الصفحة الاخيرة

الصفحة الاخيرة

الصفحة الاخيرة
0 49

الصفحة الاخيرة

والله يدعو
إلى دار السلام

}وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{ (الذاريات:56)

للذين يتقاتلون ويسفكون الدماء شرقاً وغرباً نسوق هذه الآية الكريمة لعلّها تكون عامل إيقاظ للنفوس الضالة والغرائز المنفلتة من عقالها، كما ينفلت السيل العرم في أودية الاخضرار. ما هي غاية الرب جلّ وعلا من الخلق؟ وما هو التكليف الأسمى الذي كُلّف به بنو آدم؟ إنه أولاً وأخيراً أن ينصرفوا إلى عبادته وأن يسعوا إلى معرفته أو على الأقل لمعرفة كنه وجودهم وسر التكريم العظيم الذي مَنّ الله به عليهم عندما أعلن الإنسان خليفة له في الأرض وكرّمه، بل رفعه فوق درجة الملائكة، فدعاهم لأن يسجدوا له.

ولا توجد في هذه الحياة البائسة المثقلة بالهموم والابتلاءات غاية تسمو على تلك التي دعا الله عباده إلى طريقها. قال لهم لقد خلقتكم من تراب لكني نفخت فيكم من روحي (أي من خزائن علمي)، ومننت عليكم بكل شيء وسخرت لكم ما في السماوات والأرض جميعاً لكي لا يكون الرزق هماً لكم فيصرفكم عن سلوك الطريق القويم المفضي إلى عتبة خالقكم حيث انبلاج الحقائق والأنوار والسعادة الأبدية.

يقول جل من قائل في كتابه العزيز: }وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم{(يونس:25). وهنا يبلغ الخالق عباده ثانية الغاية من خلقه. إنه يدعو إلى دار السلام، أي إلى طمأنينة القلب في كنفه والأنس به، وإلى المودة والسلم بين البشر لكي يهنأ الجميع بالنعم الظاهرة والباطنة التي خصهم بها، ولكي يكون السلم والأمان معاً بيئة العبادة والذكر وفعل الخيرات.

نورد هذه الحقائق الأساسية ونطرح السؤال: في أي كتاب أو شريعة دعا الله عباده إلى ما يفعلونه الآن بعضهم ببعض بلا شفقة أو رحمة؟ وأي منا يمكن أن يأتي بتعليم رسول أو نبي أو ولي صالح أو حكيم فيه دعوة لما نشاهده هذه الايام في بلدان كثيرة من أعتى صنوف العنف وظلم الإنسان لأخيه الإنسان؟ وإذا كان كل ما يجري لا يوجد له أي مبرر أو مسوغ ديني أو شرعي، فبإسم من أو ماذا ترتكب كل هذه المظالم؟ ومن أجل أي قضية يحصل كل هذا السفك للدماء الغزيرة لا فرق في ضحاياها بين شيخ مسن أو طفل، امرأة أو صبي، مذنب أو بريء؟

لقد توعد الله تعالى من يقتل أياً من عباده ظلماً وعداوناً بعذاب أليم، وهو القائل: }وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً{ (النساء:93) وهو يضيف في التنبيه إلى أؤلئك الذين يُكفِّرون الناس ويصدرون الأحكام عليهم من دون علم أو شرعة أو كتاب }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا{ (النساء: 94)

وجاء في حديث قدسي رواه الرسول (ص) عن ربه قوله تعالى: “لقد حرَّمت الظلم على نفسي فلا تظالموا”، أي أن الحق الذي يعلم ما في نفس الإنسان من نزعات، وما قد يتعرض له من غواية الشيطان وأحابيله، يحذر بني آدم من عاقبة الظلم مقدماً ذاته القدسية كمثال ونموذج بالقول: لقد حرمت الظلم على نفسي”، أي أنه وهو الذي عرّف عن نفسه بأنه }فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ{ (هود: 107) وأنه
}لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل{ُ (الأنبياء: 23) لم يتردد في أن يعلن لعباده أنه وضع قيداً على الربوبية نفسها، وهذا القيد الوحيد هو تحريم الظلم، وهذا القول مجازي وتعليمي بالطبع لأن الظلم مخالف لطبيعة الربوبية، ولأن الرب العظيم الذي له الأسماء الحسنى لا يمكن أن يكون الظلم بين أسمائه أو صفاته على الإطلاق.

ليست الغاية من هذا الكلام أن يكون لنا تأويل أو فهم معين لما يجري في بلداننا من قلاقل وفتن واضطرابات، ونحن نلتزم منذ الصدور موقف الابتعاد عن المواضيع السياسية، آملين أن تنحصر مهمتنا وخدمتنا المتواضعة في الدعوة إلى الخير وإلى سبل الله تعالى، وهذا لـ }مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا{ (الفرقان: 57). أما طرق الشيطان فكثيرة، بل لا حصر لها هذه الأيام، نعوذ بربنا جلّ وعلا من شر أنفسنا ونسأله بحرارة الطلب والتذلل أن لا يجعلنا من أهل الظلم، وأن يلهمنا تقوانا وأن يهدينا إلى سراط مستقيم.

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader