الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ

الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ

0 143

الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ

صاحب مأثرة «حط بالخرج» أنّـبه الأمير السيد لغزل قاله
فتاب وأصلح وصحب الأمير وبات من كبراء تلاميذه

هو الأمير سيف الدّين يحي بن الأمير فخر الدّين عثمان بن الأمير سيف الدّين يحي بن الأمير زين الدّين صالح بن الأمير ناصر الدّين الحسين الكبير. وابن أخ الأمير المؤرخ صالح بن يحي صاحب كتاب تاريخ بيروت. وصفه الشيخ محمّد الاشرفاني بأنه كاتب الدّارين وصائغ الدّارين وشاعر الداّرين. ففي هذه الصّفات الثلاث كفاية عن غيرها وغنى لكل طالب وقد قرنها صاحبها بالدّين الّذي هو أجلّ المقتنيات وأشرف المكتسبات. فتمّت له السّعادة في هذه الدّارالدّنيا والفوز في يوم العرض والحيقات.
الأمير سيف الدّين يحي التنوخي علم من أعلام التوحيد البارزين، الّذين عمّت شهرتهم فطبقت الآفاق، توفي والده وهو في السابعة من عمره، فنشأ يتيماً مكتسباً من العلوم أشرفها، ومن الأخلاق أنبلها، ومن المناقب تاجا وعدّة لجهاده، ومن الفضائل منهجاً يقتفي به آثار آبائه وأجداده، ومن الأعمال الصالحات زاداً لمعاده وآخرته، فساد قومه وبلغ اجلّ المراتب بالعلم والعمل والحلم والفصاحة والبلاغة وحسن الأخلاق والجود والقناعة والورع والزّهد والعفاف. نظّم الشّعر فأجاد فيه وأحسن، وبلغ فيه شأناً كبيراً، فساوى في بعضه أكابر الشعراء وفحولهم، وجرى كلامه وحكمه مجرى الأمثال، لما تميّز به من دقّة التصّوير، وحسن الأداء وجزالة الألفاظ، فصوّر النّفس البشرية ووصفها في مختلف مراحلها وتقلّب أهوائها.
نظّم في صباه قصيدة غزلية وعظه الأمير السيد جمال الدين عبد الله التنوخي (ق) على أثرها وعنّفه ولامه، فاتعظ الأمير سيف الدّين يحي وامتنع عن مدح السّلاطين، وكفّ عن الغزل وتاب توبة صحيحة خالصة وصحب السّيد الأمير مكتسباً منه المنهج القويم والسّلوك المستقيم، فعُدّ من أهل الصّلاح والفضل وأضيف اسمه إلى أسماء تلاميذ الأمير السيد (ق). كان الأمير سيف الدّين يحي خطّاطاً بارعاً وكانت له اليد الطّولى في كتابة الخطّ العجميّ (الفارسي) واشتغل بصناعة الصيّاغة بعد أن أخذ أسرارها من اسطنبول وقيل من تبريز العجم. فانشأ قوالب الحسن، وصنع تحفاً يقصّر عن وصفها اللسّان. فتحسنّت أحواله الماديّة وأصبح على جانب من الثّراء واليسر، ففرّق أكثر أمواله على الفقراء والمساكين حيث كان يطوف المناطق والقرى تخفيفاً عنهم آلام الفقر والعوز، وقد ذهبت قصّة “حطّ في الخرج” مذهب الأمثال لمعرفتها من القاصي والداني، وتفصيل ذلك أنّه كان يمتطي فرسه جاعلاً عليها خرجّاً مملوءاً بالأموال، فإذا مرّ بقوم أغنياء طلب منهم أن يضعوا في الخرج شيئاً ممّا تجود به أنفسهم زكاة عن مالهم، وإذا مرّ بالفقراء طلب منهم بأن يأخذوا من الخرج حاجتهم، فما زال على هذا المنوال حتّى عاد يوماً ونظر إلى الخرج فوجده ملآن لم يمسّ. فعلم أنّ الضائقة قد انكشفت عن الناس. وقد رأيت من المفيد أن استشهد بشيء من شعره ليستدلّ القارئ على حسن عقيدته وإيمانه ومذهبه وتقييده لجوارحه. (الوافر)

ولــــــي نــفــــس علّـــــــــــــــت شـــــــــــــرف المعــــــــــــــــــــــالــي وجســــــــــم جاثـــــــــــــــــــــم بحضــــــــــيض قــــــــــــــــــــــــــــــاع
فـــــفـــــي الـــــعــــــــــرض الكـــــثيـــــف لـــــهــــــــــا اتضّــــــــــــاع وجوهـــــرهـــــــــــــــا يشـــــــــــــبّ إلــــــــــى ارتفــــــــــــــــــــــــــاع
ومــــــــــــــا مـــــن غبـــــطـــــــــــــــــــة فـــــي العـــــيـــــــــــــــش إلاّ ذي فضـــــــــــــــــــــــلٍ رضــــــــــــــــــيّ بـــــاقتـــــنــــــــــــــــــــــــــاع
وخــــــــــــــــــــير سجيّــــــــــــــــــةٍ للمــــــــــــــــــــرء عقـــــــــــــــــــلٌ يمـــــيّــــــــــــــــــز بـــــين ضــــــــــــــــــــرّ وانـــــتـــــفــــــــــــــــــــــــــــاع
لـــــئـــــــــــــــن صــامـــــــــــــت بحــــــــــــادثـــــــة صـــــــــــــــــدور فـــــصـــــــــــــــــــدري للـــــحــــــــــــــــــــوادث ذو اتســــــــــــــــــاع
وقلبــــــــــــــــــي إن يـــــنـــــــــــــــــــــــــازعه انـــــقيـــــــــــــــــــــــــادٌ لمعصـــيــــــــــــــــــــةٍ شــــــــــديــــــــــــــــــــــــدِ الامـــــتـــــنـــــــــــــاع
ويــــــأنـــــــــــــف أن يشــــــــــــــــــمّ الــــــــــــــــــذّلّ أنفــــــــــــــــــــي وأن يرضــــــــــــــــــى بـــــــــرَغـــــــــــــــــــــــــــمٍ وانجــــــــــــــــــــداع
ويـــــــــأبـــــــــــــــــــى ذكـــــــــــــــر فـــاحشـــــــــــــــــةٍ لســـــــــــاني ويـــقـــصـــُـــــــــــــــــرُ فــــــي الـــنّـــمـــيـــمـــــــــــــــة والشّنـــــــــــاع
وأذنــــــــــــــــــــــــــي لا تصيـــــــــــــــــــــــــــخُ لقــــــــــــــــــــــول زورٍ ولا أرضـــــــــــــــــــــى الـــدنيئــــــــــــــــــــــــــــــــة بالسمـــــــــــــــاع
ولــــــــــــــــــي عيـــــــــــــنٌ إذا كشــــــفـــــــــــــــت ستــــــــــــــــــورٌ عـــــــــــــــن العــــــــــــــــــورات كـــانـــــــــــــــت فـــي قنـــــــــــــــاع
ومــــــــــــــــــا لِيَـــــــــــدي إلــــــــــــى الشـــــــــــــــرّ امتـــــــــــــــدادٌ ولا قــــــــــدمـــــــــــــــــــــي إلــــــى عـــــــــــــــــــــــــارٍ بســـــــــــــاع
وقــــــــــــــــــد قَصُــــــرت خــــــــــــطـــائي عــــــن خـــــــــــــــطاءٍ وطال إلــــــــــــــى منـــــــــــالِ الحــــــمـــــــــــــــــــــــــد بــــــاعــــــي

هذا كلام يصحّ أن يكون دستوراً لكلّ إنسان ديّن عاقل، فطوبى لمن اهتدى وبشرى لمن امتثل واقتدى. وهذه أبيات من رائيَّته الشهيرة تبيّن مقدار فضله وتظهر المنزلة التّي بلغها في الرّضى والتسليم وحسن عقيدته وحضّه على التّقوى والزّهد والخوف وعدم الاغترار بدنيا خادعة غرّارة ولذّة منقرضة يتبعها ألم وعذاب وعقاب كما تبيّن مدى شاعريته الفيّاضة فما إن يقصد معنى أو يطرق موضوعاً إلاّ ويعطيه حقّه فلا غموض ولا إبهام ولا تعقيد (البسيط)

تجــــــــــــري الأمــــــــــــور ومــــــــــــا للمـــــــــــــــــــرء معتــــــــــــبر حـــتّــــــــــــى تحــــــــــــــــلّ بـــه مـــن نـــفـــســــــــــــه العبــــــــــــــر
لا حيـــــــــــــــلة فــــــــــــي قضــــــــــــــــــاءٍ ســــــــــــــــاقه قــــدرٌ فـــفــــــي المـــقـــــاديــــــــــــر يعــــــمــــــى القــــــلب والبصـــــــــــرُ
إن القضـــــــــــــــــــــــاء إذا لاحـــــــــــــــــــــــــــت بــــــــــــــــــوادره لــــــم يـــنـــــــــج مـــن خَــــــطــــــــبِه خـــــــــوف ولا حــــــــــــذر
عــــــــــــــــــدوُّ كـــــــــــــــلِّ لبــــيـــــــــبٍ نفســـــــــــــــــهُ فــــــــــــإذا مــــــا اســـتـــحــــــكــمـــــــت مـــنه لا تبـــــــــقي ولا تــــــــــــذر
فجــــــــــــاهد الـنـــفـــــــــس عـــصيـــانـــــــــا وكــــــن رجـــــــــلا مـــــــــا عنــــــــــــده للـــــــهـــــــــوى وثــــــــــــــر ولا خـــبـــــــــــــــر
حــــــــــــلــــــو المـــــــــــــذاق ومـــــــــرّ عـــنــــــد مـــطــــــعـــمــــــه كـــالشــــــــــــهد أودع فيـــــــــــــــه الصــــــــــــّاب والصّــــــبـــــــــر
لــــــذاذة المـــــــــــــــــــرء فـــي دنيـــــــــــــــــــــاه مـــدبــــــــــــــــــــرة تفـــنـــــــــــــــــى ويـــبـــقــــــــــــــى علـــيهـــا الــــــذنب والــــــــوزر
ايّــــــــــــــأك ايّــــــــــــــاك مــــــــــــا تخـــــــــــــــــشى عواقبــــــــــــــه لا خيـــــــــــر فـــــــــي جـــــــــنّــــــــــــة مــــــن بعــــــدها سقــــــر

هذا غيض من فيض الأمير سيف الدّين يحي التنوخيّ، وقد ختم عمره بحياة هانئة وادعة، قانعة راضية مسلّمة. ويروى أن الأمير السّيّد (ق) قد أرسله إلى مصر في أواخر أيامه مع الشيخ ابن علي مرعي لكي يستحصل على بعض الوثائق الهامّة والمراجع الأصليّة التّي كان بحاجة إليها، ودراسة ما تبقّى من آثار الدّعوة التوحيديّة هناك.
توفي الأمير سيف الدّين يحي سنة 864 هـ. عن عمر ناهز الخامس والسبعين قبل وفاة الأمير السّيّد (ق) بعشرين عاماً. ولمّا لم يكن له وريث يرثه، ولا عقب يحمل اسمه، فرّق معظم أمواله ووزّعها على الفقراء والمساكين والمحتاجين من المستجيبين، كما خصّ الوقوفات الحسنة. وخصّ بها الأكابر من أهل العلم والفضل. جاعلاً معظمها للأمير السيّد حابساً جهاتها عليه. ومن أبرز آثاره الباقية مصحف مكرّم من خطّ يده الكريمة موجود في بلدة رأس المتن.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
preloader