيلي، فأظهرا دهشة عظيمة لهول المخطط المُحَضّر وسارعا بإبلاغ الرئيس المصري جمال عبد الناصر الذي أبدى بدوره اهتماما بالغاً بالموضوع. ثم توجّه أبو لطيف إلى دمشق حيث التقى مدير المخابرات السورية عبد الكريم الجندي واضعاً معلوماته في تصرّفه.

 

وفي تشرين الثاني 1967 كلّف الإسرائيليون أبو لطيف بالتواصل مع الأمير حسن الأطرش وحثّه على تبنِّي مشروع الدولة الدرزية، مستغلّين خلاف الأمير مع النظام البعثي السوري. تعذّر على الأمير الذهاب فآثر إرسال حفيده حمد لتلبية دعوة أبو لطيف في روما (دون أن يعلم الهدف من الزيارة). وسرعان ما انضم الأمير حمد إلى الكمالين في مسعاهما لإفشال المؤامرة. كانت اللقاءات المتتالية بين الإسرائيلي والثلاثة العرب كفيلة بالإجابة على الكثير من الأسئلة العالقة في أذهان الكنج وأبو لطيف والاستفسارات التي طلب بعض المسؤولون العرب الإجابة عنها، فقد كان «يعقوب» يكشف لهم تدريجيا المزيد من المعلومات العسكرية والاستخباراتية عن المشروع. من جهته، لم يتأخر أبو لطيف في إبلاغ السلطات اللبنانية والسورية والمصرية وكمال جنبلاط بكل جديد في تقارير مفصلة هي التي اعتمد عليها مؤلف الكتاب لاستقاء معظم معلوماته. وفي كانون الأول 1967 سافر كمال أبو لطيف إلى بيروت ومنها إلى دمشق حيث قدم المزيد من المعلومات الهامة لمدير المخابرات السورية الذي أبلغ بدوره الرئيس السوري نور الدين الأتاسي.

بعد انتهاء المباحثات مع الثلاثة الدروز في روما، عاد كل منهم إلى بلده على أن يبقى التواصل قائما بينهم وبين الكولونيل من خلال الرسائل المُشَفَّرة. وظلت القضية سريّة لا يعلم بها سوى عدد قليل من المسؤولين العرب رفيعي المستوى الذين تواصل معهم أبو لطيف. وظل هذا الأخير يتنقّل بين لبنان وسوريا والعراق ويدلي بما لديه من معلومات للمسؤولين، حتى أن كمال جنبلاط طلب منه سحب ترشيحه من انتخابات 1968 النيابية والتفرغ لمتابعة هذه القضية الخطرة. في تلك الفترة، كان يعقوب يبعث لأبو لطيف رسائل مشفرة من أوروبا طالباً منه العودة للقائه، دون أن يلقى جواباً واضحاً. لكن عندما اتّخذ جمال عبد الناصر قرار الرد على المؤامرة عبر تعزيز المواجهات العسكرية في مواقع المحاور الوارد ذكرها في تقارير أبو لطيف التي كانت إسرائيل تعتزم التحرك منها لتنفيذ مخططها، أدركت هذه الأخيرة انفضاح مشروعها فاعتقلت الكولونيل واتهمت الكنج وأبو لطيف بإفشاء أسرار المخطط لدول عربية، وأصبحت حياتهما معرضة للخطر. وسرعان ما أُلقي القبض على كمال الكنج في بلدته المحتلة مجدل شمس ثم أُفرج عنه بعد بضع سنوات ضمن صفقة تبادل أسرى سورية إسرائيلية. وعُلق تنفيذ مشروع إنشاء الدولة الدرزية حتى تحين الفرصة الملائمة لذلك.

يذكر القطمة في نهاية كتابه أن كمال الكنج فضل متابعة النضال داخل منطقته بعد تحريره، واعتُقل مرات عدة حتى وفاته في 15 أيلول 1983 بسبب ما تعرض له من تعذيب في السجون الإسرائيلية. لكن تغيب عن كتابه حادثة مقتل كمال أبو لطيف الغامضة. ففي 20 تموز من العام 1985 أي بعد عام من صدور الكتاب، قُتل كمال أبو لطيف أثناء محاولته فض نزاع مسلح بين أهالي بلدته وقيل آنذاك أنه أصيب عن طريق الخطأ.

إن مؤامرة إنشاء الدولة الدرزية، هي بلا شك إحدى أخطر المؤامرات التي حاكتها إسرائيل في المنطقة، بيد أنها واحدة فقط من مئات وربما آلاف المخططات غير المكشوفة التي أعدتها منذ قيامها حتى اليوم. لقد أعيد إحياء هذا المشروع الخبيث إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وما تبعه من انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الجيش وتقسيم لبنان غير المعلن إلى كانتونات طائفية لكنه فشل في بلوغ هدفه. أمّا اليوم، وبالرغم من أن مشروع حلف الأقليات وتقسيم المنطقة إلى دويلات طائفية يبدو أنه لم يعد على رأس قائمة الأوليات الإسرائيلية، على اعتبار أن اسرائيل تمكنت من تشريع وجودها عبر التطبيع العلني والضمني مع معظم الدول العربية، إلّا أنه من الضروري في هذه المرحلة بالذات، التذكير بهذا المخطط الذي لم يأخذ حقه في النشر، للإضاءة على النوايا الإسرائيلية الحقيقية التي تخفيها تجاه العرب غير اليهود. لقد مارست إسرائيل عبر عقود سياسة تطهير عرقي تهدف إلى تطهير إسرائيل من غير اليهود، وجعلها دولة يسكن فيها «شعب الله المختار» الذي يتفوّق على غيره من الشعوب. وقصة المؤامرة هذه، إن دلّت على شيء، فهي تدل على عدم تردد الإسرائيليين في ممارسة السياسة المذكورة حتى على الدروز، الذين يجمع الاسرائيليين بهم «حلف معمّد بالدم» على حد زعمهم، في حين أنّ المخطط المذكور هدف إلى طرد الدروز من مناطقهم في فلسطين وكشف حقيقة نواياهم التي بدأ يدركها دروز فلسطين بعد ما طالهم من تمييز عنصري وطائفي من دولةٍ عنصرية تقوم على التمييز الديني والعرقي.

 

 

التوحيد والفكر الديمقراطي

دخلنا اليوم في عالم الموضة السياسية، وولِجنا الفكر الديمقراطي، نحن شعوبَ السمع والطاعة. فالسياسات القمعية التي مورست ضدّنا كشعب على مرّ العصور، حشرتنا في حالة انسلاخية، انفصلنا فيها عن إرادتنا ومشيئتنا، بل عن ذواتنا، وتعلمنا أن نقول ونفعل ما يريده منّا أهل الحكم، لا ما نريده نحن. الأمر الذي أورثنا إرادة هلامية ومشيئة زئبقية، نكيّفهما حسب المطلوب، بعيدا عن قناعاتنا الفردية. ولقد حصرنا قدوتنا في شخص «بطرس» الرسول، لحظة إنكاره لمسيحه، وفي العالم الفلكي المشهور «غاليلو»، عندما تراجع عن الحقيقة خوفا من الإعدام، ورمى في سلّة المهملات قوله بكروية الأرض ودورانها، وفي الفرنسي «فولتير»، عندما استجاب لأموال الطغيان، وانشغل عن مبادئه.

نحن شعوب السمع والطاعة، الذين استسلمنا لمرض التعوُّد المزمن وتجمُّد الضمير، فاستسغنا ما لا يستسيغه حرٌّ عاقل، تماما كحال «نيرون»، الذي قال عندما اضطر في بداية حكمه لتوقيع حكم الإعدام بحقّ أحد المجرمين: «ليتني ما عرفت الكتابة»، لكنّه بعد أن أودع ضميره في ثلاّجة السلطة، أزهق روح أمِّه، وأحرق «روما».

ومع أنّنا التزمنا بكلّ هذه الملوِّثات، لم نأخذ بوصيَّة «إمرسن» في قوله: «تذكَّر غيرك.. فإنَّ العواطف معدية»، لأنَّ عدوى التعلُّم من الغير لم تصلنا حقيقة، بل وصلتنا على شكل موضة تقليد الغير، فدخلنا عصر الديمقراطية لا بدافع ذاتي، بل بفعل السيولة، متأرجحين على ظهر تيارات عالمية، جرفتنا دون إرادتنا.

يجب علينا الاعتراف بأنَّ ثمّ فارقا كبيرا، بين العقل العربيّ والعقل البريطانيّ مثلا، فالأوّل، قد أدمن الاضطهاد والظلم، وما زال محتفظا في ذهنه بشبح السيّاف «مسعود»، بينما الثاني قد بنى قبل حوالي تسعة قرون، ما يسمى العهد العظيم، الذي كان يقطعه الملك على نفسه عند تولّيه الملك، بقوله: «إذا لم نقم بتصحيح ما عساه يقع من مخالفة (أيَّة مخالفة على الإطلاق).. فمن حقِّ جميع الناس بالمملكة أن يحجزوا، ويضيِّقوا علينا بكلِّ الوسائل الممكنة. وذلك بمصادرة جميع قصورنا وأرضنا وسائر ممتلكاتنا، حتَّى يتمُّ تصحيح ما وقع من مخالفة»! نعم؛ ذلك ما كان يقسم به الملك البريطاني، قبل أن يحمل تاج المملكة فوق رأسه، وصولجان الحكم بين يديه.
وقبل الدخول في تفاصيل الديمقراطية، يجب التأكيد على أنّ الديمقراطية إلى جانب كونها فكرا نظريّا، فهي سلوك عمليٌّ، وتربية مدرسية. ويبدو من غير المعقول أن يتعلَّم الإنسان الديمقراطية من الكتب النظرية وحدها، بل هو بحاجة إلى تربية ذات طابع ديمقراطي خاصّ، تؤهِّله لممارسة احترام الغير والتعاون معه. فالشخص اللّبنانيّ مثلا يسبقنا كسوريين في الحقل الديمقراطي، لأنَّه سبقنا حوالي نصف قرن من الزمان في ممارسة الديمقراطية عمليا، وهذا ما لمسته شخصيا أثناء جولاتي في المهجر، حيث يقف الموحِّدون السوريون متخوِّفين من التعاون، وبعيدين عن المشاركة في التجمُّعات والجمعيَّات، التي هي حكر تقريبا على إخواننا اللّبنانيين.

صحيح أنَّ الناس ينقسمون تحت مظلَّة الحكم غير الديمقراطي في شيطانين اثنين؛ شيطانٍ أخرس، خائفٍ من قول كلمة الحقّ، وشيطانٍ ناطقٍ يزخرف الباطل ويدافع عن غرور الطاغية، ومن غير الممكن أن يحمل هذان الشيطانان لواء التعاون والديمقراطية، إلّا بعد تأهيل طويل، يخضعهما إلى برنامج تربويّ جديد.

تعود الديمقراطية في أصل تسميتها إلى اليونانية، وهي مؤلفة من مقطعين اثنين؛ الأول، «ديموس»، ومعناه «الشعب»، والثاني، «كراتوس»، ومعناه السيادة؛ أي بما يعني «سيادة الشعب». والديمقراطية منذ نشأتها مثلَّثة الرؤوس؛ سياسية، واجتماعية، واقتصادية، ولسوف نقتصر البحث هنا على ذكر الاجتماعية منها، لأنّ السياسية والاقتصادية يتم بحثهما من خلال بنية كيان سياسي معيّن، والتوحيد لم يكن كذلك في يوم من الأيام، إنّما هو ينظّم المجتمع بإرساء القواعد الأخلاقية اللازمة. ومع أنّنا سوف نرى طبيعة اقتصادية لبعض هذه القواعد، مثل إلغاء نظام الرقّ، لكنَّ التوحيد عالجها من حيث طبيعتها اللاأخلاقية الظالمة، والتي تقف سدّا منيعا في طريق تطبيق المبدأ التوحيديّ الأساس؛ «مبدأ التخيير».

والديمقراطية تستند في طبيعتها إلى حكم العقل والمنطق، باعتبارها أفضل أسلوب من أساليب أنظمة الحكم، أخذت بالحسبان التجربة الإنسانية التاريخية، وهدفت في غايتها إلى تحقيق العدالة بشكل عام. وليس العقل والعدل، اللّذان استندت الديمقراطية إليهما، سوى ركنين اثنين رئيسين، يقوم عليهما الفكر التوحيدي عامّة. فالتوحيد باختصار هو مذهب العقل والعدل، وهو يعتمد اعتمادا كليّا على هذين الركنين. يمكن تأكيد إيمان التوحيد بالعقلانية والعدالة من خلال حديث العقل، الذي  جاء على لسان الرسول (ص) بقوله: «عندما خلق الله العقل، قال له: أقبل فأقبل. ثمّ قال له: أدبر فأدبر. ثمّ دعاه وقال له: إذهب، فأنت لعبادي سلطان، وعليهم شهيد. إيّاك أسأل، وإيّاك أعطي، وبك أحاسب».

وإنّني إذ أتحدّث هنا عن الجانب التوحيديّ الديمقراطي، فإنّي أتحدّث من واقع ما ورد عن الديمقراطية المطلوبة داخل المجتمع التوحيدي، باعتباره مجتمع القيم العقلانية والحقائق البرهانية، الذي يُتوقّع أن يسود في نهاية المطاف، بسيادة العقل جميع سكّان المعمورة.

كما أنّني عندما أتحدّث عن العقل في الفكر التوحيدي، أقصد العقل الكليَّ الروحانيَّ، غير المكوَّن من مادّة، لأنّ ما هو من مادّة فإلى فساد. ذلك العقل بمعناه التجريدي، الذي يمتدُّ في النفوس البشريّة، على شكل عقل روحانيّ جزئيّ. وعليه فالتوحيد من خلال كتبه وتراثه، يقوم على قاعدتي العقل والعدل.

نظر التوحيد إلى العدل والعقل كمفهومين مترادفين، باعتبار العدل، نتيجة طبيعية للعقل. وكلٌّ منهما مؤيِّد للآخر، فمرَّة الأوَّل يقطع، والثاني يوجب، ومرّة أخرى العدل والعقل كلاهما يوجبان، ومرّة ثالثة يتّحد كلٌّ من العقل والعدل في فروض التوحيد، وهي آداب الدين، التي تتقدّم مكانتها على الدين، في أساس الفكر التوحيدي.

وإقامة العدل هي بحدّ ذاتها غاية من غايات كشف التوحيد، وهدفا من نشره بين الناس. ومن ذلك وصف الموحّدين بأنّهم أهل العدل، لأنّ العدل صفة أهل العقل بالضرورة، وبأنّهم أهل الألفة والاتّفاق.

كذلك ومن هذا المنطلق أيضا ارتبط قيام الحقّ والعدل، وهما تعبيران مترادفان، بقيام العقل؛ إذ كلّ ما هو خارج عن نظام العقل، فهو خارج بالضرورة عن العدل.
وأخيرا فإنّ العقل هو المؤهَّل الوحيد لإقامة العدل، وحمل سيفه المعنوي.

وجدير بالذّكر أنّ الفكر التوحيدي، كرّس في تعاليمه عددا من القواعد الديمقراطية الأساسية، أوجزها على الشكل التالي:

أ- إحلال السلام الاجتماعي، وعدم حضّ الموحّدين عمليّا على القتال، فإنّه على الرغم من المحن التي مرّ بها الموحِّدون، كما لم تمرّ طائفة في مثلها على مدى التاريخ، فإنّما المطلوب من الموحّدين الصبر على المحن، باعتبارها امتحانا لأنفسهم، ومحكّا للتفاضل بينهم. ومن خلال هذه القاعدة أرسى التوحيد قاعدة مهمّة، هي قاعدة التسامح مع الغير، وذلك انطلاقا من سببين اثنين: الأوّل، احترام رأي الآخرين، الذين لم يقبلوا الدخول في التوحيد، والثاني، انكفاء الدعوة التوحيدية إلى السّتر، فأصبحت دعوة مغلقة غير تبشيرية، لا تزاحم الدعوات الأخرى في تعبئة التابعين والمريدين.

ب- اعتماد التوحيد على مبدأ التخيير، باعتباره قاعدة من قواعد عدالة الحساب، أي أنّ الحجّة لا تقوم بالعدل على البرية جمعاء، إلّا بعد تطبيق مبدأ التخيير.
ولقد انبثق عن التزام التوحيد بمبدأ التخيير، مناداته بحرية الأديان، وربّما كان أوّل المنادين بهذه الحرّية، وأوّل من قاوم إجبار الناس على ولوج دين الأكثرية الأقوى، فآمن بأنّ الفكر الديني يجب أن يُعرض على الناس أوّلا، ولهم بعد ذلك اعتناقه أو رفضه مختارين، اعتمادا على القاعدة التوحيدية التالية: ليس في الدين إكراه ولا إجبار، إنّما هو عرض على الأمم واختيار.

ت- ساوى التوحيد بين جميع أتباعه، وجعل أفضلهم من ساوى نفسه بالآخرين.

ث- ساوى التوحيد بين المرأة والرجل، باعتبار النفس البشرية جوهرا، لا يجوز فيه التذكير والتأنيث، وكذلك ساوى التوحيد بين الرجل والمرأة في الحقوق الزوجية.

ج- لم يعترف التوحيد بنظام الرقّ والعبوديّة، وأمر بإلغائه، لأنّه مجاف لمبدأ التخيير والعدل.

ح- أنكر التوحيد نظام الخلافة الفاطمية الذرّي الوراثي، ومن بعده كلّ نظام وراثي، وهذا ما كرّسه الشعار التوحيدي المطروح في أوائل خطوات الدعوة نحو الكشف، وهو: يحكمنا أعلمنا. فالحكم قد نحا نحوا جديدا بالمفهوم التوحيدي، حيث أصبحت الأولوية في الحكم للشخص الأقرب من العلم والمعرفة، بعد أن كان للشخص الأقرب نسبا للإمام.

مساهمات حرة