السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, آذار 14, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الحَدّ ضرورة لازمة لكمالٍ إنسانيّ

“الحَدّ”: ضرورة لازمة لكمالٍ إنسانيّ

الفيلسوف-أرسطو-اهتم-بتفسير-ظاهرة-الوجود
الفيلسوف-أرسطو-اهتم-بتفسير-ظاهرة-الوجود

ليس “الحدُّ” (Limit) بمسألةٍ بسيطةٍ على الإطلاق. وإنَّها لَمعضِلة فكريَّة وروحيَّة (بل وجوديَّة أيضاً) أن يستغربَ المرءُ (شابّ عصريّ مثلاً)، في حال الحديث عن “لزوم الحدِّ” وأهميّته المسلكيَّة لتحقيق توازن يحملُ الشخصيَّة الإنسانيَّة فوق محمَل سويّ كفيل بمساعدتها للوصول إلى غاياتٍ نبيلةٍ لوجودها، فيردُّ متسائلاً عن “الطُّموح” و”ضرورات العصر” ومتطلّباته.
إنّها ردَّة فعل واقعيَّة تتناغمُ تماماً مع ما يسمونه “روح العصر” بصيغة بدايات الألف الثالثة، ولا تبدو نشازاً في الإيقاع المتسارع جدّاً لصورة العالم المتدفِّقة على حواسنا من دون انقطاع. المشكلة هي في العمق معرفيَّة، متعلّقة بنهج المقاربة ومدى مساعدتها إيّانا لنقترب من الحقيقة، صوناً لنا من التعثّر في درب وعِر نُخدع فيه من ذات أنفسِنا.
إنَّ استسهال مفهوم “الحدّ” من دون أدنى محاولة لفهم أبعاد مضامينه اللغويَّة والفلسفيَّة والرّوحيَّة والمسلكيَّة لهُو أمرٌ يُسهمُ إسهاماً أساسيّاً في تعميق حال “الغربة الرّوحيّة” التي هي، ويا للأسف، حالٌ سائدٌ ومقيم، بل وفعّال في مفاقمة هذه الإشكاليَّة التي لا تقلّ شأناً في مستواها عن مسألة التضادّ وآفاته المدمِّرة في سياق حياتنا المعاصرة. وقديماً، رأى كبار حكماء اليونان أنَّ في “الحدّ” كلّ خير، وفي “اللاحدِّ”
(Unlimited) منزَلقٌ إلى كلِّ شرّ.
إلامَ تنجذبُ فكرة “الطّموح” العصريّة من هذا المنظور؟ لقد تميَّز “الميْلُ الحداثيّ” – فكريّاً- بهيمنة النّزوع إلى “المزاج” بأكثر ممّا هو ارتباطٌ بعمق الفكر وتراثه المتراكم من الإرث اليوناني – على الأقل– إلى يومنا هذا. بالإجمال، تسودُ أجواءَ التفلسُف في الجامعات الكبرى في العالم اليوم نوازع شرهة إلى إهمال القول بأنَّ للإنسان “ماهيّة” أو “هويّة” روحيّة (Identity). وقد تأتّى هذا الاعتقاد نتيجة سياق طويل، زمنيّاً، استُهلّ بشكل واضح منذ “عصر النّهضة” في أوروبا، وبروز مذاهب فلسفيَّة “وضعيَّة” و”تاريخانيَّة” و”نفعيّة” توّجها نيتشه في نهايات القرن التاسع عشر برفضٍ “سوبرمانيّ” للمقاربة الأخلاقيّة الموروثة عن الأفلاطونيّة والمسيحيَّة، لصالح مفهوم “إرادة القوّة” ونبذ المثاليّة المترتّبة عن القول بماهيَّةٍ ذات جوهر معنويّ.
لقد عزا أرسطو علل وجود ما هو موجود إلى أربعة: المادّيّة والصّوَريّة والفاعلة والغائيّة، وارتبط هذا النظر بمبحث استقراء المحسوس (الطبيعي) ارتقاءً إلى المعقول و(ما بعد الطبيعي أي الميتافيزيقي). وبإستثناء التوماويّة، وهي الفلسفة التي تشبه ما فعله علم الكلام في الفلسفة الإسلاميّة، أي الدّفاع عن العقيدة الإيمانيّة بالنهج العقلاني الموروث عن اليونان ومؤثراته، فقد أهملت الفلسفة الحديثة هذه المقاربة، خصوصاً بنبذها ربط المُعطى الوجودي بعلَّةٍ غائيَّة لا يمكن التطرّق إليها في العمق إلا بالميتافيزيقا. والتوماويّة (فلسفة توما الأكويني) هي أحد الأعمدة التي تدعو إليها إحدى رسائل البابا بولس الثاني في الدعوة إلى إعادة مصالحة العقل والإيمان مجدَّداً.
طبعاً، يخدم هذا التوجُّه عقليَّة “التحرُّر” من قيود ما سمَّوه “الغيبيّات”، وكلّ حقول المعرفة التي هي خارج ما سُمِّي “العلوم البحتة أو الصلبة”. واختصاراً، أدَّى ذلك إلى “نسبيَّة” جارفة، وإلى طغيان المقاربة الاحتماليّة التي جرفت بقوَّة دلالتها المنظورة كلّ يقين قائم على “اللامنظور”. كانت النتيجة على الصّعيد الإنسانيّ هتـك مفهوم “مركزيَّة الإنسان الكونيَّة”، وبالتالي، بات الحديث عن توازن داخلي يحاكي أسرار “الكون المعقول” باللوغوس (Logos) ضرباً من ضروب نزعةٍ مثاليَّة قديمة ورجعيَّة. وكان لا بُدَّ لمفهوم “الطّموح” أو “تحقيق الذات” أن يرتدي عباءةً مذهَّبة بحيث صار مفهوماً مادّياً حالماً بثروةٍ سهلة، وموقع نافذ، وجاهٍ مشهود. وعدمت وسيلةُ الوصول لتحقيق الهدف معايير الأخلاق والفضيلة التي باتت إلى حدٍّ كبير في نظر “الطامحين” (بهذا المعنى) معوّقات شخصيّة ونفسيّة حائلة دون الفرد ومطامحه. هنا بالضبط، يصيرُ الحديثُ عن الأبعاد “النّظريّة” لمفهوم “الحدّ” وكأنّه يسير في الوجهة المعكوسةِ لمزاج الوقت. ولكن، كيف السّبيل لإهماله وهو يشكِّلُ قاعدةً ضروريّةً من قواعد “معرفة النّفس”، وبالتالي، معرفة الحقيقة؟
بالمعنى الفلسفي (بتعريف الفلسفة القديم الأصيل: محبَّة الحكمة)، فإنّ لزوم الحدّ هو الثابتُ الأساسيّ لتحقيق العدل، سواء في المستوى النّفسيّ الخاص، أو في المستوى الاجتماعيّ العام. و”الجمهوريّة”، كتاب أفلاطون الجميل، يرينا أن العدالة هي نتيجة توازن القوى في الذات لتحقيق إنسان عادل، كما هي تماماً نتيجة توازن المعطيات الاجتماعيّة لتحقيق مدينة عادلة. خارج هذا التوازن، يبدأ الانحطاط، وصولاً إلى تفشّي الفساد المسبِّب لوباء الظّلم القائد بدوره إلى خرابٍ مقيت.
إنّ أي باحث في تاريخ الفكر، لا بدّ أنه واقف على المجابهةِ الحيويّة بين سقراط وسفسطائيّي عصره. إنَّ أهمّ ما بدأ به الحكيمُ في مواجهة ألاعيب الخطاب والكلام هو الدّفع نحو “تحديد” المصطلح مدخلاً إلى حوار يُمكن الوصول به إلى مغزى ما، وإلا ينزلق الكلامُ في متاهٍ مغلوط، يذهل العقل عن حقائق الموضوع، ويوقعُ المدَّعي في أوهام المعرفة التي لا طائل منها سوى التّمويه والخداع. مذّاك، صاد “الحدُّ” نهجاً راسخاً في كلّ بحثٍ رصين. و”الحدّ” هنا هو ما أوضحه الجرجاني في “التعريفات” بقوله: “هو قولٌ دالّ على ماهيَّة الشّيء”، أي “تعريف” المصطلح كي تكون قاعدة الحوار واضحة، وهذا يدخل في المعنى العلميّ المنطقي.
أمّا في المعنى الشَّرعيّ فهو قواعد الأمر والنَّهي، وهو يقاربُ هنا المعنى اللغوي الّذي هو “المنع”، لذلك، يأتي في معنى إقامة الحدّ شرعاً ما استحقَّه المخالفُ من عقوبةٍ معنويَّة أو غيرها تأديباً للنّفس وتهذيباً لها وفق مقتضيات الأدب والصّيانة. قال تعالى في كتابه الكريم
﴿تلكَ حُدودُ الله فلا تَعتَدُوها ومَن يتَعدَّ حُدودَ الله فأولئكَ هُمُ الظّالِمُون﴾(البقرة 229).
فإذا أتى حديثُ المعنى الأخلاقي، فإنّه يتبيَّن مدى حيويَّة مفهوم “الحَدّ” وأهمّيته القصوى في صحّة المسالِك والتّصرّفات. واختصاراً، يُمكن الوقوف عند آيةٍ كريمة ومقاصدها الجليلة إذ هي موجَّهة مباشرة إلى النبيّ (ص) في أمر الله القاطع ﴿فَاستقِم كمَا أمِرت﴾(هود 112)، وجاء في تفسيرها في “روح البيان” ما يلي: “هذا أمر بالدّوام على الاستقامة، وهي لزوم المنهج المستقيم وهو المتوسِّط بين الإفراط والتَّفريط. بحيث لا يكون ميْلٌ إلى أحد الجانبيْن قيْد عرض شعرة ممّا لا يحصل إلا بالافتقار إلى الله تعالى، ونفي الحوْل والقوَّة بالكلِّيَّة” لذلك قيل: “رحمَ اللُه امرءاً عرفَ حدَّه فوقف عنده”، فساوَت الحكمةُ الثابتة بين لزوم الحدّ ورحمة الله، لأنَّه بالاستقامة يصون المرءُ نفسَه كي تتمكَّن من ارتقاء مدارج السّلوك العاقل نحو كمالها الأخصّ بها، وهذا السبيل هو أشرف الغايات الإنسانيَّة.

أناكسيمندرa
أناكسيمندرa

” اللامحدود ”
قبل أكثر من خمسة قرون من بدء التاريخ الميلادي، عاش أنكسيمندر، وكان صديقاً لطاليس، والاثنان قدَّما أفكاراً اعتُبرت خروجاً من أجواء الاعتقادات الخرافيّة (الميثولوجيّة)، وبدايةً لنمط تفكير يرنو إلى محاولات تفسير عقلانيّة للطبيعةِ واكتشاف العلل التي تحكمها، وبالتالي، فإنّ الفلسفة – بما تعنيه في الأصل اليوناني من محبّة الحكمة والمعرفة – قد وجدت سبيلها إلى العقول. وقد شهد أرسطو بأنّ طاليس، القائل بأن أصل الأشياء كلّها هو الماء، كان بمثابة مؤسِّس لهذا النوع من الفلسفة (الطبيعيَّة). وقد خالفه صديقُه أنكسيمندر الذي نقل عنه ثيوفراسطس الشذرة التالية: “إنَّ العنصر الأوَّل للأشياء هو اللانهائي، وهذه العلَّة ليست ماءً ولا شيئاً من العناصر المعروفة، بل مادّة مختلفة عنها لا نهاية لها، وعنها تنشأ جميع السموات والعالم”.
فكرة “اللانهائي” هذه (باليونانيّة Apeiron، ويمكن تفصيلها كالتالي: a – peiron وتعني لا – حدّ) اعتبرها البعضُ من أكثر الأفكار الفلسفيّة التي خضعت للنقاش ومحاولات التفسير منذ ذلك الوقت وحتّى يومنا هذا. ولا غرو في ذلك، فهي شكّلت “بداية لعمليّة التفكير المجرَّد نحو تكوين مفهوم لموجود عقلي حائز بذاته على الصّفة الجوهريَّة. تلمّس الفيلسوف عبرها، وبشكل أوّلي غامض نوعين من الوجود: الموجود الحسِّي المتغيِّر، والموجود كوحدةٍ فكريَّة لتفسير الوجود فيزيقياً وميتافيزيقياً. (د. الضاهر).
وخلُص عدد من الباحثين إلى أنّ مصطلح (Apeiron) أي “اللامحدود” أو كما تُرجمَ أيضًا “اللامُتَعيّن” هو ليس مفهوماً
(concept) بالمعنى الدّقيق لأنّه لا يشيرُ إلى أيّ شيء يمكن الإشارة إليه، ولا إلى أيّ شيء يُمكن تعريفه، ولا أيّ شيء يُمكن معارضته أو مقابلته بأيّ حقيقة أُخرى. “الأبيرون” يحيط بكلّ شيء، ولا شرط يقيّده. وهو ضروري لشرح وجود كلّ ما ندركه، ولا يمكن استيعابه بطريقة محدَّدة، ولا يمكن الإشارة إليه إلا سلباً. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11)
تناول أرسطو المسألة واضعاً إيّاها تحت مجهر التحليل المنطقي الصّارم في كتاب “الطبيعة”، مستهلاً البحث بالتساؤل الأساسي: “قد يلزم مَن جعل نظره في أمر الطّبيعة أن ينظر في “لا نهاية”: هل هو موجود، أو لا؟ وإن كان موجوداً، فما هو؟” (Physics, B. IV, 208a, 27. Hussey). وبعد أن حاصر السؤال بمقدّمات عقليّة، اعتبر أنّ هذا الموضوع يدخل في نطاق “مواضع الشّك”، حيث أنّ نفيه يسبِّب أموراً من المحال التسليم بها، وإثباته يطرح إشكاليّات في مقاربة صفات وجوده في غاية الصّعوبة.
طبعاً، القضيَّة هي من المواضيع الشائكة في الفلسفة، ويتطلّب بحثها عرضاً مسهباً. المهمّ، أن أرسطو يثبت مدخلاً مُهمّاً يُمكن اعتباره “حدّاً” يسهِّل المقاربة في سبُل واضحة. يقول في استنتاج لافت، من دون وضع نقطة نهائية للبحث، ما يلي: “ظاهرٌ أنّ “لا نهاية” (اللامحدود) بمنزلة هيولى، وأنَّ ماهيّـته عدم، وأنَّ الموضوع بذاته هو المتَّصل المحسوس. وقد نجد سائر من تكلَّم في “لا نهاية” إنّما يستعملونه جميعاً بمنزلة الهيولى، ولذلك قد يقبح أن نجعل منه محيطاً لا مُحاطاً به” .
إذاً، وجد أرسطو أنّه من غير المستحب الظّنّ بأن “اللامحدود
Unlimited” هو من دون إحاطة، طبعاً في مبحث الطبيعة كما تبيّن. وسوف “يطوِّق” هذه الفجوة الفكريَّة لاحقاً بعلَّةٍ في الوجود عاقلة، هي بمثابة علَّة أولى. ومن السُّهولة بمكان أن تُفهم هذه العلَّة بأنَّها “حَدٌّ” لا بدّ منه لكي يتبدَّى الوجود في نظامه البديع. وهنا عودٌ على بدء للوقوف على الأهميَّة القصوى، بل الضروريَّة، لمفهوم الحدّ.

مساهمات حرة

المحبة وأعداؤها

بسم الله الرحمن الرحيم الذي هو المحبة وبالمحبة أوجدنا، وبالمحبة يرعانا، وبالمحبة أوصانا، وبالمحبة أرسل كبشه ليفدي اسماعيل، فأصبح للبشرية بذلك عيد للتضحية، هو في الحقيقة عيد للمحبة المطلقة للرب إلى حد التضحية بالنفس بكل طيبة خاطر في سبيل طاعته.
أين نحن من المحبة؟ وكيف يمكن أن نعيشها في زمن غلبت فيه مشاعر السلبية والتنابذ على علاقات الناس وهيمنت روح الفرد والأنانية؟ لا سبيل لنا في ضوء كل ما نعانيه إلا غسل القلوب من كل ما هو ليس محبة لتبقى المحبة صافية وتصبح ايامنا كلها أعياداً. لكن من أجل أن نحيا بالمحبة لا بد لنا أولاً من أن نتنبه إلى أعدائها وأن نتغلب عليهم.
وأعداء المحبة كثر، وأولهم الغضب فهو يعمي البصيرة ويشل التفكير وقد يؤدي إلى ارتكاب الحماقات، وهذه تزيل احترام الإنسان للإنسان وتخرج المحبة من القلوب.
ومن أعداء المحبة الحسد الذي هو اعتراض على حكمة الرزاق في توزيع الأرزاق، والحسد جهالة محض لأنه لا يغيّر من أمر الله شيئاً بل يؤذي صاحبه. على العكس من ذلك، إذا صفيت المحبة فرحنا بما اعطى الله لغيرنا كما لو اعطي لنا فنكون بذلك شركاء في سعادة الآخرين دونما حاجة لأن يكون لنا ما لهم.
ومن أعداء المحبة الحقد، وهو الأصعب غسله لأنه يعلق بالنفوس ويحجر العقول، فيلزمنا الكثير من الجهد والتعب حتى لا يقضي علينا، ويسرق منا العمر، ونحن خائضون في أوحال الكره وأسرى سجن الكراهية.
هذه الثلاثة (الغضب والحسد والحقد) خصال ضدِّية لها فروع كثيرة لو أتينا على ذكرها لطال بنا الشرح، ولكن علاجها يكون بسلوك طريق القرب من الله تعالى، فنرى بنوره وتتوسع مداركنا فتنكشف لنا حقائق كانت امام أعيننا، لكن لم نكن نراها، كما تأتينا من دون جهد حلول كنّا نجد صعوبة في تصورها بسبب الوهم وغشاوة نفوسنا.
الكل بالطبع يدعو إلى المحبة، لكن هذه صارت في الحقيقة نفاقاً وشعاراً أجوف، وبدلاً” من المحبة العاقلة في الله وهي محبة مانحة للنور، سقطنا في مزالق الشهوات وظلماتها فأصبحت المحبة في الحقيقة سباحة في الوهم ونزوعاً لأسر الآخر أو صفقة كأي صفقة تجارية.
محبتنا جوفاء فارغة، لأنني قد أحب فلاناً لكني لا أصدقه القول، وأتحدث بالخير لكني لا أتصدق من مالي لكي أغيث ملهوفاً أو أمسح دمعة فقير أو محزون، وأحب زوجتي ولكني لا التزم الوفاء لها، وأحب أهلي ولا أطيعهم، وأحب اصدقائي وأغدر بهم، وأحب حسن المعاملة ولكن لا أدفع حقوق الناس، وأحب الاخلاص في العمل ولكن لا أخلص في عملي، وأحب الله وأعصي اوامره.
فصح فينا قول عبدالله ابن المبارك:
تعصي اله وانت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لاطعته ان المحب لمن يحب مطيـــــــع
لنرجع الى عقولنا، فالعقل هو الذي ميّزنا عن الحيوان ومن دونه نصبح أدنى من الحيوان.
المحبة الحقيقية هي نظام، هي أن تعمل بالعقل لا بالعاطفة، هي أن تربي ولدك على الفضيلة لا على أهواء النفوس وشهواتها، هي أن تربي ولدك على الحلال والا فأنت لا تحبه مهما قلت وغاليت، وهو لن يحبك مستقبلاً، ولن يكون باراً بك، وهذا سر الجفوة بين الاهل وابنائهم، حيث تكون عقوبة الاهل عقوق اولادهم لهم.
نذهب الى الصائغ لشراء الذهب، ولا نرضى إلا بالصافي، واذا غشنا شكيناه في المحاكم، لكننا نرضى أن نغش المحبة بالضغينة والكره والحقد والحسد، مع أنها اساس هذا الوجود، فكيف يستقيم بناء وجودنا اذا غششنا في الأسس.
كميل بو غانم -ابو ظبي

سيدتي الأميرة مي جنبلاط
أميرتي.. يا نجمة تلألأت في سماء لبنان الحبيب، هنيئاً لك مقامك الكبير- في حياتك كما في مماتك – فالتكريم الذي جاءك من البشر يوم رحيلك جاءك من قبل من علٍ من الله عز وجل..
يا غصناً في هذه الدوحة الأرسلانية العريقة التي أدت الدور البارز خلال مئات السنين، إبنة الأمير شكيب أرسلان الذي ملأ الدنيا وشغل الناس..السياسي العربي، والنهضوي بامتياز، وهو الذي ترك لنا آثاراً عظيمة يجب علينا أن ننهل منها.
انتقلت يا أميرتي الى الدوحة الجنبلاطية الوارفة. زوجة للكمال، ذاك العبقري المتربع على عرش التقوى والإيمان والحكمة والسمو حتى الشهادة، ووالدة مقربة وناصحة للوليد المنقذ الذي أكمل المسيرة وسطر على دربها البطولات والمآثر التي ستبقى فخراً للأجيال.
كان الكمال، الذي منحته حبك، سنديانة ضاربة جذورها في عمق أعماق لبنان، وقد أعطاه الله ما لم يعطِه لغيره، إرثاً وتراثاً.. وعقلاً ومعرفة وحكمة فبايعه الناس زعيماً ومعلماً وقدوة، وقد عرف العالم كله فضله ومكانته، وبسبب عظمته فقد عرف هذا العالم أيضاً الموحدين الدروز وتراثهم وتاريخهم الحافل بالبطولات والقيم الروحانية والرجولة.
هنيئاً لكِ جنة الخلد يا أميرتي الغالية، وأنني أختم، بما قاله الشهيد كمال جنبلاط يوم مأتم والدته سيدة قصر المختارة، حين قال: “السماء تبكي والناس من حولي يبكون، أما أنا فأفهم حقيقة الموت، الحقيقة التي تقربنا الى خالقنا، فلا اعتراض على حكمه ولا رادّ لقضائه، بل إقرار بوحدانيته”.. والتوسّل إليه أن يقدرنا على واجب الوفاء لأميرة الوفاء وقد أردناها وفاءً لعهد وولاء لبطل، البطل الوليد أمير الرجولة والشهامة والكفاح الوطني والعربي.
طيّب الله ثراك أميرتي بالمسك والعنبر..

د. مفيدة عابد

سقراط: المعلم العظيم
لا مراجع تفيدنا عن حياة سقراط أفضل ممّا جاءنا عن طريق تلميذه النجيب إفلاطون؛ الذي كتب عنه في محاوراته، فنحن مدينون له بمعظم ما نعرفه عن سقراط، ذلك المعلّم الكبير الذي اعتبر أنّ قيمة الإنسان هي في القدر الذي يحصله من المعرفة، وليس في ما يجمعه من المال أو يحققه من الجاه لأنّ المعرفة هي ما يعطي الإنسان قيمته الإنسانية ويقربه من الله، أو كما جاء في الحديث الشريف: “من عرف نفسه فقد عرف ربه”
حكمة…بالمجان
اعتبر سقراط التربية وسيلة لنشر الفضيلة، ولمّا أراد منه بعض أثرياء مدينة أثينا، التي كانت آنذاك مدينة مزدهرة لإمبراطورية بحرية كبرى، تعليم أولادهم جرياً على عادة ذلك العصر، فإنه رفض عرضهم رغم أنه عاش حياته فقيراً. لكنه في المقابل كان يبذل جهده في نشر المعرفة بين الناس الذين كان يرى فيهم الإخلاص والرغبة الصادقة بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية.
ولأنّه كان مولَعاً بحب الحكمة ويرفض ربط تعليمها بالمال، فقد ابتكر أسلوباً فريداً في عصره، إذ كان ينزل إلى سوق أثينا، ويرتاد المجتمعات العامة ليناقش ويتحدّث بحرّية وجرأة إلى كل من يأنس منه ميلاً إلى الحوار والنقاش. وهكذا، فإن نشاطه التعليمي لم يكن يرتبط بمكان أو بنظام معيّن.
عندما نقرأ سقراط نجد أنّه يربط بين التربية والفضيلة ربطاً عضويّاً، إذ يركّز في تعاليمه على أهمّية تعلّم الفضيلة عندما تكون منظومة من القيم لها هدف وغاية. فهو يريد تعلّم الفضيلة التي يراها من حيث جوهرها تشكّل الغنى الحقيقي للنفس الإنسانيّة، كما يعتبر أنّ التربية تمثّل علاج النفس الأكثر فعالية، وأنّه لا يصح أمر التربية إذا تسلّمتها الأيدي الغريبة الخالية من الضمانات الأخلاقيّة. ولم يكن سقراط طبيباً بالمعنى المتعارف عليه في عصرنا هذا، ولكنه اعتُبر طبيباً للنفس الإنسانية، وذلك لأنه تناول المعرفة من حيث هي غذاء النفس، وبها تستطيع أن تميّز ما هو خير، وما هو شر. وبهذا المعنى، فإن العلم الحق عنده هو علم الخير، ذلك لأنّه ينير العقول ويحفّزها على الفاعليّة، ويصهر ويطهّر القلوب، وعلى كل إنسان أن يتطلع إلى تحصيل العلم الحق الذي يقربه من حقيقة نفسه والوجود وليس العلوم السطحية.
شجاعته في الحق
انتقد سقراط الديمقراطية، ذلك لأنه رأى فيها مدرسة للديماغوجية والتلاعب بعواطف وأفكار الناس، وكان لأفكاره وقع وتأثير، أشعر أصحاب النفوذ في زمانه بالخطر فتألبوا عليه ولفقوا له تهمة “إفساد الشباب” والتجديف على المعتقدات الأثنية (الوثنية)، وقدم سقراط إلى محاكمة مدبرة بدا فيها واضحاً أن الحكم اتخذ قبل المرافعات، ورغم أنه دافع عن موقفه بجرأة إلا أنه بعد أن حكم بالإعدام ترك له المجال ليتقدّم بـ “طلب استرحام” كان يمكن أن يرفع عنه سيف الإعدام. لكن رفض ذلك العرض الماكر الذي أراد إظهاره بمظهر الجبن، وبالتالي تسويد صورته في نظر مريديه ومحبيه، كما رفض سقراط عروض محبيه بتدبير فراره من السجن ساخراً من اهتمامهم بسلامته مستهزئاً بفكرة الموت.
سلّم الفضائل السقراطية
أعلى الفضائل في السلّم القِيَمي عند سقراط هي فضيلة المعرفة، ومع أنّه لم يضع للقيم سلّماً متدرّجاً، فإنه رأى في العمل فضيلة تَلي فضيلة المعرفة، إذ أن العمل يصون كرامة الإنسان كما أنه أحد مسالك تحصيل المعرفة وتأمل الحياة. أما الفضيلة التي تتلو العمل عند سقراط فهي فضيلة القناعة لأنها تحمي الإنسان من الجشع، وتساعده في كبح جماح شهواته، وهي بالتالي سبيل التحرر من النفس الضدية وشغل العقل بالبحث عن الحقيقة. واعتبر سقراط الصداقة من أهم الفضائل لأن الصديق المخلص يهتم بصديقه كاهتمامه بنفسه. وبما أن كافّة الفضائل السقراطية تتأتّى من العقل، فقد اعتبر سقراط العقل مصدر الحقائق كلها.
المعرفة أساس الحكمة والأخلاق
اعتبر سقراط أن معرفة النفس والتصرّف الحكيم يصلان بصاحبهما إلى سبيل السعادة، تلك السعادة التي لا تأتي إلى الإنسان بالصدفة، أو بضربة حظ، بل يكون مصدرها المعرفة والتعلم على يد معلم، وهذا المبدأ طبقه سقراط عندما تفرغ بكليته لتهذيب أخلاق ونفوس الشباب في عصره، وقد أهمل في سبيل هذه الغاية حياته الخاصة، بل أن المعلم العظيم لم يتردد في تقديم حياته دفاعاً عن حقه في تعليم أجيال أثينا، وفي ذلك الموقف الخالد قدّم سقراط أسمى مثال على الشجاعة والتسليم والتضحية في سبيل الحق.

إبراهيم العاقل

المعلم الذي أفتقده
من يزور لبنان لا بد له من زيارة قلعة بعلبك ومشاهدة أعمدتها الستة، ومن يزور لبنان لا بد له من زيارة قصر المختارة ومشاهدة كمال جنبلاط العامود السابع. هذا الكلام للصحافي الراحل ميشال ابو جودة من مقطوعته اليومية من حقيبة النهار سنة 1974. لم يكن كلام الراحل ابو جودة على سبيل المجاملة أو كلاماً عاطفياً، لأنه من المعروف عنه أنه كان يتصف بالموضوعية، بل قد يكون المقصود منه أن تعاليم المعلم كمال بك سوف تجد من يقرأها ويعمل بها طوال قرون من الزمن، كما هي أعمدة بعلبك منتصبة لمدة تزيد على عشرين قرناً.
وبالفعل أن محبي كمال جنبلاط هم قرّاؤه، فلقد كان كل من حلفائه أو خصومه ينحني لكتاباته بكل احترام.
فقد قال المعلم: كل القوة والعظمة تنبع من عدم الخوف ليكن عندك الايمان الذي لا يتزعزع في نفسك عندها كل الأشياء الايجابية والنبيلة ستأتي اليك ما من أحد يمكنه أن يرعبك أو يزيحك عن درب رحلتك.
ومما كتب عنه الصحافي الهندي رافي ناير: نادرة هي النفوس التي يشعر الحاضرون حولها بومضات البركة والنعمة والأطمئنان. كمال بك بايماءاته وسلوكه وفصاحته المحببة والبيئة العفوية من السعادة التي كان ينشرها حوله تعطي اشارات النفس التي تتقمصها البركة، فالمحظوظون كفاية هم الذين أتيحت لهم رؤيته شخصياً أو سماعه والاستمتاع بتلك الفوائد. فكلام الصحافي ناير يتطابق مع قول الفيلسوف الاغريقي فيتاغوروس: ليس لله تعالى في الأرض موضع اولى به من النفس الطاهرة.
كم أحببت لو كنت معاصراً للمعلم لأستمتع بمجالسته أو أتنور بكلامه، فما عرفته عنه أنه كان قائداً متواضعاً وعاملاً متعالياً أسس حزبه يوم عيد العمال، فكان العمل من مقدساته، والعمّال هم اصحاب المنازل العالية بنظره. تكلم بإسمهم – الفقراء والمشردون سوف يحررون العالم – لم أكن من المحظوظين كفاية لأتعلم اكثر، فلقد كان رحمه الله يعلم من أين تبدأ النقطة على قوس الدائرة، والى حيث تنتهي.
العقيد المتقاعد طالب عرنوس

العرس بين الأمس واليوم
خلال مئات السنين، كان العرس الدرزي، من أروع احتفالات الزواج في العالم. فقد كان يجمع كافة أبناء المجتمع، الرجال على حدة، والنساء على حدة، وكانت تقام به أجمل العادات، وألذ وأطيب المعاملات، من حيث صيانة الكرامة والشرف والفضائل. وفي الوقت نفسه، كانت تبرز في العرس التقليدي، المشاركة الحقيقية في الفرح، والنخوة، والكرم، وعندما كنتَ تقترب من بيت فيه عرس، كنت تشعر بالفرح والبهجة إذ ترى الموائد والكراسي تملأ الساحة وأهازيج النساء ودبكاتهن الشعبية البريئة تصدح في الفضاء. وفي مكان قريب، كان الشباب مجتمعين على الدبكات الحماسية والسحجات على وقع الشبابة والمزمار، وكان شيوخ وأعيان المجتمع، يتصدّرون المحتفلين، فكان أعيان القوم يدعون الى الغداء، ويذهبون في مقدمة وفد أهل العريس، يطلبون الإذن من والد العروس، أن يسمح بانتقالها إلى بيتها الجديد، ولم ينقص من هذا الجو أن العريسين، كانا أحياناً، يسكنان في غرفة صغيرة في بيت والد العريس، وقد مرّت ظروف، كان العريسان الجديدان يحصلان على زاوية في باحة البيت، وراء خزانة تستر مبيتهما.
أما اليوم، فقد أنعم الله علينا، والحمد لله، بالخيرات، وأصبح بإمكان كل إنسان أن يقوم بسائر المراسيم والواجبات والمتطلبات مثل أي إنسان آخر. ونحن نقول، كل من يستطيع إلى ذلك سبيلاً فليهنأ ولينعم الله عليه من خيراته، وليمتلئ بيته بالأولاد والمباهج والسرور. لكن هذه أعراس اليوم أصبحت تقليعة، أو موضة “إلزامية” أصبح على كل إنسان أن يتقيد بها. وفي السابق كان صاحب القليل مقتنعاً بما لديه شاكراً الله تعالى على ما أنعم به عليه، أما اليوم، وبسبب توفر القروض والبنوك والإمكانيات، فإن الكثيرين لم يعودوا يقتنعون بما عندهم، وقد بات في مقدورهم الحصول على قروض مصرفية أو ربوية أحياناً من أجل ترتيب عرس يفوق إمكاناتهم كل ذلك على سبيل التقليد والمباهاة الفارغة، لكن المشكلة تكمن، ليس في الحصول على الأموال، بل في تسديد تلك الأموال. ومن له اطلاع على البنوك والمحاكم ودائرة الحجز، يرى العشرات من الذين كانوا مبتهجين بعرسهم الفخم، ملاحقين من المصارف ومن المحاكم بعد أن عجزوا عن سد ديونهم. وقد “راحت السكرة وجاءت الفكرة” كما يقال. بل أن تزايد ظاهرة الطلاق قد تكون أحد أسبابها مشاكل ما بعد العرس، ويقول المثل “القلة تولد النقار”.
كان العرس في الماضي حدثاً بهيجاً واحداً يستغرق نهار القرية ويجمعها. أما اليوم، فقد تحوّل إلى مسلسل أعراس أو قل مسلسل احتفالات مكلفة. فهناك حفلة والد العريس، وحفلة والد العروس، وزفة العريس، وسهرة العروس، ومنتزه لأصحاب العريسين. وقد انتقل قسم من العبء إلى الناس الذين بات عليهم تقديم المساعدة في حساب مصرفي يفتحه العروسان أو شراء الهدايا السخية لهما. وهناك مئات وآلاف الموظفين والأجراء الذين باتوا يتضايقون يئنّون من الأعراس بسبب ما تحمله لهم من أعباء.
المهم أن كل هذه المصاريف والتكاليف لا تنتهي في جيب العروسين أو تساعدهما لأن كل مزاريب العرس تصب في جيوب أصحاب المصالح المسماة بصناعة الأعراس، والتي تضم المقاولين، وأصحاب محلات الأثاث، والمزينين والمزينات، وأصحاب حوانيت ملابس الأعراس، وفرق “الزفّة”، وباعة المفرقعات والألعاب النارية، ومهندسي الموسيقى والإضاءة وسيارات الزفاف، وغيرهم كثر .. فهنيئاً لكل هؤلاء.
قد يسأل أحدهم، وماذا تريد ؟! وسأجيب: لنعد إلى التقاليد السليمة ونجعل من عرسنا احتفالات بيتية صغيرة، ومن أراد أن يزيد على ذلك فليكن ذلك ضمن ما يناسب طاقته وقدرته المالية. لكن علينا، ألاّ نحوّل هذه الأمور إلى فرض اجتماعي ولنوجه إمكانات العروسين وأهلهما لبناء بيت الزوجية والإعداد لاستقبال الأولاد والقيام بأودهم ونفقات تنشئتهم وتعليمهم وغير ذلك. ولا أهمية في الحقيقة لأي عرس لكونه كبيراً أو مكلفاً، بل الأهمية هي لما يجري بعد العرس من تفاهم وانسجام وتوافق وتعاون وحياة مشتركة.
سميح ناطور – فلسطين

هاتوا القَلَم

خلّـــو القلم يحكي وبلا الخنجـر الخنجر كلامو مغمّس بأحمـــــــــــر
أما القلم رمـــز الأدب والفـــــــــن بيخلـــق مدينـــه ثوبها أخضـــــــــــــر
خلّو القلم يحكيلنـــا حكايــــــــــات عن وطـــن مخضـــــرّ وجنّــــــــــــــات
عن مدينــــــــــــــــه فاضله وآيــــات عن كـــون بالأخـــلاق يتـــــــــــــــــزيّن

خلّو القلـم يبقى بديل رصـــــاص عمينتقـــــم.عميحصد بهالنــــاس
أمّا القلــــم للمعــــرفه نبــــــــراس بيخلـــق وطـــن بالعـــدل يتعمـــــــــــّر
خلّو القلم يكتب قصص أخـلاق عن محبّـــه عن عقــــل خــــــــــــــلاق
حتى القلــب للمكرمــه يشتــــــــاق ومن عقــدة الأحقـــــاد يتحــــــــــــرّر

خلّو القلم يحكيلــنا عن عصـــــر يوم العـــدل للنـــاس يعقد نصـــــــر
ولمّا يصير الكوخ خيّ القصـــــــر بنحسّ يومهــــا العالـــم تحضّــــــــر
انشالله القلم يحكي.وبلا مدفـع يقصــف.يدمّر معمــل ومصـنــــــع
والقلــــــــــــم للمعــــــرفة مرجــــــــع بيفتـــح طريق النـــور للإنســــــــــان

يحيا القلـــم وليســقط الخنجر

أمين محمود حسن

المعهــد الجامعـي فـي عبيـه ينطلق بأربعة اختصاصات هندسية وتكنولوجية

عبيه – الضحى

عد انتظار طويل أصبح لطلاب منطقة عاليه وجوارها معهد جامعي عالي بأرفع المواصفات يعطي الإجازة في فروع هندسة وتكنولوجية عدة بتكلفة بسيطة ويدير أعماله بالتعاون مع مؤسسة الحريري والسفارة الفرنسية.
المعهد الجامعي الجديد جاء نتيجة لترميم وتحديث وتجهيز شامل لما كان يعرف سابقا باسم الكلية الداوودية في عبيه والتي تحولت الآن إلى معهد جامعي عالي يعطي إجازته العلمية في أربعة اختصاصات أساسية هي الهندسة المدنية، والهندسة الصناعية، وهندسة شبكات المعلومات والاتصالات والمعلومات التطبيقية لإدارة الأعمال.
وتستهدف هذه الاختصاصات التي يتم توفيرها بالتعاون بين الجامعة اللبنانية ومؤسسة الحريري والحكومة الفرنسية تهيئة الطلاب لشغل وظائف تغطي الحاجات المتزايدة في مجال التكنولوجيا لدى العديد من المؤسسات والشركات والصناعات. وتستغرق الدراسة في هذه الاختصاصات ثلاث سنوات يحصل الطالب بعدها على دبلوم جامعي يصدر عن الجامعة اللبنانية ويعادل إجازة جامعية للتكنولوجيا بناءً على القرار 230/77 الصادر عن وزارة الثقافة والتعليم العالي.
ويعتبر إنجاز ترميم دار الحكمة من أهم منجزات لجنة الأوقاف نظراً للقيمة التاريخية لهذا الصرح التعليمي الذي شُيّد من عائدات وقف الشيخ أحمد أمين الدين في بلدات عبيه، كفرمتى وبيصور عام 1862 بدعم من المتصرف دوواد باشا. وبدأت “الداوودية” كمدرسة ابتدائية بمساحة 1300متر مربع لتعليم أبناء الموحدين الدروز، لكنها توقفت قسراً عن رسالتها التعليمية بسبب الحرب العالمية الأولى وأعيد افتتاحها في العام 1925 بعهدة المربي سامي سليم، ثم أضيف إلى بنائها ضعفي البناء المصلح الاجتماعي بعناية السيد عارف النكدي الذي استلم إدارة الأوقاف عام 1930 لتصبح الكلية ثانوية مساحتها 4000 متر مربع بفرعيها الداخلي والخارجي وبقسميها الفرنسي والإنكليزي.
يذكر أن المدرسة شهدت تألقاً علمياً بالتعاون مع الأزهر الشريف ورعاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وما لبث أن تغير اسمها من «الكلية الداوودية» إلى «دار الحكمة» في مئويتها الأولى عام 1962تيمناً بدار الحكمة في القاهرة، إلا أن ظروف الحرب الأهلية عادت وأقفلت أبوابها عام 1978 بعد أن تعرض مبناها لأضرار جسيمة.
وكان قرار ترميم الكلية وتحويلها إلى صرح علمي يفيد أبناء منطقة عاليه والقرى المجاورة أحد أول الخطوات التي اتخذتها لجنة الأوقاف في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز وتم إنجاز أعمال الترميم بتكلفة ناهزت الـ 966 مليون ليرة لبنانية (نحو 645 مليون دولار). وتأجير المدرسة للجامعة اللبنانية في نيسان 2009 ببدل إيجار سنوي قدره 275,000,000 ليرة. كما تم تدشين المعهد الجامعي في السادس عشر من أيار 2009 ليتم بعدها، وبناءً لطلب من المجلس المذهبي استصدار مرسوم من مجلس الوزراء يقضي بتحويل الكلية إلى معهد جامعي تكنولوجي يتبع للجامعة اللبنانية في الاختصاصات الأربع المشار إليها، وهذا مع العلم أن إدارة المعهد تعد لإدخال اختصاصات علمية جديدة في المستقبل بعد استكمال دراسة الحاجات لدى الطلاب وسوق العمل.
وتكمن الأهمية الإضافية للمعهد الجامعي في دار الحكمة في كونه يوفر فرص التخصص في مجالات التكنولوجيا والهندسة وفق ارفع المستويات العلمية بتكلفة محدودة لا تتعدى كلفة التسجيل في الجامعة اللبنانية.

نـداء الــروح فــي عالــم صاخــب

في ظلِّ الفراغ الروحي المتعاظم أو الآخذ بظاهر الدِّين من دون لبِّه وجوهره الحقيقي، لا بُدَّ لـ “مجلة الضُحى” من لعب دور أساسي في ثقافة التوحيد ومناقبه وآدابه. وكم من الناس أصبح الدِّين عندهم تعلّقاً بالأماني وجموداً في الفِكر وتقصيراً في السعي؛ وما الفراغُ الذي نعيشه اليوم إلاَّ نتيجة لابتعادنا عن ينابيع التوحيد وتقصيرنا في العمل بالآية الكريمة: “وقُل ربِّي زدني عِلماً”. ولا بُدَّ لذلك من العمل على تعريف الموحِّدين بكنوزِ الإيمان والاختبار الرُّوحي الكوني والتحقّق. هذه الكنوز الذي وصلتنا من كلِّ صوبٍ، وتؤكِّد لنا كلَّ يوم أنَّ اختبار التوحيد شامل لجميع البشر، وأنَّ الله تعالى لم ينسَ من فضل هديه ونِعَمه الرُّوحية حضارة أو شعباً، ولا بُدَّ لنا بالتالي من التطلُّع بقلوبٍ مفتوحة إلى منابع التوحيد وقيمه ومسالكه، خصوصاً في محيطنا والتراث الهائل لشركائنا في الإيمان والإسلام.
إنَّها الرسالة المستمرِّة منذ أن وُجِدَ البشر. إنَّها رسالة الموحِّدين السابقين في كلِّ زمان، رسالة فيثاغوروس وسقراط وأفلاطون ورسالة هرمس الهرامسة وشعيب التوراة ويسوع الحقّ وحوارييه والإسلام الحنيف وكتاب الله المعجز والرسول الكريم وسيرته والصحابة الكرام وشمائلهم والأركان وشمس سلمان الفارسي التي لا تغيب، إلى عصر النور والحياة. وهو الدور الفاطمي والقاهرة المعزية، ونجومها الزاهرة، ودار الحِكمة، والمليون مُجلَّد في ذاك الزمان، واكتمال بدر التوحيد ورسالته الخالدة.
هؤلاء هم الموحِّدون الدروز، المسلمون المؤمنون، وهذا هو تراثهم، فأين نحن اليوم من هذا التراث؟ وهل يمكن لمن هم من أشرف الخلق أن يسيروا في هذه الحياة على غير هُدى، غير مُدركين لحقيقتهم وللرسالة التي كُلِّفوا بها، بل شرفوا بها وبحملها؟ وما الذي يعرفه موحِّدو هذه الفترة الصعبة من أسرار وحقيقة مسلك التوحيد الذي كان في أصل وجودنا وتقاليدنا، كما كان دوماً ميزان أعمالنا والقوَّة الدَّافعة عند المُلمَّات في صراعنا. وكم ناضل السابقون مِنَّا وكم من الأثمان الغالية دفعوا حفظاً لهذه الكنوز ولهذا المسلك الشريف والسامي في الحياة؟
إنَّه التوحيد، الذي استعصى سرَّه على أعظم العقول وفق قول أحد الحُكماء:

“إذا تناهــَــــــــــــــت عقــــــــــولُ العُقـــــــــــــــــلاء فـــــــــــــي التوحيــــــــــدِ، تناهَــــــــــت إلــــــــــى الحيــــــــــرةِ”

أو كقول أحد حُكماء المسلك، بأنَّ التوحيد إسقاطُ ألياءات، أيّ لا تقول لي، وبي ومني وإليَّ، بل جاهد لمحو الثُنائيَّة حتَّى لا يبقى إلاَّ الواحد. والغائصُ في بحار التوحيد لا يزداد على مرِّ الأوقاتِ إلاَّ عطشاً. وهل أجمل من وصف البسطامي حالةَ القلق والعطش والفناء عن الذَّات، والاحتراق في لهب المحبَّة والوَجدِ حيث يقول :
عجبـــــــتُ لِمـــــــن يقـــــــولُ ذكـــــــرتُ إلفـــــــي وهــَـــــل أَنسَـــــــى فأذكُـــــــر مـــــــا نسيـــــــتُ
أمـــــــوتُ إذا ذكـــــــرتــُكَ ثُـــــــــــــمَّ أحيَــــــــــــا فكـــــــم أحيـــَــــا عليـــــــكَ وكـــــــم أمــــــــوتُ
شربـــــــتُ الحُـــــــبَّ كأســــــــاً بعــــد كــــــــأسِ فمـــــــا نَفَـــــــدَ الشـــــــرابُ ومـــــــا رويـــــــتُ

“إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأنَّ لهم الجنَّة”؛ والجنَّةُ في حقيقتها تتجاوز أنهار اللبن والعسل الرمزيَّة إلى تجلِّي الحقيقة في نفوس المُستعلين والمُتطهِّرين، في رحابِ الدعوة الإلهية الهادية المهدية. وقد قال فيهم جعفر بن محمد:
“إنَّمــــــــــا المؤمنــــــــــون أُخــــــــــوةٌ أبوهـُـــــــــمُ النُّـــــــــورُ أيّ العقـــــــــل وأُمُّهـــــم الرَّحمـــــة أيّ النَـــفس”

هذه لمحاتٌ في معنى التوحيد نرجو أن نُقدِّمها في هذا الباب إلى السَّالكين والشباب، وهذا الجيل الجديد الذي انجذب معظمه، ويا للأسف، إلى كلِّ ماديٍّ محسوس، والسعيد من جعل الحِكمَة إلى قلبهِ مسكناً، وجعل طلبها عنده أزكى مغنماً، فيغمر ذاته الشريفة عندها شعور الغبطة الناجم عن معرفة النَفْسِ، ومن عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه.
عليـــــــكَ بالنَّـــــــفْسِ تستكمِــــــل فضـــــــائِلها فأنـــــــت بالنفـــــــس لا بالجســـــــم إنســـان

أو كقول جلال الدِّين الرُّومي :
وتزعـَــــــم أنَّـــــــــــــكَ جُـــــــــرمٌ صغيــــــــــــــــــرٌ وفيــــــــــــكَ انطَـــــــوَى العالـــــــــمُ الأكبـــــــــرُ

أو كصرخة الحلاَّج في معراج شهادته وأمام مرآة كينونته الإلهية:
وأيُّ الأرضِ تَخْــــــــــــلُو مِنْــــــــــــكَ حتَّــــــــــــــى تعالـــــــوا يطلبونــــَــــــكَ فــــــي السَّـمـــــــــــــاءِ
تراهُـــــــــــــم ينظــــــرُونَ إليـــــــكَ جَهْـــــــــــــراً وهــُــــم لا يُبصِــــــرُونَـكَ مِــــــــن عمـــــــــــــاءِ
وختــاماً،
إنَّه نداءٌ من القلب لتعودوا إلى الينابيع، إلى مصادر الحِكمة، إلى رسائل العقل وتقبُّل النَفْسِ وانبثاق الكلمة، إلى حيث اليقظة والصحائف البيض وتجدُّد الحياة، بنعمةِ العقيدة الشريفة لمُستحقيها. فعلى من اصطفاه المَولَى بشيراً ونذيراً وهادياً ورسولاً، وعلى إخوانه الأطهار الأخيار ألف صلاةٍ وسلام، وإلى كلِّ العارفين والمُريدين والعاملين تحيَّة التوحيد.

مساهمات حرة