أخطار بيئية وخطايا مهنية

أخطار بيئية وخطايا مهنية

حفارات-وعمران-فوضوي-تدمر-الطبيعة-ومراعي-النحلa
0 19

أخـطار بيئيـة وخطايـا مهنيـة
تهدّد سمعة العسل اللبناني

التهــام العقــار والجرافــات للمساحــات الجبليــة
يضيــق باستمــرار المراعــي المتوافــرة للنحــل

العسل من أشرف وأنفع الأغذية التي أنعم بها الله على الإنسان حتى أنه كان منذ القدم مثالاً للغذاء الطهور النافع والشافي }يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ{ (النحل:69)، لكن العسل الذي تحدث عنه القرآن الكريم وعرفه الناس لقرون طويلة كدواء شافٍ كان العسل الصافي الذي يصنعه النحل من دون تدخل الإنسان نتاجاً طبيعياً مثل كل خيرات الطبيعة. أما الآن فقد تبدّلت صورة العسل بسبب تدهور البيئة التي يعمل فيها، وكذلك بسبب دخول الجشع وحسابات الربح بأي طريقة في التعامل كسلعة مثل غيرها من السلع. فما الذي يتبدّل في عسل بلادنا، وما العمل للحفاظ على جودته وسمعته من أن تتضررا نتيجة للإهمال البيئي وبعض الممارسات الخاطئة؟
العسل الطبيعي في لبنان من أفضل الأعسال في العالم بشكل عام، لأنه يحتوي على عدد كبير من مصادر الرحيق وحبوب اللقاح، التي يزيد عددها عن ألف نوع، إضافة إلى الندوة العسلية. على سبيل المثال يوجد في محمية أرز الشوف الطبيعية حوالي 530 نوعاً من الأزهار المفيدة للنحل، والتي تمتاز بإنتاجها للرحيق واللقاح معاً، ولكن بنسب مختلفة ويوجد قسم لا بأس به منها في تركيبة العديد من الأدوية، كما يتميز لبنان رغم مساحته الصغيرة بوجود حوالي 2800 زهرة مقارنة ببعض الدول المتطورة في تربية النحل وإنتاج العسل مثل انكلترا أكبر من لبنان بحوالي 22 مرة تحوي 2200 نوع من الأزهار تقريباً.
طفيلي الفاروا يلتصق بنحلة عاملة
طفيلي الفاروا يلتصق بنحلة عاملة

مبيدات رديئة لآفات النحل تترسب في العسل ونحالون «يغـــــذون» النحل أو يسخـــنون العســـل حتى الغليــــان

آثار التدهور البيئي
لكن على الرغم من توافر البيئة الطبيعية المثلى لإنتاج أفضل عسل في العالم ذي خصائص طبية، فإن هناك مجموعة من العوامل بدأت تتسبب بتراجع متزايد في صناعة تربية النحل وكذلك في نوعية العسل التي تميز بها لبنان، ومن أهم تلك العوامل ما يلي:
1. إزدياد المساحات العمرانية وانتشار عادة بناء منازل ضخمة وذات مساحات كبيرة تفوق بكثير ما تحتاجه الأسرة، وذلك على حساب الأشجار المثمرة والحرجية والنباتات والأعشاب البرية المفيدة للبيئة والنحل.
2. تضاعف عملية شق الطرق البلدية أو الخاصة خدمة لأغراض التوسع العقاري، وهو ما يجر إلى استهلاك مساحات كبيرة من الأراضي الحرجية التي ينمو فيها عدد كبير من النباتات البرية المفيدة للنحل، أضف إلى ذلك ما يجره العمران وكافة سير السيارات من تلوث وانتشار غبار وأدخنة تتصاعد من الحافلات والشاحنات ويترسب قسم منها في الأزهار فيتلف الرحيق وحبوب اللقاح، هذا عدا عن الغبار الذي يدخل الى قفران النحل ويتجمع في العيون السداسية المملوءة بالعسل.
3. قطع الأشجار المثمرة والحرجية في عدد من المناطق الساحلية أو الجبلية وبيعها حطباً للتدفئة بهدف إخلاء المزيد من الأراضي لأغراض التوسع العقاري أو لإستبدالها بزراعة بعض النباتات التزينية غير المزهرة أوالمنتجة، وبالتالي غير المفيدة للنحل. نتيجة لذلك، فإن النحالين يجدون صعوبة متزايدة سنة بعد سنة في إيجاد أماكن على الساحل يمكن حفظ قفران النحل فيها خلال فترة الشتاء والربيع، وهي فترة جني مهمة تساعد من جهة على حفظ النحل من شتاء الجبل القارس، كما توفر دخلاً إضافياً يحتاجه النحال بقوة تعويضاً عن ركود الشتاء.
4. على العكس من ذلك، فإن على الدولة، إذا كانت راغبة في تطوير صناعة العسل في لبنان، أن تطبق خطة وطنية للتشجيع على زراعة النباتات والأشجار التي تمد النحل بالرحيق وحبوب اللقاح وخصوصاً في الأماكن العامة (الحدائق العامة والخاصة، جوانب الطرقات، الساحات الخ). وفي الوقت نفسه التشجيع على زراعات منتجة ملائمة لطبيعة الجبل ومفيدة أيضاً لصناعة العسل.
5. الحرائق المفتعلة أو الناجمة عن استهتار المتنزهين أو بعض الأشخاص، والتي تؤدي الى تقلص المراعي الطبيعية للنحل، إضافة الى إنقراض الكثير من النباتات النادرة، والتي تحتوي على مواد طبية مفيدة للنحل والإنسان. كما أن للحرائق ضرراً كبيراً إضافياً هو أنها تفسح المجال لنمو وتكاثر النباتات والأشجار الضارة التي تنمو وتتوسع على حساب غيرها حتى تسيطر عليها كلياً. على سبيل المثال: الصنوبر البري والوزال والقندول وغيرها، والتي بدورها تعيق نمو وإستمرار النباتات الأساسية التي كانت موجودة قبل الحريق.

أخطاء وخطايا النحالين
إضافة إلى التحولات البيئية السلبية التي تقلص باستمرار مراعي النحل الطبيعية، فإن هناك عدداً من الأخطاء أو أعمال التلاعب والسلوك غير المهني من قبل بعض النحالين، وهنا يمكن أن نعدد الكثير منها لكننا نقتصر على الأهم والأكثر شيوعاً، وهو التالي:
1. عدم استخدام المعالجات الكيميائية الصحيحة لمعالجة بعض آفات النحل الخطيرة مثل عنكبوت الفارواز، لأن المبيدات المستخدمة أو المتداولة محلياً غير فعّالة في مكافحة الفارواز لأن المبيدات المتخصصة غير موجودة في لبنان ولا يتم استيرادها ربما لأنها أعلى تكلفة. لذا ننصح بعدم استخدام أي مبيدٍ على النحل غير موثوق المصدر والتركيبة للمادة الفعالة. هذه المبيدات كما جميع المبيدات الزراعية تعيق وتعطل بعض الغدد عند النحل مما يؤدي الى تغيير مسار النحل خاصة الجانيات وعودتها الى خلايا أخرى غير خليتها، فتقتل أو تشرد في البراري حتى موتها. أما تأثير تلك المبيدات الرديئة على نوعية العسل فيكون في ترسب كمية لا بأس بها من المادة الفعّالة للمبيد المستخدم في الخلية داخل العسل لأن هذه المبيدات غازية تنتشر في جميع أنحاء الخلية، والعسل مادة جاذبة للرطوبة المحيطة بها، وهنا تصبح مشبّعة بهذا المبيد المستعمل.
2. المكافحــــــة الكيميائيـــة للاشجـــــــــار المثــــــمــــــرة والمزروعـــــــــات: إن المبيــــــدات الكيميائيـــــــــة التي تستخدم لمكافحة الأمراض والحشرات على الأشجار المثمرة والأشجار الحرجية والخضار سامة جداً، وهي تُسهم مباشرة في موت عدد لا يستهان به من النحلات العاملات التي تعمل خارج الخلية، أو حتى العاملات التي تعمل في داخل الخلية واليرقات التي تتغذى على الرحيق وحبوب اللقاح. إن العاملات، التي تجني الرحيق وحبوب اللقاح، عندما تكتشف مرعى جديداً تعمد الى تذويق العاملات التي تستعد الى رحلة البحث عن الغذاء، وتغذية بعض العاملات التي خرجت حديثاً من النخروب أو العيون السداسية. أما الرحيق المتبقي في حوصلتها فتعمد الى تخزينه في النخاريب المجاورة لليرقات حتى تخلطها العاملات التي ما زالت تعمل داخل الخلية مع حبوب اللقاح وتقدمها الى اليرقات. هذا الغذاء يؤدي الى موت عدد لا يستهان به من العاملات والحضنة.
3. استخدام المبيدات العشبية Herbicides: وهي مركبات شديدة السمية وخطيرة جداً على النحل والإنسان، لأنها جهازية وتصل الى مستوى جذور الأشجار المثمرة والخضار عبر جذور الأعشاب المكافحة. فتمتصها تلك النباتات حتى تترسب في اوراقها وثمارها التي هي غذاء الإنسان. أما ضرر هذه السموم على النحل فيحصل عند استخدام المبيدات في مرحلة الإزهار، وهذا ما يحصل غالباً لأن مكافحة الأعشاب تتم غالباً إما عند بدء الإزهار أو خلال الإزهار وحوالي الـ 70 في المئة من المزارعين يكافحون الأعشاب في هذه المرحلة، وهذا ما يؤدي الى موت النحل كما ذكرنا أعلاه في مكافحة الأمراض والحشرات على الأشجار المثمرة والخضار.

قفران-نحل-في-معاصر-الشوف
قفران-نحل-في-معاصر-الشوف

 

4. تسخين العسل إلى درجة الغليان (100 درجة مئوية تقريباً): وهذه البدعة ونكاد نقول الجريمة يعمد إليها بعض النحالين الجشعين بعد قطاف العسل مباشرة، وذلك لغايتين إثنتين هما:
أ. الحؤول دون تجمّد العسل واحتفاظه بحالته السائلة. لأن الكثير من مستهلكي العسل يعتبرون عن قلة خبرة أو فهم خاطئ أن العسل الذي يتجمد لا بد أن يكون مغشوشاً وغير صالح كغذاء. أما الصحيح فهو العكس تماماً وبالمطلق، إذ أن غلي العسل يفقده جميع ميزاته إضافة الى إسمه، ويؤدي الى موت جميع خواصه الغذائية والطبية من انزيمات ومعادن وفيتامينات ولزوجية ورائحة زكية فيصبح من حيث القيمة الغذائية في مستوى سكر الطعام لا أكثر ولا أقل.
ب. الهدف الثاني من غلي العسل (خصوصاً الربيعي) هو أن يستفيد النحال من مواسم عدة، فهو يقطف العسل قبل إنضاجه من قبل العاملات، أي سحب الرطوبة الزائدة منه وإضافة الأنزيمات وحبوب اللقاح له. ولأن العسل الذي يقطف قبل إنضاجه من قبل النحل يفسد (يحمض) بعد وقت قليل، وتتردى نوعيته، وبالتالي ينخفض سعره. لذلك يقوم النحال بغلي العسل فور قطافه ليحميه من الفساد ولكي يمكنه وضع براويز جديدة يعود النحل فيملأها أو بعضها ويحصل بذلك على محصول إضافي. لكن يجب القول إن هذا العسل المغلي لا يصلح كغذاء ودواء، ويجب أن لا يندرج تحت اسم «عسل» على الإطلاق.
5. التغذية السكرية: وهي مشكلة المشاكل التي تهبط بنوعية العسل وبطعمه وفوائده المفترضة. ونبدأ بالقول إن النحل في لبنان بحاجة الى تغذية سكرية خاصة في بعض أوقات السنة، وفي حال وجود جماعات نحل ضعيفة فقط. مثلاً في فصل الشتاء يغذى النحل لتهيئته للموسم القادم في بداية فصل الربيع، وذلك بهدف حث الملكة على وضع اكبر كمية ممكنة من البيض، بحيث تقوى خلية النحل ويرتفع عدد الجانيات فيكون القفير مستعداً لبدء الجنين مع أول إطلالة لفصل الدفء، وهو ما يؤدي إلى جني اكبر قدر ممكن من الرحيق واللقاح من الإزهار في الربيع. لكن من الضروري، تقديم الغذاء حسب حاجة الخلية له، وبحيث يتأكد إستهلاكه كله من العاملات وعدم تخزين أي نسبة منه في الأقراص الشمعية المعدة لصنع العسل. وبالطبع، فإن أي نحال يستهدف إنتاج محصول يكفي مؤونة العام أو يزيد قليلاً، يهمه الحصول على عسل صافٍ لم يخالطه سكر أو محليات أخرى، وهو سيحرص على أن تكون التغذية للحفاظ على النحل وتقوية الخلية، وهذا يفترض توفير ما يحتاجه النحل من دون زيادة، لأن هذه سيستخدمها النحل لملء براويز العسل بمادة سكرية بالدرجة الأولى. لكن هناك من النحالين من يستخدم التغذية كقناع لغش العسل، وذلك عبر الإسراف في توفيره للخلية حتى عندما تكون هذه قوية وفي موسم لا يحتاج النحل فيه الى الغذاء. إن القاعدة هنا هي أن تُترك للنحل الطبقة السفلى من القفير بعسلها، وأن يتم جني العسل من الطبقة العليا على أن تكون التغذية قد توقفت تماماً عند إضافة تلك الطبقة في أول موسم الجني، عندها يضمن النحال أن العسل الذي يستهلكه أو يبيعه لا يدخله أي تغذية سكرية، وأنه بالتالي صافٍ وذو نوعية جيدة. أما الاستمرار في التغذية بعد أن يتم تركيب الطبقة العليا فهو غش محض لأن فاعله وإن كان لا يضيف السكر إلى العسل مباشرة إلى أنه يضيفه عبر إطعامه للنحل، وعندها فإن العسل الذي يبيعه لا يستحق تسميته بالعسل، كما أنه هو لا يستحق تسمية «نحال» !

ليس كل ما يقطر عسلا
ليس كل ما يقطر عسلا
عاملات-في-الخلية.-البعض-يهتم-بصنع-العسل-والبعض-يهتم-يخدمة-الملكة-_في-الوسط-
عاملات-في-الخلية.-البعض-يهتم-بصنع-العسل-والبعض-يهتم-يخدمة-الملكة-_في-الوسط-

تعليقات
Loading...
preloader