0 37

سلطان العارفين

أبو يزيد البسطامي

العـــــارف لا يكــــدره شــــيء ويصفــــو بــــه كــــل شــــيء
من عــــرف الله بهــــت، ولــــم يتفــــرغ للكــــــــلام

حسب المؤمن من عقله أن يعلم أن الله غني عن عمله

مَا النَّــــــــارُ؟ لأَسْتَنِــــــــدَنَّ إِلَيْهَــــا غــــَداً
وَأَقُــــوْلُ: اجعَلْنــــِي فَــــدَاءً لأَهْلِــــهَا

الجنة هي الحِجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنة
وكــــــــل من سكــــن إلــــى سِــــواه فهــــو محجــــوب

ازدان تاريخ الإسلام خصوصاً في عصوره الأولى بعدد كبير من أهل المعرفة اللدنية والأحوال والأسرار، وكان السالكون إلى الله يلجأون إليهم كما يلجأ المسافر في ليلة ظلماء إلى سراج مضيء في واحة وارفة. وكان أهل الله هؤلاء ملح الكون فعلاً وطلبة كل من هاجت في نفسه مشاعر الشوق إلى الله تعالى وإلى فتوحات الحق. ومن رحمة الله تعالى للناس أنه بعث العارفين على مقدار طبقات السالكين وأعطى لكل منهم صورة ولساناً يخاطب به أهل زمانه فيقرب إلى قلوبهم، حسب أفهامهم وبلغتهم الشعورية، معاني الربوبية ويرشدهم في الوقت نفسه إلى سبل التطهر والقرب لعلّ من كتب اسمه بين السعداء في كتاب الغيب يصل إلى غايته عن طريق حملة مفاتيح العرفان هؤلاء.
كان أبو زيد البسطامي (طيفور) من أعظم المصابيح التي أضاءت في عالم الإسلام والسلوك الحق إلى الله .وقد ذكره الإمام أبو عبد الرحمن السلمي صاحب طبقات الصوفية ضمن الطبقة الأولى مع أئمة التصوف من أمثال الحارث المحاسبي وذي النون المصري وأبي سليمان الدارني وترجم له المناوي وقال عنه: هو أمام أئمة العارفين وشيخ مشايخ الصوفية المحقِّقين، فضلاً عن وصف الخوافي له بـ “سلطان العارفين”.
أشار إليه الشيخ الاكبر محي الدين ابن عربي باسم “أبو يزيد الأكبر”، وقال عنه إنه كان القطب الغوث في زمانه، وقال العارف الهجويري في كشف المحجوب في ترجمته عن أبي يزيد: “كان من أجلّ المشايخ وأرفعهم حالاً وأعظمهم شأناً”، وقال عنه الجنيد: “أبو يزيد بمنزلة جبريل من الملائكة”.
في هذا العدد تعرض مجلة “الضحى” للجوانب المختلفة لشخصية البسطامي وأبرز تعاليمه والأقوال التي نقلت عنه، وهو الشخصية التي تعتبر بين أكثر الأولياء الصوفية إثارة للاهتمام إلى جانب أعلام مثل جلال الدين الرومي وأبو منصور حسين الحلاج ومحي الدين ابن عربي.

ولد أبو يزيد سنة 800 في بسطام في جبال طبرستان في عهد الخليفة العبّاسي هارون الرشيد، في القرن الثالث الهجري وتوفي عن ثلاثة وسبعين عاماً في عهد الخليفة المعتمد ، بذلك فقد عاش في عزّ الدولة العباسية كما شهد أول ملامح أفولها، وهو عايش بعض أكبر أعلام الصوفية البغداديين من أمثال المحاسبي والسر ي السقطي وأبو حمزة، كما رافق كبار الصوفية في مصر مثل ذو النون المصري، وصحب كبار صوفيي خراسان مثل ابن كرم ويحيى الرازي وصحب من صوفيي إيران سهل التستري.
كان جده زرادشتياً وأسلم أما والده فكان مسلماً تقياً وكان له شقيقان هما آدم وعلي وقد تكرسا أيضا لطريق القوم لكنهما لم يبلغا ما بلغه.
لم يُعرف مكان دفنه وإن كان بعض المؤرخين يعتقدون أنه في بسطام مسقط رأسه، لكن بسبب التقدير الهائل الذي حظي به بين المؤمنين عبر الأزمنة فإن للبسطامي على ما يعتقد، نحو 40 مزاراً وقبة وضريحاً في العالم الإسلامي.
التقى أبو يزيد العديد من أقطاب الصوفية والعرفان في زمانه لكنه لم ينسب علمه إلى شيخ محدّد، كما كان المألوف من أكثر أعلام الصوفية، بل ردّ علمه في أكثر من قول إلى الإلهامات والواردات الربانية التي منّ الله بها عليه اصطفاء وتقريباً، أي أنه أخذ العلم تعليماً من السماء من دون واسطة وهو القائل “ليس العالم من يحفظ من كتاب فإذا نسى ما حفظ صار جاهلاً بل من يأخذ العلم من ربه أي وقت شاء ولا درس، وهذا هو العالم الرباني “.
والعلم الرباني هو ثمرة إدمان الطاعة والمجاهدة، وهو المشار اليه بقوله تعالى: } وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{ (البقرة: 282) أي أن صفوة الصفوة من أهل الله يعلمهم الله وعلمهم العلوي أو اللدني هو محض لا يداخله لبس ولا يعتريه خطأ، بخلاف العلم الكسبي الذي يعتريه الجدل والخلاف لأن للعقل مدخلاً اليه والعقول متفاوتة في الإحاطة.
وكان أبو يزيد يقول: “أخذوا ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت”، لكن نور البسطامي أبهر كثيراً من العيون وفاق طاقة كثيرين على التحمّل فوقع كثيرون بسببه في الحيرة وعجزوا عن فهم إعجازه وتاهت عنهم بالتالي معانيه. وهذه في الحقيقة حال بعض أهل الكشوفات الذين يغلبهم نور الكشف وبحاره العظيمة فيندفعون، في محاولة وصف ما لا يوصف، إلى شتى الصور الكلامية ويعجزون، ويبقى الاختبار حبيساً في وجودهم كأنما كتب الحق على هؤلاء لحكمة منه أن يكتموا سرّ الإمنان وعجائب الفيض فلا ينبسون منه إلا بالقليل تورية ومجازاً.
وقد اختار البعض مثل الشهيد أبو منصور الحلاج الإفصاح فلم يتورّع عن كشف بعض أسرار الاختبار الأعظم فكان أن ناله ما ناله من الجهلة فدلّ بذلك على حاجة أهل العلم الخاص للكتم والحيطة في الحديث عن أسرار الاختبار العرفاني بين العامة وغوغاء أهل الزمان. واستفاض الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي أيضاً في شرح الفتوحات والحكم اللدنية فرمي من قبل ضيقي الأفق بالزندقة أو بمذهب وحدة الوجود وتعرّض ولا يزال إلى الأحكام المتسرعة ممن اعتقدوا أنهم في نقدهم له إنما يدافعون عن الدين وهم في الحقيقة يدافعون عن معتقدهم هم وتأويلهم للعقيدة كما يفهمونها.
وفي هذا التضاد بين عالم التحقق وأنواره وأسراره وبين سجن اللغة والتعبير البشري، كمنت معاناة العديد من الصوفية الذين اعتذر كثير منهم -كما فعل جلال الدين الرومي- عن الإفصاح متذرعين بأنهم يخافون أن يفتنوا عامة الناس ويزعزعوا عقائد العبادة الظاهرة للعامة. بل أن الرومي لم يجد سبيلاً للإفصاح عن تجربة التحقق الصوفي سوى اللجوء إلى باب آخر هو السماع أي الرقص الصوفي والدوران الرمزي للدراويش حول مركز وجودهم في الله تعالى وفنائهم الرمزي فيه.
أين نضع أبا يزيد البسطامي في هذا السياق. وهو الذي عرف بلغته الصادمة في التعبير عن دقائق الاختبار الروحي وعن أمور العقيدة والسلوك والعلاقة بالخالق والزهد والإيمان، وقد كان لتلك الجرأة ربما أثرها في ما رمي به من “شطح”، والشطح الصوفي هو في تعريف أهل العلم ما يصدر عن الصوفي العارف أثناء السكر الروحي أو الغيبة من وصف لاختباره الروحي يتجاوز به حدود الأدب مع الله وما قد يندم عليه عند الصحو. لكن اللافت أن أبا يزيد على الرغم من أنه تجرأ في إفصاحه أحياناً بالدرجة نفسها التي بلغها الحلاج وزاد على ذلك أحياناً إلا أنه لم يلقَ المصير الذي لقيه الأخير، بل هو حظي باحترامعام وإجلال عبر الأزمنة ولم يشكك سوى نفر قليل من الجهلة في إيمانه وصحة إسلامه.
حقيقة الأمر أن الطريقة الصادمة لأبي يزيد لم تتضمن أي معارضة للدين أو الشريعة إذ عرف عنه التزامه التام بفرائض الإسلام وبالعبادات كلها وأدبه الشديد مع الله ورسوله وأنبيائه وهو القائل:
“لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحد، وأداء الشريعة”.
وهذا التوضيح المهم لعقيدة أبي يزيد كان ربما من أهم الاسباب الذي شفعت له وبرّأته من تهمة المروق أو تهمة رفع التكاليف أو إسقاط الفروض.
ويعتقد بعض كبار الصوفية أن اللغة البليغة والقاطعة للبسطامي كانت تصدر عن مقام يقيني ورؤية مثل وضح النهار، لكنها في جرأتها وصدمها كانت أسلوباً في شدّ قلوب المريدين وعزائمهم وتنفيرهم في الوقت نفسه من الركون إلى العبادة الظاهرة أو الوقوف عند بعض الأحوال، حثهم بدلاً من ذلك على المضي في المجاهدات والطاعات حتى آخر الطريق وهو طريق الفناء في الله. أراد أبو يزيد أيضاً حثّ أهل زمانه على عدم التهاون في العبادة والإخلاص فيها، إذ كان يعتقد جازماً أن الإنسان الحق خُلِق ليكون عبداً لله لا يشغله عن عبادته والتقرّب منه أي شيء من أشياء هذه الدنيا.
رغم ذلك فقد وجد من يؤوِّل بعض أقوال أبي يزيد باعتبارها تشدّد على أهمية الإخلاص والإيمان القلبي أكثر من اهتمامها بالعبادات الظاهرة. وفي هذا المجال يروى عن سلطان العارفين قصتين:
القصة الأولى نقلها جلال الدين الرومي عن شيخه شمس تبريز وجاء فيها أن أبا يزيد أراد السفر إلى مكة لأداء فريضة الحج‏ّ، فلما وصل إلى البصرة التقى درويشاً من الصوفية فسأله هذا: ما هي غاية سفرك يا أبا يزيد؟
قال البسطامي‏:‏ أريد مكة وزيارة بيت الله‏ الحرام
قال الدرويش‏:‏ هل معك زاد لهذا السفر‏؟
قال البسطامي‏:‏ نعم لدي 200‏ درهم‏
قال الدرويش ‏:‏ أعطني الدراهم وتعال طُف حولي سبعة أشواط،‏ وكان الدرويش يشير بذلك إلى الحديث القدسي الذي جاء فيه‏:‏ “ما وسعتني أرضي ولا سمائي،‏ ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن‏”، كما قصد أيضاً- ومعه جلال الدين الرومي الذي أورد القصة- أن في عبادات الأكابر والواصلين من الأحوال والمقامات ما يصعب شرحه ويتجاوز كثيراً العبادات الظاهرة وتكاليفها.
القصة الثانية هي أن رجلاً من أهل الحديث قال لأبي يزيد وهو صبي: يا غلام، تُحسن أن تصلي؟
قال: نعم إن شاء الله
فقال له: كيف تصلي؟
قال: أكبر بالتلبية، واقر بالترتيل، وأركع بالتعظيم، وأسجد بالتواضع، وأسلم بالتوديع. فقال: يا غلام، إذا كان لك هذا الفهم والفضل والمعرفة فلم تَدَعِ الناس يتمسحون بك؟ قال أبو يزيد: ليس بي يتمسحون، لكن يتمسحون بحلية حلانيها ربي، فكيف أمنعهم من ذلك؟ وذلك لغيري؟ وتشير هذه الرواية إلى أن أبا يزيد كان قد اشتهر أمره وهو صغير السن كأحد أصفياء الله، وأن الناس بدأت تعامله بإجلال كبير وتطلب البركة في زيارته أو لمس ثيابه، كما تشير أيضاً إلى اعتباره أن الأصل في العبادة والركوع والسجود هو في الإخلاص وفي الموقف القلبي وليس في الحركات المجردة عن الخشوع والاستغراق في الله.

حج أبو يزيد

يروى أن أبا يزيد أخذ 12 عاماً لإنجاز رحلة الحج إلى مكّة، إذ كان عند مروره بكل مصلى على الطريق يبسط سجادة الصلاة ويصلي ركعتين وكان يقول في ذلك: إن الكعبة ليست مقاماً لملك من ملوك الأرض يمكن للمرء أن يسابق إليه.
وقد وصل أبو يزيد إلى مكة أخيراً لكنه لم يزر المدينة قائلاً: أخجل أن أعرج على النبي (ص) كما لو أن زيارته أمر بديهي بسبب بلوغي مكة، إنما سأعود إلى زيارته خصيصاً وبإحرام أصنعه للمناسبة،
وهذا ما عاد وقام به في السنة التالية.

مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام
مقام-أبا-يزيد-البسطامي-في-بسطام

تقواه في الصغر
رويت عن أبي يزيد من الأخبار المدهشة عن طفولته ومن ذلك أنه حفظ كتاب الله وهو في السابعة من عمره، وتهجد وقام الليل وهو ابن ثماني سنوات ، أي أنه قد تعشق التقوى من نعومة أظفاره، كما ورد عن ابن ظفر المكي في “أنباء نجباء الأبناء”:
وروي أنه كان صبياً صغيراً عندما استيقظ ذات ليلة فوجد أباه يصلي فقال: يا أبت علمني كيف أتطهر وأصلي معك.
فقال: يا بني أرقد فإنك صغير بعد. فقال: يا أبت إذا كان يوم يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم فسألني ربي أقول له: قلت لأبي علمني كيف أتطهر لأصلي معك فقال لي أرقد فإنك صغير بعد؟!
فقال له أبوه: لا والله يا بني لا أحب هذا وعلمه فكان بعد ذلك يصلي معه.
وكان أبو يزيد صبياً صغيراً لما حفظ: “يا أيها المزمل. قم الليل إلا قليلاً “، فقال لأبيه: يا أبت من الذي قال له الله تعالى هذا؟ قال: يا بني كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا أبت فمالك لا تقوم الليل كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا بني لأن قيام الليل خُص به النبي صلى الله عليه وسلم دون أمته !! فسكت الغلام .
فلما حفظ قوله سبحانه وتعالى”إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك” قال: يا أبت أسمع أن طائفة كانت تقوم الليل فمن هي؟ قال: يا بني هؤلاء الصحابة. فقال: يا أبت فأي خير في ترك ما عمله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته؟
فقال: صدقت، فكان أبوه بعد ذلك يقوم الليل .

قصته مع أمِّه
قيل أن أبا يزيد كان في مدرسة يتعلم القرآن عندما قرأ الأستاذ الآية 14 في سورة لقمان وفيها }أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ{ (لقمان: 14)، وقد أثرت فيه هذه الآية بحيث استأذن أُستاذه في الذهاب إلى البيت للتحدث مع والدته التي سألته عن السبب في عودته المبكرة إلى البيت، وعلى ذلك أجاب أبو يزيد بالقول: لا يوجد سبب محدد لكن لدى قراءتي للآية التي يدعوني الله فيها لأن أخدمه وأخدم والديّ شعرت بأنني في مأزق كبير لأنني لا أستطيع أن أخدم سيدين في آن. لذا فإني أرجوك يا أمي أن تسألي الله تعالى أن يسمح بأن أكون مكرساً لخدمتك بالكلية، أو أن تنذريني بالكلية له بحيث أكون عبداً خالصاً له جلّ جلاله”. وقد ردت الوالدة بالقول: “يا بني إني أسلمك لله عز وجلّ وأعفيك من أي واجب تجاهي، فاذهب وكن مع الله”.
ومع إجازة الوالدة له بأن يكرس حياته كلها لله غادر أبو يزيد بسطام وساح في الأرض لمدة 30 عاماً مخضعاً نفسه لشتى المجاهدات عبر قيام الليل والمناجاة والصوم، درس خلال تلك المدة على يد عدد كبير من المرشدين الروحيين. لكنه عاد في السنوات اللاحقة من عمره إلى حب الأم، بعد أن استيقن أنه لا يتعارض أبداً مع التكرّس لله. وقد ذكر في ما بعد كيف أنه عاد إلى منزل أسرته بعد تجواله الطويل ليرى والدته وقد انحنى ظهرها وفقدت البصر، وهو سمعها قبل الدخول منهمكة في الدعاء لابنها المهاجر. فألقى بنفسه باكياً بين يديها.

مجاهداته واشتهار أمره
ولد أبو يزيد في سنة 800 م في عهد الخليفة العبّاسي هارون الرشيد في القرن الثالث الهجري وتوفي عن ثلاثة وسبعين عاماً في عهد الخليفة المعتمد ، بذلك فقد عاش في عزّ الدولة العباسية كما شهد أول ملامح أفولها، وهو عايش بعض أكبر أعلام الصوفية البغداديين من أمثال المحاسبي والسري السقطي وأبو حمزة، كما رافق كبار الصوفية في مصر مثل ذو النون المصري، وصحب كبار صوفيي خراسان مثل ابن كرم ويحيى الرازي، وصحب من صوفيي إيران سهل التستري.
لم يعرف عن أبي يزيد البسطامي أنه اتخذ مريدين كثراً، لكن نفوذه امتد إلى أقاصي العالم الإسلامي وأصبح الكثير من أقواله والقصص المنسوبة إليه جزءاً من الإرث الروحي المتداول. ومما لا شك فيه أنه وكما حدث لجميع الأولياء ومنارات الروح فإن إرث أبي يزيد البسطامي تعرّض للزيادة سواء من المحبين المتحمسين أو من المغرضين الذين لم يستوعبوا الرمزية الرائعة في الكثير من أقواله أو ما نسب إليه من “شطحات” أرادوا اتهامه بالتطرف أو الخروج عن سراط الدين الحنيف.
لكنّ أبا يزيد البسطامي حظي على الدوام بمكانة رفيعة بين أعلام الصوفية وقد جعله العديد من فرق الصوفية أحد أركان السلسلة الذهبية التي تقوم عليها، أي سلسلة الورثة المحمديين الذين يتوارثون السر المحمدي بحيث يسلمه الشيخ إلى مريد مقدّم آمراً إياه بمتابعه مهمة الإرشاد وأمر التصرف بالقلوب وتسليك المريدين عبر المنازل والأحوال والمقامات.

دفاع الإمام الشعراني
تعرّض البسطامي مثل العديد من أعلام الصوفية إلى سياط بعض الأوساط الدينية المحافظة، والتي لم يكن ممكناً لها أن تفهم المغازي الحقيقية والبعيدة لأقواله فأخذتها على حرفيتها، لكنه بقي يحظى باحترام وإجلال كبيرين لدى أوساط العامة والسالكين على السواء بحيث أقيمت له الأضرحة والمزارات في فارس والعديد من بلدان المنطقة، كما أقيمت له القباب في الجزائر. كما تصدى العديد من أعلام الصوفية اللاحقين لناقدي أبي يزيد وكتبوا وألفوا بهدف تبيان المعاني الباطنة لأقواله وشرح الرمزية العميقة التي غلفت بعض ما سمي بـ “الشطحات”. وأحد أبرز من كتب في الدفاع عن أبي يزيد الصوفي الشهير عبد الوهاب الشعراني الذي ألّف كتاباً سماه “الفتح في تأويل ما صدر عن الكُمَّل من الشطح” ألفه في سنة 973 للهجرة.
يقول الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، في الدفاع عن أهل الأسرار: “إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله عز و جلّ ، فإن نطقوا به ، لم ينكره إلا أهل الاغترار بالله ، فلا تحقِّروا عالماً آتاه الله علمه ، فإن الله لم يحقره إذ أتاه إياه”.
قال عنه أبو نعيم في «الحلية»: «التائه الوحيد، الهائم الفريد، البسطامي أبو يزيد. تاه فغاب، وهاب فآب، غاب عن المحدودات إلى موجد المحسوسات والمعدومات. فارق الخلق ووافق الحق، فأُيِّد بأخلاء السر، وأُمِدَّ باستيلاء البر، إشاراته هائنة وعباراته كامنة، لعارفيها ضامنة، ولمنكريها فاتنة».

حوار طيفوري

سئل أبو يزيد عن ما هو أكبر عون للرجل في الطريق إلى الله فقال: أن يولد سعيداً. وتابع السائل الأسئلة فكان هذا الحوار:
فإن لم يكن له ذلك
جسد قوي
فإن كان يعوزه ذلك
أذن مصغية
ومن دون ذلك
قلب عارف
فإن لم يوجد
عين مبصرة
وإن لم توجد
أن يموت لساعته !

رسم-فار-سي-تخيلي-لأبا-يزيد
رسم-فار-سي-تخيلي-لأبا-يزيد

مواقف مأثورة عنه

سمع أبو يزيد رجلاً يكبر فقال له: ما معنى الله أكبر؟ قال: الله أكبر من كل ما سواه فقال أبو يزيد: ليس معه شيء فيكون أكبر منه. قال: فما معناه ؟ قال معناه أكبر من أن يقاس أو يدخل تحت القياس أو تدركه الحواس.
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم ؟ قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي: عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها، ثم بعد ذلك يفعل بي ما يشاء .
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك ؟ قال: المحبة والرضا.
عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها، وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبقَ له غيرك. فلما عرف صدق الدعاء من قلبي، واليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع إعراضي عنهم.
روى أبو يزيد أن “خرجت إلى الجامع يوم الجمعة في الشتاء فزلقت رجلي فأمسكت بجدار بيت، فذهبت إلى صاحبه فإذا هو مجوسي فقلت قد استمسكت بجدارك فاجعلني في حل قال أو في دينكم هذا الاحتياط قلت نعم قال أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله.
وقال أبو تراب: “سألته عن الفقير، هل له وصف” فقال: “نعم!، لا يملك شيئاً، ولا يملكه شيء.

من أقوال أبي يزيد البسطامي
في أصول وآداب السلوك إلى الله

الغفلـــــــة عن الله طرفة عين أشــدّ من النــــار

أهل الحــجّ يطـــــوفون حول البيت فيطلبون البقاء وأهل المحبة يطوفون حول العرش يطلبون اللقاء

إن لله عباداً لو احتجب عنهم في الدنيا أو فـــي الجنة لحظة لاستغاثوا كما يستغيث أهل النـار

كم بين من يقول أنا وأنت، ومن يقول: أنت أنت.

لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه

المعرفة
إذا علموه هربوا من الخلق
إن أهل المعرفة بالله اجتمعوا في الأصول على معرفة الواحد، ثم تفاوتوا من بعد اجتماعهم على مراد الله فيهم.
إن الله تعالى أمر العباد ونهاهم، فأطاعوه، فخلع عليهم خلعة من خلعه، فاشتغلوا بالخلع عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.
أوصيك بإقبالك على ربِّك أيام حياتك بكليتك، ولا تولّ عنه وجهك إلى وقت، فإن نواصيكم بيده، وإنه لا بدّ من لقائه، والوقوف بين يديه، وأنت المسؤول عن جميع أعمالك، فشمّر لذلك، واستعد لمعادك، ولا تغفل وانتبه عن رقدة الغفلة، وتيقظ من نومة الغافلين، وألقِ كتفك بين سيدك كل صباح ومساء، والزم ذكره، واحفظ خدمته، وأحسن ظنك به، ولا تؤثر أحداً عليه، واصبر على ما أصابك من البلاء، وارض بحكم الله وقضائه وقدرته، وبحسن اختياره لعبده، واقتنع بعطيته، وثق به، وأمن لموعده، وأيقن بوعده ووعيده، وتوكل على الحي الذي لا يموت، واذكر الله واستعن بالله في كل أمورك، واحذر منه ما دمت حيّاً، واهرب من الخلق إليه، وفوِّض أمرك إليه.
الجنة جنتان: جنة النعيم وجنة المعرفة، فجنة المعرفة أبدية وجنة النعيم مؤقتة.
الحق مثل الشمس مضيء إذا الناظر إليه أيقن به، فمن طلب البيان بعد البيان فهو في الخسران.
الزاهد همه أن لا يأكل، وهم العارف ما يأكل
النفس تنظر إلى الدنيا، والروح تنظر إلى العقبى، والمعرفة تنظر إلى المولى، فمن غلبت نفسه عليه فهو من الهالكين، ومن غلبت روحه عليه فهو من المجتهدين، ومن غلبت معرفته عليه فهو من المتقين.
عرفت الله بالله وعرفت ما دون الله بنور الله
لا يزال العارف يعرف، والمعارف تُعرَف، حتى يهلك العارف في المعارف، فيتكلم العارف عن العارف، ويبقى العارف بلا معارف.
معرفة العوام ومعرفة الخواص ومعرفة خواص الخواص: فمعرفة العوام: معرفة العبودية، ومعرفة الربوبية، ومعرفة الطاعة ومعرفة المعصية، ومعرفة العدو والنفس. ومعرفة الخواص: معرفة الإجلال والعظمة، ومعرفة الإحسان والمنة، ومعرفة التوفيق. وأما معرفة خاص الخواص: فمعرفة الإنس والمناجاة، ومعرفة اللطف والتلطّف، ثم معرفة القلب، ثم معرفة السر.
من عرف الله بهت، ولم يتفرغ للكلام.
من عرف الله فإنه يزهد في كل شيء يشغله عنه.

أوفى صفـات العارف أن تجري فيه صفات الحق ويجري فيه جنس الربوبيـة

الطريق إلى الله
أطلب هواه في خلاف هواك، ومحبته في بغض نفسك، فإنه معروف عند مخالفة الهوى، محبوب عند بغض النفس.
الخلق يظنون أن الطريق إلى الله أشهر من الشمس، وأبين منها، وإنما سؤالي منه أن يفتح عليَّ من الطريق إليه ولو مقدار رأس إبرة.
الناس بحر عميق، والبعد عنهم سفينة، وقد نصحتك، فاحفظ لنفسك السكينة.
بالله أتقدم، وبنفسي أتأخر، إذا وجد نفسه كان مخيَّراً، وإذا فقد نفسه كان مختاراً.
رأيت رب العزة في المنام فقلت: كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال.
ربما أطلب لنفسي أشدّ عقوبات الله من سوء معاملتها إياي، فأجيل فكري في جميع عقوبات الله تعالى فلا أجد شيئاً أشدُّ من الغفلة؛ لأن الغفلة من الله طرفة عين أشد من النار.
قطعت المفاوز حتى بلغت البوادي، وقطعت البوادي حتى وصلت إلى الملكوت، وقطعت الملكوت حتى وصلت إلى المُلـْك، فقلت: الإجازة، قال: قد وهبتُ لك جميع ما رأيت، قلت: إنك تعلم إني لم أرَ شيئاً من ذلك، قال: فما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد، قال: أعطيناك.
-كيف الطريق إلى الله؟ غِب عن الطريق تصل
لا تصل إلى المخلوق إلا بالسير إليه، ولا تصل إلى الخالق إلا بالصبر عليه، وإذا أردت أن تطلبه، فاطلبه في رجوعك عما دونه.
ما من شيء بأهون على أحدكم من تعظيمه لأخيه المسلم، وحفظ حرمته، ولا شيء أضرّ بكم في دينكم من تهاونكم بأخوانكم في تضييع حرمتهم.
من ترك قراءة القرآن، والتقشف بالجماعات، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى هذا الشأن، فهو مُدَّعٍ.

العارف الصوفي
أحِبَّ أولياء الله وتحبب إليهم ليُحِبوك، فإن الله تبارك وتعالى ينظر إلى قلوب أوليائه في كل يوم سبعين مرة، فلعلّه ينظر إلى اسمك في قلب وليّه، فيحبك ويغفر لك.
أدنى صفة العارف أن تجري فيه صفات الحق وجنس الربوبية
إذا عرف عيوب نفسه، فحينئذٍ يبلغ حدّ الرجال في هذا الأمر، فهذا مبلغه، ثم يقربه الحق تعالى على قدر هِمّته وإشرافه على نفسه الأمّارة.
أمل الزاهد في الدنيا الكرامات، وفي الآخرة المقامات، وأمل العارف في الدنيا بقاء الإيمان معه، وفي الآخرة العفو (يعني للخلق).
إن أهل الحج يطوفون حول البيت فيطلبون البقاء، وأهل المحبة يطوفون حول العرش يطلبون اللقاء.
أن تراه يؤاكلك ويشاربك ويمازجك ويبايعك وقلبه مع الملكوت القدس، هذه أعظم الآيات.
إن لله عباداً لو حجبوا عنه طرفة عين، ثم أعطوا الجنان كلها ما كان لهم إليها حاجة، وكيف يركنون إلى الدنيا وزينتها؟.
أهل خاصة الله تعالى على أربع منازل: فطائفة مقيمون مبهوتون، لا يحتملون ما يرِدُ عليهم، فهم يريدون الخلاص من ثقل ما يرد عليهم، إلا أنهم ممنوعون من الاختيار، وطائفة يوادّونهم فيقولون: لا نبرح. وطائفة قد أحاط بهم لا يمكنهم البراح.
أوفى صفات العارف أن تجري فيه صفات الحق ويجري فيه جنس الربوبية
الدنيا للعامّة، والآخرة للخاصة، فمن أراد أن يكون من الخاصة فحكمه أن لا يشارك العامّة في دنياهم، وإنما جعلت الدنيا مرآة الآخرة نظر منها إلى الآخرة نجا، ومن شغل بها عن الآخرة هلك وأظلم مرآته.
الرجل هو الرجل الذي يكون جالساً فتجيئه الأشياء، أو يكون جالساً وتخاطبه الأشياء حيث كان
الزاهد يقول: كيف أصنع؟ والعارف يقول: كيف يَصنع؟
العابد يعبده بالحال، والعارف الواصل يعبده في الحال
العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول، والعارف ما فرح بشيء قط، ولا يخاف من شيء قط، والعارف يلاحظ ربه، وثواب العارف من ربه هو، وكمال العارف احتراقه فيه له.
العارف لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء.
علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد، وبيته حيثما أدرك، وشغله بربه. فهو مشغول ساجداً راكعاً، فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر اللسان والثناء، فإن عجز عن ذلك استروح إلى ذكر القلب، فأما من يحبه الله عزَّ وجلّ أعطاه سخاوة كسخاوة البحر، وشفقة كشفقة الشمس، وتواضعاً كتواضع الأرض.
قال الله تعالى للكافر: آمن، وللمنافق، أخلص، وللعاصي: ارجع، وللعارف: أبصر.
له عباد لو بدت لهم الجنة بزينتها لضجوا منها، كما يضج أهل النار من النار.
لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرفع في الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي، وحفظ الحد، وأداء الشريعة.
مررت على بابه فلم أرَ ثمَّ زحاماً؛ لأن أهل الدنيا حجبوا بالدنيا، وأهل الآخرة شغلوا بالآخرة، والمدَّعون من الصوفية حجبوا بالأكل والشرب والكدية، ومن فوقهم حجبوا بالسماع والشواهد، وأئمة الصوفية لا يحجبهم شيء من الأشياء، فرأيتهم حيارى سكارى.
من عرف الله صار على النار عذاباً، ومن جهل الله صارت عليه عذاباً، ومن عرف الله صار للجنة ثواباً، وصارت الجنة عليه وبالاً.
نعم القوم تكلموا من بحر صفاء الأحوال، وأنا أتكلم من بحر صفاء المِنَّة. فتكلموا ممزوجاً، وأكلم صرفاً، كم بين من يقول أنا وأنت، ومن يقول: أنت أنت.
مساكين أخذوا ميتاً عن ميِّت، وأخذت علماً من الحي الذي لا يموت.
صفاتي غائبة في غيبه، وليست للغيب صفات تعرف
ظاهر الصدق وباطنه سواء، ولقد اشترك الإيمان والحب في قلب الصِدِّيق، فكلما ازداد الإيمان ازداد الحب لله، قال الله تعالى
} وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ{ (البقرة:165) فإذا قال ذلك رمى قوس الدنيا بالفرقة، وقطع حلقوم الطمع بسكين الإياس، وألجم نفسه لجام الخوف، وساقها بسوط الرجاء، ولبيس قميص الصبر، وتردّى برداء التصابر، واستوى عنده المنع والعطاء، والشدّة والرخاء، والذمّ والثناء، فسقط من ظاهره وباطنه التصنع، فليس عنده فرق بين الدانق الدينار، لعلمه أنه لو بورك له في الدانق كان أعظم بركة من الدينار، ويعلم أنه لو سُلِّط عليه السنّور كان أضر عليه من الأسد، فإذا كانت هذه حالته قالت الجنَّة: اللهم أدخل هذا العبد بين ساكنيَّ، فكانت الجنَّة طالبة له دونه، وإذا رأته النار على هذه الحالة، علمت أن نوره يُطفئ شررها، فتعوَّذت النار منه، فلو عُرِج بذلك العبد أعلى عليين، لكان شكره ذلك الشكر الذي كان في أعظم البلاء، ولو أنزله الله من أعلى العليين، فأسكنه الدرك الأسفل من النار، لكان شكره ذلك الشكر الذي كان في أعلى العليين.
علامة العارف ألا يفتر من ذكره، ولا يملّ من حقِّه، ولا يستأنس بغيره.
علامة العارف أن يكون طعامه ما وجد، وبيته حيثما أدرك، وشغله بربه.
علامة العارف خمسة أشياء: أوله أن يقيم على باب ربه لا يرجع عن بابه بالبر، ويقبل إليه ولا يلتفت إلى شيء يحجبه عنه، ويكون دورانه وسيرانه في مجرَّة أنس ربِّه، وحول مناجاته، لا يرضى من نَفَسِه أن يشتغل بشيء دون الله عزَّ وجلّ، ويكون فراره من الخلق إلى الخالق، ومن جميع الأسباب إلى وليّ الأسباب.
لو أن ما خلق الله عزَّ وجلّ من العرش إلى الثرى، ومع ذلك كله أرض وسماء مع مائة ألف ألف آدم، لكلِّ آدم مائة ألف ألف ضعف مثل هذه الذريَّة، لكل واحد منهم مائة ألف ألف آلاف آلاف عالَم بحساب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل لاختفوا كلهم في زاوية من زوايا قلب العارف ، لم يحسّ به، ولا علم أنه في كون الله موجود.

مدخل-مقام-أبي-يزيد-في-بسطام
مدخل-مقام-أبي-يزيد-في-بسطام

الأسماء
الأسماء كلها اسم الصفات، والله اسم الذات، الاسم علامة المعنى، والمعنى علامة تعرف بها الذات، والأسماء علامة تعرف بها الصفات، والصفات علامة تعرف بها الذات، فمن أقرّ بالصفات ولم يقرّ بالذات فليس بمسلم، ومن أقرّ بالذات قبل الصفات فيسمى مسلماًـ ويجب أن يقر بالصفات، والدليل على ذلك لو أن رجلاً قال: لا إله إلا الرحمن، أو لا إله إلا الرحيم، ثم يأتي على الأسماء كلها لا يكون مسلماً حتى يقول: لا إله إلا الله، ومن أقرّ بهذا الاسم الواحد، وهو الله فالأسماء كلها داخلة في هذا السم، وخارج منها، يخرج من هذا الاسم معاني الأسماء كلها، ويدخل في هذا الاسم وجود الأسماء، ولا يحتاج هذا الاسم من سواها، والدليل على ذلك إن الله تعالى تفرّد بهذا الاسم دون خلقه، وأنه شارك خلقه في أسمائه كلها سوى هذا الاسم، ويجوز أن يسمى من الأسماء كلها إلا ولنفسه في ذلك نصيب، إلا (الله)، فإن ذلك حظ الله من عبده، ومعنى ذلك أن من طالب ربه برحمته فيقول: يا رحيم، ومن طالبه بكرمه فيقول: يا كريم، ومن طالبه بجوده فيقول: يا جواد، فكل اسم تحته معنى يدعوه إلى نصيب الناس من أمر الدين والدنيا إلا (الله) فإن هذا الاسم يدعوه إلى وحدانية الله تعالى، وليس للنفس في هذا نصيب، ومن أراد من الله عطاءً يدعو الله بأسماء الصفات، ومن أراد ذات الله يدعو الله بأسماء الذات.
لا يزال العبد عارفاً ما دام جاهلاً، فإذا زال عنه جهله زالت عنه معرفته.

عشرة أشياء

عشرة أشياء حصن البدن: حفظ العينين، ومعاودة اللسان بالذكر، ومحاسبة النفس، واستعمال العلم، وحفظ الأدب، وفراغ البدن من شغل الدنيا، والعزلة من الناس، ومجاهدة النفس، وكثرة العبادة، ومتابعة السنَّة. عشرة أشياء شرف البدن: الحلم، والحياء، والعلم، والورع، والتقى، والخلق الحسن، والاحتمال، والمداراة، وكظم الغيظ، وترك السؤال.
وعشرة أشياء تخرب البدن: مصاحبة من لا يهمه دينه، ومفارقة أهل الخير، ومتابعة النفس، ومجانبة الجماعة، ومجالسة أهل البدعة، وطلب ما لا يعنيه، وتهمة الخلق، وطلب العلوّ، وهم الدنيا.
وعشرة أشياء تميت البدن: قلة الأدب، وكثرة الجهل، ونعمة الخلق، وشهوة البدن، وطلب الرئاسة، والميل إلى الدنيا، ومحاباة النفس عند الحق، وكثرة الأكل.
وعشرة أشياء فيها ذلّ البدن: الحِدّة، والغضب، والكِبر، والبغي، والمجادلة، والبخل، وإظهار الجفاء، وترك حرمة المؤمن، وسوء الخلق، وترك الإنصاف.

الاتصال والأحوال
الاتصال بالله على أربعة مقامات:
المقام الأول واقفين متألمين من ثقل ما يرد عليهم من الواردات، وهم متضرعون.
والمقام الثاني يطردهم من حيث يعلمون، ويردّهم من باب آخر.
والمقام الثالث: يؤخرهم فيقولون: لا نبرح
والمقام الرابع قد أحاط بهم، فليس يمكنهم البراح
آخر نهايات الصدِّيقين أول أحوال الأنبياء، وليست لنهاية الأنبياء غاية تُدرَك.
للخلق أحوال، ولا حال للعارف: لأنه محيت رسومه، وفنيت هويته بهوية غيره، وغُيِّبت آثاره بآثار غيره.

الأدب
قعدت يوماً في محرابي فمددت رجلي، فهتف بي هاتف: من يجالس الملوك ينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.

الإشارة
أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه

الأزل
النعمة أزلية يجب أن يكون لها شكر أزلي.
من أظهر من نفسه علم الأزل يحتاج أن يكون معه نور الذات

الاصطفاء
ما من عبد اصطنعه الله لنفسه وشغله بذكره وحماه عن مخالفته، وجعل له محادثة بقلبه إلا وسلّط عليه فرعوناً على كل حال من ذلك ينكره ويؤذيه.

الأعمال
حسب المؤمن من عقله أن يعلم أن الله غني عن عمله.
ما من أحد إلا وقد غرق في بحر الأعمال غيري، فإني قد غرقت في بحر البِرّ.

الأنس
هلموا إلى رغبة الزاهدين، وشوق الدارجين، وركون المتناسين، وحب الواصلين وأنس رب العالمين

التجلّي
يا مسكين، وهل وصل إليه أحد، لو بدا للخلق منه ذرة ما بقي الكون ولا ما هو فيه.

التصوف
التصوف صفة الحق يلبسها العبد
التصوف طرح النفس في العبودية وتعليق القلب بالربوبية، واستعمال كل خلق سَنِي، والنظر إليه بالكلية.

التوبة
توبة المعصية واحدة، وتوبة الطاعة ألف توبة

التوحيد
يستزيد أبو يزيد، ولا مزيد على التوحيد
-شهادة لا إله إلا الله مفتاح الجنّة- ولكن لا يفتح بغير مِغلاق، ومِغلاق لا إلا الله أربعة أشياء: لسان بغير كذب ولا غيبة، وقلب بغير مكر ولا خيانة، وبطن بغير حرام ولا شبهة، وعمل بغير هوى ولا بدعة.

التوكُّل
حسبك من التوكل أن لا ترى لنفسك ناصراً غيره ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعملك شاهداً غيره.

الجوع
الجوع سحاب، فإذا جاع العبد مطر القلب الحكمة.

الحق والخلق
اللهم أنك خلقت هذا الخلق بغير علمهم، وقلدتهم أمانة من غير إرادتهم، فإن لم تعنهم فمن يعينهم؟
الناس كلهم يقولون به، وأنا أقول منه.
إن زعمت أن صلاتك مواصلة فهي مفاصلة، إن تركتها كفرت، وإن شاهدتها أشركت.
إن لله عباداً لو احتجب عنهم في الدنيا أو في الجنة لحظة لاستغاثوا كما يستغيث أهل النار.

الدنيا والآخرة
من اختار الدنيا على الآخرة يغلب جهله علمه، وفضوله ذكره، ومعصيته طاعته، ومن اختار الآخرة على الدنيا يغلب سكونه كلامه، وفقره غناه، وهمُّه سروره، وقلبه محبته، وسِرُّه قربَه، فتصير نفسه مقيَّدة بقيد الخدمة، وقلبه أسيراً لخوف الفرقة، وسِرُّه مستأنساً بأنس الصحبة.

الذكر
ذكر الله باللسان غفلة
ذكري لله حظّي منه ووقت غفلتي حظّ الله مني
لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت ذكر الله أتمضمض وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.
ما ذكروه إلا بالغفلة وما خدموه إلا بالفترة
نظرت فإذا الناس في الدنيا متلذذون بالنكاح، والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت لذَّتي في الدنيا ذكر الله عزّ وجلّ وفي الآخرة النظر إلى الله عزَّ وجلّ.

الذلة
نويت في سِرِّي، فقيل لي: خزانتنا مملوءة من الخدمة، فإن أردتنا فعليك بالذلة والافتقار.

رضا الله
إن أعطى عبداً من عباده رِضاه، فما يرجو بقصور الجنة؟
من لزم العبودية لزمه اثنان: يأخذه الخوف من ذنبه، ويفارقه العجب من عمله.
هذا فرحي بك وأنا أخافك، فكيف فرحي بك إذا أمنتك؟
السُّنَّة ترك الدنيا، والفريضة صحبة المولى؛ فمن يعمل السُّنَّة والفريضة كملت معرفته، لأن الكتاب كله يدل على صحبة المولى والسنة كلها تدلّ على ترك الدنيا، فمن تعلم السُّنَّة والفريضة فقد كمل.

عشر فرائض
عشرة أشياء فريضة على البدن: أداء الفريضة، واجتناب المحارم، والتواضع لله، وكف الأذى عن الإخوان، والنصيحة للبرّ والفاجر، وطلب المغفرة، وطلب مرضاة الله في جميع أموره، وترك الغضب والكِبر والبغي والمجادلة من ظهور الجفا، وأن يكون وصيّ نفسه: يتهيّأ للموت.
من سمع الكلام ليتكلم مع الناس رزقه الله فهماً يكلم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله رزقه الله فهماً يناجي به ربَّه.
أقربهم إلى الله أوسعهم على خلقه
ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شرٌّ منه فهو متكبر
ليس العجب من حُبِّي لك وأنا عبد فقير إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.
من نظر إلى الخلق بالخلق أبغضهم، ومن نظر إلى الخلق بالخالق رحمهم.
إذا عرف عيوب نفسه، وقويت همته عليها، فحينئذٍ يبلغ مبلغ الرجال.
دعوت نفسي إلى الله فأبت عليّ واستصعبت فتركتها ومضيت إلى الله.
لا يعرف نفسه من صحبته شهوته
إن المريدين ليسوا يهدأون من السياحة والطلب.. صاحبي مقيم ليس بمسافر وأنا معه مقيم لا أسافر.
سأله رجل: من أصحب؟
– من لا يحتاج أن تكتمه شيئاً مما يعلمه الله منك.
لذَات الدنيا ثلاث: صديق وادّ وصحبة ملك جواد ومجالسة مفيد ومفادّ

ثلاثة محجوبين عن الله

أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة: فأولهم الزاهد بزهده، والثاني العابد بعبادته، والثالث العالِم بعِلمِه. مسكين الزاهد قد ألبس زهده وجرى به في ميدان الزُهّاد، ولو علم المسكين أن الدنيا كلها سماها الله “قليلاً” فكم ملك من القليل، وفي كم زهد مما ملك، إن هذا الزهد شرك، لأنه اعتقاد مع الله. إن الزاهد يلحظ إليه بلحظة، فيبقى عنده، ثم لا ترجع نظرته إلى غيره، ولا إلى نفسه. وأما العابد فهو يرى مِنّةَ الله عليه في العبادة أكثر من العبادة، حتى تعرف عبادته في المِنَّة. وأما العالم فلو عَلِم أن جميع ما أبدى الله من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ. فكم علم هذا العالم من ذلك السطر؟ وكم عَلِم فيما عَلم؟ ويكون هؤلاء الثلاثة ذوي شيء إلى يوم القيامة: واحد محجوب بزهده، وآخر بعبادته، وآخر بعلمه، والجنة هي الحِجاب الأكبر لأن أهل الجنة سكنوا إلى الجنّة، وكل من سكن إلى سِواه فهو محجوب.

من شعره
عَجِبـــــــــت لمــــــن يقول ذكرت ربِّي وهل أنسى فأذكر ما نســــــــــــيت
شربت الحُبَّ كأساً بعد كــــــــــــأسٍ فما نفِد الشــرابُ وما رَوِيـــــــــــتُ

أشـار ســــِرّي إليــــــــــك حتــــــــــــــــى فنيــت عنـــــي ودمــت أنـــــــــــــــــتَ
محوت اسمي ورســـم جســمــــــــــي ســــألت عنّـــي فقــلت: أنــــــــــــــتَ
فأنت تســــــلو خيـــال عيــــنــــــــــــــــي فحيثــــما دُرتُ كنــت أنــــــــــــــــــتَ

غرَستَ الحب غَرساً في فــــــــؤادي فلا أسلو إلى يوم التنــــــــــــــادي
جرَحتَ القلب مني باتصــــــــــــــــالٍ فشــــوقٌ زائدٌ والحُــبُّ بــــــــــــادي
سقاني شــــــربةً أحيا فــــــــــــــــؤادي بكأس الحب من بحـــــــــــــر الوِداد
فلـــــولا الله يحفــــــظ عارفيـــــــــــــــه لهــام العــــارفون بكـــــــــــــل وادي

 

تعليقات
Loading...
preloader