أسلوب الأمير شكيب أرسلان في تطويع اللغة العربية

0 153

عرف الناس الأمير شكيب أرسلان (1869 – 1946) رائداً من روَّاد النهضة، ورسولاً من رُسُلِ الإصلاح، وعَلَماً من أعلام الوطنية، وابتلوه واحداًَ من حُماةِ الإسلام وأولياءِ الحُريّة، وأنصار التمدّن.
وكانَ بشهادة عارفيه رجُلاً قويَّ الشخصيّة، سديدَ السياسة واسع الثقافة، على قدمٍ واحدةٍ مِنَ الصدق والصَلاح في علَنه ونجواه.
فكان لهذه التعدديّةِ، أثرٌ ظاهرٌ في أدبه، لأنَّ الأدب بمعناه الأصَحّ، لا يكمل إلاّ بهذه الصفات، ولأنَّ أدب الأمير شكيب على الأخصّ، مِثال الأدب الكامل الذي يقوم على ألزم الخصائص للإنسان، وهي: سراوة الخُلُق وذكاء القريحة، وسداد الذهن، وسعة الثقافة.
وإذاً لا نستطيع أن نُحلّل تركيبَه الأدبي، إلى مؤرّخ وسياسي وأديبٍ ولُغويٍّ وفقيه، ما دام أسلوبه مزيجاً من أولئك جميعاً.
وعلى الجُملةِ، فإنّ أسلوب الأمير شكيب أرسلان، إمتاز بالمتانة والجزالةِ معاً، مُراعياً اللُغة والبديع والأمالي والمقامات، ولكُلٍّ من هذه الفنون، أصولٌ ليس في إمكان الأديب أن يتعدّاها أو يغفل عنها.

لُغتُه

أدرك الأمير اللغةَ العربيةَ في هيكلها المعجميّ الأوّل، وأصولها النحوية الغابرة، فحفظ من دقائقها وشواردها، ما لم يحظَ بمثله غير علمائها الأعلام، فكان معجماً ناطقاً كأُستاذه الشيخ عبد الله البستاني. وكيف لأمير البيان أن يذهل عن لغةٍ إمتزجت نفائسها بنفسه؟، حتى راح يتصرّف بألفاظها كيف يشاء ويوجّه أساليبها حيث يريد، ويخلص لها إخلاصه لقومَّيته، على أنَّهُ – رغم ذلك – كان يعلم تماماً أنّ اللغة كائن حي وأنّ الإفراط في إغلاقها وعدم المُلاينة فيها، يساعد على خنقها، ويساهم في موتها، فأضاف إلى ثروته الأثرية، كثيراً من الألفاظ التي أوجبها القياس، ولو لم تكن موجودةً في كلام العرب، لأنَّه عُرِفَ بعبقرية خاطرته أنّ المعنى الوضعي لمفردات العربية، وإن كان واحداً من الوجهة اللغوية، غير أنه يدلُّ على معانٍ حضاريّة أُخرى جاءت بها الحداثة وجاء بها التنوّع. (فالقطار) اليوم، ليس قافلةً من الجِمَال يسير الواحد منها وراء الآخر في ظاهر الصحراء، مثلما جاء في القواميس الأولى، وإنَّما هو السكة الحديد في وقتنا الحاضر، كما عرف أنَّ المفردة تكتسب تأثيراً مختلفاً في كلِّ عصرٍ من العصور، فالمفردات لا تبقى واحدة في نكهتها وإحساس النفس بها، لأنّ خيال الألفاظ في الفكر، يختلف بإختلاف الفِكر نفسه، فأخذ الأمير شكيب في كتاباته الأخيرة يطوّع اللغة لطبيعة العمل، ويطوّرها على سُنّة العِلم، ويوجّهها إلى خدمة الحياة، من دون الإساءة إلى بنيتها أو المساس بجوهرها.
وبعد،
فإنّ أحداً لا يكابر في أنَّ أسلوب الأمير شكيب أرسلان، غاية في البساطة والسموّ والبلاغة، مع فصاحةٍ تامة، وتركيبٍ متّسق، يدلُّ على علمٍ غزيرٍ باللُغةِ، وإحاطةٍ تامة بالأساليب البديعية، ومعرفة واسعة بأمثال العرب، التي قلّما غادرت أُسلوبه.
وأنا، لا أعرف في معاصريه كاتباً أصفى عربية منه، كأن أدبه شعاعاً من أفكار السلف، الذي يرى في يومه، غده، وتجارب الماضي، التي تتوق إلى تجارب الحاضر والمستقبل.

شِعرُه

عاصر الأمير شكيب أرسلان، شاعران هما: محمود سامي البارودي وإسماعيل صبري، وهذان الشاعران رفعا مستوى الشِعر العربي، ونَهَجا بهِ نهجاً جديداً، فحذا الأمير حذوهما ونهج نهجهما في تجديد الشعر لفظاً ومعنى وصياغة، بيد أنه إختلف عنهما غرضاً، فللأمير شخصية أدبية مستقلَّة، وتوجّه حياتي خاص.
لم يتخلّف الأمير عن المتقدِّمين، في مطالب الشِعر، وقاله مثلهم، وزاد عليهم شيئاًَ من مظاهر الحضارة الجديدة. فهو لا يجهل المدرسة الرومنسية التي ظهرت في فرنسا بشكلٍ خاص، وقد عرض ذلك في كتابه “أناتول فرانس”، ولكن إنصرافه إلى سياسة الأُمَّة وقضاياها الكبرى، وضع حدوداً لتجديده، فما تجاوزها، في زمنٍ استطاع فيه التجدّد، ولم تطلق هموم الشرق أسر الأمير إلاَّ بعد أن إلتحق بربّه.
يقول مارون عبّود: “لو انصرف الأمير شكيب أرسلان إلى الشِعر وحده، لكان هو أمير الشعراء، وليس أحمد شوقي”.
غير أنّ الأمانة العلمية تقتضي القول إنَّ شعر الأمير كان يحمل دائماً أثراً من نثره، وأنّ نثره كان دائماً أعلا من شِعره، وعندي أنَّ أمير البيان شبّ شاعراً واكتهل ناثراً.
هذه سطورٌ خاطفة، توخيت منها رسم إطار عام لأسلوب الأمير شكيب أرسلان، الذي يظنُّ القارىء إذا قرأ له، أنَّه أمام صناعة لفظية فيها الكثير من التعمّل، وأنّ هذا الأسلوب ينتمي إلى مدرسة الفنّ للفن، والصحيح أنّه خلاف ذلك فإنَّ للأمير مدرسة خاصةً في الأسلوب اسمها “مدرسة شكيب أرسلان”، وهي التي يسميّها المحدثون “الشخصية الأدبية”.

والله تعالى أعلم.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader