السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

السبت, نيسان 25, 2026

اشترك معنا للاطلاع والحصول على أحدث المقالات والأعداد

بحث ..

  • الكاتب

  • الموضوع

  • العدد

الجبــل: غمــدُ “الأمَّــة” وســيفُهـا صفحات في الهوية التاريخيّة الإسلاميَّة للموحِّدين الـدّروز

يستـند البحثُ في الهـويَّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين إلى مصادر قديمة ترقى إلى ما قبل ظهور المذهب عام 408 هـ./1017 م.
وإن كان ثمّة مراسلات جرت في تلك الـفـترة مع «الأمراء السّادة آل تنوخ» في بلاد الشّام، فإنَّ تاريخ «تنوخ» يُحيل إلى زمن مديد سابق لمرحلة ظهور الإسلام نفسه. ومن المُحقّـقات التاريخية عند المؤرّخين أنَّ الإشارة إلى «تنوخ» وردت في خريطة بطليموس نحو عام 150 م. وبالتالي، فإنَّ تضمين لائحة المصادر التاريخيَّة الموثوقة لدراسة الهويّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين كلّ ما يتعلَّق بـ «التنوخيّين» هو أمر تفرضُه المنهجيّة الأكاديمية للبحث التاريخيّ.
ويُشبه كتاب الأمير صالح بن يحيى البحـتري/التنوخي سجلّاً جُمِّع فيه التأريخ والتوثيق والتحقيق والإخبار حتى أواسط القرن الخامس عشر م. وقـد كتب محقّـقـو الكتاب في المقدّمة الفرنسية ما يعبِّر تماماً عن مقدار أهميّـتـه، ليس فـقـط في باب إلقاء الضوء على حقـب في العصر الوسيط لبلاد الشام، بل وخصوصاً لجهة تنوير الأذهان عن حقائق تاريخية لا يمكن إهمالها في مسألة الوقوف أمام الملامح الأساسيَّة التي شكّلت الأسُس الموضُوعيَّة التي أدَّت إلى رسوخ وجود «الإمارة» التي يمكن اعتبارها فيما بعد النواة الصّلبة في تأسيس كيان لبنان الوطن.
وقد برزَ بعد الأمير صالح مُباشَرة مَن سارَ على خطاه وصَنَّفَ تاريخاً لاَ يقلُّ شهرَة عن وثيقة سَلَفه، وهو كتاب «صدق الأخبار» لحَمزَة ابن الفَقيه أحـمَد بن سباط، وكان والده من كبار تلاميذ الأمير السيّد (ق). اعتَمَد ابنُ سباط على تاريخ سلـفه بشكلٍ أساسي، فاقـتَدى بفكرته، واتَّـبَعَ نهجَه، وسلَكَ خطاه. أكثر من هذا، لَخَّصَ العديدَ من فقراته مُرتكزاً على تَسلسُل البطون والأفخاذ كما رتَّبَها سلَـفُه. وأكملَ، اعتماداً على هَذَين الطَّريقة والأسلوب، سردَ أخبار الذّريَّة التنوخيَّة، فغطَّى بذلكَ الحقبَة الأخيرَة من عهد المماليك، وأنجَزَ عمَلاً لهُ أهميَّته على صَعيدَيْن: الأوَّل منهما يتعَـلَّقُ بالتاريخ العام للمنطقة حيث يَحْظى نصّ ابن سباط بقيمَة تُوازي التي لنَصِّ الأمير صالح بنَوعيَّة المادَّة وإنْ كانَت لاَ تُضاهيها بالشّمُول أو التَّوْثـيق والاتِّسَاع. والثاني منهما- وهوَ الأهَمّ- يتعلَّقُ بتاريخ الفَترَة الذَّهَبـيَّة للنَّهْضَة التوحيديَّة التي كانَ رائدُها الأميرُ السيِّد إمام عبَيه والغَرب، ومن ثُمَّ إمام «الجَزيرَة» كلِّها.
ومن الأصُول التوثـيـقـيَّة القديمة في هذا السّياق، وثيقـة مخطوطة «على قدر عالٍ من الأهمّيّة» على حدّ قول الأمير شكيب أرسلان، تُعرَف ب«السّجلّ الأرسلانيّ». يتضمَّن هذا الإرث «سجلّات ووثائق وحججاً قديمة تؤرِّخ لنسب العائلة. وهذه الوثائق هي شواهد ثقات، إذ بُتَّ في صحّتها ومصداقيّتها من قِبل قضاة مجلس الشّرع، وذلك في معرّة النعمان وبيروت وصيدا ودمشق… تبدأ بالإثبات الأوّل في نسب الأمير منذر بن مسعود بن عون أمام قاضي معرّة النعمان محسن بن حسين الطّائيّ (سنة 141 هـ/ 758 م)، وصولاً إلى زمن الأمير شكيب أرسلان وأشقّائه…».
ويعود نسب آل أرسلان إلى تنوخ، وهم أطياف قبائل اتّخذوا من عين دارة قاعدة لهم، وذلك بأمر من أبي جعفر المنصور. ثمَّ نزح قسم منهم إلى قرى في منطقة الغرب حيث ما زالت عائلات كريمة تحفظ عراقة الأنساب إلى يومنا هذا.
يذكر الأمير شكيب أنّ السّجلّ المحفوظ يتضمّن نسب العائلة «المتسلسل منذ سنة 142 للهجرة إلى هذا العصر، مثبتاً لدى القضاة والحكّام بشهادة العلماء الأعلام عصراً فعصراً بدون انقطاع… مؤيّداً ما نقلته عن السجلّ الأرسلاني بروايات الكثيرين من مؤرِّخي لبنان… بحيث ثبت لأنه لم يقع توقيع واحد منهم في إثبات من إثباتات السجلّ إلَّا ضمن مدَّة حياته، ولم يحكم به واحدٌ من هؤلاء القضاة إلَّا ضمن مدّة قضائه ممّا يتحصَّل به ثلج اليقين بصحَّة السّجلّ وصدق رواياته». ثـم ينبِّه في أدب الكرام بإيراد هذين البيتيْن:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً
 يغنيك مضمونه عن النّسبِ
إنَّ الفتى من  يقول: ها أنذا
 ليس الفتى من يقولُ: كان أبي
يستـندُ البحث الحاضر إذاً، بشكلٍ أساسيّ، على أصُول تاريخيَّة مُعتمَدة. وبالتالي، على كثير من  المراجع التي يمكن نسبتها بشكل رئيسيّ إلى مستويَيْن: الأوَّل هو مصادر أساسيّة في تاريخ لبنان العام منها ما كُتِب في القرن التاسع عشر، والثاني هو الكثير من المراجع التي صنّـفها ذوو اختصاص في التاريخ وبحوثه، وهي في كلّ حال مُدرجة في هوامش البحث.
إنَّ مقاربة موضوع «الهويَّة التاريخيَّة» لا يُمكن أن يكون عشوائيّاً بالرأي والقياس النسبيَّـيْن إهمالاً للتوثيق التّـاريخيّ الموضُوعيّ الـمُتَاح. ومناسبة هذه الملاحظة هي فائض الكلام في عصرنا الرّاهـن القائم على الاستسهال الَّذي لا تصِحُّ معه حقيقة بأيّ حال من الأحوال.
يتمثَّـل الدروز رموزَ تاريخهم بصورةٍ معلَّقةٍ على حائط غالباً ما يكون صدر البيت، في القاعة التي هي قلب الدار. ويُحتَفى بها في قاعة استقبال قصر الزعيم كما في البيوت المتلاصقة لأحياء القرية الجرديَّة. في الجبل كما في الجليل، وفي مضارب القوم على سفوح جبل السمّاق كما في دُورهم الجميلة إن هم تغرَّبوا في المهاجر البعيدة. إنها صورة قائد الثورة السورية الكبرى سلطان باشا الأطرش. ولا يهم هنا تاريخ الرجل الشّخصي فقط بقدر ما هي ملامح سيكولوجيا جماعية خبيئة في الذاكرة التاريخيَّة للجماعة. هيبة الرجل الذكورية، الشاربان الواقِفان، الكوفيَّة والعِقال فضلاً عن سِمات الغضب والشهامة والثورة. وإن تَنَوَعَ الشكلُ أحياناً، كما صقـرٌ على زندِ الرجل أو عمامة بيضاء على رأسه، فإنّ اكتمالَ المعنى تُحَقِّقُه الصورةُ إذا ما كان القائدُ فيها على فرسه العربيّة الأصيلة الصافنة أو الواقفة على قائمتيها الخلفيَّتين، والسيفُ العربيُّ في اليمين العالية، ساطعاً كما هلال فضّي منير.
ما من صورة اختصرت تاريخ جماعةٍ كمثل ما فعلته صورة الباشا الثائر. ذلك أنّ المكانة التي تبوَّأها الدروزُ على صفحات تاريخ «جزيرة الشام» صنعَتْها سيوفُهم البارقة وسواعدهم المقاتلة دفاعاً – وبتوثيق تاريخي محقَّق – عن «الأمّةِ» و»الجماعة» و»المرجع الشرعيّ» الذي كان يمدُّهم بشرعيَّة السلطة ويخوّلهم تدبير الأمور على مرَّ الحِقب التاريخيَّة وتبدُّل الدول والحكّام.
إنها «المثاغرة»، تلك المهمَّة الجليلة التي دمغت طابع الدروز التاريخي بسَمتها وما تحمله من معاني القتال والجهاد والمرابطة التي باتت مثل جذور حيَّة للشخصية الجماعية الدرزية وعنفوانها الأثيل، دون التفات إلى ما قِيل ويُقال. فقد صارت عادة عند الدروز أن «يصنعوا التاريخ وغيرهم يكتبه». ولم يتوهَّج شِعارُ «العِرض والدِّين» – كما يحتفل به الدروز – مثل ما عندهم توهَّج، في منطقِ الدفاعِ عنهما، والذبّ عن حِماهما حتى بات من الشهرةِ بمكان أن مفهوم «الموت» عند الدروز تخطّى حاجزَ الخوف والرهبة إلى طقوسِ الشوقِ والالتحام:
مُتهافِـتين على الرَّدى وشِعارهم
اليوم أفضل من غدٍ يا فانِ.
وفي ذروة التعبير عن افتخار الدروز بتاريخهم وأصل عقيدتهم، وبأبياتٍ كأنها الحواشي الذهبيَّة حول صورة سلطان، يقول الشاعرُ الشيخ نايف تلحوق بلهجةِ العشيرةِ الجبلية الشاميَّة:
ويُوم أنْ بُعث هادياً من وُلْد عدنان
حِنَّا اهتدينا وباقي الناس ضلّون
كِنا «صحابة» وكانت الناس دشمان
وأسلافنا الأنصار في بدر كانون
ويمضي في قصيدةٍ طويلةٍ مادحاً قومهُ ومفـتـخِـراً بأنهم:
أمُّوا الجزيرة ملوك وصحاب تيجان
                                     نصر ولـــــــخم ومناذرة تـــنوخ يكـنـون
حِـــنّا سلايل مجد وملــوك وعيــــــــــان
                                    من يوم أوجد «كُون» من كافا ونون
وينطلق كسيل نهر هادرٍ في وصف أمجاد القتال ضد «الفرنج» و»الظَّلمَة» والاستعمار الفرنسي في ملحمةٍ تراها في بعض البيوت بموازاة صورة قائد الثورة لتلخِّص بالرسم والكلمة سرَّ التماسُك الدرزي المعروفيّ في جذوره الأكثر عمقاً.
ألحَّت هذه الصُّورةُ وتلك القصيدة بما ترمـزان على حضورهما في هذا المدخل للحديث عن التراث الإسلامي في الجبل لأنّه يعطينا بلمحةٍ بالغة التعبير المدخل الواضح لجوهر التاريخ في القلب الدرزيّ. إذ أن العشيرة المعروفية منجذبةٌ إلى تاريخها بأكثر مِمّا إلى انطلاقة المستقبل. وما يُـرادُ قوله هو أنَّ لا انفصام بين هذا التاريخ العابق بغبار القتال والحرب وبين العقيدةِ التي من أجلها ومن أجل الذبّ عن حياضها ثبت الموحِّدون في ثغورهم إلى يومنا هذا في دورٍ تـتـقمّصه الحِقـب منذ ألف عام.
ولتكن إثارة السؤال، بروحٍ تائقة إلى الإيجاب نافـرة من السَّلب: لـمَ لمْ تُـثـر قضيَّة التأويل التوحيديّ لآيات القرآن الكريم إشكاليَّةً إسلامية إلاّ في القرن الأخير رغم بروزها منذ عشرة قرون؟
وفي معالجة القضايا التاريخية التي يثيرها هذا السؤال يُستعرض هنا تراث الجبل الإسلاميّ، ويـتـمّ استقصاء جذور المشاريع المشبوهة كي لا نقع في وتيرة السرد التاريخي المألوف والمثبت في كثير من المراجع الموثوقة والمتوفّرة والمذكورة في هوامش هذا البحث.
إذا ما استثنينا بعض الصراعات المحليَّة بين زعماء الإقطاع فيما بينهم من ناحية، وبينهم وبين الولاة «الإقليميين» من ناحيةٍ أُخرى، لوجدنا تاريخ القبائل العربيَّة التي استوطنت «ثغور الشام» منذ القرن الثاني للهجرة وحتّى منتصف القرن الماضي تاريخاً ملتحماً بالدور الذي أوكلته أيّاها «الأُمَّةُ» في الدفاع عن ثغورها ضد الغزو الأجنبي. إنها مهمّة «المثاغرة» لصدّ الفرنجة. وقد تقلّبت الدول فوق دسْت الخلافة وتكاثرت، وتعدَّدت العصبيّات التي ادَّعت تجسيد «الجماعة» وتمثيلها. وتفتَّت – واقعاً – مفهومُ «الاُمَّة» إلى ولايات متناحرة وممالك متصارعة، بيد أنّ الطبائع السياسيَّة للدور التاريخيّ الذي التزمت به القبائل المرابِطة في الثغور ظلَّت في جوهرها مستمدَّة من السلطةِ المستندةِ من شرعيَّتها إلى تمثيل «الأُمَّة» مهما تلاعبت بها عوامل الوهن والانقسام.
لقد استمدّ الحكم الـتـنوخيّ – بفروعه – طيلة ما يُقارب ستة قرون من الزمان مقوّمات وجودِه وشرعيَّته من تلك السلطة، وسلَّم أمانة الحُكم إلى أقربائه «المعنيّين» لأنهم قاتلوا إلى جانب الذين استولوا على السلطة إيّاها فصار لهم (العثمانيّون) السلطان على المسلمين. ولمّا خَلْخل الشهابيُّون الذين استلموا دفَّة الإمارةِ هذا الارتباط، قام الدروزُ بالدور عينه الذي قام به أجدادُهم، غير أن السلطان بات «الرجل المريض»، والطامعون بميراثه لعبوا في حقـلِ الطوائف والمذاهب مُقحمين السياق كلّه في بداية النفق.
يتحدَّر الدروزُ الموحِّدون في أنسابهم من قبائل عربيَّة عريقة في أصلابها وأصيلة حتّى بات من نوافل القول «تأكيد المؤكَّد أو إثبات الثابت» . فالدروز في النَّسب عرب أقحاح لا يوجد منَ العرب الجالين عن جزيرة العرب أصحّ عروبيَّة منهم. وبات متواتراً في المصادر تعداد هذه الأنساب.
فمن القبائل التي استقرَّت في بلاد الشام قبل الإسلام وتحدَّر منها الدروز تيم الله أو (تيم اللات) التي هاجرت أوّلاً من الجزيرة العربية إلى وادي الفرات ثم استقرَّت في المكان المعروف اليوم بوادي التيم في جنوب لبنان. ومنها قبيلة لخم التي استقرَّت في الحيرة وإليها ينتسب الأمراء الإرسلانيّون والبحتريون التنوخيُّون الذين حكموا لبنان خلال القرون الوسطى. ومنها قبيلة طيء التي استقرّت في الأطراف الجنوبيّة من بلاد الشام، وقبيلة ربيعة النجديَّة التي ينتسب إليها بنو معن وكذلك بنو جندل الذين ينتسبون إلى قبيلة تميم. وتفتخر بعض العائلات الدرزية بنسبها العريق كآل نكد إلى بني تغلب وآل تلحوق إلى بني عزّام وهم فرع من قبيلة الأزد وآل عبد الملك إلى بني شويزان وآل ناصر الدين والقاضي إلى تنوخ… وتحتـفظ إحداها بسجلّ هو كناية عن مجموعة أوراق قديمة وحجج صادرة عن قضاة الشرع في معرَّة النعمان ودمشق وبيروت وطرابلس وصيدا تتعلَّق بنسب الإرسلانيين وأخبار اللخميّـين الذين قدموا إلى لبنان سنة 142هـ/759م. وهو سجلّ حافل بأقدم الأخبار وأوثقها عن اللخميين جدود الفرع الأرسلاني منذ الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام، اصطُلح على تسميته «السّجل الأرسلاني».
وإذا عدنا إلى المصطلح الخلدوني في «العصبية» اللاحمة لأساس الحكم وجدناها ترتكز على أُسَّيْن جوهريين هما النَّسب والدِّين. فالنسبُ عربيٌ صُراح، والدينُ توحيدٌ مستمَـدٌّ من كتاب الله العزيز ومُستظلّ رمز الدعوةِ المحمَّدية والإسلام الحنيف على ما قال الأمير شكيب:
وليس لنا غيرُ الهلالِ مِظلّةً
ينالُ لديها العزّ من هو آمِلُه
وتلك عصبيةٌ سادت وجاهدت وأرْست تقاليد الدروز وتراثهم بمُجمله على إنطواءٍ حميم يحضن عقيدتهم في التأويل بما لا يمّس وحدة «الجماعة» ويُثير حساسيّتها المذهبيَّة.
لقد كانت فاتحة السّجل التاريخي لمهمّة «المثاغرة» عندما تسلَّم العباسيُّون الخلافة وبعدت المسافة بين بغداد عاصمة العباسيين وسواحل الشام، فأكثر الرومُ من مهاجمة السواحل. كان ذلك في عهد قسطنطين الخامس كويرونيموس (741 -775م.) فأرسل أبو جعفر المنصور حوالي عام 141هـ/758م. عشائر تنوخيَّة من معرَّة النعمان إلى المناطق المحاذية لبيروت. وكانت هذه العشائر، كما يذكر السجلُّ الأرسلاني، بقيادة الأمير منذر بن مالك بن بركات بن منذر بن مسعود بن عون اللخمي التننوخي. وكان برفقته أخوه ارسلان بن مالك وأبناء اخوته حسّان بن خالد وفوارس بن عبد الملك وعبد الله بن النعمان. تبع ذلك تدفّق بعض العشائر من مناطق أُخرى لتستقـرّ في الثغور وتتحمَّل عبء المهمّة ذاتها.
يبدأ سجلُّ مآثر الدروز في جَبَلهم من أولئك الأمراء التنوخيين الأوائل الذين قدموا إليه بمهمّة سامية. فقد اشتهر الأمير منذر بن مالك بالشدّة والشجاعة، وبذلك اشتهر الأميرُ ارسلان أيضاً حتى قال فيه أحدُ معاصريه ورفاقه اسحق بن حماد النميري أنه «مِن أشجع مَنْ أدركناه من فرسان العرب الضراغم» وكان إلى ذلك عالِماً يهاب العُلماء وقد تتلمذ على الإمام أبي عمرو الأوزاعي. وقد حكى اسحق أيضاً، وكان خادم تراب الإمام الأوزاعي، أن الأمير إرسلان، لما ووري الإمام الأوزاعي التراب خاطبه قائلاً: «رحمك الله أبا عمرو فوالله لقد كنت أخافك أكثر من الذي ولاّني».
لقد كان أجداد الدروز الموحِدين آنذاك في فترةٍ سابقةٍ على التمذهب التأويلي التوحيدي الذي سيحصل لاحقاً في أوائل القرن الخامس للهجرة. تأويل لن يحولَ دون الاهتمام بالإمام الذي أثار اهتمامَ السَّلَف، لأنه ليس انقطاعاً في العقيدة عمّا سبق، وإنما هو تبحُّر في معنى الكتاب أقرب ما يكون إلى استبطانه وتثويره وسبر أغواره على ما جاء في حديثِ عبد الله: أثيروا القرآنَ فإن فيه خبرَ الأوَّلين والآخرين. وشرح شَمِرٌ فقال: تثوير القرآن قراءتُهُ ومفاتشةُ العلماءِ به في تفسيره ومعانيه. لهذا نرى أن الأمير صالح بن يحي، وبعد حوالي سبعة قرون يتلمَّس آثارَ السّلَف فـيُـبدي اهتماماً لافتاً بالإمام الأوزاعي واصفاً إيّاه بأنه كان «عظيم الشأن بالشام وأمره فيهم أعزّ من أمر السلطان… وقد جعلت له كتاباً يتضمَّن ترجمته…» ولا غروَ في ذلك، فالخلَف هنا يتقصّى آثار أستاذ السَّلَف في تراث حيّ متواصل من غير انحراف ولا تبديل.
على كل حال، فإن المعارك مع المردة ابتدأت في الفترة الأولى للوصول، منها معركة حاسمة معهم سنة 175هـ/791م انتصر فيها الأمير سعود بن أرسلان الذي كان يقطن سن الفيل.
والأمير المذكور رافق الخليفة المأمون مع فرسانه إلى مصر واشترك معه في حربه ضد الأقباط سنة 216هـ/831 م، ولشجاعته فيها ولاّه الخليفةُ العبّاسي، بالإضافة إلى إمارة الغرب التقليدية، ولاية صيدا ومقاطعة صفد. وتابع ابنه الأمير النعمان سجلّ المآثر بتصدّيه للمردة عند نهر بيروت شرقي المدينة وانتصاره عليهم فبعث له الخليفة العباسي بكتاب يمدحه ويقــرّه على ولايته كما أهداه سيفاً وشعار العباسيين الأسود.
ومن دون متابعة تسلسل الأحداث بشكل كرونولوجي معروف، فإنّـه يُمكن استقـراء السياق التاريخي لها من استخلاص مؤشّراتها بشكل عام. فشرعيَّةُ حكم الأمراء التنوخيين ظلَّت مُستمدَّة من شرعية الدول المتعاقبة على تملُّك السلطة في عواصم الإسلام التاريخية، وهي دول وقوى تنازعت السلطات وظلت محافظة على صوريّة وجود الخلافة ليُمكّنها ذلك من إدّعاء تمثيل «الأُمَّة». وعلى أساس هذا التمثيل، وبحكم الأمر الواقع، كانت الوثائق من كتبٍ ومناشير، تنظِّم حكم الإمارة وتصدر بشأن حقوق الأمراء في تولّي الاقطاعات. ولا يمنع ذلك من اعتبار هذه الوثائق ذات أهمية تاريخية بالغة، لما تُمثّله من ارتباط دور أبناء الجبل القدامى بالسياق التاريخي العام لديار الإسلام، وكثير من نصوصها أدرجهُ الأمير صالح بن يحيى في كتابه.
لذلك فإننا نجد أن البعض دأب على توثيق تلك الرسائل التاريخيَّة بما يُشبه طقساً احتفالـيّاً بعنفوان السلالة وفخرها يستمدّ روعته من النسخ الحيّ للتاريخ ذاته. وإلاّ كيف لنا أن نفسِّر ذلك الهاجس الذي حثَّ أجيالاً عديدة متعاقبة على جمع تلك الوثائق وتصديقها من قضاة الشرع في مدنٍ عدّة عبر القرون والحقب، فكانت الوثيقةُ تنتهي على سبيل المثال بما يلي: «هذا ما ثبت بين أيادي سيدنا ومولانا قاضي قضاة المسلمين مُحيي الملّة والدين أبو المعالي محمّد المذكور في أوّل النسب وفَّقه الله للحكم بما يرضاه وذلك أمام الأسياد والعدول الآتي ذكرهم غفر الله لهم. كُتب في رجب سنة خمس وتسعين وخمسماية والله سبحانه أعلم» . وعلى هذا المنوال تتمّ المصادقة على وثائق «السّجلّ الارسلاني» المُحتفى به إلى يومنا هذا إلى حدّ نسخه بخط يد أميرةٍ بالذات.
مرجع آخر يحفظ لنا هيبةَ ذلك التراث وصلتَه بالمرجعية الإسلامية العُليا عبر الوثائق والمناشير هو مخطوط الأمير صالح بن يحيى المُسمّى بعد طباعته «تاريخ بيروت» ولربما لو لم ينقرض فرعُ الأمير في السلالة لكان تاريخه بدوره يُنسخ باليد إلى يومنا هذا.
ومن طبائع الأمور، ما لم نُلقِ عليها أحكاماً تعسُّفية، أن نعتبر هذه السّجلّات وثائق إثبات هويَّة التراث الذي عاش عليه أبناء الثغور المجاهدين عبر الحقَـب والعهود. ولا بد من العودة معها إلى الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حيث نرى أن «المعطيات التاريخيَّة تشير إلى أن المملكة التنوخيَّة التي كان يمتدُّ سلطانها من الحيرة شرقاً إلى بلاد الشام غرباً إلى نجران جنوباً، كانت في وقت من الأوقات تسيطر على معظم الجزيرة العربية»، وإلى تلك الفترة يشير الشيخ نايف تلحوق في قصيدته، وفي البيت الذي ذكرناه سابقاً حين يعدّد بطون «نصر ولخم ومناذرة تنوخ» ويكمل فيقول:
الحيرة بنوها وضمنها شاد نعمانْ
قصر الخورنق والسدير هِن شادون
بذي قار هاني ساد من آل شيبان
يوماً  سلفنا جيوش  كسرى  تَـقـفُّـون
ويتابع في أبيات ذُكرت سابقاً أن تلك القبائل اهتدت بهداية «ولد عدنان» عندما كانت الناس «دشمان» أي أعداء، ثم يقول:
عمّار والمقداد منّا وسلمان
                                     الآيات عنهم والأحاديث يَتلُون
وحِنَّا نخاف الله وندين بإيمان
                                     وحِنا نُطيع الله لو الناس عصيون…
وهكذا نرى تأثير السّجلات المذكورة في العنفوان الشعبي وتعلُّق «العصبية» المعروفية بتراثها، هذا التراث الذي يرتبط أيضاً بأيام الفتوحات المجيدة.
فالسجل الارسلاني يذكر أيضاً أن عون بن المنذر كان مع خالد بن الوليد عند قدومه إلى الشام، وقد اشترك في واقعة أجنادين عام 13 هـ/634 م. حيث جُرح ومات. وحضر مسعود بن عون بن المنذر واقعة اليرموك بألف وخمس مئة فارس من أصحابه وقاتل قتالاً شديداً. ثم أن أبا عبيدة بن الجرّاح أسكن هؤلاء المقاتلة في معرّة النعمان القريبة من حلب.
وما لبث الخلفاء أن أبدوا اهتماماً كبيراً بالثغور منذ أيّام معاوية، فكان لتنوخ حظوة لديه. ورأينا بعدها ما كان من أمر أبي جعفر المنصور وإرساله بعض العشائر إلى السواحل وما كان من أمر الأمير مسعود بن أرسلان مع الخليفة المأمون.
وإذا ما تتبَّعنا مجرى الأحداث بعد الضعف الذي أصاب وحدة الخلافة العباسيَّة وتفكّكها إلى دول متنازعة مع الإبقاء على رمز الخلافة، نرى أن السجلات تحوي كما ذكرنا آنفاً ما يُفـيد عن تواصل الإمارة الجبليَّة مع تلك القوى في إطار مهمّة «المثاغرة».
فها هو طغتكين مؤسِّس السلالة البورية ذات الأصل التركي والتي حكمت دمشق من سنة 1104 إلى 1154 م. يكتب إلى الأمير مجد الدولة محمد بن عدي التنوخي سنة 520هـ/1126م كتاباً يوليه الإمارة فيشتدّ ساعدُه ويبدأ بغزو الإفرنج. كذلك يكتب مجير الدين أبق ملك دمشق منشوراً إلى الأمير ناهض الدين أبي العشائر بحتر بن عضد الدولة يأمره أن يبقى على رسومه المستمرّة في القرى المعروفة به وبأجداده ويحثّه على الغزو والجهاد والمحافظة. وهذا الأمير هو الذي هزم الإفرنج في واقعة رأس التينة عند نهر الغدير جنوب بيروت سنة 549هـ/1151م وقُتل منهم خلق كثير «وترادفت غزواته عليهم حتى بلغ الشهرة العظيمة» كما يقول الشدياق.
واتَّبع الزنكيون السياسة ذاتها مع التنوخيين، فقد أرسل الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي في 14 ربيع الأوّل سنة      552 هـ/1157 م «مرسوماً مطلقًأ» إلى الأمير زهر الدولة كرامة بن بحتر الجميهري التنوخي يحث فيه على طاعته ومعاونته «في جهاد الكفّار» ، كما أرسل له منشوراً في 7 رجب سنة 556 هـ/1160 م. يزيد له إقطاعاً. ذلك لأن أبا العز زهر الدولة كرامة كان مِمَّن يعتمد الملك العادل نور الدين عليهم في حربه ضد الفرنجة وهو الذي كان من أقدر الأتابكة الذين حاربوهم إلى حدّ أن عدّهُ الفرنجة كما يقول رونسيمان «عدوّهم الرئيس».
ثم وقعت أسرة الأمير زهر الدولة وعشيرته في محنةٍ قاسيةٍ عندما اجتاح الفرنجةُ بيروت بعد مكيدة أرّخها الأمير صالح بن يحي في 11 شوّال سنة 569 هـ. ولمّا قدم السلطان الناصر صلاح الدين إلى خلدة في 11 جماد الأوّل سنة 583 هـ/1187م. لاسترداد بيروت من الفرنجة، لاقاه الأمير جمال الدين حجي بن الأمير زهر الدولة إلى خلدة واشترك معه في فتح المدينة. ويقول صالح بن يحيى أنه «لما فتح السلطان بيروت لمس بيده رأس حجي وقال له: قد أخذنا ثارك من الفرنج، طيِّب قلبك، أنت مستمرّ مكان أبيك واخوتك» وكتب له منشوراً.
يذكر صالح بن يحيى أيضاً مكاتبات من السلطان الملك الأفضل نور الدين علي بن الناصر بن أيوب إلى الأمير حجي، كذلك من الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، كذلك من الملك الصالح نجم الدين أيّوب سلطان مصر ودمشق إلى الأمير نجم الدين محمد بن حجي بن كرامة، ومن الملك الناصر صلاح الدين يوسف سلطان حلب ودمشق إلى الأمير جمال الدين حجي بن نجم الدين بن حجي، ما يدلّ على علاقة وثيقة بسلاطين تلك الحقبة الأيوبيين من السَّلَف إلى الخلَف.
العلاقة مع المماليك
استمرّت العلاقة مع أصحاب السلطنة المُتداولة بعد سيطرة المماليك على مصر، فقد أرسل الملك المعز عز الدين أيبك زوج السلطانة شجرة الدر، أوّل السلاطين المماليك في مصر سنة 648 هـ/1250 م منشوراً إلى الأمير سعد الدين خضر بن محمد بن حجي بالرغم من أن سلطته لم تكن قد امتدّت بعد إلى بلاد الشام.
والأمر ذاته حصل بعد أقلّ من ثلاثة أشهر من سقوط دمشق بأيدي المغول في ربيع الآخر سنة 658 هـ/1260 م، فقد أصدر كتبغا نائب هلاكو منشوراً يقرِّر فيه جمال الدين حجياً على اقطاعه الذي كان قد أقطعه إيّاه الملك الناصر الأيّوبي وقد خاطبه «بالأمير الأجلّ الأوحد الأعزّ المختار جمال الدين عمدة الملوك والسلاطين حجي بن محمد بن أمير الغرب أدام الله تعالى تأييده وتمكينه وتمهيده». وتسلَّم الأمير زين الدين صالح من المغول أيضاً الخِلع والهدايا.
وحفاظاً على «إصلاح الحال»، إبّان تصارع القوى الكبرى، توجَّه الأمير زين الدين صالح إلى معسكر المماليك في عين جالوت وشاركهم نصرهم التاريخي على المغول بعد أن قاتل قتال «شجاعة وفروسيَّة» فنال الحظوة أمام الملك المظفَّر قطز بعد أن أخبره المقاتلة عن بطولته.
رسم تخيلي للملك المعز عز الدين أبيك (أول سلاطين دولة المماليك)
نعود لنلقى الوتيرة ذاتها في بعث المناشير والكتب، فبعد استيلاء الظاهر بيبرس على السلطنة، أقرَّ الأمير جمال الدين حجياً على معظم اقطاعه الذي كان له بعد أن زاد عليه قرى أخرى. وقد حرص بيبرس الذي عُرف عنه مجالدته للفرنجة وصراعه الطويل معهم وانتصاراته الأسطوريّة عليهم على تعزيز مهمّة «المثاغرة»، فكان لنائبه على الشام جمال الدين أقوش النجيبي عدّة مكاتبات إلى الأمراء يحثُّهم فيها على القيام بمهمّتهم. أراد الظاهر بيبرس بذلك أماناً له من الخطر الكامن في الثغور ليفرغ إلى حروبه مع القلاع الصليبيّة في الداخل ومع التتار الذين لاحقهم حتى الأناضول. وقد بعث بنفسه مرسوماً إلى الأميرين زين الدين صالح وجمال الدين حجي بعد أن تحقَّق استحقاقهما للشكر والتكريم. ويذكر صالح بن يحيي نص المرسوم الذي يبدأ بالتوجُّه إلى «الأميرين المختارَيْن المحترمَيْن الأخصَّيْن المجاهدين… فخري القبائل والعشائر مجدَي الأمرا اختياري الدولة عمدي الملوك والسلاطين…».
وقد توطّدت العلاقة مع المماليك بعد بيبرس بعد أن شهدت تطوّراً أيّام السلطان الأشرف خليل والسلطان الناصر محمد بن قلاوون حيث انضمَّت قوى الأمراء التنوخيين المُقاتِلة إلى الجيش لكي يؤلِّفوا حلـقة من حلقات الجيش المملوكي. وقد أدّى هذا الانخراط في التشكيلات العسكرية المملوكية إلى إعادة تنظيم مهمّة «المثاغرة» التاريخيَّة المستمرّة منذ ما يُقارب خمسة قرون.
يستمدّ القولُ الشعبي الدرزي «الدروز سيفُ الإسلام» جذورَهُ بالتأكيد من الفترة التنوخيِّة. وينبت جذعه سنديانةً صلبة في الأعقاب التي فاخرت بتراثها وحرصت كل الحرص – لا نصفه ولا ثلثه – على المحافظة عليه في حميميَّة أقرب ما تشابه طقساً مقدَّساً غير متنازع عليه. وإذا ما أضفنا إلى فترة حكم الإمارة التنوخيَّة تاجَها التي به أضاءت وتكرَّست حقيقةً حيَّةً في جوهر التراث التوحيدي، بما يعني هنا الثورة الإصلاحية الاجتماعية الثقافية النيِّرة التي قام بها الأمير السيد جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) لأدركْنا كم تتماهى الوثيقةُ التنوخيةُ في هيولى الشخصيةِ الدرزية التوحيدية ظاهراً وباطناً. وقبل الحديث عن الأسُس التي وضعها الأمير السيد(ق) للنظام الاجتماعي التوحيدي، يحسن بنا استكمال السياق التاريخي ما بعد التنوخي في خطوطه العريضة.
«الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشَّرع مَعنية…» الشّيخ الخالدي
دون الدخول في المتاهةِ التي اصطنعها المؤرّخون الموارنة للأمير فخر الدين المعني الثاني الكبير، يمكن التحدُّث باختصار عن التزام الأمير المعني بتراث عشيرته التزاماً ثابتاً بما لا يمنعه من أن يتملّك رؤيا ذات أبعاد حضاريَّة.
المقصود بال «متاهة» مَا أُريد لقصّة الأمير فخر الدين أن تصبح أيديولوجيا الفكرة اللبنانية الخاصّة في جدلها العنيد مع محيطها العربي، فباتت كما قصّة الشرق الذي اصطنعه المستشرقون وفق ما أرادوا للشرقِ أن يكون.
ولا يُـعتـقـد أنَّ الشيخ أحمد بن محمَّد الخالدي الصفدي مؤرِّخ الأمير فخر الدين المعاصِر له استعمل التعبير لضرورة السجع عندما قال: «الدولة المعنية، التي هي بامتثال الشرع معنيَّة…» دون أن يعني ذلك حقاً. ولربّما يتمّ التأكيد على ذلك من خلال السّيرة التي ثبتها الشيخ الخالدي ذاته في تاريخه لأميره عندما كان الأخير لاجئاً في توسكانا.
فقد رفض الأمير أن يأكل «إلاّ من ذبيحة المسلمين» وعيَّن له قصَّاباً من جماعته الحاج محمد قواس باشي ليتولّى شأن الذبائح. ثم أنه أقام الصلاة جماعة في رمضان في مقرّ إقامته الذي لم يمنعه من إجهار الأذان حيث كان له مؤذن هو أحمد صبايا في بيروت مِمّا أثار حفيظة مضيفيه أكابر نابولي. ولم تمنعه الأزمة الحادّة التي نشبت معهم، عندما أراد مغادرة بلادهم والعودة إلى وطنه مهدِّداً بتفجير المركب، من المثابرة على صيام شهر رمضان وسائر أفراد عائلته.
هذا فضلاً عن اهتمامه الزائد، أثناء حكمه في إمارته، برحلة الحج السنويّة التي كان يولي عليها أميراً، أحياناً أحد أولاده بالذات.
وكان الأمير فخر الدين الكبير يحضر الصلاة في الجامع أيّام الأعياد الكبيرة ويرتِّب في حاشيته العلماء والمؤذِّنين.
وقد بنى الأمير فخر الدين الجوامع عُرف منها جامع القاع في البقاع والجامع «البرّاني» في صيدا، وفي عهده أيضاً قام الأمير مُنذر بن سليمان بن علم الدين بن محمد التنوخي، أثناء ولايته على بيروت من قِبل الأمير علي بن فخر الدين المعني عام 1025 هـ/1616م بإنشاء المسجد المُسمَّى باسمه والواقع في قلب العاصمة بيروت (حالياً) في الوسط التجاري للمدينة بالقرب من المنطقة المعروفة باسم باب ادريس. وأما جامع دير القمر فقد بناه تنوخيّ آخر هو فخر الدين عثمان بن معن «أمير الأشواف» كما يصفه حمزة بن سباط.
الجامع “البرّاني” في صيدا
جـامـع المخـتــارة
دخلت العلاقات بين الزعماء المحليين والولاة الإقليميين إبّان الحكم العثماني مرحلة من الاضطراب والتشويش لِما شهدته من الدسائس والفِتن فيما بينهم. ولم تعد لمهمة «المثاغرة» تلك الأهمية القصوى نظراً لانشغال أوروبا بمقاومة الإندفاع العثماني إلى قلبها بعد سقوط القسطنطينيّة وتهديد أسوار فيينا. وفي كل حال نرى أن تحوُّلاً أساسيّاً طرأ على السياق التاريخي لإمارة «جبل الدروز» كما كانت تُسمَّى آنذاك وذلك بعد انتقال الحكم فيها عن طريق ما يشبه «الشورى» إلى الشهابيين.
ومن دون استرسالٍ في سرد مجريات الأحداث التي شهدت إرهاصات الصراع على حكم الإمارة بين زعماء الإقطاع ومن ثمّ تطوّره واستفحاله إلى حدِّ استنفار الحسّ الطائفي بتأثير من تدخّلات الدول الأجنبية بشكل تصاعدي، فإننا سنتوقف عند حدث يرمز إلى نقطة تحول هامة وصارخة التعبير فيما يخص مسألة التراث والصراع على هوية الجبل. لقد كان الأمير بشير الشهابي «لا يعقد محلولاً ولا يحل معقوداً إلا بعد وقوفه على رأي الشيخ بشير جنبلاط واستطلاعه وجهة فكره ومنصرَف إرادته وذلك نظراً لما كان عليه الشيخ من السؤدد والمهابة ونفوذ الكلمة وعلو الشأن». ولِما كان له من الفضل من توليته أميراً وتقديم «الدعم المالي والعسكري له لإثبات حكمه ونفوذه».
كان الشيخ بشير جنبلاط شخصية بلغت حدّ الأسطورة لِما تمتع به من «العقل والذكاء والجود والسخاء والشجاعة والفصاحة والخِلال التي أقـرّ له بها الأقران وصيّرته وحيداً في عصره وغُرَّة في جبـين دهره حتى لقَّبه اللبنانيون بعمود السماء». وكان الشيخ صاحب رؤيا نافذة في النظر إلى تاريخ عشيرته ومستقبلها في خِضّم تصارع القوى من حولها بخاصّةٍ مع بروز تأثير العامل الأجنبي (حملة نابليون على مصر) وتفاعله في الداخل. ومن الطبيعي أن يسخِّر نفوذه وثراءه واندفاعه الحيوي في خدمة بني قومه مع دعمه للأمير الحاكم. بيد أن الريبة نهشت قلب الأمير الشهابي فتطلَّع إلى إثارة الخلافات بين أقطاب العائلات الإقطاعية الدرزيَّة تمهيداً لضرب سَمِيِّه.
يقول الشدياق المؤرِّخ المعاصر للأمير بشير: «بنى الشيخ بشير جامعاً في المختارة فانكاد الأمير منه جداً واستصوب تقوية اليزبكية» وليست الحال، فيما يخصّ بناء الجامع، كما حاول أن يصوِّرَه مؤرِّخو «الغرض الطائفي»، وإنما هي نهضة تستلهم تراثها كما رأيناه في السابق. وشكْل الجامع كما هو في ذهنيَّة «عقّال» الموحِّدين لا يرتبط تحديداً بالهندسة المنطلقة إلى فضاء الفسحة الخارجية بقدر ما هو مرتبط بمفهوم «الداخل» فتبحثُ النفسُ فيها عن انسجامها في تكوير المنحنيات «العقدية» والشكل الموحي بالتواضع لقباب تنحني في خشوع كما تجسّده خلواتهم ومساجدهم المتواضعة وتكاياهم الصوفية. ويبدو أن الشيخ بشيراً أراد لجامعه أن يكون حائطاً بالمعنَيـيْن ظاهراً وباطناً، فأقامه ببذلٍ وسخاء، وكان في كل حال جزءاً من نهضةٍ عمرانية أصابت القصور والجواسق والأقنية الخ…
هكذا بنى الشيخ «جامع المختارة» عام 1230هـ/1814م. غير بعيد عن قصره، على نسق جامع الجزّار في عكا، بمحاذاة القناة المائية التي أجراها من نهر الباروك. واستُعملت خمسة عشر قنطاراً من الرصاص في بناء قـبّته ومأذنته. وأقيمت في هذا الجامع الصلوات الخمس. وقد زيَّنت مدخله أبيات من الشعر:
الا اسجدوا في مسجدٍ جاء نورُه
                                      وأهدى الراكعين ضياء الهدى
مقـــــــــــــامٌ لدين الله أضحـى منـــوَّراً
                                      بآيــاته الحسـنى وأطلع فــرْقـــــدا
بنــــــاهُ بشـيرُ الجــنبلاطيُّ يرتجي
                                       من الله عفواً والثوابَ المشيَّدا
يلوح بتقوى الله جهراً فأرِّخوا
                                       وقارٌ وأمنٌ فادخلوا البابَ سُجَّدا
وعندما انفجر صراع البشيرَيْن وخرج الأميرُ الشهابيُّ منه منتصراً، لم يتورّع عن إشفاء غُلَّة كبده «فلغم الجامع بالبارود ودكّهُ كما دُكَّ الطور فغادره أثراً بعد عَين».
جبل «الاستشراق»!
سيشهد الجبل منذ الآن فصاعداً تحوّلاً عميقاً، ليس في انحراف وجهة الدروز الموحِّدين عن تراثهم وإنما في بروز عامل التدخُّل الاستعماري الغربي آنذاك واستخدامه للعبة الطوائف الجبليّة، وبالتالي الانكباب على بذر عوامل التفـتـيت المذهبية للإجهاز على جسد «الرجل المريض» الذي صارته أمبراطورية بني عثمان. إنها قصّة معروفة مسألة الأحداث الطائفية في الجبل الحاصلة منذ ما قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر وانفجارها عام 1860 بشكلٍ شامل، واستغلال الدول الكبرى آنذاك لعصبية الطوائف وارتكاز كل منها على طائفة مما أدّى إلى فرض حلٍّ من قِبلها على العثمانيين فيما سُمِّي ببروتوكول 1861. ما يـهـمّ هنا هو عمل الاستشراق كأداة واكبت التدخُّل الاستعماري ومهَّدت له عن طريق استخدام المعرفة عاملاً من عوامل الفعل السياسي الهادف إلى تفـتيت المجتمع وتحطيم وحدته تمهيداً لتـنفـيذ خطط السيطرة و»الانتداب».
كان المستشرق البارون سيلفستر دو ساسي عميد المستشرقين الذي كتب في عقيدة الدروز وديانتهم. يُلاحَظ أن كتابه صدر في باريس عام 1838 حين كان دو ساسي قبل ذلك بسنوات «يُستشار بانتظام حول جميع المسائل المتعلِّقة بالشرق من قبل وزير الخارجية (الفرنسي)، وفي حالات معيَّنة، من قِبل وزير الحربية أيضاً». لم يكن هاجس دو ساسي معرفياً خالصاً ليتوغَّـل في بُنية التأويل التوحيدي وارتباطها الجوهري اللطيف بتراثها الإسلامي، وإنما كان منهجه يسير «طبقاً للقواعد المعرفيّة الجوهرية المتعلّقة بالخسارة والكسب التي كان دو ساسي أوّل من وفَّـرها وطبّـقها» إذ كان الموضوع العظيم في حياة سلفستر دو ساسي هو «الحسّ المكرَّس للنفعيّة التربويّة والعقلانية» . وهكذا، كان «الحسُّ المكرَّس للنفعيَّة» يخدم آنذاك المخطَّطات الفرنسية في «استقلاب» هويّة الإمارة الجبليّة ذات الموقع الاستراتيجي الممتاز.
وبتأثير الحسّ ذاته طالَعـنا «غيز Guys» بكتابه الموسوم بتلكَ التسمية التي لم يُسمع بمثلها من قبل: «الأُمَّة الدرزية» وهو كتاب واكب مجريات الأحداث المتسارعة التي تلت الفتن الطائفية عام 1860، وكان أبرزها عقد مؤتمر باريس في          3 آب 1860، ونزول الجيش الفرنسي في بيروت في السادس عشر من الشهر ذاته، ومن ثم الاتفاق على البروتوكول الأوّل في 9 حزيران 1861 والذي عُدِّل عام 1864 والذي ينص في السطر الأول من المادة الأولى فيه على ان «يتولّى إدارة جبل لبنان متصرِّف مسيحي تعيِّنه الدَّولة العليا…».
وما لبثت ان ازدحمت حقبة «حُكْم المتصرفية» الهادئة في لبنان بوفود الإرساليات الأجنـبيَّـة التي نشطت بشكل محموم، وزرعت بذور الانتماء الطائفي بمعناه السياسي في تربة الوطن القادم. ما يهمّنا هنا هو أن التراث الثقافي لكل طائفة بات سلعة للأهداف السياسية خاصّة وان التنافس اللامتكافئ كان محموماً حول دمغ الهوية بطابع مرغوب. وفيما يتعلَّق بالدروز فقد بدأت دفقات المنشورات حول تراثهم وعقيدتهم تتدافع إلى الظهور، وبدت الرغبة الأكاديمية في المعرفة المجرَّدة وليدة المشروع الاستعماري لأنها واكبته أولاً بأوّل فكأنّها تبزغ وفقاً لرغبات الهدف السياسي الذي يتحكّم به «الحسّ المكرّس للنفعيّة» إيّاه.
الأمر ذاته حدث بعد انحسار نجم العثمانيين وفرض نظام الانتداب على دول المنطقة وانفجار ثورة سلطان باشا الأطرش ضد فرنسا عام 1925. وما لبثت أبعاد هذه الثورة أن تفاقمت بشكل خطير بعد أن أذاع الزعيم الاطرشيّ باسم «قائد جيوش الثورة الوطنيّة السوريّة العام» البيانات الأولى التي حملت شعارات «الدفاع عن الأمّة» والدعوة إلى الثورة الشاملة ووحدة البلاد وقيام حكومة شعبية وجلاء المحتلّين.
لم يكن سلطان باشا يبحث عن مصالح طائفية وإنما كان انبعاثاً لتاريخ معروفي عتيق، ورمزاً لتراث الجماعة التاريخي المتمثّل «بسيف الأمّة» الممشوق دفاعاً عن كرامتها وعزتها وشرفها. و«أمَّتُه» كانت إسلاميّة عربيّة كما تعسَّف «هنري غيز» مِن قبل وسمّاها كما شاء لها أن تكون.
لن نستطرد في سرد التأثير العميق الذي أحدثته «الثورة السورية الكبرى» بينما الحديث عن تراث الجبل اللبناني، وإنما تجدر الملاحظة بأن رموز الثورة المذكورة صارت جزءاً ساطعاً في صُلب ذاكرة التراث المعروفي أينما وُجِدوا الدروز وأينما حلّوا.
الاستشراق الصهيوني
في هذه الفترة ايضاً انتعشت ذاكرة الاستشراق ونشطت، فصدرت موجةُ جديدةُ من المنشورات الباريسية التي تتناول بالبحث تاريخ الدروز وعقائدهم. ويُمكننا هنا أن نخلص إلى النتيجة إيّاها وهي أن «المعرفة» الاستشراقية كانت وسيلة لتحقيق الأيديولوجيا، والنتيجة مزيد من فوضى المعلومات والتشويش وتعميم الأحكام التعسُّفيّة.
ومن جملة المعلومات المغلوطة أن الدرزيَّةُ دينٌ قائمٌ بذاته، والدروزُ أُمَّةُ مغايرة للإسلام لهم تراث مستقل غير مرتبط بتراث «الجماعةِ» وذاكرتها التاريخيّة. هذه هي المبادئ التي جهدت دوائر دولة إسرائيل في تعميمها بشأن الدروز.
وقبل الدروز، فقد كانت مواجهة الباحثين الصهاينة قائمة على مستوى العرب والإسلام بشكل عام. ومنذ ما قبل تأسيس دولة إسرائيل كان الهدف الصهيوني في جوهره، كما يعرفُ الكبيرُ والصغير، هو خلق دويلات طائفيّة تحيط بالكيان اليهودي المصطنع كحدود آمنة. «وكان قيام الكيان الصهيوني في عام 1948 على أرض فلسطين مرحلةً جديدة بالنسبة للاستشراق الصهيوني بكل المعاني» . فقد أدّى إلى تغيُّر الرؤى والمناهج في مواجهة العرب والإسلام. وتصاعدت حدّة تقـنية التـفـتيت وذلك عن طريق إثارة كل ما يؤجِّج نزعة التمذهب ويصطنع اختلاق غريزة حسّ الأقليات بما يخدم التوجّهات الطائفية. ليس هذا فقط، وإنما عَمِلَ الاستشراقُ الصهيوني على التشكيك بالمقدّسات الإسلامية مثل مفهوم النبوَّة ومفهوم التنزيل وقت دأب على بعث التاريخ الباطنيّ المنسيّ لدى مختلف المذاهب فلم ينجُ من شره أحد.
هذا النهج الصهيوني هو ما ينطبق تماماً على بعض المنشورات التي صدرت في أثناء احتدام الحرب اللبنانية قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وبات الاقتناع راسخاً بأنها كانت تمهيداً له عن طريق إثارة الفتن الطائفية. هنا نجد أيضاً أن الأهداف السياسية غير البريئة هي التي تقف خلف المشروع بأسره، فأيُّ حقيقة تملكها تلك المنشورات غير حقيقية الدسّ والتزييف وإثارة الشكوك؟ أم أن ذاكرتنا التاريخية صارت بدورها نِتاجاً صهيونياً صِرفاً؟
السيِّد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي(ق) 820هـ./884هـ.
تُعيدنا تلك الكتابات إلى مسألة العقيدة عند الدروز الموحِّدين. ولا يعتقدنَّ أحدٌ ان انفصاماً دهريّاً ممكناً بين جسد العشيرةِ التاريخي وروحها باستطاعته التعشُّش في شخصيتها طيلة تسعة قرون. وإلا كيف لنا أن نفسِّر هذا التواصل القديم الدائم بين سيوف الموحِّدين ومصلحة «الجماعة»؟ ويُعنى بالجماعة هنا المفهوم الذي عناه النبيُّ العربيُّ الكريم صلى الله عليه وسلّم.
نعم، ارتكز الموحِّدون في عقيدتهم القرآنيَّة على إيمانهم «بإمامة التأويل» التي ميَّزت فِرق التشيُّع بأكملها، بيد انهم أغلقوا باب التفسير دون المساس بقدسيَّة الوحدة المُفترض أن تكون عليها «الجماعة». يدخل هذا عندهم في طبيعة العلاقة المعقَّـدة القائمة في جدليّة الظاهر والباطن. لقد مسخ المستشرقون والاستشراقيون حقيقة هذه الجدليَّة العميقة إلى مجرَّد موضوع «التقيَّة» و»المساترة» بمعنى الدهاء السياسي. والحقيقة أن الأمر متعلِّق بطرائق المعرفة الروحيَّة التي منها العرفان والتصوُّف واستبطان المعنى وتثوير النصّ والتحقّق الذاتي لأبعاد الإنسان الذي هو «خليفة الله» على ما جاء في القرآن الكريم ﴿وإذ قال ربُّك للملائكةِ إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ…﴾. لهذا تفرض العقيدة على الدروز الموحدين عدم المساس بمفاهيم الجماعة بل الانطلاق منها، من الإيمان بها، إلى أبعادها المعرفية، كل حسب قدرته وطاقته ﴿لا يكلفُ الله نفساً إلا وُسْعَهَا﴾. وهذا ما يفسِّر تاريخهم وتراثهم مثلما ورد في القليل منه في هذا البحث. وبما أن السياق افترض ذكر بعض وجوه الطبقة السياسيَّة والتزامها الأثيل بمصلحة الجماعة، فقد آن الأوان للتحدث عن الشخصيَّة الروحية التي يعتبرها الدروزُ الموحِّدون الأكبر التي عاشت في بلاد الشام في العصر الوسيط.
هو الأمير السَّيِّد جمال الدين عبد الله البحتري التنوخي، ابن الأمير علم الدين سليمان بن بدر الدين محمد بن صلاح الدين يوسف بن سعد الدين خضر أمير الغرب التنوخي. ربي يتيماً مع والدته فظهرت «مخيلات الورع» وهو صغير، وكان مولده ثاني عشر ربيع الأوّل سنة عشرين وثمانمائة، أوّل ما رغب في حفظ الكتاب العزيز فختمه سريعاً ثم جرّده ثانياً ودرسه. وكان يطوف القرى في طلب العلم والحديث وهو صغير السنّ. تورّع يافعاً ما لا تصل إلى ورعه الكهول من أولى العلم. ولما ثبت جنانه وشيّد بنيانه… طرح الدنيا واشتغل بعبادة الرحمن فجرّد كتاب الله العزيز المقدَّس المطهَّر ودرسه وتلاه غيباً وداوم الدراسة فطبعت فصوله وآياته وأعشاره وسوره وسطوره في قلبه حيث لا يغيب عنه منه لفظة واحدة… ثم جمع الشروحات والتفاسير من تفسير القرآن العزيز المكرَّم الشريف. وجمع كُتُب اللغة العربية… وسيَر الملوك وأخبار الأنبياء وكتب التواريخ والفلسفة وعلم الفقه على المذاهب وكُتُب النحو وغيرها. وكان يقرأ الكتاب العزيز ويشرحه ويتكلّم في علم الفقه والحديث ويُصَحِّح الأخبار ويشيد الإسلام ويرفع للحقّ منار… ثم أنه أمر بعمارة المساجد في القرى وتجديد الجوامع وإنشاء الوقوفات، ثم انه حثَّ على القراءة الصحيحة في القرآن المكرّم وجلب الفقهاء إلى النواحي وأقام الخطب في الجوامع يوم الجمعة في كل قرية يكمل العدّة. وأطاعَتهُ الخليقةُ واقتدت بأوامره ورضت بأحكامه الخصوم، وطاعته أكابر النواحي ومشايخ البلاد، كان له تلاميذ كُثُر… وكان له يوم معلوم من أيام الجمعة يفيد أهل بلده في معاني كلام الله تَعَالَى في كتابه العزيز وقول رسوله الكريم، ثم أخبار الأنبياء وأشعار الأتقياء ومناقب الصالحين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… وأخذ من أخبار «سيدي عبد الرحمن الأوزاعي الفقيه» ورسخت هيبته في قلوب أهل المعاملة الكبير والصغير والغني والفقير والأكابر والمقدّمين وعلت كلمته وقويت حجّته… وكانت تأتيه الخصوم من أقصى المعاملة، من جيرة صفد إلى أطراف حلب، إلى حدود طرابلس، إلى شوف بعلبك مع أطراف دمشق. وكانت الذمة (يقصد أهل الذمة) من اليهود والنصارى تأتي على خبره وتحضر بين يديه في اختلافٍ بينهم في أمر الدنيا.
هكذا تمضي سيرةُ الأمير السيد(ق)، فتأتي بعدها على ذكر إقامته في دمشق لسنوات غير يسيرة ثم عودته إلى عبيه ووفاة ابنه الأمير سيف الدين عبد الخالق وصبره والتزامه جانب تأدية رسالته في نشر المعرفة وإعلاء جانب الحق حتى وفاته عام 884هـ/1479م.
تكرَّست «قداسةُ» السيّد الأمير لأنّه كان التجسيد الأمثل للحياة التوحيديَّة. وهذا الأمر يحظى بإجماع «عقّال» الموحِّدين في أربع جهات بلاد الشام. وحتى يومنا هذا يبقى ضريح الإمام التنّوخي محجَّة الدروز الروحيين والزمنيين في ذلك المزار الجميل القائم في حضن الثغر التنوخيّ القديم، بقناطره الصاعدة مع انحناءةِ الإقرار كمعراجِ نفسٍ طائعةٍ لوجه ربّها الكريم، بقبَّته المتواضعة على هيبةٍ ليس مثلها هيبة سوى ما توحي به تلك السلسلة الغريبة من العابدين الزاهدين المجاهدين الذين عرفهم زمن التصوُّف الأوّل في حضارة الإسلام الأولى.
تكرَّست أيضاً طريقةُ السيّد الأمير ونهجه في حياة الموحِّدين المسلكيَّة مرجَع ثـقةٍ بإجماعٍ لم يُر مثله لا من قبل ولا من بعد. فبعد وفاة السيد بحوالي مئة وخمسين سنة كان الشيخ الفاضل محمد أبي هلال الذي عاش حياة تقى وعبادة كانت الأمثل من حيث تطابقها شبه التام مع نهج الأمير التنوخي. وهو الذي قال فيه تلميذُه وكاتبُ سيرته الشيخ أبي علي عبد الملك ابن الحاج يوسف الحلبي الشافعي إنَّ آداب الشيخ الفاضل مع شروحات الأمير قدَّس الله روحه «أنه كان واقــفاً على جليلها وحقيرها، ملتزماً حدودها، حاضاً على العمل بها وانتهاج نهجها». ويحظى الشيخ الفاضل أيضاً بإجماع «العقاّل» على وضعه في رتبةٍ تأتي بعد رتبة الأمير السّيِّد مباشرة، ودائماً فيما يتعلَّق بالكيفيَّة التي يجب أن يكون عليها مسلك التوحيد والتي وردت بمعالمها الجوهرية في سيرة الأمير السيِّد(ق).
وبعد، فكأنَّ بالدروز حسّاً عميقاً بالقدَريَّة التي تعني هنا التّسليم القلبي الصّادق بإرادة الله في السرَّاء والضرَّاء، والنيَّة عندهم هي قطب الأعمال، فإذا ما صلُحت النيَّة حَسُن المصير وإذا ما خبثت انقلب سوءُ العمل على صاحبه ﴿ولاتَ حين مَناص﴾.
فإذا ما تطلَّعنا أخيراً إلى بعض رجالات الجبل من عشيرة بني معروف في القرن الحالي لرأينا أسماء كبيرة لرجال مجاهدين مثل شكيب وعادل أرسلان، سلطان الأطرش، أمين آل ناصر الدين، علي ناصر الدين، عجاج نويهض، كمال جنبلاط وغيرهم كثُـر… ولرأيناهم أيضاً رجالاً «للأمَّةِ» بما لا يُقاس مع ما هم لطائفتهم. أَلَمْ يَبْقَ الجبل بزعامته الوطنية طيلة الحرب اللبنانية الأخيرة قلعةً من قلاع العروبة وسيفاً ساطعاً من سيوف الإسلام الحق؟ إنه الوفاء لتراثٍ أقوى من أن تزعزعه أبوابُ الجحيم وأرسخ من أن تشوِّهَه خبايا المُغرضين والعَرَضُ زائلٌ والجوهر باق ما دامت الحياة.
نُشِرت هذه الدراسة للشيخ غسّان الحلبي في مجلة «تاريخ العرب والعالم» عدد 145، 1993، في إطار أعمال «المجلس الدرزي للبحوث والإنماء» في حيـنه، ويُعاد نشرُها اليوم لأهميتها في التذكير بثوابت التاريخ والهوية.

الاقتصاد اللبناني يستعيد أنفاسه
قراءة في مؤشرات العهد الجديد وآفاق العام المقبل

دخل الاقتصاد اللبناني مع بداية عام 2025 مرحلة جديدة اتسمت بانفراجات اقتصادية ومالية، في أعقاب تطورات سياسية أسهمت في إعادة توجيه المسارات الماكرو-اقتصادية بعد سنوات من عدم الاستقرار والتخبط في السياسات العامة. فبين نمو حقيقي في الناتج المحلي تجاوز 5%، وقفزة نوعية في احتياطيات الذهب والعملات الصعبة، بدأت ملامح التعافي تلوح في الأفق مدعومة بعودة الثقة النسبية للمستثمرين الدوليين.

ولكن، هل استعاد لبنان عافيته المستدامة أم أننا أمام «هدنة اقتصادية» عابرة؟ وفي ظل مشهد أمني وسياسي لا يزال محفوفاً بالمخاطر، يضعنا الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور مروان بركات، في قلب الأرقام والوقائع خلال حواره مع مجلة «»؛ حيث يحلل نتائج السنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد، ويكشف عن ثلاثة سيناريوهات متباينة ترسم ملامح عام 2026، مؤكداً أن مفتاح الانتقال من «النهوض المتواضع» إلى «الازدهار الحقيقي» لا يزال بيد صانع القرار السياسي ومسار الاصلاحات البنيوية الاقتصادية منها والسياسية.

 

1- ما هي أبرز النتائج الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد؟
إن الخرق السياسي الذي شهده لبنان في بداية العام 2025، كان له تداعيات اقتصادية ومالية لافتة ترجمت تحوّلات جذرية في المسار على عدة أصعدة. ويمكن تلخيص الإنجازات الماكرو-اقتصادية للسنة الأولى من العهد الرئاسي الجديد في النقاط التالية:

عودة النمو للاقتصاد الحقيقي: في ما يخص الاقتصاد الحقيقي، يقدّر النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% في العام 2025، وذلك بعد الانكماش بنسبة 7.5% الذي سجله في العام 2024 جراء تداعيات الحرب. نتيجة التحسن في الطلب على السلع الاستهلاكية والاستثمارية، ارتفعت الواردات بشكل اسمي بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، مما ترجم إلى نمو حقيقي في الواردات بنسبة 6.7% على أساس سنوي بعد تنقيص التضخم المستورد.

فائض في ميزان المدفوعات: في موازاة ذلك، سجّل ميزان المدفوعات فائضاً حقيقياً بقيمة 2.8 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025، والذي يتأتى عن التغيّر في الموجودات الخارجية الصافية لدى القطاع المالي بعد تحييد الإرتفاع في سعر الذهب. ويعكس هذا الفائض البالغ 2.8 مليار دولار التأثير الصافي لتدفقات الأموال الوافدة إلى لبنان مقابل التدفقات الخارجة منه.

احتياطيات «المركزي» والذهب.. أرقام قياسية: إنّ احتياطيات مصرف لبنان السائلة بالعملات زادت بنحو 2 مليار دولار منذ بداية العام لتبلغ زهاء 12 مليار دولار اليوم. ويعزى ذلك إلى تدخل مصرف لبنان في سوق القطع شارياً فوائض تداول الليرة اللبنانية من السوق. في موازاة ذلك، وصلت احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان إلى مستوى قياسي غير مسبوق اليوم يبلغ 40 مليار دولار، ما يشكل زيادة لافتة قدرها 16 مليار دولار منذ بداية العام، أي بنمو نسبته 66%.

انتعاش الودائع «الفريش» واليوروبوندز: إلى ذلك، زادت الودائع النقدية (الفريش) بالعملات بقيمة 1.1 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 2025 لتبلغ زهاء 4.3 مليار دولار في نهاية أيلول، أي بنمو نسبته 34%. إضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية بنسبة 88% خلال العام 2025، من 12.75 سنت للدولار في بداية العام إلى حوالي 23 سنت اليوم، وتأتي هذه القفزة جراء تزايد الطلب من قبل المستثمرين المؤسساتيين الأجانب الذين يراهنون على المسار الإصلاحي وتأثيره على عملية إعادة هيكلة الدين بشكلٍ عام.

 

2- كيف تنظرون إلى آفاق العام 2026 اقتصادياً؟
بعد الخرق السياسي الذي شهده العام 2025 والذي كان له تداعيات اقتصادية إيجابية، ما هي آفاق العام 2026 في ظل استمرار التحديات الأمنية، والاختلالات المالية والمسار الإصلاحي المترنّح؟ لقد اعتمدنا في واقع الأمر على ثلاث سيناريوهات للعام 2026:

أولاً: السيناريو الإيجابي يفترض هذا السيناريو استمرار الاستقرار الأمني والسياسي، مدعوماً بمآل لإعادة إعمار واسعة النطاق، وتدفق لافت للأموال الأجنبية، والمصادقة على قانون الفجوة المالية، والتوصل إلى اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: نمو حقيقي للناتج المحلي بـ 8.0%، نسبة تضخم منضبطة، فائض في ميزان المدفوعات يتجاوز 6 مليارات دولار، نمو احتياطيات «المركزي» بنسبة 40% على أقل تقدير، نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي بأكثر من 10%، وفائض في المالية العامة بأكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستكسر أسعار اليوروبوندز حاجز الـ 30 سنت صعوداً.
ثانياً: السيناريو الوسطي يفترض استمرار الاستقرار الأمني بينما ستكون مآل إعادة الإعمار محدودة مع استمرار المناكفات السياسية. كما يفترض عدم تطبيق إصلاحات جوهرية عدم التوصّل الى اتفاق مع صندوق النقد.
– النتائج المتوقعة: تتجمد الأوضاع الاقتصادية ويقتصر النمو على 3%، ويسجل ميزان المدفوعات فائضاً بسيطاً (1.5 مليار دولار)، وتتراوح أسعار اليوروبوندز حول 25 سنت، وأن يقتصر نمو الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي على نسب لا تذكر.

ثالثاً: السيناريو السلبي يفترض حدوث انزلاقات أمنية، وتجاذبات سياسية حادة، تترافق مع غياب للتدفقات الأجنبية، وعدم حصول أي إصلاحات إضافة إلى عدم التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
– النتائج المتوقعة: تدهور اقتصادي لافت، نمو سلبي، عجز في ميزان المدفوعات والمالية العامة، تراجع احتياطيات «المركزي» من النقد الأجنبي، وتراجع أسعار اليوروبوندز إلى ما دون 20 سنت، وستشهد الودائع النقدية (الفريش) لدى القطاع المصرفي نمواً سلبياً.

كلمة ختامية: نظراً لهذه التباينات اللافتة بين محصّلات السيناريوهات الثلاث، يأمل اللبنانيون بأن يلتزم السياسيون بسلوك تسووي بنّاء، وأن يشرع واضعو السياسات في المضي في المسار الإصلاحي المأمول، وأن يبدي المجتمع الدولي استعداده لتقديم الدعم الملحّ من أجل تحقيق النهوض والتعافي الداخلي بشكل عام.

الرهاناتُ الخاطئة لا تتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي

كشف تقرير موسّع لصحيفة واشنطن بوست الأميركية (23-12-2025) عن مساعٍ إسرائيلية مبكرة لإعادة ترتيب المشهد الدرزي في سوريا قبيل سقوط نظام بشار الأسد.

ووفق التقرير، فإن تنفيذ هذا المشروع بدأ قبل أشهر من انهيار النظام، في محاولة لاستثمار الفراغ المتوقع في الجنوب السوري.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين سابقين شاركوا مباشرة في هذا الجهد، سعى قادة دروز في إسرائيل إلى تأسيس تنظيم عسكري في محافظة السويداء، المعقل الأساسي للدروز. ترافق ذلك مع الدعوة إلى إقامة دولة درزية ذات حكم ذاتي بدعم إسرائيلي، في مؤشر على طموحات انفصالية تتجاوز الواقع الديمغرافي والسياسي في الجنوب السوري.

غير أن هذا الرهان سرعان ما اصطدم بانقسامات داخلية حادة، ومع تصاعد الفوضى، بدأ الحماس الإسرائيلي يتراجع، رغم الاستمرار في تقديم دعم محدود، وسط قناعة داخل تل أبيب بأن مشروع الانفصال غير قابل للحياة في جنوب سوريا.

ردّاً وتعليقاً على التقرير الطويل لصحيفة الواشنطن بوست، الذي اختُصرت بعض نقاطه أعلاه، كتب الصحافي زياد حلبي (ابن بلدة دالية الكرمل) كبير مراسلي قناة العربية في فلسطين مقالاً بتاريخ 25-12-2025، بعنوان «السويداء بين «دروزستان» والتسوية: كيف تستخدم إسرائيل ضائقة الأقليات ثم تتجاوزها»، وإذ ننشر ردّ حلبي نظراً لأهميّته، نأمل أن يكون ذلك حافزاً للاستيقاظ من وهم الرهانات الخاطئة ودافعاً لفهم الواقع بوعي تاريخي وسياسي، كما يقول، وفي ما يلي نصُّ المقال:

«ما نشر في The Washington Post لا يمكن قراءته كنص إخباري معزول، بل كوثيقة سياسية صيغت بعناية لتؤدي وظيفة محددة في لحظة إقليمية دقيقة. فالتسريب، بمصدره وتوقيته ومضمونه، إسرائيلي بامتياز، ولم يكن من باب المصادفة. الرسالة المقصودة لم تكن موجّهة للرأي العام الغربي فقط، بل للفاعلين المحليين في الجنوب السوري، وفي مقدمتهم دروز السويداء، وللعواصم المعنية بمستقبل سوريا في آن واحد.

التقرير نقل صراحة عن مسؤول إسرائيلي استخدامه مصطلح «دروزستان»، لا للترويج له بل لنفيه، مع تأكيد معارضة إسرائيل قيام دولة درزية أو أي كيان انفصالي في سوريا. هذه التسمية، بحدّ ذاتها تُظهر أن الفكرة كانت حاضرة في الخيال السياسي الإسرائيلي، حتى عندما يجري إعلان رفضها اليوم. الموقف المعلن لا يعكس تحوّلاً أخلاقياً، بل إعادة تموضع استراتيجية تفرضها لحظة سياسية مختلفة.

تاريخياً، آمنت إسرائيل بنظرية «فرّق تسد» التي ورثتها عن الانتداب البريطاني وطوّرتها بما يخدم مصالحها: تجزئة المجزّأ، وتفتيت المفتّت، وتحويل الهويات الفرعية إلى أدوات سياسية وأمنية. في مراحل سابقة، لم يكن طرح دولة درزية في جنوب سوريا، ولا حتى أفكار ترحيل الدروز من داخل الخط الأخضر إلى كيان درزي محتمل مجردَ خيال سياسي، بل كانت جزءاً من نقاشات جدّية هدفت إلى إضعاف الدول المركزية المحيطة.

لكن السياسة ليست عقيدة ثابتة؛ إسرائيل اليوم في موقع مختلف، والمنطقة تغيّرت، والأهم أن الولايات المتحدة في مكان آخر. إدارة دونالد ترامب صنّفت أحمد الشرع علناً بوصفه صديقاً وحليفاً لواشنطن. هذه ليست عبارة بروتوكولية، بل إشارة استراتيجية تعني أن واشنطن قرّرت الاستثمار في استقرار الدولة السورية لا في تفكيكها، وفي سلطة مركزية يمكن التفاهم معها، لا في كانتونات متصارعة. وبهذا المعنى، كان على إسرائيل أن تعيد تموضعها وأن تُكيّف سياساتها مع الاتجاه الأميركي الجديد.

من هنا يُفهم الدعم الإسرائيلي المحدود لبعض القوى الدرزية في السويداء، كما ورد في التحقيق الأميركي، بوصفه أداة ضغط مؤقتة، لا مشروعاً سياسياً طويل الأمد. الهدف ليس تشجيع الانفصال، بل تحسين شروط التفاوض حول ترتيبات أمنية مستقبلية، في مقدمتها منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري تمتد من محيط دمشق إلى الحدود. إسرائيل تريد أمناً وحدوداً هادئة، لا خرائط جديدة ولا كيانات هشة قد تتحول عبئاً عليها.

وفي هذا السياق تحديداً، لا يمكن فصل كشف التسليح والتمويل الإسرائيلي في السويداء عن هذا التحوّل. ففضحُ نقل السلاح والرواتب لا يعكس فقط تعرية مسار قد يورّط الداخل السوري أو يصبّ الزيت على النار، بل يُقرأ أساساً بأنه تنصّلٌ مدروس من الاستمرار وخلط متعمّد للأوراق. إخراج هذه المعطيات إلى العلن يضع مسافة محسوبة بين إسرائيل وهذا المسار، ويشير إلى نية سحب الورقة لا تعميقها. وفي الوقت نفسه، يؤدي الكشف وظيفة داخلية موازية، عبر تهدئة «الشارع الدرزي الضاغط» في الداخل الإسرائيلي، والإيحاء بأن دعماً ما قد قُدّم، بينما يجري عملياً الانتقال إلى مرحلة التسويات. هكذا يتحول النشر من فعل دعم إلى إدارة انسحاب، واحتواء داخلي، وإعادة ترتيب للأولويات قبل إقفال الملف.

وفي الوقت نفسه، لا يجوز الخلط بين هذا التوظيف السياسي الخارجي لمأساة السويداء، وبين الحق الكامل وغير القابل للتصرّف لأبناء المنطقة في محاسبة ومعاقبة كل من ارتكب مجازر وفظائع بحقّ المدنيين هناك، أياً كانت هويته أو الجهة التي ينتمي إليها. هذا الحق لا يسقط بالتقادم ولا يجوز مصادرته أو الالتفاف عليه تحت أي ذريعة سياسية أو أمنية، وهو حقٌّ ينسحب كذلك على الجرائم التي ارتُكبت سابقاً في الساحل السوري. فلا استقرار بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة واضحة وعلنية، والفصل بين مطلب العدالة وبين مشاريع العزل أو الانفصال مسألة جوهرية، لأن الأولى حق، أما الثانية فمقامرة سياسية ذات أثمان بعيدة المدى.

هذا التحوّل انعكس أيضاً داخل إسرائيل نفسها. فحتى بعض القيادات الدرزية في الداخل، التي رفعت في مرحلة أولى لواء «الحماية الإسرائيلية» للسويداء، طُلب منها لاحقاً تعديل الخطاب: الاستمرار في إدانة المجازر والمطالبة بالمحاسبة، لكن بالتوازي مع دعوة دروز السويداء إلى التفاهم مع الدولة السورية، لا القطيعة معها. هذا الضبط المختصر للخطاب ينسجم مع الاتجاه الاستراتيجي العام: حين تتجه إسرائيل نحو تسويات مع سوريا تصبح ورقة الأقليات عبئاً يجب احتواؤه، لا شعاراً يُرفع بلا حساب.

التجربة التاريخية تعزّز هذا الاستنتاج. في كل الساحات تقريباً، تخلّت إسرائيل عن قوى محلية اعتقدت أنها حلفاء دائمون عندما تغيّرت المصالح. جيش لبنان الجنوبي مثال صارخ: أداة استُخدمت ثم أُهملت بلا تردّد، من دون أي اعتبار للتداعيات الاجتماعية أو الإنسانية. في هذا المنطق، لا وجود لتحالفات أخلاقية، بل لاستخدامات وظيفية تنتهي بانتهاء الحاجة.

الخلاصة أن الرهان على إسرائيل بوصفها ضامناً لمستقبل الدروز في سوريا هو رهان على قراءة خاطئة للتاريخ وللحاضر معاً. إسرائيل ذاهبة إلى تسوية وحلول مع سوريا، عنوانها الأمن والترتيبات العسكرية والحدود، لا حماية الأقليات ولا إعادة رسم الجغرافيا. وعندما تكتمل هذه التسوية، ستُطوى الأوراق التي لم تعد ضرورية بلا تردّد.

الرسالة التي حملها التسريب الأميركي واضحة: تُستخدم ورقة الأقليات مرحلياً حجراً على لوح شطرنج تجيد اللعب عليه، ثم تُطوى عند أول تسوية. وعلى دروز السويداء أن يقرأوا هذه الرسالة بوعي تاريخي وسياسي، يتناسب وإرث الجبل الوطني والقومي، لأن أثمان الرهانات الخاطئة لا تُدفع مرة واحدة، بل تُورَّث.

من شكيب أرسلان إلى عبد الرحمن الكواكبي
الطائفة، الخوف، والمأزق السوري

أتساءل، باستنكار بالغ، يكاد يلامس الغضب: كيف لبلاد قدّمت واحداً من أكثر العقول العربية-الإسلامية انفتاحاً ووحدوية، أن تُختزل اليوم في خطاب عصبي، يُفاخر بمفردة «القبيلة» كأنها إنجاز، لا سقوط؟

ليست «القبيلة» هنا توصيفاً أنثروبولوجياً بريئاً، بل إعلان انكفاء، وتراجع عن التاريخ، وانسحاب من المجال الوطني إلى ما قبل الدولة، الأخطر من ذلك أن هذه المفردة لا تأتي من هامش جاهل، بل تتكرر على ألسنة زعامات راهنة، زعامات بلا جذور حقيقية، لا في التاريخ الاجتماعي للبلاد، ولا في مسارها الوطني.

زعامات لم تولد من صراع الأفكار، ولا من تمثيل الناس، بل صُنعت حين استبدلت السياسة بالولاء، والزعامة بالخدمة، فباتت مقدمات خطاباتها لا تخلو من تكرار: أنا أحمي قبيلتي.

حين تُستدعى «القبيلة» في هذا السياق، لا تُستدعى لحماية الناس، بل لإبقائهم أسرى الخوف.. تُستدعى لتبرير الصمت، وتقديس الحذر، وتحويل الذريعة السياسية إلى ذريعة للشلل الأخلاقي، وهي في جوهرها، ليست سوى اللغة التي يستخدمها الاستبداد حين يريد جماعة بلا مواطنين، وطائفة بلا أسئلة، بما يعني: قبيلة وشيخ قبيلة.

هنا لا يكون السؤال عن طائفة، أو مجموعة بعينها، بل عن المعنى الذي جرى اغتياله.. عن المسافة الهائلة بين شكيب أرسلان، الذي رأى في الطائفة انتماءً ثقافياً داخل أفق أمة، وبين خطاب اليوم الذي يراها قطيعاً يحتاج إلى راعٍ.. بين فكرٍ كان يخشى التفكك، وخطابٍ لا يرى في التفكك سوى وسيلة للبقاء.

ولكن التحول من طائفة إلى قبيلة وفق أرسلان ليس قدراً، بل خيار سياسي فُرض من فوق، ودُفع ثمنه من كرامة الناس وحقهم في أن يكونوا أكثر من أرقام في معادلة أمنية.. ما يُنتج السؤال الحقيقي.
وليس السؤال الحقيقي لماذا يحدث ذلك؟ بل:
لماذا يُسمح بحدوثه وقد بات اللغة المُعتَمَدَة للطوائف؟

الآن، بات ضرورياً (أقلّه بالنسبة لي)، استعادة ما يمكن استعادته من شكيب أرسلان، أمير الكلمة، إجابة عن هذا السؤال، والآن، أعيد السؤال ثانية:
لماذا يُسمح لأن يحدث هذا باسم الطوائف، وفي الذاكرة، مفكّرون من وزن الأمير شكيب أرسلان، ذاك الرجل الذي يحق وصفه بـ :ساعي ضمير الحرية ، لا يهادن الانقسام ولا يخشى الانتصار للإنسان يوماً.

فما الذي كان يراه أرسلان، انطلاقاً من رؤيته؟

لم يكن شكيب أرسلان مفكراً يكتب عن الطائفة من داخل أسوارها، بل عقلاً قلقاً كتب ضد انغلاقها قبل أن يتحول الانغلاق إلى سياسة عامة، ما يدهش في تجربة أرسلان ليس فقط أنه انحدر من بيئة درزية ذات خصوصية عقدية، بل أنه رفض مبكراً تحويل هذه الخصوصية إلى هوية سياسية، أو إلى مشروع حماية، أو إلى ذريعة خوف.. رأى في الطائفة معطى تاريخياً وثقافياً، لا كياناً سياسياً مستقلاً، واعتبر أن لحظة خروجها من الصيغة الوطنية هي لحظة سقوطها الأخلاقي، لا لحظة نجاتها.

كتب أرسلان في زمن كانت فيه السلطنة العثمانية تتفكك، وتُعاد صياغة المشرق على يد القوى الاستعمارية، وكان يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط دولة، بل تحول الجماعات إلى بدائل عن الدول، من هنا جاء موقفه الحاد من فكرة «حماية الأقليات»، التي رآها باباً واسعاً لتحويل الطوائف إلى أدوات، وإدخالها في علاقة تبعية دائمة مع الخارج.

بالنسبة له، لم تكن الطائفة مهددة لأنها أقلية، بل لأنها قد تُغرى بالخروج من المجال الوطني إلى مجال الخوف.

بهذا المعنى، استبق شكيب أرسلان اللحظة السورية-اللبنانية الراهنة بدقة مقلقة.. أدرك أن الصيغة الطائفية، سواء جاءت معلنة كما في لبنان، أو مستترة كما في سوريا، لا تنتج استقراراً، بل تؤسس لحروب مؤجلة.. كان يرى أن الطائفة، حين تُستدعى بوصفها فاعلاً سياسياً، تفقد وظيفتها الاجتماعية والروحية، وتتحول إلى كيان تفاوضي، يعيش على توازنات القوة لا على فكرة المواطنة.. الطائفة، في نظره، لا تحمي أبناءها حين تنعزل، بل حين تصبح غير ضرورية سياسياً؛ حين يشعر الفرد أن حقوقه لا تمر عبر زعيم، ولا تُشترى بالخوف، بل تُستمد من كونه مواطناً.
اليوم، في سوريا ولبنان، حيث تحولت الطوائف إلى ملاذات قسرية، والخوف إلى خطاب، تعود أفكار شكيب أرسلان لا بوصفها تراثاً فكرياً، بل بوصفها سؤالاً حياً.
كيف يمكن لجماعات متعددة أن تعيش داخل وطن واحد دون أن تتحول إلى قبائل؟
وكيف يمكن للطائفة أن تنجو من نفسها، لا من الآخرين؟

هذا المقال محاولة لقراءة شكيب أرسلان لا من موقع التاريخ، بل من موقع الراهن؛ لا بوصفه أميراً درزياً، بل بوصفه مفكراً أدرك باكراً أن أخطر ما يواجه الطوائف ليس الاضطهاد، بل فقدان الفكرة التي تجعلها جزءاً من وطن، لا بديلاً عنه.

الأمير شكيب أرسلان (الدرزي)، لم يتعامل مع الدروز بوصفهم مسألة فقهية أو عقدية، بل بوصفهم جماعة تاريخية/ سياسية تشكّلت داخل الفضاء الإسلامي، وتفاعلت معه، وأسهمت في صراعاته، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة موقعها الجغرافي والسياسي، ومن هنا، فإن فلسفته في تحديد علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي، لم تكن دفاعاً مذهبياً ضيقاً، بل رؤية وحدوية تستند إلى التاريخ، والمصير المشترك، والضرورة السياسية.

كان أرسلان، وهو الدرزي المولد، واعياً تماماً للإشكالية التي تحيط بالطائفة الدرزية، فهي طائفة ذات عقيدة باطنية مغلقة، لكنها في الوقت ذاته نشأت تاريخياً داخل الإسلام الفاطمي، وتكلمت لغته، وعاشت في جغرافيته، وشاركت في حروبه وسلطناته، لذلك رفض الأمير اختزال الدروز في تعريف عقدي يُقصيهم عن محيطهم، ورأى أن هذا الإقصاء لم يكن يوماً سوى أداة سياسية استخدمها الاستعمار، أو بعض التيارات المتعصبة، لتفكيك المجتمعات المشرقية.

في كتاباته ومواقفه السياسية، أكّد شكيب أرسلان أن الدروز جزء من الأمة الإسلامية بالمعنى الحضاري والسياسي، حتى وإن اختلفوا مذهبياً عن التيار السني الغالب، وهو هنا يستعيد تعريفاً واسعاً للإسلام، لا يقوم على الانتماء الفقهي الصارم، بل على الانتماء إلى دار الإسلام، وتاريخه، وثقافته، ومعاركه الكبرى، وبهذا المعنى، كان يرى أن إخراج الدروز من المحيط الإسلامي هو تزوير للتاريخ، ومقصلة لهم، فكان شديد الحساسية تجاه محاولات تصوير الدروز كجسم غريب أو كحليف طبيعي للغرب.

كان يعتبر أن هذه الصورة صنيعة استعمارية، غذّاها جهل متبادل، واستثمرت في سرّية العقيدة الدرزية لتكريس القطيعة، لذلك دافع في أكثر من موضع عن الدروز بوصفهم جماعة عربية، إسلامية الانتماء الحضاري، شاركت في مقاومة الاستعمار، ولا سيما في جبل العرب وسوريا الكبرى.

في فلسفته السياسية، ربط شكيب أرسلان مصير الدروز بمصير العالم الإسلامي الأوسع.. لم يكن يؤمن بإمكانية نجاة الأقليات عبر الانعزال، بل رأى أن الاحتماء بالمحيط الإسلامي هو الضمانة الحقيقية لبقائها، ولهذا انتقد بشدة أي نزعة انفصالية أو خصوصية سياسية مغلقة، سواء عند الدروز أو غيرهم من الأقليات، معتبراً أن هذه النزعات لا تؤدي إلا إلى تحويل الجماعات الصغيرة إلى أدوات في يد القوى الكبرى.
لم يطالب الدروز بالتخلي عن خصوصيتهم المذهبية، ولم يسعَ إلى تذويبهم عقدياً، بل دعا إلى صيغة تعايش داخل وحدة أكبر:
وحدة الأمة في مواجهة الاستعمار، ووحدة العرب في مشروع النهضة، ووحدة المسلمين في الدفاع عن كيانهم التاريخي.
بهذا المعنى، كان تصوره أقرب إلى الاندماج الحضاري لا الذوبان، وإلى الشراكة لا الإلغاء.
فلسفته حول علاقة الدروز بالمحيط الإسلامي قامت على ثلاث ركائز أساسية:
أولاً، اعتبار الدروز جزءاً أصيلاً من التاريخ الإسلامي السياسي والثقافي
ثانياً، رفض استخدام الاختلاف المذهبي كأداة للإقصاء أو التخوين.
ثالثاً، التأكيد على أن وحدة المصير تفرض وحدة الموقف في مواجهة الاستعمار والتفكك.

بهذا التصور، لم يكن شكيب أرسلان «مدافعاً عن الدروز» بقدر ما كان مدافعاً عن فكرة الأمة، وكان يرى في إنصاف الدروز داخل المحيط الإسلامي اختباراً أخلاقياً وفكرياً لقدرة هذا المحيط على تجاوز انغلاقه، وبناء وحدة تتسع للتعدد، لا تُقصيه.
بعض من سيرة الأمير:
– عاش شكيب أرسلان لحظة تاريخية استثنائية، يمكن وصفها بأنها زمن انهيار المرجعيات الكبرى:
انهيار السلطنة العثمانية
– صعود القوميات الأوروبية
– بداية الانتدابات الاستعمارية على العالم العربي
– تفكك مفهوم «الأمة» لصالح الهويات الجزئية والطائفية
– شهد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة سنة 1924، وتقسيم المشرق العربي باتفاقيات سايكس- بيكو، وفرض الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
هذه الوقائع لم تكن بالنسبة له أحداثاً سياسية عابرة، بل زلزالاً حضارياً يهدد وجود المسلمين كقوة تاريخية.

بعد الحرب، تنقّل بين أوروبا (خصوصاً سويسرا وألمانيا وفرنسا وشمال أفريقيا)، وأقام فترة طويلة في جنيف، حيث تحوّل منزله إلى ما يشبه مركز اتصال فكري وسياسي لزعماء الحركات الوطنية العربية والإسلامية.. هناك لعب دور الوسيط، والمحرّض، والناصح، والكاتب الذي يخاطب الرأي العام الإسلامي بلغته، ويجادل الغرب بلغته.

أما انتماؤه الدرزي، فلم يكن بالنسبة له عبئاً أو تناقضاً، بل تجربة شخصية جعلته أكثر حساسية لمسألة الأقليات داخل الأمة، وأكثر رفضاً لتحويل الاختلاف الديني إلى أداة تفتيت.
توفي الأمير شكيب أرسلان 1946 قبل عامين فقط من نكبة فلسطين، وكأنه غادر العالم عند لحظة اكتمال الانكسار الذي حذّر منه طويلاً، ومع ذلك، بقي أثره حاضراً بوصفه ضميراً فكرياً لمرحلة الانتقال من عالم إسلامي متداعٍ إلى عالم عربي ممزق، فكان رجل السؤال الكبير:
كيف يمكن لأمة مهزومة سياسياً ألا تُهزم روحياً؟
وكيف يمكن للاختلاف أن يكون عنصر غنى لا ذريعة للإلغاء؟

بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي

لم يكن سؤال الأقليات في الفكر العربي- الإسلامي الحديث سؤالاً هامشياً، بل وُلد في قلب الصدمة التاريخية التي أحدثها الاحتكاك بالغرب، وسقوط السلطنة العثمانية، وصعود الدولة الحديثة بوصفها كياناً يقوم على المواطنة لا الطوائف والملل، وقد مثّل كل من شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي استجابات مختلفة لهذا السؤال، تعكس اختلاف مواقعهم النفسية والفكرية داخل المشروع النهضوي.
انطلق شكيب أرسلان من موقع إشكالي وفريد: هو من أقلية دينية درزية، لكنه في الوقت ذاته من أشد المدافعين عن وحدة المسلمين.
هذا الموقع جعله ينظر إلى الأقليات لا كـ»مشكلة»، بل كاختبار أخلاقي لقدرة الأمة على استيعاب التعدد.
في تصور أرسلان، لا تُحلّ مسألة الأقليات عبر الاعتراف بها ككيانات مستقلة، ولا عبر صهرها القسري، بل عبر دمجها في الفضاء الإسلامي-الحضاري بوصفه فضاء تاريخياً وسياسياً مشتركاً.. كان يرى أن أي محاولة لفصل الأقليات عن هذا الفضاء، سواء باسم الحماية الغربية أو الخصوصية الدينية، تؤدي حتماً إلى تحويلها إلى أدوات في يد الاستعمار، لهذا دافع عن الدروز، والمسيحيين العرب، وغيرهم، بوصفهم شركاء في المصير، لا ضيوفاً مؤقتين في دار الإسلام.
لم يكن خطابه فقهياً، بل سياسياً/حضارياً، يرفض تحويل العقيدة إلى حدود سياسية، ويمكن القول إن أرسلان قدّم تصوراً براغماتياً وحدوياً.. وحدة لا تلغي التعدد، لكنها تضعه داخل أفق أكبر.
لم يكن بمفرده منشغلاً بالسؤال: «سؤال الأقليات». عبد الرحمن الكواكبي، كان كذلك منشغلاً بالسؤال، وإن من زاوية نظر أخرى، فقد اقترب الكواكبي من سؤال الأقليات عبر مدخل مختلف تماماً. لم ينطلق من الهوية الدينية، بل من نقد الاستبداد بوصفه العلّة المركزية.
انطلق من «طبائع الاستبداد»، التي تنتج الطائفية والانقسام، ففي كتابه الأشهر وأعني «طبائع الاستبداد»، لا تظهر الأقليات بوصفها خطراً على الامّة، بل بوصفها «ضحايا مضاعفين»: ضحايا السلطة المستبدة، وضحايا المجتمع الذي يُستثار ضدها (أليس هذا حال علويو سوريا اليوم؟).

الكواكبي رأى أن الاستبداد السياسي يحتاج دائماً إلى تفكيك المجتمع إلى طوائف ومذاهب، وأنه يستثمر الخوف المتبادل بين الجماعات ليضمن بقاءه.. من هنا، فإن حل مسألة الأقليات عنده لا يكون عبر خطاب ديني توحيدي، ولا عبر حماية خارجية، بل عبر تحرير المجتمع كله من الاستبداد وبناء دولة عادلة تقوم على الحرية والمساواة.
شكيب أرسلان رأى في الأقليات امتحاناً لوحدة الأمة، وخطراً فقط حين تُعزل عن محيطها.

ولو أردنا تلخيص الفارق بينهما، لقلنا إن:
ـ أرسلان فكّر من منطلق الخوف على الأمة من التفكك.
ـ الكواكبي فكّر من منطلق الخوف على الإنسان من الاستبداد.
وهنا، ربما تتجلى أهمية شكيب أرسلان اليوم:
لا لأنه كان الأجرأ نظرياً، بل لأنه كان الأكثر وعياً بأن الأقليات ليست مشكلة في ذاتها، بل تتحول إلى مشكلة حين تفشل الفكرة الجامعة.

 

الأقليات في سوريا ولبنان.. الامتحان المؤجل

إذا كان شكيب أرسلان والكواكبي قد كتبا عن الأقليات وهما يواجهان انهيار السلطنة العثمانية، فإن سوريا ولبنان عاشتا، منذ نشأتهما الحديثة، ترجمة سياسية دائمة لهذا السؤال: هل يمكن لمجتمع متعدّد أن يعيش دون فكرة جامعة؟ أم أن التعدد، حين يُدار خطأ، يتحول إلى لعنة تاريخية؟

لبنان: انتصار الصيغة على الفكرة

في لبنان، انتصرت الصيغة الطائفية مبكراً على أي مشروع وحدوي، قام الكيان منذ البداية على مبدأ تقاسم الطوائف للسلطة، لا على اندماجها في أفق وطني جامع.. بهذا المعنى، تحققت نبوءة شكيب أرسلان السلبية: حين تُعزل الجماعات عن محيطها الأوسع، وتُمنح حماية سياسية خاصة، تتحول من شركاء في المصير إلى كيانات تفاوضية دائمة.

لبنان، من زاوية أرسلان، هو مثال حيّ على فشل فكرة «حماية الأقليات» إذ لم يحم الغرب الأقليات في لبنان، بل حبسها داخل خوف دائم، وجعل وجودها مرهوناً بتوازنات خارجية، في حين كان الكواكبي سيقول إن المشكلة ليست في الطوائف، بل في نظام سياسي يمنع ولادة مواطن حر خارج الطائفة.

أرسلان والكواكبي كليهما على حق، كما لو أنهما البرتقالة وسرتها.
الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) جاءت كتتويج لهذا المسار: حين تفشل الصيغة في إنتاج معنى، تعود الطوائف إلى سلاحها، ويصبح الخارج هو الحكم الأخير.

هذه سوريا اليوم

في سوريا، حدث العكس تقريباً، لم تُبنَ الدولة على صيغة طائفية معلنة، بل على خطاب قومي-وطني جامع، أخفى التعدد بدل أن يديره، ومعه أخفى أوساخه تحت السجادة.. هنا يمكن استحضار الكواكبي بوضوح: دولة تدّعي الوحدة، لكنها تقوم على استبداد مركزي، فتنتج طائفية صامتة، كامنة، تنتظر لحظة الانفجار (وهذا ما حدث).

من منظور شكيب أرسلان، أخفقت سوريا في بناء وحدة اندماجية حقيقية، لأن الوحدة فُرضت بالقوة، لا بالشراكة، فغابت الثقة بين الجماعات، وحلّ محلها خوف متبادل (وهذا ما حدث).

مع اندلاع الثورة السورية، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة.. تحولت الأقليات إلى رهائن للخوف، والأكثرية إلى كتلة غضب بلا أفق جامع، وتحقق أسوأ السيناريوهات: طائفية مسلّحة، واستدعاء الخارج، وانهيار فكرة الدولة نفسها.

بين لبنان وسوريا – غياب الكواكبي وحضور شبحه

يمكن القول إن لبنان اختار الطائفة بدل الدولة، بينما اختارت سوريا الدولة بدل المجتمع.
ما الذي حدث في الحالتين؟
غاب مشروع الكواكبي: الحرية بوصفها شرط الوحدة، فلا الطائفية اللبنانية حمت الجماعات، ولا القومية السورية دمجتها.
أما شكيب أرسلان، فكان سيجد في التجربتين دليلاً إضافياً على فكرته المركزية: لا حماية للأقليات خارج الفضاء الأوسع، ولا وحدة دون عدالة.

سؤال لم يُحسم

سوريا ولبنان لم يفشلا لأنهما متعددان، بل لأنهما لم يملكا فكرة قادرة على تحويل التعدد إلى معنى، لا صيغة لبنان نجحت، ولا فكرة سوريا صمدت. وبينهما، ظل سؤال الأقليات معلّقاً، يتأرجح بين الخوف والحماية والاستبداد.
ربما كان الكواكبي هو الأكثر راهنية اليوم، لا لأنه امتلك حلاً جاهزاً، بل لأنه أشار إلى العطب الحقيقي. لا تُحلّ مسألة الأقليات قبل حل مسألة الحرية.

الطائفة التي لا تحمي

في سوريا اليوم، ليس بوسعك أن ترى الأقليات ككتل متماسكة، بل كأفراد محاصرين بخطابات الخوف.. الخوف من الأكثرية، الخوف من الانتقام، الخوف من المستقبل، والخوف (وهو الأخطر) من الحرية نفسها.
وحين تُختزل الجماعة في هاجس البقاء، تصبح مستعدة للتنازل عن كل شيء آخر:
ـ العدالة، الكرامة، وحتى الحقيقة.
هنا، لا أستطيع أن أرى في الطائفة ملجأً.. الطائفة، حين تُسيّس، لا تحمي أبناءها، بل تضعهم في الواجهة، تجعلهم موضوعاً للشك، ووقوداً للصراعات، وتحوّلهم من مواطنين إلى أوراق تفاوض.

هذا ما فهمه شكيب أرسلان مبكرا، حين رفض منطق «الحماية الخاصة»، واعتبره بداية النهاية لأي جماعة.
من جهتي، لا أرى الخلاص في خطاب إنكاري يقول للأقليات: «انسوا خوفكم».. الخوف واقعي، ومبرَّر، ومتجذّر في تاريخ طويل من الخيبات.
والسؤال ليس: هل تخاف الأقليات؟
بل: ماذا نفعل بهذا الخوف؟
هل نحوّله إلى سياسة؟ أم نحوّله إلى وعي بهذا الخوف؟ بما ينتجه ويراكمه؟

بين أرسلان والكواكبي: أين تقف؟

أتكلم عن نفسي، دون أن أقترح على القارئ أين سيقف، أما عني، فأنا أقف بوعي وربما بتردد، في المسافة بين شكيب أرسلان وعبد الرحمن الكواكبي.

من أرسلان أخذتُ رفض العزلة، ورفض تحويل الاختلاف إلى مشروع سياسي، ومن الكواكبي أخذتُ قناعتي بأن الاستبداد هو الذي يصنع الطوائف السياسية، لا العكس.

أعرف، من داخل تجربتي (على تواضعها واعوجاجاتها)، أن الحديث عن «الأمة» لم يعد كافياً، كما أن الحديث عن «الدولة» حديث فارغ إن لم تكن دولة الحريات.

ما أبحث عنه (وما أظن أن سوريا تحتاجه ) ليس حماية الأقليات، بل تحريرها من دور الضحية الدائم، ومن وهم أن السلامة تكون بالانكفاء.

كلمة أخيرة من موقع الشخصي:
لا أكتب هذا دفاعاً عن الدروز، ولا نقداً لهم، بل دفاعاً عن حق الفرد في أن يكون أكثر من طائفته، وحق الطائفة في ألا تُختزل في دور سياسي لم تختَره، وحين أستعيد شكيب أرسلان، أفعل ذلك لا بوصفه سلفاً فكرياً، بل شاهداً على أن الخروج من الاصطفاف ليس خيانة، بل محاولة إنقاذ متأخرة.

ربما لن ننجح في الإجابة عن سؤال الأقليات في سوريا الآن، لكننا نستطيع (على الأقل) أن نمنع السؤال من أن يتحول إلى متراس.
وهذا، بالنسبة لي، هو المعنى الوحيد المتبقي للكتابة.

ثوابت الموحِّدين الدُّروز التمسُّك بالثوابت الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود

مقدمة

يهدف هذا العرض إلى التعريف بالثوابت التي بني عليها الميثاق السياسي لبني معروف لأكثر من قرن من الزمن، وعلى الأخص منذ زوال الدولة الإسلامية الجامعة وتقسيم المنطقة العربية، وإنشاء الكيان الصهيوني في العام 1948.

وتبرز الحاجة لهذا النوع من التأكيد على تلك الثوابت الوجودية نظراً لجملة من العوامل المستجدّة والتطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة العربية والشرق أوسطية، وقد بلغت المواجهات حدّاً بات يفرض على الموحدين الدروز تحمّل مسؤولياتهم التاريخية عبر توحيد موقفهم كجماعة مجاهدة، وتأكيد صلتهم العضوية مع العالم العربي والإسلامي وتوضيح رؤيتهم لدورهم الوطني في الأقطار العربية التي ينتمون إليها.

 

1- العامل الإسرائيلي:
إن المنطلق الأول للسياسة المعروفية من أحداث المنطقة هو فهم الأثر التدميري المستمر للمشروع الإسرائيلي على حياة الأوطان والشعوب في هذه المنطقة التي نكبت بتقسيم فلسطين عام 1947، وهذه الكارثة لم تكن فقط «نكبة» لشعب فلسطين، بل للعرب جميعاً.

إن حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو منع قيام أي دولة عربية سيدة ومزدهرة في المنطقة، وفي الوقت نفسه إحباط أي فرصة لاتّحاد دول عربية في كيان إقليمي يكون له ثقله الاقتصادي والبشري والعسكري.

وعملا بهذا المبدأ فإن التحالف الإسرائيلي- الغربي، مستغِلّاً ضعف الدول والأنظمة السياسية العربية وانقساماتها عبر عقود طويلة، عمل عبر سلسلة من الحروب والانقلابات والتدمير المنهجي على تحويل القارة العربية (التي تزيد مساحتها بنسبة %40 عن مساحة الصين ويفوق عدد سكانها بنسبة %30 عدد سكان الولايات المتحدة) والتي تحتوي على نسبة كبيرة من ثروات العالم، إلى منطقة نزاعات وحروب وفساد وتخلّف اقتصادي وسياسي، وهناك الآن على الأقل ستة بلدان عربية رئيسية ممزقة (اليمن، وسوريا، والعراق والسودان وليبيا وفلسطين)، وقد تحولت تلك البلدان الجميلة التي كانت قبل سنوات معدودة تتمتع بالاستقرار وتنعم شعوبها بالعيش الكريم والخدمات الحكومية المتطورة إلى ساحات قتال وهجرات جماعية بينما تحولت ثرواتها ومواردها إلى أسلاب تتناهبها القوى الخارجية والجيوش والميليشيات.

إن الدروس المستفادة من دور إسرائيل وأهدافها في العالم العربي، أضيفت إليها الدروس التي قدمتها الحرب على غزة، وما رافقها من تغطية غير مسبوقة للمشروع الصهيوني وأيديولوجيته العرقية والفاشية وأساليبه الوحشية، ومن دعم عسكري واقتصادي ومالي وإعلامي، الذي تقدمه بعض الأنظمة القريبة والبعيدة لهذا الكيان. وقد ساهم النضال الفلسطيني البطولي، الذي خلق نهضة لدى أحرار العالم ومفكريه وصحافته التقدمية، في كشف ما كان مخفيّاً من حقيقة هذا الكيان، وساهم بالتالي في تعميق عزلته وحشد القسم الأكبر من الرأي العام العالمي حول نصرة القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه معاداة إسرائيل والانحياز الغربي الذي يدعمها.

 

2- هويّة الموحِّدين الدُّروز
الموحدون الدروز، كما وصفهم الأمير شكيب أرسلان، ليسوا أقلية مذهبية، بل هم عرب ومسلمون أقحاح مَحتداً ولساناً وثقافةً ونسباً، يحملون شعور الافتخار بانتمائهم الذي هو معدن هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، وجامع أمجادهم وتراثهم الذي تتناقله الأجيال، جيلاً بعد جيل.

ويدل السجل الطويل للموحدين الدروز على أصلهم العربي الصريح ورفعة نسبهم وعلوّ همتهم ونبل آدابهم وشجاعتهم، وهذه الميزات حافظوا عليها عبر القرون بسبب تحصنهم في معاقلهم الجبلية ومحافظتهم على أصولهم وأنسابهم وعلى شخصيتهم الثقافية.
بالإضافة إلى أنسابهم العربية الصافية، فإن الدروز هم من الأقوام المحاربة WARRIORS بالدرجة الأولى، ثم أصبحوا، بسبب ما كان مشهورا عنهم من صفات القوة وشدة البأس، الحاميات الرئيسية للسواحل السورية وطرق التجارة الإسلامية مع العالم. وقد أظهر الموحدون الدروز وأمراؤهم التنوخيون واللخميون أعلى درجات الثبات والبطولة في الذود عن الدولة الإسلامية وقتال البيزنطيين وقطاع الطرق المردة، كما ثبتوا في وجه الجيوش والحملات العسكرية دفاعاً عن حياضهم في جبل لبنان ووادي التيم. وتابع الموحدون الدروز دورهم العربي والوطني عندما قاتلوا بشراسة وثبات أقوى جيش على وجه الأرض إبان الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهؤلاء المجاهدون الأبطال لم تخفهم قوة الجيش الفرنسي ولم يهنوا، بل خاضوا المعارك الشرسة وقدموا التضحيات الجليلة دفاعا عن وحدة سوريا وحريتها. وقد خسر جبل العرب حسب بعض المؤرخين نحو %10 من شبابه ورجاله في تلك المعارك.

 

3- مواطنون وليسوا أقلية
بسبب انتمائهم العربي واندماجهم الوطني فإن الموحدين الدروز، رغم قلة عددهم النسبية، لم يتصرفوا في أي وقت مضى كأقلية، لكنهم تصرّفوا ويتصرفون بثقة كشركاء كاملي المواطنة أوفياء لبلدانهم، مراعين لمصالحها وأمنها ولقوانينها، متفانين في خدمتها وحمايتها، مع ما يترتب لهم من حقوق وما يترتب عليهم من واجبات.

إن الموحدين هم جزء لا يتجزأ من العالمين العربي والإسلامي، وهم يفخرون بهذا الانتماء ويمارسونه قولا وفعلا، ووقفاتهم التاريخية شاهدة عليهم. كما أنهم يرفضون خدعة «حلف الأقليات» التي تروّج لها الدولة اليهودية بهدف تقسيم سكان المنطقة والسيطرة عليهم، ومهما كانت الصعاب، فإن الموحدين الدروز يعتمدون في حفظ وجودهم على إيمانهم ووحدتهم واعتدالهم وعلاقات الأخوة بجيرانهم، ويرفضون رفضا باتا الارتباط بأي دولة أجنبية.

 

4- مسلك ارتقاء وسعي دائم
يتوافق المسلمون الموحدون الدروز على أنهم يمثّلون مسلكا إسلامياً روحياً تعبّدياً أخلاقياً يستهدف إصلاح النفس وحفظ المجتمع والترقّي في مكارم الأخلاق التي يجعلونها في مرتبة عليا تفوق التديُّن الشكلي، وهم يرددون دوما القاعدة الذهبية القائلة بأن «أدب الدين قبل الدين». إنّهم وإن كانوا يؤكدون قول الآية الكريمة: «إن الدين عند الله الإسلام»، إلّا أنهم يدركون أن مسلك التوحيد الذي ينتمون إليه هو مسلك سعيٍ دائم ومسافرة وارتقاء من درجة إلى درجة، كما أشار الرسول (ص) إلى مراتب الإسلام فالإيمان فالإحسان الذي يفهمونه بأنه عيشٌ مع الله وعبادته على قاعدة «أنك إذا لم تكن تراه فهو يراك»، وتلك هي أرفع درجات الصدق في العبادة.

ومن هذا المنطلق، فإن الموحدين الدروز فتحوا مجالس الصلاة والذكر وأنتجوا زهاداً وأولياء، عبدوا الله في دُورهم البسيطة أو في خلواتهم أو في معتكفاتهم النائية، وهؤلاء الزهاد حرثوا الأرض وأكلوا من زرع أيديهم وابتعدوا عن العوام أو عليّة القوم، ومشوا في أثر الرسول العربي الأكرم (ص) والصحابة الكبار وآل بيت النبي وزهاد الصوفية والصالحين، وما ادّعوا لأنفسهم فضلاً أو توقّعوا تحصيل مكانة، بل إن الناس هم الذين تعلّقوا بهم وسعَوا إليهم لأخذ البركة أو المشورة والعظة.

على هذا النحو، فإن الموحدين الدروز تطوّروا، لكنهم بقوا مجتمعا حراً، يعلي شأن العقل والبحث الحر، ولا يخشى التنوع، بل ولا يخشى الاختلاف.

 

5- إسلام الموحِّدين الدروز
أخذ مسلك التوحيد بالطريق الوسط في الإسلام، وتمكن بذلك من تقدير الإضافات الهائلة التي أسهمت بها فئات ومذاهب ومدارس فكرية عدة في التيار المعرفي الواسع للإسلام، ويحتل الإسلام صدارة أديان العالم بسبب تنوّعه وغنى محتواه والمرونة التي ميّزته.

إن الموحدين الدروز تأثروا كثيرا بسيرة النبي العربي محمد بن عبدالله (ص) وأصحابه خلال المرحلة الأولى الجهادية من الإسلام، حيث تجسّد الدين بأنقى صور التسليم لله والجهاد في سبيله والزهد بالدنيا ومتاعها. ويكنُّ الموحدون الدروز حبّاً خاصا لآل بيت النبي ويكرّمون الصحابة على العموم، ويكرّمون الخلفاء الراشدين، ويرفضون الخوض في الخلافات التي ثارت بعد موت النبي، وهم يرون في تسعير الاختلافات الراهنة خطة مدروسة لتغذية وتعميق الشقاق والفرقة بين المسلمين، وهم لذلك يدعون باستمرار إلى الوحدة ونبذ الاختلافات وتوحيد الصفوف في التصدي للتحديات المعاصرة التي تواجه عالم الإسلام، مثل تطوير الأنظمة السياسية والفكر والتعليم وقضايا الديمقراطية والتنمية وحرية وكرامة الإنسان وغيرها.
إنّ الموحدين الدروز هم دعاةٌ لتنمية روابط المودّة والتسامح والتقارب بين المسلمين، إلا أن هذا التقارب لا يمكن بنظرهم أن يقوم فقط على اللقاءات الشكلية والاحتفالية ببن الحين والآخر، بل يحتاج لاتفاق بلدان العالم الإسلامي على وقف السجالات الدينية والتناظر السلبي وتغيير الهويات الثقافية، والتركيز بدلاً من ذلك على إبراز الأرضيات المشتركة، وعلى وضع برامج إسلامية تستهدف رصَّ الصفوف لمواجهة خطط تدمير الأسرة العربية والإسلامية ومحو التاريخ المجيد لهذه المنطقة التي تمثّل مهدَ الأديان السماوية والحضارات الإنسانية، ومواجهة محاولات هدم الإرث الأخلاقي القيمي العربي الإسلامي المسيحي، والتشجيع على الأخذ بمظاهر الانحطاط في المجتمع الغربي المتداعي والآيل، لا محالة، إلى السقوط.

6- عروبة الموحدين الدروز
يلتزم الموحدون الدروز بالعالم العربي وقضاياه، وقد كانوا منذ وجودهم في هذه الديار حماةَ الثغور دفاعاً عن بلاد االإسلام، وكانوا على الدوام سدّاً منيعاً في وجه المطامع الأجنبية ومشاريع الاحتلال والتقسيم، وهم قادوا صفوف الثورة العربية الكبرى، وشاركوا بقوة في النضال الفلسطيني والعربي ضد الاستيطان، ثم ضد الاحتلال الصهيوني، وسقط من بينهم مجاهدون من لبنان وسوريا والأردن شهداء على أرض فلسطين. وكان للموحدين الدروز في لبنان الفضل الكبير في إسقاط مشاريع التقسيم، لا سيما مشروع الدولة الدرزية واتفاق السابع عشر من أيار، وكان لهم بالتالي السهم الأكبر في صون وحدة لبنان وعروبته.

كما إن الموحدين الدروز عملوا من أجل نهضة العرب وتقدّمهم ومواكبة تطوّر شعوب العالم، وقدّموا لهذه الرؤية النهضوية الأفكارَ والأسس، وبرز منهم علماء وقادة طليعيُّون، في مقدّمتهم الأمير شكيب أرسلان، وهو الدرزيُّ المنشأ والعلّامةُ الإسلاميُّ الكبير الذي جال العالم العربي منظّراً للنهضة العربية وداعياً لوحدة العرب واستقلال بلدانهم ومقاومة المحتلّ.

وساهم الموحدون الدروز في حركة الاستقلال العربي وفي انطلاقة الدول العربية الحديثةِ النشوء والاستقلال، وفي تطوّرها ونهضتها الاقتصادية، خصوصاً في بلاد الشام وفي الخليج العربي، وهم يعتزّون بالولاء لبلدانهم ويهبُّون لنصرتها في وجه أي تهديد أو أزمات.

 

7- لتعزيز الوحدة والمجتمع المدني
لا يجتمع الموحدون الدروز على عصبية، بل يفضّلون نظاماً مدنياً للمجتمع، ويظهرون في الوقت نفسه انفتاحاً تجاه مختلَف الأديان.

كما يترتب على «رجل الدين» في طائفة الموحدين الدروز أن يكسب رزقه عبر العمل في ما يستطيع إليه سبيلاً، وفي الوقت نفسه فإن الموحدين الدروز يظهرون الاحترام والتوقير الشديد للمشايخ الزهاد الذين ينأون بأنفسهم عن صخب الحياة العامة وينفقون وقتهم في العبادة والذكر.
ومن المحامد الفريدة عند الدروز أنهم لا يبغون جدالا ًأو نقاشاً أو سجالاً حول مفاهيم الدين الحنيف، ولا يسعون لاجتذاب أحد إلى معتقدهم، وهم يعتبرون أنفسهم غير معنيين بالنزاعات وبحملات التكفير والتكفير المضاد، وهم يعتبرون أسواق الكلام المنتشرة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي هي جزءٌ من خطط تفتيت الأمة الإسلامية وابتلاء للغافلين. ويعتمد الموحدون معيار السلوك والمحبة والتواضع وحسن الطوية تجاه الآخرين كمعيار لصدق الإيمان وصحة الاعتقاد، والقاعدة الأهمّ لتوطيد روابط الثقة والمحبة بين الناس، أنّى كان اعتقادهم.

 

8- وحدة العشيرة المعروفية
إن ما يشدّ الدروز بعضهم لبعض ليس الدين أو المذهب فحسب، بل ما يجمعهم هو، ومنذ فجر الدعوة الإسلامية، رابط العشيرة العربية المعروفية والتاريخ الطويل من الكفاح والمعارك والتضحيات التي بذلوها في حماية الإسلام من جهة وفي حماية حياضهم ومواطنهم من الغزاة والمعتدين من جهة ثانية. لكن الولاء الدرزي للدولة الإسلامية الجامعة لم يكن بدوره ولاء تبعية، بل كان ولاء شراكة احتفظ الأمراء الدروز ضمنها بدرجة كبيرة من المكانة والاستقلالية.

وبسبب شخصيتهم العربية الفخورة، ودورهم التاريخي قادةً وجيوشاً، وبسبب المعارك المستمرة التي خاضوها والتي غالباً ما تكلّلت بالنجاح، فقد نشأ لدى الدروز شعور افتخار وثقة كبيرة بالنفس. لكن الوجه الآخر لهذا الشعور بالثقة هو أن الموحدين الدروز واقعيون، ويعرفون حجم المخاطر التي تحيط بهم، وهذا الإدراك بالتحديد هو الذي يفسر تعاملهم الصبور والعقلاني مع الأزمات والتحديات، لكنه هو الذي يفسِّر في الوقت نفسه استماتتهم في مواجهة أي تهديد لوجودهم، وما يظهرونه من مآثر في الدفاع عن حياضهم، وفي أنهم في الملمات لا يطيقون الانقسام، ويحرّمون كل مظاهر الخلاف، ويحولون أمور السياسة والحرب كلها بالتالي إلى قيادة واحدة يولونها أمورهم.

إنّ الميزة المزدوجة للوحدة الشعبية ولوحدة القيادة في المواجهات الصعبة هي في كونهما يساعدان في اعتماد الموقف الأصح والأكثر انسجاما مع مبادئ بني معروف ومصلحتهم السياسية. وعلى العكس من ذلك فإن غياب القيادة المنسجمة والموثوقة للعديد من الجماعات أو الحركات السياسية، والذي غالبا ما يتسبب في انقسام تلك الجماعات وتشتّت قواها وفشلها في تحقيق الأهداف التي قامت لأجلها.

 

9- التنوّع المعروفي ضمن الوحدة
كما أن الموحدين الدروز يعتمدون نهج الانفتاح واحترام الآخر في الإطار الوطني والإنساني، فإنهم أيضا يقدّرون الظروف المختلفة التي يعيشونها بأنفسهم في كل بلد. ولقد حصل عبر الزمن افتراق ملموس في تطور نمط عيش وعادات وثقافة الدروز، بل حتى في لغتهم أو لهجاتهم المميزة، وذلك في موازاة تباعد المسافات واختلاف مواطن العيش وأنماطه. وقد حصل نتيجة لذلك تفاوت كبير في مسارات تطور الموحدين الدروز بين جبل لبنان وجبل العرب وجبل السماق وجبل الشيخ والغوطة ومملكة الأردن وفلسطين.

ورغم مقولة «طبق النحاس» فإن الموحّدين الدروز ملتصقون بالدرجة الأولى ببلدانهم، موالون لها ومندمجون في مؤسساتها، وهذا الارتباط السياسي الوطني ببلدانهم يفسر لماذا ينأى الموحدون الدروز بأنفسهم عن المشاريع المذهبية أو التحركات الفوضوية، ويُقصِرون تحركهم فقط على الحالات التي يتحول فيها انقسام البلد وانتشار الفوضى وفساد النظام والتدخلات الخارجية تهديدا مباشرا لأمنهم ووجودهم.

ومن الجدير بالذكر أن التضامن بين الموحدين الدروز ليس تضامناً جاهلياً، بل هو تضامن توافقي ذو مضمون سياسي ومبدئي، ويستند إلى عقيدة سياسية وأخلاقية التزمها الموحدون الدروز وتمسكوا بها في جميع الظروف، وكانت هي الموجّه لمواقفهم السياسية ومعاركهم الكبرى. وجوهر هذه العقيدة هو الإسلام الحضاري الرافض للغلوّ والمنفتح على مختلف الجماعات والمذاهب الإسلامية والأديان التوحيدية السماوية، والرافض أيضاً لكل أشكال العنف، والداعي للتسامح والاحترام المتبادل داخل مجتمع إنسانيٍّ حديث.

 

10- الموحدون الدروز والقضية اللبنانية
يُعتبر لبنان ظاهرة فريدة لاجتماع عدد كبير من الطوائف والجماعات العربية وغير العربية والثقافات على إرادة العيش المشترك في بلد صغير، يشكلون شعبه المتنوع واقتصاده الحر ونظامه السياسي التشاركي، وهو النظام الذي يسمح للمكونات المتعددة بالتعبير عن شخصيتها واستخدام لغتها وممارسة تقاليدها وإحياء ثقافتها وأعيادها. وتعيش هذه المكونات آمنة في مناطق جغرافية ارتسمت عبر القرون واتفق اللبنانيون على العيش فيها بأمان ووئام وتآخٍ، وعدم السماح بإثارة النزاعات الأهلية فيما بينهم، حتى بات لبنان نموذجا للعيش الواحد، وواحة للتنوع الثقافي، وقد وصفه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بالوطن الرسالة.

إن الموحدين الدروز لا ينظرون إلى التنوّع اللبناني كنقطة ضعف، بل يعتبرونه على العكس عامل تعدّد وغنى وحيوية، ساهم في إلزام اللبنانيين بإنتاج نظام سياسي تشاركي ومنهج حياد إيجابي، يقوم بالدرجة الأولى على النأي بالبلد عن النزاعات الإقليمية والدولية، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية لمكوناته كافة، وقد سمحت «ديمقراطية التنوع» لفترة معينة بتغليب المصالح المشتركة للبنانيين على ما عداها. وعلى الرغم من سلبيات هذه الصيغة، فإنها تبقى في نظر اللبنانيين أفضل بكثير من نشوء حكم فردي أو ذي غلبة طائفية يوقد نار التوتر بين الفئات اللبنانية ويؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى انهيار البلد.
إنهم يدعمون بقوة الحفاظ على صيغة التعايش اللبناني التي نصّ عليها اتفاق الطائف، كوسيلة لحماية السلم الأهلي والسماح للبلد بمواجهة مشاكله الكثيرة، وهم يرفضون مشاريع الهيمنة أو التقسيم تحت أي مسمى.

وهم يدعون إلى حوار وطني حول خيارات المستقبل، وخصوصاَ إصلاح عمل الدولة ومؤسساتها، ويشددون على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف، لا سيما إلغاء الطائفية السياسية، وتطبيق اللامركزية الإدارية، وإنشاء مجلس للشيوخ بعد انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي.

إنهم دعاة سلم لا حرب ودعاة وحدة وطنية لا تناحر طائفي، وكما أنهم قطعوا الطريق على كل محاولات سلخ لبنان عن محيطه العربي، فإنهم كانوا السباقين أيضا إلى المصالحة، والانفتاح على الآخر، وطي صفحات الماضي، والبناء من أجل المستقبل.

إن الموحدون الدروز في لبنان يدركون أن قوتهم وقوة أي من مكونات البلد لا يمكن أن تستمد من استقواء طرف أو من أحلاف خارج الحدود بل من قوة الدولة الوطنية والعادلة، ومن المشاركة الحقيقية للجميع في صياغة سياساتها وإدارة شؤونها. ومن هنا، فقد تصدت القيادات المعروفية، في أكثر من مناسبة، للطغيان الطائفي واستغلال الدولة، كما تصدت للحرب الأهلية التي استهدفت خلال العامين 1975 و1976 تقسيم لبنان، فساهمت بذلك في صون وحدة البلد، ثم في دعم الإصلاحات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف في أواخر العام 1989.

 

11- الدور الوطني للدروز في سوريا
إن الموحّدين الدروز متمسكون بوحدة سوريا وطناً واحداً لجميع أبنائه، يحفظ لهم العيش بحرية وكرامة واستقرار وأمان، وهم يدعون لقيام حكم وطني ديمقراطي لاطائفي يعيد لسوريا وحدتها المجتمعية وازدهارها الاقتصادي ودورها الإقليمي. وقد تصدّى الموحدون الدروز لمشاريع نشر الاقتتال والفتنة بين أبناء الشعب السوري الواحد، وبصورة خاصة، فقد قاوم الموحدون الدروز بشدة الضغوط التي هدفت لتجنيدهم ودفعهم إلى مقاتلة إخوانهم السوريين في مناطق الصراع، وهم بدلاً من ذلك صرفوا كل جهودهم لحماية أهل جبل العرب على اختلاف انتماءاتهم، من العصابات الداعشية ومن المؤامرة الهادفة لكسر وحدة الجبل واختراقه وإخضاعه.

وقد وقف دروز سوريا جنباً إلى جنب مع القوى الوطنية في محافظة السويداء وفي درعا وجبل السماق والجنوب السوري والجولان المحتل في تصديهم لمؤامرات التهجير والتركيع والفتن الطائفية والاحتلال الأجنبي.
وكما حافظ الموحدون الدروز في سوريا على انتمائهم الوطني، كذلك فعلوا في الجولان المحتل، رافضين الهوية الإسرائيلية، متمسكين بهويتهم السورية، رغم كل محاولات الاحتلال لتطويعهم، تارة بالترهيب، وتارة أخرى بالترغيب.
ويشهد التاريخ للموحدين الدروز في الجولان قطعهم الطريق على المؤامرات الإسرائيلية المتكررة لعزل الدروز وسلخهم من انتمائهم العربي، وكان آخرها حادثة مجدل شمس وموقفهم الشجاع الذي ساهم بوأد الفتنة في مهدها.

إن الواقع الضبابيَّ اليوم، بعد بروز الأطماع الإسرائيلية التوسُّعية، ومع تبدُّل الحكم في سوريا وما حصل ويحصل في جبل العرب من مواجعةٍ وتجاذب، وما يُحاك من مؤامرة لحرف الموحدين الدروز عن هويتهم وانتمائهم الوطني والعربي والإسلامي، بات يثير قلقاً بالغاً من صراعٍ يتنامى بين المتأثرين منهم بالسياسة الإسرائيلية التي تدّعي حمايتهم وتدفعهم إلى معاداة الدولة السورية الجديدة، وبين المتمسّكين منهم بتراثهم وتاريخهم وانتمائهم التاريخي والداعين إلى دورٍ تشاركيٍّ فاعل في الدولة، وذلك في ظلّ هاجس الخوف من عدم تمكنها من لجم التطرُّف والتعصّب والتكفير واحتمال تكرار ما حدث في السويداء من اعتداءاتٍ طالت الرموز الدينية والأبرياء وضربت نسيج العيش المشترك بين أبناء جبل العرب.

 

12- دروز الأردن… بنو معروف
الموحدون الدروز في المملكة الأردنية الهاشمية معروفيون أصيلون، وهم مواطنون أردنيون يعتزّون بوطنيتهم، ويتمتعون بكامل حقوقهم، ويؤدُّون كامل واجباتهم تجاه المملكة، ويتمسكون بانتمائهم الإسلامي والعربي، ويدافعون عن القضايا العربية، وفي طليعتها القضية الفلسطينية، وقد كان لهم دور جليل في احتضان الثورة السورية الكبرى وقيادتها في أكثر من مرحلة، لا سيما عندما اضطر سلطان باشا الأطرش للانتقال مع عائلته ورفاقه المجاهدين إلى محافظة الأزرق الأردنية، فلم تكن الأردن المنفى، إنما الوطن الذي حماهم واحتضنهم إلى حين عودتهم الى الجبل بكرامة.

ولا يزال أبناء طائفة الموحدين الدروز المعروفيون في الأردن، وفي كافة الميادين السياسية والاجتماعية، يعكسون هذا الانتماء والنهج لما فيه خير وطنهم وأمتهم العربية والإسلامية.

 

13- دروز فلسطين
تعرضت آمال دروز فلسطين بإمكان حماية وضعهم كأقلية عربية إلى صدمات متلاحقة منذ تأسيس الكيان العنصري في العام 1948، وهم الذين يُسجّل لهم أنهم لم يتركوا أرضهم، إنما تجذّروا فيها رغم كل التحديات، وبالرغم من اغتصاب ثلثي أراضيهم ومشاعات قراهم، ومن «قانون الجنسية» للعام 2018 الذي حوّلهم رسمياً، وهم أصحاب الأرض الأصليون، إلى مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة داخل إسرائيل التي أعلنت نفسها دولة حصرية لليهود.

لقد أحدث صدور القانون صدمة نفسية كبيرة، واعتبره أكثر دروز فلسطين نذير شؤم لمستقبل الدروز في فلسطين. وتظاهر آلاف الدروز ضد القانون، وتزايد في وقت قصير عدد الذين يرفضون الخدمة العسكرية، كما ارتفعت بقوة نسبة الذين باتوا يعرّفون عن أنفسهم بأنهم مواطنون عرب.

عُرف الموحدون الدروز، عبر التاريخ، بالشجاعة في الحق، ونصرة المظلوم، واحتقار القوة الغاصبة بل وإذلالها، ولدى العشيرة المعروفية حلف شرف له نواميسه التي لم تحد عنها، ومن هذه النواميس، بل في رأسها، أنهم لا يعتدون على مَن لا يعتدي عليهم، وأنهم لا يقتلون بريئاً أو طفلاً أو شيخاً، وهذا الميثاق هو عهد الله عليهم ودستور سلوكهم، لا يصح لأي فئة صغيرة أن تكسره وأن تحمِّل العشيرة أوزاراً لا طاقة لها على تحمُّلها، لذلك وفي الأيام العصيبة، فإن الموحدين الدروز يؤكدون أن أي مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب على المدنيين والأبرياء هي ضلال، وأنهم بريئون مما يفعل الضالُّون منهم والظالمون.

لقد أصبح المجتمع الدُّرزي كتلةً بشرية وازنة، إذ يفوقُ بعدده الـ150 ألف إنسان، وهم يضمُّون نسبة كبيرة من المهنيين والأكاديميين والمفكرين والمثقفين، ومن هذا الواقع فإنهم مدعوُّون كطائفة لها هذه القوّة العددية وهذا الحجم من الكفاءات، للعب دورٍ إيجابيٍّ مؤثّر بقول كلمة الطائفة القوية والإعلان عن حقّها بالتعبير عن حقيقة انتمائها، ورفض سلخها عن هويتها الحقيقية كجزء من الشعب الفلسطيني، والمطالبة بحقّه في تقرير مصيره وإدانة الإبادة الجماعية التي يتعرّض لها.

 

خاتمة

إن ما يحصل في زمننا الحاضر من هجمة غير مسبوقة في منطقة ما كان يُسمّى بـ «بلاد الشام»، ومن مخطّطٍ شرسٍ يرمي إلى تمزيق الدول وتحطيم ثوابت المجموعات المذهبية والعرقية والإثنية، ومنها «الموحدون الدروز»، الذين يواجهون اليوم أعتى المؤامرات ويوضَعون في أصعب المواقف، بين مؤامرةٍ هادفة إلى اقتلاعهم من تاريخهم وإرثهم وقوميتهم ووطنيتهم ومحيطهم، وبين تطرُّفٍ وتكفيرٍ يُخشى من تمدُّده، ما يستدعي الوقوف وقفة موحَّدة صلبة وثابتة وعدم الانزلاق إلى مصيرٍ مجهول مهما كانت الإغراءات ومهما تعاظمت التهديدات، فالأوطانُ ملاذُ أبنائها، والتمسُّك بالثوابتُ الروحية والوطنية ووحدة الموقف أمضى سلاح للدفاع عن النفس وصون الوجود.
تلك هي الثوابت التاريخية التي التزم بها الموحّدون الدروز عبر تقلّب الأزمان والدول، وهي تعَدُّ أصدق تمثيل لتاريخهم العريق، كما أنها تخدم حاضرهم، وتوفّر الأمان والمنعة لمستقبلهم، وكلّ إهمال لهذه المبادئ أو استهانة بها، أيّاً كانت الأسباب، من شأنه أن يهدد مكانتهم ويُضعف دورهم الكبير في أوطانهم، بل إنه يضع وجودهم السياسي على المحك، والالتزام بها يرقى إلى مرتبة الواجب الوطني والقومي، بل إلى مرتبة الوجود المعروفي بحدّ ذاته.

ملف العدد - تحقيقات ومقابلات

Untitled-112

يستـند البحثُ في الهـويَّة التاريخيَّة للدّروز الموحِّدين إلى مصادر قديمة ترقى إلى ما قبل ظهور المذهب عام 408 هـ./1017 م. وإن كان …

Untitled-112

دخل الاقتصاد اللبناني مع بداية عام 2025 مرحلة جديدة اتسمت بانفراجات اقتصادية ومالية، في أعقاب تطورات سياسية أسهمت في إعادة توجيه المسارات …

Untitled-112

كشف تقرير موسّع لصحيفة واشنطن بوست الأميركية (23-12-2025) عن مساعٍ إسرائيلية مبكرة لإعادة ترتيب المشهد الدرزي في سوريا قبيل سقوط نظام بشار …

Untitled-112

أتساءل، باستنكار بالغ، يكاد يلامس الغضب: كيف لبلاد قدّمت واحداً من أكثر العقول العربية-الإسلامية انفتاحاً ووحدوية، أن تُختزل اليوم في خطاب عصبي، …

Untitled-112

مقدمة يهدف هذا العرض إلى التعريف بالثوابت التي بني عليها الميثاق السياسي لبني معروف لأكثر من قرن من الزمن، وعلى الأخص منذ …

Untitled-112

ليست المرة الأولى التي تمر بها طائفة الموحدين الدروز بمصاعب كبيرة وتحديات يلامس بعضها الطابع الوجودي، وربما لن تكون الأخيرة في منطقة …

الحصار

السُّوَيْداءُ… نِسْبَةً لِحِجارَتِها البازَلْتِيَّةِ السَّوْداءِ، هِيَ جَبَلُ الرَّيَّانِ فِي العَصْرِ الإِسْلامِيِّ لِخُصُوبَةِ أَرْضِها وَكَثْرَةِ المِياهِ، وَلَكِنْ مُنْذُ 12 تَمُّوز/يُولْيُو 2025، بَدَأَتْ مِحْنَةُ …

Untitled-2

مقدمة كما عوّدت مشيخة العقل لطائفة الموحدين الدّروز في لبنان اللبنانيّين على الدّوام، كانت النّدوة الثّقافيّة التي انعقدت في قاعة بلدة شانيه، …

Screenshot_15

شكّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد معركة طوفان الاقصى في السابع من تشرين الاول (اوكتوبر) من العام 2023 محطة مهمة في …

gazarimal_2023-10-18_195802-min

في أوقات الأزمات والحروب يبرز دور الإعلام وأهميته، إذ تشكل وسائل الإعلام الوجهة الرئيسية للمهتمين بمتابعة الحدث ومراقبة التطورات. ولا يختلف اثنان …

27613Image1

أكثر ما يضغط على الإعلام في زمن الأزمات والنزاعات والحروب الميدانية، في فنون النقل والتغطية والتحليل والتصوير وأكثر الأمور دقة وتطلباً للإحترافية …

palestinianflagAP06050104372

حين أخرج الطفل، إبن الأعوام الستة أو السبعة، من تحت أنقاض منزل أسرته – وكم كان محظوظاً على عكس آلاف الأطفال الذين …