شدّد مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد على أننا، وإن كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليمية والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهلي والوحدة الوطنية، ولتعزيز مفهوم المواطنة بالتوازي مع التمسك بالمبادئ الأساسية التي قام عليها لبنان، وهي: التنوع، وحرية التفكير، وحرية التعبير، وحرية الإبداع.فقد رعى الدكتور الصمد باسم وزارة الثقافة لقاءً بدعوة من الرابطة الثقافية وكلية الآداب في جامعة الجنان والندوة الشمالية ومركز صلاح الدين للثقافة والإنماء ودار المحجة البيضاء وجمعية الوفاق الثقافية، لعرض ومناقشة موسوعة «وطن الفتن والمحن: لبنان بين ألم التاريخ وأمل الغد» للدكتور حسن قبيسي، الذي أقيم في قاعة مؤتمرات الرابطة الثقافية في طرابلس.ألقت فرح صفوح يكان كلمةً نوّهت فيها بالكتاب والمشاركين، ثم ألقت قصيدةً تناولت فيها المؤلف وقيمه الأدبية، كما أشارت إلى الكتاب قيمةً ومضموناً، وعرضت لمؤلفات الدكتور حسن، مؤكدة رعاية وزارة الثقافة للمناسبة والكتاب، ومشيرةً إلى حرص المدير العام الصمد الدائم المتعدد الجوانب.
وممّا جاء في كلمة مدير عام الثقافة الدكتور علي الصمد: نلتقي لنناقش كتاب موسوعة للدكتور (حسن محمود قبيسي)، يتصدّى لدراسة المقوّمات التاريخية والجغرافية للبنان، بالإضافة إلى خصائصه الديموغرافية، وإلى سائر الموضوعات المتصلة بالفكر السياسي والعلاقات الدولية.
وبما أنه بات معلوماً أن عدداً لا بأس به من الباحثين والمفكّرين قدّموا مساهمات في هذا الكتاب، فإنني – من ناحيتي – سأتوقّف عند سؤال ما انفكّ يشغلني، ويندرج بشكل مباشر أو غير مباشر ضمن موضوعات الكتاب، ألا وهو: لماذا منذ نشأة لبنان ما زالت تتكرّر حروب ونزاعات وصراعات على امتداد الجغرافية اللبنانية؟
ما هي أسباب تلك الحروب؟ وهل ثمّة سبيل لبناء دولة يُنزَع فيها المسبّبات الداخلية للحروب؟
وهل ممكن تحييد لبنان عمّا يجري في الإقليم عامّةً، وما يحصل على أرض فلسطين من حرب إبادة مستمرّة منذ قيام الكيان الإسرائيلي عام 1948؟
لن أجيب على كلّ هذه الأسئلة في مداخلتي هذه، لأن الوقت لا يسمح بذلك، ولأنني أفترض أن الكتاب الذي بين أيدينا قد قدّم قراءات لما سبق وطرحته. غير أنني سأتوقّف لأستعيد أبرز القراءات للحرب اللبنانية عام 1975، التي ما زالت – في اعتقادي – ضروريّة للإحاطة بما يجري اليوم من انقسامات، وما نواجهه من تحدّيات.
لقد تمّ تطوير نظريّتين أساسيّتين لقراءة وتحليل أسباب الحرب اللبنانية:
النظريّة الأولى: تركّز بشكل أساسيّ على العوامل الداخلية المرتبطة بطبيعة النظام السياسيّ اللبنانيّ التوافقيّ، الذي ينتج عنه تفاوُت أو عدم مساواة على الصعيد السياسيّ بين المكوّنات الطائفيّة اللبنانية، وفوارق اجتماعيّة واقتصاديّة، ولاسيّما بين المركز والمناطق الطرفيّة.
النظريّة الثانية: ترى أن الحرب اللبنانية هي ترجمة أو امتداد للصراعات الإقليميّة، مسلّطة الضوء بشكل خاصّ على العوامل الخارجيّة والإقليميّة المرتبطة بالجيوبوليتيك على مستوى المنطقة، وعلى تدخّل اللاعبين الإقليميّين أو الدوليّين في الشؤون الداخليّة للدولة اللبنانيّة.
وإلى هاتين القراءتين، ثمّة نظريّة ثالثة دعمها عدد كبير من الباحثين، وأنا شخصيّاً أميل إليها، وتقوم على التفاعل بين العوامل الإقليميّة والداخليّة أو المحلّيّة. وتندرج ضمن منطق تاريخيّ مرتبط بعدم اكتمال عمليّة بناء الدولة اللبنانيّة من جهة، وبتداعيات الصراع العربيّ – الإسرائيليّ من جهة أخرى.

اليوم، وبعد مرور خمسين عاماً على اندلاع الحرب اللبنانية، ما زالت البلاد تواجه نفس التحدّيات، ولاسيّما على ضوء الحرب الإسرائيليّة الأخيرة المستمرّة على لبنان. فثمّة حاجة حقيقيّة لقراءة موضوعيّة للمرحلة، بهدف تحديد الخيارات واتّخاذ القرارات التي تحفظ السلم الأهليّ في لبنان، وتسهم في تعزيز قوّة الدولة، الأمر الذي من دونه لا يمكن تحقيق أيّ نهوض اقتصاديّ أو ماليّ.
وإذا كنا في لبنان، هذا البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكّان، غير قادرين على تغيير التوازنات الإقليميّة والتأثير فيما يرسم للمنطقة من مشاريع، فإننا حتماً نستطيع أن نتخذ القرارات ونصيغ السياسات اللازمة للنأي ببلدنا عمّا يجري من حروب في المنطقة من جهة، ولحفظ السلم الأهليّ والوحدة الوطنيّة، ولتعزيز مفهوم المواطنة، بالتوازي مع التمسّك بالمبادئ الأساسيّة التي قام عليها لبنان، وهي: التنوّع، وحرّيّة التفكير، وحرّيّة التعبير، وحرّيّة الإبداع.
عميد كلّيّة الآداب في جامعة الجنان، الدكتور هاشم الأيّوبي، عرض لالتزامات الكاتب ومعايشته محن الوطن الذي شاء أن يؤرّخ ما عاش، معتبراً أن المحنة تنتهي، أمّا الفتن فلا تنتهي. وأشار إلى أن المؤلّف اتّخذ صفة المؤرّخ، فغاص عميقاً في مهمّة أساسيّة ومعقّدة في مرحلة تاريخيّة من مراحِل الأمّة.
ولفَت إلى أنّه في عصرنا، بعد تقسيم البلاد العربيّة وحياتنا في مرحلة خطرة، تعيش الأمّة صراعات فلسطين في قلبها، مع حرب إبادة، ولُبنان لا بدّ أن يتحمّل، وقد تحمّل أكثر ممّا يتوقّعون، من المِحَن التي ساهم الكاتب في توثيقها بموضوعيّة.
كما استعرض الدكتور الأيّوبي ما يجري في غزّة، ودور المؤرّخ المُلتَزِم في تدوين الواقع لإيصال رسالة التاريخ، كما يدوّن وقائع لبنان. وأكّد أنّه في التحليل اكتسب قيمةً بحُجَج وبَرَاهِين موثوقة، إذ استحضر الوقائع والمستندات والبَرَاهِين حول سعْيِ العدوّ إلى تقسيم الدول العربيّة، وسعْيِهِ إلى تسييج نفسه بكيانات شبيهة له – أيِ العدوّ – في سياق كتابيّ تاريخيّ.
وشدّد الدكتور الأيّوبي على أهمّيّة دور المثقّفين الكبير، والمسؤوليّة المُلْقاة على عاتِقِ المؤرّخين لتعميم ما يقوم به العدو. تناول الشيخ أحمد عاصي في مداخلته واقع لبنان «بلد الفتن والمحن»، مُلَخِّصاً تجربته في المشاركة في كتابة هذه الموسوعة عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة. وتحدّث عن لبنان، هذا الوطن الغريب بتركيبته، وعن النظرة إلى التاريخ وإلى المسألة، وعن وجهة النظر وكتابة التاريخ من خلال كلّ جزء من أجزاء هذا الوطن.
ولفَت إلى أنّ أهمّيّة الموسوعة أنّها نظرت إلى هذه الأجزاء وخرجت منها بصورة الكلّ. وأضاف: «أنّ كتابتي كانت عن الطائفة الإسلاميّة العلويّة، وتوخّيت فيها رصد الأحداث وتسلسُل الوقائع بموضوعيّة، بعيداً عن وجهة نظري الشخصيّة التي ربّما تأخذني بعيداً عن الموضوعيّة والشفّافيّة». ثمّ ختم قائلاً. وفي الختام، تحدّث المؤلّف الدكتور حسن قبيسي، مشيراً إلى أنّ التاريخ تضمّن تمويها للأحداث في المنطقة وتغييراً لأسباب الحروب التي كانت تقف وراءها أسباب كبيرة، حاول السرد تأويلها وتسخيفها.
وأكّد أنّ الإنسان هو من يصنع التاريخ، وعَلَيْهِ أن يصنع في حاضرِهِ ما يخدم غدَهُ، وأنّه يجب أن نعرف أنفسَنا لنعرف أسباب التحوِّلات.
