الخميس, حزيران 4, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

الخميس, حزيران 4, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

لو أنصفوك

في زيارتي الأخيرة لبيروت سنحت لي فرصة ذهبية لزيارة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في لبنان سماحة العلامة الجليل الشيخ نعيم حسن وبحضور كل من الأستاذين الفاضلين الأستاذ الدكتور محمد شيا رئيس قسم الفلسفة في الجامعة اللبنانية والدكتور رائد القاقون الباحث في الفلسفة، وقد لمست لدى سماحة الشيخ نعيم حسن عمق التفكير وسعة الصدر والثقافة الموسوعية العالية والخلق الرفيع والحس الوطني اللا محدود واهتمامه بشؤون الأمة وشجونها وتطلعاتها المستقبلية لغد أفضل يحفظ حقوقها وحريتها وكرامتها ويعلي شأنها بين الأمم كما استعرضنا في هذا اللقاء أبرز رموز الأمة وقادتها وفي مقدمتهم الأمير سلطان باشا الأطرش(1891_1982) والذي يكن له الجميع محبة خاصة واحتراما كبيرا كونه من أبرز رموز الثورة العربية عام 1916 ورجالاتها الأفذاذ و لدوره القيادي للثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الانتداب الفرنسي وأحد أشهر الشخصيات الدرزية في العصر الحديث وبمناسبة الذكرى السنوية لرحيله حيث وافته المنية بتاريخ 26 آذار 1982 أهديه هذه القصيدة تكريما لنضاله البطولي وإرثه الجهادي الخالد على مر العصور .

أ.د جبار جمال الدين

لو انصفوك لكنت في الجوزاءِ
يا بيرق الاحرار والعظماء
سلطان يا رمز الأصالة والنهى
يا ليثَ غابٍ جال في البيداء

طالعتُ تاريخ الدروز فلم أجدْ
الا صحائفَ عزةٍ وثناء
وشرعت أستافُ العبيرَ بروضهم
وأهيمُ في دنيا من العلياء

يا شبل ذوقان وأنت رسالة
فاحت بطيب شذى وسحر بهاء
تلقى المنايا الكالحات بوثبة
لتذود عن حق بسيل دماء

قف في سويداءِ البطولة هاتفاً
هذا محطُّ رجولةٍ واباء
وهنا على الجبل الأشمِّ تسابقت
هممُ الرجالِ بصولةٍ وفداءِ

وعصائب يتهافتون على الردى
في كل موقعة وكل لقاء
يا شام كنت مدى الزمان ندية
كالثلج أو كالفضة البيضاء

لله درك أي وجه مشرق
رغم الخطوب وقسوة الأرزاء
من ميسلون وربع مجدك شامخ
يهفو لتحرير وعيد جلاء

في كل معترك عرينك ثابت
يوفي الديون سلمت أي وفاء
سلطان عزمك لم يزل في أوجه
ميراث آباء إلى الأبناء

يا آل معروف وإن بخافقي
شوق المتيم والهوى بإزائي
بادلتكم شوقي وفيض مشاعري
ووهبتكم وجدي برغم عنائي

فلقد وجدت بكم طلائع أمة
ورعيل توحيد وبحر عطاء
سلطانُ يا رمز َ الجهاد تحيةً
في يوم فَقدِكَ موحش الارجاءِ

لا لن تموت فأنت سر ٌّ خالدٌ
يبقى بكل ثرىً وكلِّ سماءِ
ولسان حالك لم يزل في مسمعي
للآن يهتف في ربى الفيحاء

خلفت غاشية الخنوع ورائي
وأتيت أقبس جمرة الشهداء

الضّحى في عُيون الرّائداتِ

الشاعرة غادة جهاد بو فخر الدين

“لمجلّة الضُّحى كلّ الشكر والتقدير لأنَّها أضاءت على موضوع حِيك في عتمة المعاناة فأشرق في النفوس، إذ إنّ كلّ نفس توّاقة إلى النور وإلى المشاركة في بناء المجتمع والوطن. أكره أن أقسّم الإنسانية “فكل إنسان يُعتبر من ذوي الاحتياجات الخاصة”، كما يقول الفنان المبدع جورج خباز. والجدير ذكره، أنّ هناك فئة من الأشخاص عاجزة جسديًا لكنّها تماثل الجميع وأحيانًا تتفوّق عليهم عقليًّا وفكريًّا، فنحن جزء لا يتجزّأ من هذا المجتمع، لنا حقوق وعلينا واجبات. وممّا لا شكّ فيه أنّ نظرتنا تجاه أنفسنا تعكس نظرة المحيط إلينا… بنا يرقى المجتمع ومعنا ينمو ويزدهر. أكرّر شكري وتقديري للجهود التي تقوم بها مجلة “الضّحى”…إلى الأمام وأتمنى لكم التوفيق”.


الشاعرة والرّوائية سوسن حسن الرمّاح

“سلم الفكر الذي خطى هذه الكلمات وأشكر الدرب الذي قادني إليكم. وإذ أنحني احترامًا لمرض جسدي، أشكر الله على هذا المرض، لقد جعلني إنسانة صادقة واضحة مع ذاتها ومع الآخرين، لا تُجَرِّح ولا تهمّش، بل تُسامح وتزرع المحبة في كلّ درب تخطو به. إنسانةٌ كافحت وواجهت أحكام المجتمع ونظرته تجاه إعاقة الحواس، غير مُدركة لما يحتويه من إعاقاتٍ نفسية وفكرية. لذلك، وبكل فخرٍ أخصّ مجلة “الضحى” بالشكر لمبادرتها إلى إلقاء الضوء على موهبةٍأشعلت شرارة الأمل وألهبت لديّ إرادة الفرح والحياة، فكان أن تعمّقتُ في بحور الأدب والشعر. ختامًا تمنياتي لكم بكل التوفيق والنجاح”.


الشاعرة والكاتبة جنان اسماعيل سعيد

“كتبتم عن أقلام الإرادة في صفحات مجلة “الضّحى”، وكان المقال قنديل الفرح لتلك الإرادة، وكان الضوء لذاك الظلام الكامن في هذا العالم… نعم إنّها رسالة “الضحى” لأنّها كُتبَتْ عن تحدّي النقص لترك بصمة في تلك القلوب علّها تحيا بالروح والرّجاء العظيم، وكتبَتْ عن شاباتٍ تضحّي بأقلام الحب والإبداع للحدّ من تلك”النظرات المعوّقة” فيغدو الإنسان كاملًا بها. شكرًا لالتفاتة مجلة “الضحى”، إنّها حقًّا صرخة من الروح منحتنا بلسمًا وقوّةً أكبر…بوركت أناملكم المبدعة ودمتم رمزًا لنبض الرسالة ونور الأمل”.


الشاعرة تغريد يوسف ضو

“رُبَّ أشخاص تجمعك بهم الصّدفة فترتقي بمعرفتهم لتجاور الأنجم… ألف شكر للقيّمين على مجلة “الضحى” الذين أوجدوا في جدار الظلمة كوّة من نور. تحيَّة من القلب لكم جميعًا”.


الفنانة التشكيلية هيفاء سليم معضاد

“كلَّ الشكر والتقدير لمجلة “الضحى” التي ألقت الضوء على مسيرتي المتواضعة، والأهم من ذلك أنّها تؤمن بإرادة المرأة اللبنانية وقدراتها…شكرًا على مواكبتي وتشجيعي ودعمي… وإلى مزيدٍ من التألُّق والتميُّز”.

اعتناقُ التَّميّزِ

عندما ننظر بتمعُّن شديد وعبر مراجعة استراتيجيّة لواقع منظّماتنا العربية تحديداً، نجد أنّنا بحاجة لعملية استراتيجية متكاملة من عملية المراجعة الدقيقة للظروف التي توقف عملية التوجّه المتسارع؛ ليس فحسب لمواكبة التطوّرات العالميّة في العلوم والمعارف والنهضة، بل والمنافسة في تلك العملية وصولاً للرّيادة والتّتويج الحضاري.

إنّ من أبرز سمات التطوّرات الرّاهنة الحالية هي تنامي التطورات في المعارف الإنسانيّة، وما ترتب على ذلك من تبنّي ثقافة التغيير المستمر في أساليب أداء الأعمال، لمواجهة الطموحات المتنامية للمؤسسات بأعلى درجات ومعايير الجَوْدة الشاملة، الأمر الذي يستوجب على قيادة المؤسسات العربية أن تقوم بعمليات سريعة من أجل التحليل والتطوير المستمر، وإعادة هندسة نُظُم الأعمال القائمة ونماذجها، إضافة للتنمية المستمرة للموارد البشرية، لمواجهة عمليات التّحسين والتطوير والتكيف مع التحديات الواقعة، ولن يتأتّى ذلك إلا بالتوجّه نحو التميُّز كأسلوب حياة. وهكذا نجد أنّ اعتناق التميُّز ضرورة من ضرورات التطوير الإداري في مؤسساتنا العربية لرفع مستويات الأداء والكفاءة من خلال توافر مقومات عدّة أهمّها توافر الخطط الاستراتيجية، ووجود منظومة متكاملة من السياسات التي تحكم وتنظّم عمل مؤسّساتنا، واعتماد المرونة، والعمل وفق نظام متطوّر للجَوْدة، نظام متطوّر لتنمية الموارد البشرية.
إن تَبنّي التميُّز كأسلوب حياة هو بمثابة منارة الخلاص من كلّ الأزمات والأمراض التي تعصف بمنظّماتنا العربية، لنصل إلى مرحلة النهوض الحقيقية وتخطي الصعوبات وإحداث تفوّق وتطوير في الأداء للوصول إلى القدرة على البقاء والمنافسة في بيئة تتحول فيها الأساليب والاستراتيجيّات وتتطوّر التكنولوجيا وتتغيّر فيها العمليات بسرعة.

عندما ترتقي الأمم وتعتلي منصّات التّتويج الحضاري في مختلف ميادين الحياة؛ نعرف جيداً لحظتها أنّ هناك منظومة عمل متكاملة، أسّست لهذا التميّز كأسلوب حياة، وبذلت جُهداً نوعيّاً احترافيّاً في ميادين العلوم المختلفة وعبر عمل متواصل وجهد مخطّط دقيق. إننا نقصد باعتناق التميّز كأسلوب حياة في المؤسّسات العربيّة هو الوصول لحالة من التفرّد والتفوّق في مجال العمل وظهوره بالصّورة التي تميّز المنظمة وتُبرزها وتُعلي شأنها بالنسبة للمنظّمات الأخرى، وهذا الأمر يحتاج إلى توافر مقوّمات رئيسيّة ضمن هذه العملية الهامّة، حيث إنّ وجود تنظيم فعّال تسوده روح الفريق، والابتكار، والمبادأة، والمنافسة بحيث يشعر كل فرد من الأفراد العاملين بأنّ المنظّمة مُلكًا له. إنّ هذا الشعور يدفع العاملين إلى بذل طاقاتهم وجهودهم كافة وإعطاء كلَّ ما لديهم من أجل تميُّز المؤسّسات وتفوّقها.

إنّ هذا المنظور الشامل يجب أن يدفع مؤسّساتنا العربيّة إلى الارتقاء بمستوى أدائها لتمكينها من مواكبة التطورات المتلاحقة، وتعزيز قدراتها على تطبيق مفاهيم إدارية حديثة تشجع روح الإبداع وإطلاق المَلَكات والقُدرات لبناء ودعم استراتيجية التميّز كأسلوب ومنهج حياة متكامل، حتى يتم إحداث نقلة نوعيّة وحقيقيّة في مستوى أداء تلك المنظمات، من خلال توفير حافز معنوي وظروف عمل تشجّع التعاون البنّاء وروح المنافسة الإيجابيّة في القطاعات المختلفة، ونشر مفاهيم التميّز والإبداع في مختلف النواحي والجوانب، وتحسين الإنتاجية ورفع الكفاءة وترشيد الإنفاق وتقديم خدمات عالية المستوى. عبر هذه الرّؤية تتّجه مؤسساتنا العربية إلى السير على خُطى الرّيادة والمنافسة والنهضة وصولاً إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية عبر فضاءات التميّز والإبداع، كذلك سعيها إلى استكشاف الطاقات الإبداعية، ودعم الأفكار والمشاريع الخلاّقة، وتكريم المتميّزين، وإبراز النماذج المُشَرّفة، ما من شأنه تعميم الفائدة ونشر ثقافة التميّز كأسلوب حياة.

إنّ تبنّي فلسفة التميّز كأسلوب حياة هو استجابة منطقيّة للعديد من التغيّرات الاجتماعية والثقافية والسياسيّة والاقتصاديّة والتقنيّة والتي فرضتها التحدّيات الداخليّة والخارجيّة للواقع المعاصر، حتى يتمّ تعزيز القدرات التنافسيّة ومواكبة المستجدّات والتطوّرات العالميّة في القيادة والتخطيط وتحسين جَوْدة الخدمات والموارد البشريّة، إنّه الاختيار المهمُّ الذي لا بدَّ منه لمواجهة تحدّيات البيئة الرّاهنة.

الانتدابُ الفَرنسيّ وحلُّ المسألة السوريّة

حاول اللّبنانيّون الانفصاليّون، قطع الطريق على أيّ اتّفاق سوري فرنسي يعيد الأقضية الأربعة للسّيادة السوريّة، فبادروا إلى طرح مشروع دستور على المجلس التشريعي، فيه تثبيت لحدود لبنان كما أقرّتها سلطة الانتداب زمن الجنرال غورو، فطلبت الحكومة السوريّة من المفوّض السامي عدم الموافقة على الدستور، لحين انتهاء المفاوضات بين لبنان وسورية حول الحدود المُشترَكة بين البلدين، ولمّا وافق على ذلك الطلب، ثار اللّبنانيون عليه، فتراجع ونشر الدستور اللبناني المُقدَّم في ١٩٢٦.  لقد أدّى نشر الدستور اللبناني إلى استياء السورييِّن، فعادت الثورة واشتدّت في جبل الدروز، وامتدّت إلى باقي المناطق السورية.  استقال وزراء الكتلة الوطنية الثلاثة، فجرى اعتقالهم وإرسالهم إلى المنفى.  لم يستطع المفوّض السامي تقديم تنازلات للحركة الوطنية السورية، بسبب تعنُّت الحكومة اليمينية في فرنسا، التي رفضت الاعتراف بأنَّ الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان مؤقَّتاً، فلجأت الكتلة الوطنية مُمثّلة بالأمير شكيب أرسلان وإحسان الجابري إلى تدويل المسألة السورية عن طريق توجيه مذكّرة إلى لجنة الانتداب في جنيف في ٧ حزيران، لم تلقَ تلك المذكّرة استجابة لدى عصبة الأُمم.  غير أنَّ تغيّر المُعطيات الدوليّة بعد ذلك التاريخ نتيجة تداعيات الحرب العالميَّة الأولى على العلاقات الدولية، ومُناخات الأزمة القادمة على أوروبا، جعلت حكومة باريس تقبل التفاوض في جنيف مع الأمير شكيب أرسلان وميشال لطف الله وإحسان الجابري، لوضع حدٍّ للثورة السورية، ولكن المفاوضات ما لبثت أن فشلت بضغط من اللّوبي الاستعماري في فرنسا، فقدَّم المفوض السامي دي جنوفنيل استقالته، وخلفه في منصبه هنري بونسو، الذي كانت في مقدَّمة أولويَّاته القضاء على الثَّورة السوريّة، وإيجاد حل للمسألة السورية في ضوء مصالح فرنسا في سورية ولبنان(١).

وبين عامي (١٩٢٦-١٩٣٦)، كانت السياسة الفرنسيّة يتنازع موقفَها من حلِّ المسألة السورية رؤيتان: الأولى – تُمثِّل وجهة الحكومات اليمينية، والتي عبَّر عنها بوضوح مندوب المفوَّض السامي في دمشق (بيار أليب).  والثانية – وجهة نظر فريق المعتدلين ممثّله بالكولونيل كاترو رئيس دائرة الاستخبارات.  وقد وقف الأوّل موقفا “معارضاً” من السياسة التي كانت الحكومة الفرنسية قد رسمتها، بإقامة نظام ديمقراطي تمثيلي في البلاد، مُعتبِراً أنَّ الشعب السوري الذي خسر الحرب، لا يستحق منحه فرصة لكسب السلام، بل كان يدعو إلى استعمال القوَّة في إخضاع رجال الحركة الوطنية أو كسبهم عن طريق المال والوظائف.  أمّا وجهة نظر الفريق المعتدل فكانت تقول بأنّ فرنسا قد أضاعت على نفسها فرصة نادرة لكسب سورية يوم ميسلون لو أنَّها لم تدخل دمشق حرباً؛ وتبنَّت مواقف الاتّجاه السوري الوحدوي، عندها كان من المُمكن تحقيق الوحدة السوريّة لمصلحة فرنسا، ويكون احتلال دمشق عملاً “تحريريًّا”(٢).

هنري بونسو

تبنَّى المفوّض السامي الجديد بونسو وجهة النّظر الثانية، ونقلها معه إلى باريس. تجاوبت الحكومة الفرنسيّة معها، وفوّضته في أوائل ١٩٢٧، لوضع معاهدة تحالف مع سورية، وكان لتلك المساعي أثر طيِّب لدى السورييِّن فتوقفت الثورة المسلّحة. وكُلِّف الشيخ تاج الدين الحسني (١٥ شباط ١٩٢٨) بتأليف حكومة مؤقَّتة، لانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستوراً للبلاد، كما أصدر بونسو عفواً عن بعض السياسيين، وقام بإلغاء حالة الطوارئ، وقد جرت الانتخابات فعلاً، وفاز بها رجال الكتلة الوطنية (٣). وفي ٩ حزيران، اجتمع المجلس التأسيسي السوري، ووضعت اللَّجنة المختصَّة برئاسة إبراهيم هنانو، مشروع الدّستور، مُعْلنة أنَّ سورية دولة مستقلّة وذات نظام جمهوري، وأنّ الأمّة وحدها هي مصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية.  وقد نصَّ المشروع على مادّة تؤكّد بأن البلاد السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية وحدة سياسية لا تتجزّأ، ولا عبرة لكلّ تجزئة طرأت عليها بعد نهاية الحرب؛ الأمر الذي أثار احتجاج اللبنانييِّن، فاغتنم المفوَّض السامي الفرصة طالباً تعديلها وإلغاء خمس مواد أُخرى تتعارض مع نظام الانتداب، وردَّ أعضاء المجلس بأنّ وضع الدستور هو من حقِّهم وحدهم.

اقترح المفوَّض السامي حلًّا وسطاً على هاشم الأتاسي بالنّص على أنَّ أحكام هذا الدستور لا يجوز أن تخالف التعهُّدات التي قطعتها فرنسا على نفسها، فرفض السوريون هذا الاقتراح، وطلب رجال الكتلة الوطنيَّة الإبقاء على الدستور كما هو عليه، والدخول في مفاوضات حول المعاهدة مع فرنسا.  رفض بونسو هذا الاقتراح، واتَّخذ قراراً في شباط ١٩٢٩ بتعليق اجتماعات المجلس التأسيسي، وقام بمعاونة حكومة الشيخ تاج الدين الحسني بوضع دستور جديد للبلاد جاعلاً من الانتداب السّلطة العليا، فقوبل باستياء شعبي شديد.

حمل الوضع المُضطرب في سورية ولبنان من سياسات الانتداب واقتراب خطر الحرب على أوروبا نتيجة صعود الحكومات الفاشية الحكومة الفرنسية على الطلب من مفوضها السامي دي مارتيل مفاوضة الأحزاب الوطنية في أمر إنهاء الانتداب، والتفاوض على معاهدة حول ذلك.

هاشم الأتاسي

في ٤ نيسان شُكِّل الوفد السوري المفاوض برئاسة هاشم الأتاسي.  كان هناك اتفاق حول كلّ المسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلّا أنّه كان هناك خلاف حول مسألة الأقلِّيّات، إذ أصرّ الفرنسيّون على ادّعاء حمايتها، ورفض السوريون الاعتراف بهذا الحق، وكادت المفاوضات أن تفشل لولا صعود وفوز الجبهة الشعبيَّة وتشكيلها الحكومة الفرنسية الجديدة، والتي قبلت التوقيع على نصّ المعاهدة في أيلول ١٩٣٦.  اعترفت فرنسا بموجبها باستقلال سورية ووحدة أراضيها؛ الأمر الذي شجّع اللبنانييّن على المطالبة بإنهاء الانتداب، بموجب معاهدة مُماثلة مع فرنسا، وانتهت المفاوضات بين الجانبين، بالتوقيع على المعاهدة في بيروت بتاريخ ١٣ تشرين الثاني سنة ١٩٣٦. استغلَّت تركيا مناسبة إعلان فرنسا عزمها على إنهاء الانتداب على سورية لمطالبتها بإعلان استقلال لواء اسكندرون، بمذكّرة صادرة عنها بتاريخ ١٧ تشرين الثاني ١٩٣٦، ولمّا لم تلقَ تجاوباً، لجأت إلى عُصبة الأُمم، وقد لقيت هناك دعم بريطانيا التي كانت حريصة على استرضاء الأتراك مع اقتراب نُذُر الحرب على أوروبا، فتمَّ الضغط من قبلها على الحكومة الفرنسية، لقبول التفاوض مع الأتراك حول لواء اسكندرونة.  كانت مزاعم تركيا باطلة في كل الأوجه، ورغم ذلك رضخت فرنسا لضغوط حليفتها بريطانيا، ووافقت على إعادة تعديل الحدود بين سورية وتركيا (٤).

لم تصادق فرنسا على اتّفاقية ١٩٣٦، لتحلّ المعاهدة محلّ الانتداب برغم مضي مهلة الثلاث سنوات المنصوص عليها في المعاهدة، بسبب المعارضة البرلمانية اليمينية للاتفاقيّة؛ الأمر الذي منع الحكومة الفرنسيَّة من تقديمها إلى البرلمان والمصادقة عليها، وحين فقد الاشتراكي ليون بلوم السلطة سنة ١٩٣٧، هاجم اللوبي الاستعماري الاتفاقية، إذ كانت الرّغبة الفرنسيّة بالبقاء في سورية أقوى من الخروج منها، أوّلاً: حمايةً لمصالحها الاقتصادية، وثانياً؛ لمنع انتشار العروبة إلى شمال أفريقيا.

وبين عامي (١٩٣٦ – ١٩٣٩) أثارت التعديلات التي قبل بها رئيس مجلس الوزراء جميل مردم على معاهدة ١٩٣٦ خلافات شديدة داخل حزب الكتلة الوطنية من ناحية، وأدَّت إلى صراعات حادَّة داخل الحركة الاستقلاليَّة في سورية بين حزب الكتلة الوطنية بقيادة جميل مردم، وحزب الشعب بقيادة عبد الرحمن الشهبندر من ناحية أخرى انتهت باغتيال الدكتور الشهبندر في ٦ تموز ١٩٤٠ بدمشق (٥).

كان لاندلاع الحرب العالمية الثانية سنة ١٩٣٩ نتائج عميقة على مصير سورية، فالحرب غيّرت البلد، إذ مهَّدت الطريق أمام الاستقلال عن فرنسا.  وقد سمح الحضور البريطاني القوي فيها أثناء الحرب، بترك هامش مناورة أمام الحركة الاستقلاليّة، عدَّل في ميزان الصّراع مع فرنسا لمصلحتها.

أدّت هزيمة فرنسا واحتلال باريس سنة ١٩٤٠ من قِبَل ألمانيا، وتعيين الجنرال إنري دنيتز الموالي لحكومة فيشي مندوباً سامياً على سورية ولبنان، وتقديمه الدّعم لألمانيا أثناء ثورة رشيد عالي الكيلاني ضدّ بريطانيا في العراق عام ١٩٤١، إلى احتلال سورية من قبل القوّات البريطانيّة بالاشتراك مع قوّات فرنسا الحرّة، الأمر الذي صعَّد العداء بين الطّرفين؛ حيث كانت بريطانيا تصرُّ على أن تمنح فرنسا سورية استقلالها، بينما الجنرال ديغول كان يريد البقاء فيها، واستعادة فرنسا مكانتها العالميّة كقوّة استعماريَّة.

بعد تحرير فرنسا سنة ١٩٤٤، حاولت الضغط على سورية ولبنان للتوقيع على معاهدات معها، فلمّا قوبل طلبها بالرّفض، حرّكت قوَّاتها الخاصة الأمر الذي فجَّر التظاهرات في دمشق وبيروت وانتشرت الأعمال المُناهضة للفرنسييِّن في جميع مناطق سورية، فردَّ الفرنسيُّون على ذلك بقصف مدينة دمشق وتدمير البرلمان السوري في ٢٩ أيار عام ١٩٤٥، ونتيجة الضّغوط الدوليّة على فرنسا، انسحبت القوَّات الفرنسية من سورية في ربيع ١٩٤٦، وما أن حلَّ شهر آب حتى انسحب الفرنسيُّون من لبنان.


المراجع:
  1. ستيفن لونغريغ، تاريخ سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة ص٢١٨ – ٢٢٤.
  2. عادل إسماعيل، السياسات الدوليّة، ج٥، ص117 – ١٢١.
  3. ستفين لونغريغ، تاريخ سورية ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، دار الحقيقة، ص ٢٣٠.
  4. د.حسام النايف، لواء اسكندرون، حكاية وطن سُلِب عنوة، وزارة الثقافة السورية، ص١١٨.
  5. فيليب خوري، سوريا والانتداب الفرنسي، ص٦٢٣ – ٦٤١.

فاجعة ظهر البيدر

حطّت بنا الطائرة القادمة من الرّياض في مطار دمشق، لأنّ مطار بيروت كان قد توقّف عن العمل بعد اجتياح العدوّ الصّهيوني في 5 حزيران عام1982. ركبت في تاكسي Volvo، باتجاه بيتي في رأس المتن – لبنان. وبقيت الأمور عاديّة حتى اقتربنا من الحدود، بعدها صرنا نسير على بساط ثلجي عادي حتى وصلنا شتورة.

كان الشاب السوري السائق لطيفاً معي، فتوقّف في استراحة حيث أكلنا وشربنا. ونحن نصعد سيارة الـ Volvo، توقّف بجانبنا سائق تاكسي لبناني يقود سيارة مرسيدس 180 وقال: «بدأت الطريق في ظهر البيدر مستحيلة على السيارات غير المجهزة بالسلاسل المعدنية… بصعوبة وصلنا.أنا ذاهب إلى الشام… فلنكسب الوقت ونتبادل الركاب». رد الشابّ: «الأخ رفيق مكارم مسؤوليّتي… كما يقرّر هو، يذهب معك، ينام في فندق هنا، أو يعود معي لدمشق». وكان عبد الحليم، صاحب التاكسي اللبناني مُقنعاً بكلامه وصراخه، فأقنعني وسلكنا إلى ظهر البيدر، على أمل الوصول إلى رأس المتن. لكن هدوء السائق السوري عوّضه عبد الحليم بصراخه وأخباره ومسجلته العتيقة الأغاني… كان يبتسم ويقطع الكلام عندما افتح النافذة وأجلب الثلج عن الزجاج، حتى وصلنا ظهر البيدر بصعوبة. آخر «طلوعات ظهر البيدر» كان هناك حاجز للجيش السوري (مكان حاجز الدرك اليوم)، لا وجود للعسكر اللبنانيين يومذاك إلاّ في بيروت الغربية حيث قوات المارينز الأميركيين وقوات متعددة الجنسيات.

ما أن وصلنا الحاجز حتى تباطأ سير السيارات وزادت سماكة الثلج، ورأيت جدراناً بيضاء خلّفتها الجرافة خلفها. وعندما فتح عبد الحليم نافذته عرفنا مدى اشتداد العاصفة. وبطريقته البيروتية، سأل عبد الحليم العسكري على الحاجز: ماذا يحصل؟ أفاده الجندي، أنتم تسيرون خلف الجرافة وهي بطيئة، والعاصفة اشتدت وتتراكم الثلوج بسرعة، عودوا إلى شتورة أفضل. لكنّنا أكملنا حتى توقفت الجرافة. لا نعرف لماذا، وتوقف السير. انتظرنا دون جدوى، ثمّ خرجنا من السيارات لنكتشف أنّنا في الجحيم.

كنّا بصعوبة نتنفّس، ابْيَضَّ شارباي من تراكم الثلج، وتجمّد، رذاذ الثلج كالملح في العيون، والرؤية لا تتعدى المتر الواحد. تمسكت بشاحنة متوقِّفة، كانت العاصفة تسحبني بقوّة فلم أستطع.

بصعوبة أدرنا السيارة باتجاه شتورة لنعود، وكلّمنا الشباب على الأرض ليتبعونا… صعُب عليهم برم السيارات بالاتّجاه المعاكس لسيارتنا المجنزرة

أكملنا… وأمامنا سيارتان فقط… وقبل أن تنعدم الرؤية شاهدت السيارات باتجاه حمّانا إلى مسافة بعيدة خلف الجرافة… كنّا على وشك الخلاص لولا أنّ سيارة جيب تجاوزتنا بسرعة، فجأة توقفنا، وإذا بالجيب المدني ينقلب في عرض الطريق (وصاحبه نجيب من ظهور الشوير). حاولنا مع الشباب إعادته، لكن العاصفة كادت تحملنا ولا قوّة لدينا من شدة البرد، فعدنا إلى السيّارات، وإلى الشوفاج ليخفّف عنّا حدّة البرد. سلّمنا أمرنا لله، لأنّ الثلج، وبسرعة البرق، وخلال دقائق، كان يعلو ويعلو دون توقّف. حاولت فتح الباب عند المساء فلم يفتح، ونصحني عبد الحليم ألَّا أحاول الخروج إلى المجهول لأنّنا لا نعرف أين نحن، وقد ضاعت المعالم بانعدام الرّؤية وسرعة العاصفة وصفيرها، وهذا الملح إنَّه الموت والجحيم في الخارج.

كان الدعاء السبيل الوحيد لي ولعبد الحليم… بعد ما غطى الثلج باب السيارة حتى الزجاج. وبكى العجوز عبد الحليم لمّا أخبرته أنّي قادم لأرى أبي وهو على شفير الموت، وأني طُرِدت من عملي لأجل هذا، وقد توسّطت حتى وجدت مقعداً لي في الطائرة. قال: من اتّكل على الله حق الاتكال فهو حسبه.

كان الثلج يلتصق كالقطن بالزجاج، وكلما أطفأ السائق محرّك السيارة ليوفّر البنزين لأجل الشوفاج كنت أفتحه قليلاً فأسمع الصّفير ولا أحسّ بشيء من الدفء.
فجأة ضرب شيءٌ ما بقوة على الزّجاج. فتحته قليلاً، فإذا الطارق «أخمص كلاشنكوف بيد جندي سوري!». قال وهو يهتزّ من برد وعنف العاصفة: اخرجوا كي لا تموتوا في السيارة. قلت أنا: «إلى أين؟» قال إلى المركز قريب من هنا… هيّا… لا وقت لدينا… ستُطمَرُ السيارات بالثلج قريباً… يلْلَا… وأمرني: افتح الشباك لنسحبك… سحبوني، وبقي عبد الحليم ينتظر الفرج. اقولها للأمانة وللتاريخ، إنّ ركّاباً كُثُر في أكثر من مئة سيارة رفضوا الخروج مع الجيش العربي السوري إلى برِّ الأمان، وخصوصاً ممّن كانوا يصطحبون معهم النساء!

وصلت المركز، وتعرّفت على أشرف إنسان، الضابط رياض من حلب. شكي لي سوء العاصفة وسوء هذا الشّعب اللبناني العنيد. بعد أكثر من ساعة كان الشبح الأبيض يغزو الأرض بسرعة… إلى جانب (الصوبيا) جلس الضابط رياض خلف طاولة يخابر قادته، ومعه جنديّان، لم يلبث أن أمرهما بالخروج إلى السيّارات ليعملا على سحب العالقين من جديد، ولمّا عادا، قالا: «تكاد تتغطى السيارات الصّغيرة… وتختنق الناس». وقف الضابط مستنفَراً، وقال: «خذوا الشباب وجيبوهم بالقوّة…». ولما خرجوا وهو بحالة جنون، وبدا أنّ عنده خبرة بهذا المجال، قال لي: «الحريم الغائبات عن الوعي أنت دلّكهنّ ليوعوا.. ما بسلّمهن للعسكر…». وبدأوا يسحبون العالقين في السيارات، وُضِعت النّساء في الطابق الأرضي والرجال إلى الطابق السفلي، ما عدا السفير الياباني وكان قد فارق الحياة، فقال شوفوه ولكنّه كان قد مات رافضاً المجيء، وجاء سائقه الأرمني مع العسكر…

بعضهم لم يحضروا، سيدة واحدة كانت بوعيها، وأخريات كُنَّ على حافّة الموت بحيث يغفو الشخص المتجلّد ويموت بهدوء… وأحضروا بين من أحضروا رجلاً ميتاً عرفت لاحقاً أنّه من آل شيّا. أمّا النّساءُ فقد كانت الصدمة تعتريهنّ عندما يفِقْنَ… الطفل يصحو بسرعة، ثم المرأة أمّا الشاب الذي أتعبني فكان نجيب صاحب الجَيْب، كذلك أتعبني طفل حتى صَحَت جدّته عرفناه من آل الأعور من بلدة قبَّيْع، والصبايا لم أتعرّف عليهنّ إلّا نايفة الاشتراكيّة من صور… وساعدنا أيضاً والد الطفل، حيث كلّمه الضابط رياض… وفي ليل اليوم التالي أرسلوا الزَّحافة الليبيّة فحملت النّساء، وأنا بعد أن مشيت باتجاه المرَيجات مع اثنين من عناصر الجيش اللبناني… ولحسن الحظ لأني كنت سأنازع الموت على الطريق… لم أتُهْ رغم أنّ المنظر كان واحداً بحيث لا ترى إلّا أمامك ….القِصّة طويلة وأنا اختصر.

لم أعرف مصير الرجال الذين نَجَوْا في المركز، ولمّا قال أحدهم للرّجال: انزلوا، سألته أين نحن قال في المرَيجات. هدأت العاصفة بعد خمسة أيام أمضيتها عند آل المصري. عدت ماشيا مع الناس إلى حمّانا ونقلني إلى رأس المتن جيب لشخص من آل بلّوط فوصلت البيت حاملاً جواز السفر فقط. ولمّا أخبرت الناس أنّني مشيت على سطح الكميونات وأعمدة الهاتف، لا سيما في «المناسف»، لم يصدقوني! وبسرعة انتشرت الأخبار حول ما فعلته العاصفة، وكان ضحاياها نحو المئة… وبعد 23 يوماً عدت لأشكر الجماعة في المرَيجات وكذلك الضابط رياض في ظهر البيدر. كانت الجرافة قد جرفت السيارات على خط واحد إلى الوادي مع الثلوج… وكان فوق سطح البوسطة الكبيرة على الخط الثاني حوالي المتر من الثلوج، ومشينا في خندق بين الثلوج تعلو أكثر من ثلاثة أمتار من كل جانب.

الحمد لله نجونا… وألف شكر للضابط رياض من حلب… إذا وصله شكري وأفراد الجيش من رفاقه… وأهلنا آل المصري في المريجات.

مأثرة الشيخ سعيد هزّاع غانم

كان آل غانم من العائلات التي هجرت لبنان في أعقاب النّصف الثاني من القرن التاسع عشر وتوطّنت في خربة المشنّف الواقعة على أقصى الكتف الشرقي من مرتفعات جبل حوران المطلة بشموخ إلى الشرق على سهوب بادية الشام المترامية قبالة قممها..
وفي ذات عام من ذلك الزمن الذي يعود إلى نحو مئة سنةٍ ونيِّف؛ كان الشيخ سعيد هزاع غانم وهو أحد أهالي تلك القرية ذات الشتاء القارس البرودة (على ارتفاع 1530 م فوق سطح البحر) يتجوّل في الاراضي الواقعة إلى الغرب من المشنّف، كان همّه جمع ما يمكنه من فروع الأشجار اليابسة والحطب يخزنها للتدفئة في فصل الشتاء.

عند مرور الشيخ هزّاع بجانب رسوم هي بقايا مخيّم ومَراح لبدو مُرتَحلين (موقع كان البدو ينصبون فيه خيامهم ويأوون مواشيهم فيه)، سمع الشيخ الدّرزي أنينًا وبكاءً لأطفال صغار، فأخذته الدّهشة إذ لا أثر ظاهرًا لسكان ما. فتوجّه نحو جهة الصوت، وهو يتلفّت حوله حذرًا، اقترب أكثر، شاهد أطمارًا من قماش رثٍّ ملقًى على ما يبدو أنه أجساد آدمية لأطفال صغار، كان البكاء والأنين الموجع يصدر من تحت الأطمار. ترجّل الرجل عن دابته، واقترب متوجّسًا يتحرّى المكان، رفع الغطاء وإذ بثلاثة أطفال شبه عراة، ولد وابنتان؛ كان ذووهم قد ترحّلوا إلى الحماد الاردنيّة جنوبًا وتركوهم في المراح المهجور.

كان الصغار قد أصيبوا بمرض الجُدَرِي، ومن عادة البدو في تلك الأيّام أن يتركوا المريض الميؤوس من شفائه أكان كبيرًا أم صغيراً في المراح ويهربون بعيدًا خوفًا من العدوى، بعد أن يضعوا لهم ماءً وزادًا، وقد يعهدون بالمريض إذا كان عزيزًا إلى إحدى العجائز لتعنى بأمره ريثما يشفى أو يموت.
كان الصغار بحال متردّية من المرض والهُزال. لم يتريّث الشيخ، بل ترك كلّ ما جمعه من حطب وشيح أرضًا، ولفّ الصّغار بالأطمار، حملهم في عينتي خُرْجْ على الدّابّة وعاد إلى القرية مُسرعًا قبل أن يدركه غروب الشمس في تلك البريّة الموحشة التي قارب أن يدهمها الليل الجبليّ القارس البرد.
وصل الشيخ إلى القرية عند الغروب، ولم يَخْفَ أمره على الجيران القلائل الذين سكنوا القرية حديثًا. لاقته زوجته قائلة: ما هذا، ومن أين أتيت بهم؟، فسرد لها القصة وطلب منها أن تؤمّن للصغار مكانًا مناسبًا في زاوية من الغرفة التي تؤويهم. بحيث لا يكونون على مقربة من ولديهما الصغيرين.
فرشت السيدة للصغار فراشًا مدّدتهم عليه بعدما استعانت بالجيران الذين قدّموا لها ما يلزم من ملابس من حاجات صغارهم لستر عريهم، وأوقدت نارًا لتدفئة الأجساد النّاحلة التي هدّها المرض الوبيل، لكنّ بعض الجيران تخوّفوا من العدوى بعد أن لاحظوا نوع المرض الذي كان يرعب الناس في ذلك الزّمن حيث لا أدوية ناجعة في تلك الفترة.

اصرّ الشيخ سعيد على رعاية الأطفال ومداواتهم ولم يكن هناك من علاج متوفّر سوى النظافة القصوى وغَلْيِ الملابس والقَطِران وزهر الكبريت ورُقى الكتاب الكريم، ولم يلبث الصّغار طويلا حتى رُدَّت العافية إليهم على الرّغم من قلّة الموارد التي كانت تحاصر حياة الناس في بيئة يغلب عليها طابع الحرب وتكاد تكون منقطعة عن الحضارة في ذلك الزمن. مرت أعوام على قصّة الصغار،
وكانوا قد كبروا؛ فالولد بلغ نحو الرابعة عشرة، (كان الشيخ سعيد قد أسماه “زعل”) وحمّله كنية العائلة (زعل غانم) وذلك لشدّة (زعله) من ذويه الذين تركوه والطفلتين فريسة للوحوش والموت لمحتّم لولا أن تداركهم الله برحمته على يده، (اسم “زعل” هو اسم بدوي شائع)، وأعمار البنتين ضحاء وغبون 12 و11 سنة.

مع كرور الأيام تناقلت الرّكبان أخبار قصّة الشيخ سعيد وإنقاذه صغار البدو عبر البوادي، فوصل ذووهم بعد أن علموا بذلك إلى المشنّف. استقبلهم الشيخ سعيد غانم وكانت الديار قد عُمّرَت، والقرية توسّعت، وصارت أكثر أمنا ومنعة، فأنزلهم في مضافته. وبعد مداولة، تمّ التأكّد من وقائع المكان يوم الرحيل عنه ومن علامات العرافة والتحقّق من صلة الصغار بنسب ذويهم، أدرك الشيخ مطلب ضيوفه، فدعا وجهاء أهل القرية ليشهدوا على الفصل في حادثة ندرت مثيلاتها بين بدو وحضر، وبعد مداولة مع أقاربه من آل غانم قال الشيخ سعيد لضيوفه: ” نحن قمنا بواجبنا بما يرضي وجه الله، وما تمليه علينا قيمنا الأخلاقيّة وديننا… بما يخصّ البنتين هما عرضكم، وهما لكم، ومن حقكم ويمكنكم أن تأخذونهما معكم.

أمّا الولد “زعل”، فقد أصبح غُلامًا لديه قدر من الوعي، لذا فله حرّيّة الاختيار، إن أراد الذهاب معكم فبرعاية الله وله الحق بذلك، وإن أراد البقاء بيننا فهو مرحّبٌ به إذ أصبح من أهل البيت”.
وبعد سؤال زعل رأيه في الذهاب مع قومه أو البقاء بين الغوانم قال موجّهًا كلامه الى أهله: ” إنّكم تركتمونا للوحوش في العراء شبه عُراة، أمّا أبي؛ وأشار إلى الشيخ سعيد، فهو الذي أنقذنا وكسانا وأطعمنا وربّانا…”.
بموقفه هذا قرر زعل البقاء بين الأهل في المشنّف، ورضي آل البصيبص ذووه بقراره، ورحلوا حاملين الفتاتين، وبقي زعل في القرية والقليل من ناسها يعرف أنّه زعل البصيبص، بل هو عندهم “زعل غانم”، وعاش عمرًا مديدًا بلغ ستّة وثمانين عامًا، قضاها مع أبناء القرية التي نمت وتوسّعت حتّى أصبحت بلدة ومركز ناحية، وكان مُكَرّمًا كأيّ فرد من أهاليها، وتوفِّي في أوائل سبعينيّات القرن الماضي حيث كان في زيارة لعشيرته.

وعند وفاته ذهب الشيخ المرحوم حسن بن سعيد غانم ابن الشيخ سعيد هزاع غانم إلى عشيرة زعل (البصيبص) برفقة فريق من آل غانم، عزّاهم وشهد بما كان لزعل من صفات ومزايا طيّبة حيث كان مثالًا في حسن المسلك. أمّا ذووه فقد أجابوا بأن صفات زعل ومزاياه هي من زرع آل غانم وطيبهم… وشكروا لهم إنقاذهم للصغار في الماضي، وقد نظم أحد شعراء الجبل هذه القصيدة يصف الحالة كما تخيّلها، يقول:

قــــال الذي بِمْشاهَدِ الحال محــــزونْ

سَعيد بــــنْ هـــزاع المْكنَّـــا بِغانـمْ

بالبرّ رُحنـــا نِقطعِ السّهلْ وحْزونْ(1)

غَــــرْبِ المشنـفْ مَنْبت الشيحْ دايم

أَمْـــــرٍ جرى لَيْعَوّمِ القلب بِغبـُونْ(2)

 لــولا العزيمــة مـا اسْعَفتني القَوايمْ

عَيِّل(3) مْلَـوَّع بالحيــــاة شبه مدفون

 مَـــرمي مــع بنتيـن شبـه الحطايــم

ثـــلاثـةٍ للــرّيـــحْ والـبـــردْ يبـــكـون

 بديـــرةٍ قَـفْرة بـــها الـوحشْ حـــايم

يــــــابُعْد اَهَلْهم يـوم راحوايصرَخون

 فَرْش وغَطا أرض وسما مع سَقايم

وياويل أُمْ وْلادهـــا ما ينـــامـــــــون للطّيــر ويَّا الـــذّيب يغدوا غنـــــايم
حَمّـــــلْتهم بـالحال والدّمــــع مَـهتون  وْضَــمّيتـهم بـالقلـب ضمّ الحمــايـم
واَنـــــا لَحُبِّ الخيـر فاعـــل وممنون

 واَنـا لَــزِيم الحـــق عنـــد اللّزايـــم

 بــــالدار نــحمي كل قاصد ومغبون  نْعَذِّي الدَّخيل اِنْ كان بالـــدَّم عايــم
يـــوم الجمع ما بين طاعن ومطعـون إنْ مـــا حميتي الجـــار كوني هدايم
سَــــــوَّيتهم بَاهْلي وْوِلْـدي والعيـــون بايّام قَشْرَهْ، جُوعْ حَـــربٍ عظايـــم
عاشوا، شفـــاهم ربِّيْ حـــاكم الكــون واْكْسوا خَــوافـي رِيْشْهُـم والقـوايـم
مـــاهمَّني رفــــاقٍ عـليَّ يـــلومــــون رَبّيتـهم مــن خيــر رب الـعــوالـــم
مـــــن بعد مَـــرِّ سنين جونا يطلبـون قُــوْم البْصِيبِـص وِلْــدْهم للتّــــمايـم
اَعطيتهم بنتيـــن وضحا مـــع غْبـون وقلت لْـزَعَل خَلَّك علــى ما يـلايــم
قال زَعلْ والقــــول مــا يقبلْ ظْنــُون ما انتـم هَلِـيْ، أهلي دروز الغوانــم
سعيد غانم والدي يَا اللي تْنبُّـون (4) البْصيبص رماني رمي مثل السوايم
حُبّ الوفا أدعا زعل شبه مَرهــــون

للـــدّار وَاهْل الــدار ســيفٍ يْــقـاوم

وهكذا لم تزل هذه الحادثة أقصوصة خالدة في تراث الجبل الاجتماعي يتداولها الناس في مضافاتهم وبيوتهم …


(1) الحزون: المرتفعات.
(2) الغبون: الخسائر وما يترتب عليها من أحزان.
(3) عَيِّل: الطفل الصغير في لهجة البدو.
(4) تنبُّون: تخاطبون، لهجة بدويّة من نًبّأ، وهي لهجة يتقنها دروز الجبل.

الاقطاع العالمي الجديد ومزاعم الحرية

الاقطاع رقٌ مقنّعٌ يستعبد الناس، فيثورون ضده، فتتحقق لهم انتصارات، يتغنون بها، ويتباهون بها، من جيل إلى جيل، فتدخل إلى مدارس أطفالهم كمجد أورثه الأجداد للأبناء والأحفاد، وعبرة لهم أيضاً كي يثوروا ويكونوا أحراراً.
هذه هي الصورة التي أورثنا إياها عصر العلم والثورة التكنولوجية والرفاهية والترف والكماليات التي لا تعرف حداً عن معنى الثورة على الإقطاع الحرية.

ولكن هل حققت الثورات تلك الحرية للإنسان حقاً؟
هل الإنسان المعاصر اللاهث طوال حياته، مقطّع الأنفاس، حرّ فعلاً؟
وهل هو حرّ الآن ذلك الذي كسر في الماضي قيد الإقطاع؟
بل، هل زال حقاً ذلك الإقطاع المقيت الذي هزمه أباؤنا وأجدادنا؟
وهل نحن، أخيراً، أحرار اليوم أكثر مما كان أباؤنا وأجدادنا؟
باختصار، إن الاقطاع الذي حاربه الانسان في الماضي لا يزال مستمراً، وكلما خسر معركة غيّر من أساليبه، وزاد من قوته، وقسوته، ودهائه، فأعاد استعباد الإنسان الذي ثار عليه من قبل، وسخّره من جديد جندياً يحارب في معسكره ومن دون أن يدري.
الاقطاع القديم الذي كان بسيطاً، محلياً، في القرى والمناطق، يملك الأراضي ويعمل لديه الناس، تحوّا إلى إقطاع عالمي، راسخ، منظّم، بحماية القانون، يأخذ شكل شركات عابرة للقارات واستثمارات مالية كبرى ومصالح دولية وبنوك تفوق ميزانياتها عدة دول فقيرة مجتمعة، وشركات تصنّع السيّارات والطائرات والكومبيوترات والأفلام، فتعلن عن أرباحها الفصلية بالمليارات، فيصفّق الناس لها، وهم الذين يتغنون بمحاربة الاقطاع، ويدافعون عنها، حتى عن حروبها، أولئك الذين يزعمون أنهم أحرار وأنهم ثاروا يوماً على الإقطاع وتخلصوا منه.
هل الناس أحرار حقاً اليوم كما يزعمون، حتى في أرقى البلدان؟
لو ذهبنا إلى ما يسمّى (المول) ونظرنا إلى ما يعرضه من أصناف وأطياف لوجدنا أن ما يتجاوز تسعين بالمئة من المعروضات هي كماليات لا حاجة للناس بها، بينما هم يلهثون للحصول عليها، فيستدينون من البنوك، ويدفعون الفوائد العالية، وكأن الحرية والسعادة والجنة في هذه القشور، التي يمكن الاستغناء عنها بكل بساطة.
أصبح طبيعياً أن نشتري ثياباً جديدة دون أن نحتاج لها، ونبدّل سيارتنا لأجل الحصول على أخرى بها ميزات أكثر أو موديل آخر، وكذلك نبدّل الهاتف والتلفاز وألعاب الأطفال حتى أصبحنا نبدّل شريك حياتنا لأجل التغيير وكسر الملل، ونبدّل وجهنا ومعالمنا التي خلقها الله جلّ وعلا بعمليات جراحية تكلّف الملايينوسخّرنا لها الطب الذي وُجد أساساً لمعالجة المريض، فبتت الشهرة والمال لأطباء التجميل.
وندّعي مع ذلك الحرية والفهم والتطور ونندفع أكثر في ما نحن فيه ونخدم هذا الغول الذي يستهلكنا أكثر فأكثر.
ندّعي أننا نحافظ على البيئة وهذه الكماليات ومصانعها ووسائل نقلها وترويجها تتسبب بتلوث كبير وجهد لا معنى له إلا جمع المال. وهذا الذي أسموه إقتصاداً عالمياً وبورصة واعتمادات بنكية لا هدف أخير لها إلا خدمة شركات عملاقة وبنوك عالمية غدت هي الإقطاع الجديد تسخرنا جنوداً لها وتصوّر لنا عير الضجيج الإعلامي وغسل الأدمغة أن السعادة كلها في منتجاتها، فتسيطر عل عقولنا، وتجعلنا نسير كالقطيع في الاتجاه الذي يريده لنا هذا الاقطاع الجديد نجترّ فيه جهلنا ونتلذذ بطعمه.

وهاكم البنك الدولي، الإقطاعي الأكبر في عالم اليوم، يستعبد ويسترق دزلاً وشعوباً بأكملها تحت إسم المساعدة وحل مشكلاتها، فإذا المساعدات وتبقى المشكلات فتزداد وتتفاقم.
هذا الاقطاع الجديد خاطب غرائزنا وغذّاها، وحطّم عقولنا وأعماها، فسرنا معه على غير هدى، أرقّاء أذلاّء مستعبدين مخدوعين، نظنّ أننا أحرار ونحن عبيد شهواتنا ونزواتنا وغرائزنا ونسينا أننا نفس إنسانية خالدة من نور الله ، وأن هذا الجسد بما فيه من غريزة هو آلة هذه النفس، وجوادها الذي تستخدمه للوصول إلى كمالها، فجمحت بنا هذه الآلة وهذه الغرائز، وأوصلتنا إلى ما نحن فيهمتناسين قول المسيح عليه السلام: من لم تكن نفسه آمرة لجسده فجسده قبرٌ لها.

أما الإقطاع الحقيقي الذي يتحكم بنا والذي مكّن منا الإقطاع الدولي والعالمي فهو ضعفنا تجاه هذه الغرائز المادية وشهواتها التي لا تنتهي لأننا نغذّيها يومياً بالمزيد فيما وعينا نطمسه في كل حين بالإهمال والقطيعة عن الله. ذلك هو ما مكّن هذا الوحش الكبير الذي يسمى المال وهو الإقطاع الإكبر الذي كلما أكثرنا من جمعه كلما أكثر من استعبادنا. فإذا كنّا ثواراً بحق فلتكن الثورة في نفوسنا وعقولنا، فلا تغرننا هذه الحضارة المزيفة ولنبحث لا عن الكماليات التافهة بل عمّا يحرر عقولنا من جهلها، فنستنير بالهداية الحقيقية التي هي خلاصنا.

كميل بوغانم- أبو ظبي

الجريمة الاقتصادية وطابعها العابر للحدود في ظل العولمة والجريمة المعلوماتية

الجريمة الاقتصادية: مفاهيم متعددة وتعريف موحد غائب.
يقصد بالاجرام الاقتصادي والمالي في شكل عام كل وجه للاجرام غير العنفي الذي تكون نتيجته التسبب بخسارة مالية. وهو يغطي ويشمل شريحة واسعة من النشاطات غير القانونية ولا المشروعة بما فيها الغش، التهرب الضريبي وتبييض الاموال.] وهي تشمل الاعمال التالية:
1- الممارسات الاحتيالية القائمة على الغش والتدليس واستغلال الحالة الاقتصادية من قبل الشركات المتعددة الجنسيات.
2- اختلاس الاموال الممنوحة من قبل المنظمات الدولية.
3- جرائم المعلوماتية.
4- المنافسة او المزاحمة غير المشروعة.
5- الجرائم الجمركية.
6- الجرائم الماسة بالعملة والصرف.
7- الجرائم المصرفية والمتصلة بالبورصة.
الطبيعة الجديدة للجريمة الاقتصادية في عصر العولمة:
العولمة ظاهرة متميزة وهي لحظة جديدة في التاريخ البشري. ومن العوامل التي انجبت العولمة، الطفرة في تقنية الاتصالات والمعلومات ووسائل النقل وشبكة الانترنت والتغيرات الجذرية في بنية العلاقات الدولية خاصة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الامر الذي ادى الى تفرد الولايات المتحدة الاميركية بقيادة العالم. هذا بالاضافة الى التركز الشديد لرأس المال في ايدي شركات عملاقة هي الشركات الاقتصادية المتعددة الجنسية، فضلاً عن قيام منظمة التجارة العالمية التي حررت بقواعدها النشاطات الاقتصادية وفتحت الاسواق والغت الحواجز على مستوى العالم. ومن أبرز الجرائم التي انتجتها العولمة جرائم الحساب الآلي الاقتصادية او “جرائم المعلوماتية”.

جرائم الحاسب الآلي الاقتصادية:
يلغ التوسع الكبير باستخدام الكمبيوتر حد أصبحت هذه الادمغة الالكترونية – مع ما تتصل به من اجهزة اتصالات- موجودة في كل المجالات، ويرجح ذلك الى عاملي السرعة والدقة اللذين توفرهما هذه الحاسبات.
لكن سرعة انتشار الكمبيوتر والانترنت واستخدامهما وفر للجناة وسيلة هامة لارتكاب العديد من الجرائم الحديثة التي يطلق عليها تسمية “جرائم المعلوماتية”، وهي تتصل بتقدم المجتمعات، فكلما ازداد اعتماد المجتمع بمؤسساته المختلفة على الحسابات الألية كان ذلك ايذاناً بزيادة معدل هذه الجرائم.
يمكننا الاستنتاج ان جريمة المعلوماتية هي:[كل تلاعب بالحساب الآلي ونظامه من اجل الحصول بطريقة غير مشروعة على مكسب او الحاق الضرر والخسارة بالمجني عليه. وهي النشاط الذي يؤدي فيه نظام الحاسب الآلي دوراً مهماً لإتمامه].
بماذا تتميز الجريمة المعلوماتية عن الجريمة التقليدية؟!
تختلف الجريمة المعلوماتية بصفة عامة عن الجريمة التقليدية بعدة نواح، منها: ارتفاع الفارق بين الحجم الحقيقي للجريمة وما هو مسجل في الاحصائيات، وذلك بسبب عدم تعريفها بالاضافة الى عدم ابلاغ المجني عليه عن الجريمة التي وقعت عليه اما لنقص الخبرة واما حرصه على سمعة مؤسسته المالية.
كما يتمثل الاختلاف بين الجريمة المعلوماتية وتلك التقليدية لناحية الخسائر بحيث تكون نسبتها مرتفعة بصورة كبيرة في الجريمة المعلوماتية بالمقارنة مع غيرها من الجرائم.
اخيراً تتميز الجريمة المعلوماتية بكونها غير عنفية كما تتسم بالسرعة الهائلة التي يتم من خلالها تنفيذها وحجم الاموال والمعلومات المستهدفة والمسافة التي تفصل بين الجاني والمجني عليه.
يرمز إلى المجرم المعلوماتي وفق PARKER، وهو احد اهم الباحثين في الجريمة المعلوماتية، بكلمة SKARM وهي:
(S) وتعني (SKILLS) أي المهارة العالية التي يتطلبها تنفيذ النشاط الاجرامي والتي يكتسبها الجاني عن طريق الدراسة المتخصصة في مجال الكمبيوتر او عن طريق الخبرة المكتسبة في مجال تكنولوجيا المعلومات.
(K) وتعني (Knowledge) أي المعرفة في التعرف على كافة الظروف التي تحيط بالجريمة المراد تنفيذها وامكانيات نجاحها بحيث يستطيع الجاني ان يكون تصوراً كاملاً لجريمته اذ ان مسرح الجريمة هو الكمبيوتر. فيستطيع ان يطبق جريمته قبل تنفيذها.
(R) وتعني ((Resources أي الوسيلة والامكانيات التي يتزود بها المجرم المعلوماتي لاتمام جريمته.
(A) وتعني (Authority) أي السلطة، والمقصود بها الحقوق والمزايا التي يتمتع بها المجرم المعلوماتي وتتمثل بالشيفرة الخاصة بالدخول الى النظام الذي يحتوي على المعلومات او في الحق باستعمال الكمبيوتر.
(M) وتعني (Motive) أي الباعث وراء ارتكاب الجريمة ونجد ان البواعث الرئيسية لارتكاب جريمة المعلوماتية هي ثلاثة:
– الباعث الاول يتمثل في تحقيق الربح المادي. والمجرم الذي يحركه هذا الدافع ينتمي لطائفة (Career Criminal).
– الباعث الثاني يتمثل في الرغبة في اثبات الخبرة التقنية وينتمي هذا المجرم الى طائفة (Pranksters).
– الباعث الثالث يتمثل في الرغبة بالضرار بانظمة الحسابات الآلية وينتمي الى طائفة (Malicious (Hackers.
وفي النهاية، نجد ان المجتمع الدولي قطع اشواطاً لا يستهان بها من اجل وضع الاتفاقيات الدولية لمكافحة هذه الظاهرة، لكن لا يمكنه التكلم عن تعريف موحد للجرم الاقتصادي ولا عن قضاء دولي في هذا المجال.
لذا على المشترع اللبناني، الى جانب الدور الرائد الذي يلعبه مكتب مكافحة الجرائم المعلوماتية والملكية الفكرية في الحد من هذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها، الاسراع في التنظيم من خلال اقرار تشريعات خاصة متكاملة من شأنها ان تؤمن للبنان الجهوزية الكاملة للعب دور محوري رائد في محيطه، لا سيما في مجال التسويق لكافة انواع التكنولوجيا وفي مجال التجارة الالكترونية ونقل وتبادل المعلومات عبر الشبكات الدولية.

لينا رعد الحمره – باحثة القانونية

بطاقة هوية

– الضحى تنطلق من بيئة الموحدين الدروز لكن انتماءها والتزامها يقع في الدوحة الأوسع للعروبة والإسلام .

–  الضحى مجلة قضايا وحوار ومبادرات تهم الناس في وعيهم وثقافتهم وعيشهم وليست مجلة للخوض السياسي. فالشأن السياسي له مرجعيته ووسائله المولجة بها.

– نهتم بقضايا مجتمع الموحدين الدروز والجبل لأننا قريبون منها واقدر بالتالي على مواجهتها ولا ننطلق في ذلك من مشاعر الانغلاق الثقافي أو الديني أو الاجتماعي.

– لأن العديد من هذه القضايا ليس خاصا بمنطقة أو بفئة فإن المعالجات قد تحمل ما يمكن البناء عليه من قبل إخواننا في الوطن في مناطق وبيئات مشابهة. أي أن عملنا ينطلق من الخاص ليطال بالفائدة صعيدا أعم وأرحب.

أدب الحرب في وصيتين

الخليفة عمر بن الخطاب

اشتهر عمر بن الخطاب الخليفة الثالث لرسول الله (ص) بصفات القوة في الحق والعدل في الناس، لكن بين إحدى أهم صفات هذا القائد العربي كانت شهامته وتمسكه بأعلى مناقب السلوك في الحرب، وهو الذي كان يؤمن بأن سبيل النصر هو تقوى الله وليس المكائد والخيانة أو الظلم والعدوان كما يحصل اليوم في أكثر حروب البشر وصراعاتهم. في ما يلي وصيتان لـ الخليفة عمر كان يكررهما على اسماع القادة والجند قبل انطلاقهم للجهاد وهما وصيتان زاخرتان بالمعاني التي تكشف سماحة الإسلام وعظمته

وصية عمر لقادة الجند

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحرص على إلقاء هذه الوصية على مسامع قادة الجند عند تسليمهم الأعلام وتأهبهم للفتوحات والجهاد. وتلخّص هذه الوصية البليغة مفهوم الجهاد في الإسلام باعتباره يقوم على تقوى الله وطلب النصر منه عبر اجتناب المعاصي وهنا نص الوصية:
«أما بعد، فإني آمرك ومن معك بتقوى الله على كل حال فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة على الحرب. وآمرك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجند أخْوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة لأن عددنا ليس كعددهم ولا عدتنا كعُدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وألا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم تجاهدون في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يُسلَّط علينا، فرُب قوم سُلِـط عليهم شرٌّ منهم كما سُلِط على بني إسرائيل لما عملوا بمعاصي الله كفار المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، اسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم.‏

وصية عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح

أوصى عمر بن الخطاب قائده أبا عبيدة بن الجراح لما وجّهه إلى فتح بلاد الشام بما يلي:‏
“بسم الله وعلى عون الله، وامضوا بتأييد الله بالنصر وبلزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تُمثـِّـلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرِماً ولا امرأة ولا وليداً، وتوقّوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حُمّة النهضات، وفي شن الغارات، ولا تَغُلّوا عند الغنائم، ونزِّهوا الجِهاد عن غرض الدنيا، وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم”.‏
أهم ما في هذه الوصية هي تشديد الخليفة عمر على أن يكون الجهاد والسير بالفتح «بسم الله وعلى عون الله»، لأن هذه النية بالذات هي التي تميّز «الجهاد» الحقيقي عن حروب العدوان والتوسّع أو الانتقام أو كسب المجد الدنيوي العابر. كما يؤسس الخليفة عمر لقانون إنساني في الحرب ينسجم مع سماحة الإسلام عندما يوصي قادة جنده بعدم الاعتداء، لأن الله تعالى لا يحب المعتدين كما يوصي بعد ذلك بإظهار الشجاعة عند لقاء العدو ويحذر من المُثلة –أي التمثيل بالجرحى والقتلى- وهو ما نهى عنه الرسول (ص) أيضاً في الحديث الصحيح: «إياكم والمُثلة ولو بكلب عقور».
كما يوصي عمر المسلمين «بألا يسرفوا عند الظهور»، ومعنى هذا ألا يتعدوا حدود التواضع بعد تحقيق النصر، لأن هذا النصر من عند الله من جهة، ولأنه ليس من المصلحة إيغال صدور جند العدو بالتكبر والتعالي والزهو عليهم عند النصر، من جهة ثانية فإن قتل الشيوخ والنساء والأطفال محرم كما يتوجب على المقاتلين أن يبذلوا جهدهم لتجنب إيذاء المدنيين عند اشتداد حدة القتال (إذا التقى الزحفان) أو في حال القيام بالإغارة على معسكرات العدو وتجمعاته.
يوصي عمر جنده بعد ذلك «بألا يغلوا عند الغنائم» أي الاستئثار بجانب من الغنائم وعدم تقديمه إلى القسمة الشرعية ويضيف «وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به». ‏وهو الجهاد المكرس لخدمة الله تعالى ودعوته، والمنزه عن أي هدف من الأهداف الدنيوية وقد اجتمعت الآيات القرآنية والسنة النبوية على فضل وثواب الجهاد في سبيل الله

القواعد الإحدى عشرة للسالكين في طريق الحق

طرق التحقُّق الروحي مبنية على العمل بعدد من القواعد والتمارين الروحية التي بُنيت على اختبار المُرشدين العِظام وتعليمهم وتربيتهم لمريديهم. وقد اشتهر من هذه القواعد التي تأخذ بها بعض الطرق الصوفية ما يعرف بـ «الكلمات الإحدى عشرة»، والتي تلخص بإيجاز بليغ أهم القواعد التي يقتضي على السالك التزامها على طريق المجاهدة واستكشاف الحقائق المستبطنة في ظاهر الوجود وسريانه في الزمان والمكان. وكما سيلاحظ فإنَّ الهدف الأساسي لتلك القواعد هو صرف اهتمام وحواس السالك عن أغراض الدنيا وعن نوازع الهوى، وتوجيه كامل وجوده للعبادة والتقرّب من الله تعالى بالصلاة ومجاهدة النَفس ومداومة الذكر، إلى أن يثمر كل ذلك تطهير القلب من الرذائل ودوام الحضور مع الله تعالى إلى حين تجلِّي نور الحق في القلب وتحقّق الحضور والقرب من المولى وهو قرب يدرك بعين القلب لا بعين الرأس، أي بالبصيرة لا بالبصر.

الكلمات الإحدى عشرة التي تمثِّل قانون سلوك المريد الجاد على صراط الحقِّ، فهي حسب المصطلح الصوفي كالتالي:
اليقظة عند النَفَس – النظر إلى القدم – السفر في الوطن – الخلوة في الجَلوة – الذكر الدائم – العودة من الذكر إلى الذات – حراسة القلب من الغفلات والخواطر، أو الحضور الدائم – حفظ آثار الذكر في القلب – الوقوف الزماني – الوقوف العددي – الوقوف القلبي , وفي ما يلي تفصيلها:

-1 اليقظة عند النفس، أو حفظ الأنفاس

معنى حفظ النَفَس عن الغفلة، أي أن يكون قلب السالك حاضراً مع الله في جميع الأنفاس، فلا تتوزَّع خيالاته على أمور دنيوية. وقال أحد أقطاب التصوّف بهاء الدين نقشبند إنَّ عمل السالك متعلِّق بنفسه، فعليه أن يعلم هل أمر نفسه مع الحضور أو مع الغفلة لكي يبقى في الذكر ولا يتوزّع باله على الماضي أو المستقبل في حال الغفلة. وباختصار تعني هذه الكلمة عند أهل الحقيقة اليقظة والدِقَّة والفكر عند التنفّس، وهو درجة من درجات الترقّي في الطريق، حتى قيل أنَّ السالك إذا أضاع نَفَساً له فكأنه ارتكب ذنباً.

-2 النظر إلى القدم

على الصوفي في حال مشيه في الطريق أن يكون نظره مركَّزاً على موضع قدمه حتى لا يتوزَّع باله وعقله على أنحاء كثيرة، وحتى يكون عقله وفكره مع الله تعالى فلا يغترّ بجمال ومتاع الدنيا، وهذا عمل محمود ولكن الإمام الربَّاني يقول إنَّ معنى النظر على القدم هو كالاستطلاع للسير على القدم لعروج المقامات، وقبل أن يخطو بقدمِه إلى المقام الجديد فعليه أن يتحقَّق فيه ويعرف مكانه، فيخطو إلى المقام الجديد.

-3 السفر في الوطن

وله معنيان: المعنى الأول، هو السفر بالجسد على اعتبار أنَّ السير في الأرض يورث العِبرة في النظر إلى المخلوقات، ويوجِّه أبصار السالك إلى عظمة خالقه. أما المعنى الثاني، فهو البحث عن المُرشد الصالح. إذ أوصى كبار المشايخ بسفر المُريدين للبحث عن مُرشد كامل، وقالوا أيضاً أنَّ السفر في الوطن يُقصد به أخذ السالك لطريق الانتقال من الصفات البشرية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة، وهو سفر من عالم الخلق إلى الحقّ؛ وهو سفر من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام أرفع.

-4 الخلوة في الجلوة

ومعناه أنَّ جسده مع الخلق وقلبه مع الخالق. والخلوة نوعان: خلوة مادية، وهي عبارة عن انتقال السالك إلى زاوية معزولة للتعبُّد والتأمُّل، وهذه نافعة للسالك لضبط حواسه وإمكان التركيز على قلبه والانهماك في حال قلبه. ومن المعلوم أنَّه كلَّما استطاع تعطيل الصفات الخارجية من العمل، كلما تزداد الصفات الباطنية نشاطاً وعملاً. وبهذا يقرب من عالم الملكوت. والنوع الثاني، هو خلوة القلب، بحيث لا يغفل عن ذكر ربِّه حتى إذا كان مع الناس ومشغولاً بالكسب والذهاب والإياب، فيبقى قلبه ذاكراً ولا يغفل عن ربِّه، قال تعالى: «رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله» (النور 37)؛ ويستحسن معظم كبار علماء التصوُّف أن يعود السالك إلى الناس عاملاً بالكسب الحلال بعد أن يستقرَّ ويتقدَّم في سلوكه. وقال الشيخ أبو سعيد الخراز، المتوفى 279 هـ: ليس الكامل من صدر عنه أنواع الكرامات، وإنما الكامل الذي يقعد بين الخلق يبيع ويشتري معهم ويتزوج ويختلط بالناس، ولا يغفل عن الله لحظة واحدة. ويقولون (الصوفي كائن بائن) أي بالظاهر، والجسم كائن مع الخلق والباطن والقلب بائن عنهم.

-5 الذكر الدائم

والذكر بالمعنى العام الذي يشمل ذكر اسم الجلالة والتأمُّل، والصلاة وقراءة القرآن الكريم والدُّعاء هو أساس السلوك الصوفي. والغالب الشائع من معانية هو ذكر اسم الجلالة (الله) والتأمُّل. والذِكرُ قد يكون جهراً وقد يكون سراً جوهره النفي والإثبات (لا إله إلاَّ الله)، وفي الحديث الشريف: «أفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي لا إله إلاَّ الله». والمقصود بالذِكر هنا هو مداومة الذكر والتذكُّر، والفائدة في الذِكر القلبي أنه لا يحتاج إلى صوت أو حرف، أي القول باللسان فيستطيع السالك أن يذكر حتى في خِضمِّ العمل. وهذا الذِكر القلبي يتطلَّب المداومة حتى يتحقَّق للذاكر سالك الحضور الدائم مع المذكور، وهو الله سبحانه؟.

-6 العودة من الذكر إلى الذات

 ومعناها رجوع الذاكر من النفي والإثبات (لا إله إلاَّ الله) بعد إطلاق نَفَسه إلى المناجاة بهذه الكلمة الشريفة باللسان أو بالقلب «إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي»، وذلك لطرد كلِّ الخيالات من قلبه حتى يفنى من نظره وجود جميع الخلق.

-7 حراسة القلب من الغفلات أو الحضور الدائم

ومعناه أن يحفظ المُريد قلبه من دخول الخواطر ولو للحظة، فإنَّ خطراً على قلبه شيء حقاً كان أم باطلاً، فعليه أن يوقف ذكره حتى ينتهي من طرد الخواطر، ليبدأ بالذكر من جديد. وهذا التوقّف معناه أنَّ على السالك أن يحافظ على الثمار من البركات التي حصل عليها بمداومة الذِكر، أو على درجة الحضور والمشاهدة التي حصل عليها باستقامته على الذكر، فلا يسمح بتسلُّل الخطرات إلى قلبه. وبهذا فإنَّ على السالك أن يتمرَّن ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات يومياً حسب طاقته على حبس ذهنه وفكره القلبي، بحيث لا يخطر في قلبه شيء ولا يبقى في قلبه غير الله سبحانه. لكن ليس المقصود أن لا تمرَّ أيَّةُ خاطر مهما كان في القلب، بل المعنى هو أن لا يستقرَّ ذلك الخاطر فيكون كالأوراق التي تمرّ سريعاً على الماء الجاري ولا تتوقَّف.

-8 المشاهدة

وهي التوجُّه الخاص لمشاهدة أنوار الذات، وتُسمَّى أيضاً عين اليقين والشهود. وقال أحد المشايخ العارفين إنَّ المشاهدة هي حضور القلب مع الله تعالى على الدوام، وفي كل حال من غير تكلف ولا مجاهدة؛ وهذا الحضور في الحقيقة لا يتيسَّر إلاَّ بعد طي مقامات الجذبة وقطع منازل السلوك. وقيل أيضاً أنَّ المشاهدة هي ثمرة عمل السالك، وقد تكون ثمرة الذكر أو المراقبة أو مساعدة المُرشد، ويصلها السالك بعد قطع كل الحواجز.

-9 الوقوف الزماني

وهو المحاسبة القلبية، ومعناه أنه ينبغي على السالك بعد مضي كل ساعتين أو ثلاث أن يلتفت إلى حال نفسه كيف كان في هاتين الساعتين أو الثلاث. فإنَّ كانت حالة الحضور مع الله تعالى شكر الله تعالى على هذا التوفيق وإن كانت حالة الغفلة استغفر منها وأناب. وجاء في كتاب “الرشحات” أنَّ بهاء الدين نقشبند قال: «الوقوف الزماني هو أن يكون السالك واعياً لحاله، عارفاً بما هو فيه هل يستحق الشكر عليه، أو يجب عليه الاعتذار فإن كان حسناً شكر الله عليه وإن كان غير ذلك اعتذر. أي أنَّ الوقوف الزماني هو مراقبة الحالين القبض والبسط؛ ويفهم أيضاً أنَّ حالة البسط أساسها اليقظة وحالة القبض أساسها الغفلة.

-10 الوقوف العددي

وهو المحافظة على عدد الِوِتر في النفي والإثبات ثلاثاً أو خمساً (لا إله إلاَّ الله)، ومنهم من يستطيع الذكر 21 مرة بنَفس واحد. فهذه المراقبة العددية تُسمَّى الوقوف العددي. فالسالك واقف متيقِّظ بضبط نفسه على الذكر بالوتر، وهذا الذكر بالقلب وبالباطن وكذلك عدّه بالقلب وبالباطن وليس باللسان. ولهذا الوقوف ثمرة معنوية كبيرة، والحِكمة منه هي معرفة السالك متى وفي أي مرحلة من الذكر تحصل له ثمرته، فإن بلغ في الذكر 21 مرة ولم يشعر بالثمرة المعنوية، فإنَّ علامة واضحة لنقصان شروطه وأنه يراقب العدد ليعرف في ما إذا حصلت له البركة أم لا. فإن لم تحصل البركة من 21 مرّة فعليه أن يبحث عن سرِّ النقص في المجاهدة والعمل.

-11 الوقوف القلبي:

قال الشيخ عبد الله الدهلوي إنَّه عبارة عن تنبُّه السالك لحال قلبه بمراقبته ومحاولة الإطلاع على أنه ذاكر أم لا، أي أنَّ الوقوف القلبي هو حراسة القلب لكي يذكر الله دائماً ولا يغفل عنه، ويكون القصد من الذِكر هو «المذكور» لا الكلمة في حدِّ ذاتها. والوقوف القلبي أفضل من الوقوف الزماني والوقوف العددي، ذلك أنه مع أهمية الوقوفين الزمني والعددي لاستحصال البركات، فإنَّ فقدانهما لا يؤثِّر في السلوك الصوفي، ولكن الوقوف القلبي ضروري لأنَّ السالك الذاكر إن فَقَدَ الوقوف القلبي وأصبح ذكره مجرد حركة اللسان دون الوعي، فإنه لا يحصل على شيء.

تيمور بك جنبلاط ووزير الصحة وائل أبو فاعور

تيمور بك جنبلاط ووزير الصحة وائل أبو فاعور

النائب أكرم شهيب1
النائب أكرم شهيب

«الضّحى» فـي أيـدي الجميــع

مجلة النُّخبة الإجتماعيّة والسياسيّة والشخصيّات والقيادات

للإشتراك ولتأمين وصولها إلى عنوانك، إتصل الآن على الرقم: 81-777612

للنهضة للأرض للمعرفة

اتّصِلوا بنا!

إذا كانت لديكم مساهمة حرة تودّون عرضها للنشر..

إذا كانت لديكم صورٌ أو وثائق تاريخيةٌ تريدون مشاركتِنا بها..

إذا كانت لديكم تعليقات أو آراء أو مقالات مفيدة

إذا كانت لديكم اقتراحات بمواضيع وجيهة ترغبون في تغطيتها..

إذا كان لديكم إبداعات أدبية أو شعريّة

مهما كانت المشاركة التي تودّون المساهمة بها

تواصلوا مع رئيس التحرير
على العنوان التالي:
mail@dhohamagazine.com

مساهمات حرة