0 228

مدافن -ومتحف-الشهداء في بقعاتا

أبناء الجبل يخلِّدون أبطالهم

المعلم الأهم في المدفن والذي يضم النسر
المعلم الأهم في المدفن والذي يضم النسر

«ساحة الشهداء» اسم مطبوع في أذهان أبناء الشوف يرددونه يومياً ليس بسبب إلمامهم بحقيقة التسمية ولكن غالباً كعنوان يشيرون فيه إلى منازلهم أو تجارتهم أو إلى غير ذلك من الأمور اليومية. قليلون هم ربما الذين فكروا باجتياز العتبة التي تفصل بين الساحة وبين تلك الواحة التراثية العظيمة الشأن التي سميت عند إنشائها بـ «مدافن شهداء 1958» لكنها في الحقيقة أقيمت لتكون معلماً معمارياً وثقافياً يعبّر عن تكريم الموحدين الدروز وأبناء الجبل لشهدائهم وتقديرهم لكل من أولئك الرجال الذين بذلوا النفس رخيصة من أجل أن يبقى الجبل آمناً ومصوناً.
عندما أقيمت مدافن الشهداء سنة 1958 تحوّلت هذه فوراًَ إلى معلم مهم يزوره القاصي والداني، فقد شاع بين معاصري تلك الفترة التصميم الرفيع الذي بنيت على أساسه والجهد الكبير الذي بذله فنانون ونحاتون كبار من أجل تحويل أفكار المعلم كمال جنبلاط إلى إنجاز عمراني وتراثي على الأرض.
كان المعلم كمال جنبلاط متعلقا أشد التعلق برفاقه المجاهدين وكان من أصعب الأمور عليه أن يسمع بنبأ استشهاد أي منهم في ساحة الجهاد. وقد كانت فكرة إنشاء المدافن وتزيينها بالمنحوتات والنصب الرمزية هي الطريقة التي أراد بها أن يظهر حجم التكريم الذي يدخره الموحدون الدروز لأبطالهم، وهو قام شخصيا لذلك بوضع التصور العام للمدافن وساعده فيها بصورة خاصة الفنان المرحوم عارف الريس الذي شارك شخصياً أيضاً مع الفنان الراحل وهيب البتديني في أعمال النحت وتوجيه النحاتين والبنّائين الذين عملوا بلا كلل لأكثر من سنة ونصف السنة من أجل إنهاء العمل.
أقيمت المدافن يومها في موقع وسط على الطريق العام بين السمقانية والجديدة، ولما كانت حركة العمران يومها لم تبدأ بعد في بقعاتا فقد كانت المدافن يومها معلماً بارزاً يلفت نظر المواطنين ويستقطب اهتمامهم، كما أنه ونظراً إلى أن أحداث الثورة كانت قريبة للأذهان فقد كانت المدافن توارى من قبل العديد من أهالي الشهداء ومن أعداد من المواطنين الذين اجتذبتهم شهرة المدافن فأحبوا الاطلاع عن كثب على تصميمها ومعالمها الكثيرة.
بالطبع اختلف الوضع اليوم، فكثر العمران وطغت اهتمامات المال والتجارة وابتعد ذلك الزمن الشريف في الزمن ونال مدافن الشهداء بذلك ما نالها من آفة النسيان بل ومن ضعف الصيانة والإهمال، ومع ذلك فإن آثار السنين ليس فقط لم تنل من هذا المعلم الذي لا يزال واقفاً وصامداً كما لم تضعف من معانيه، بل زادته جاذبية وجلالاً. وعلى سبيل المقال فقد قام أحد المغتربين بزيارة مدافن الشهداء اثنتي عشرة مرة حتى الآن وفي كل مرة، يقول، كان يكتشف معاني وإيحاءات خفية جديدة.
عندما تطأ قدمك تراب المدافن وتدخل ميدانها الفسيح تجد نفسك على الفور في عالم آخر من السكينة والصمت غير المبالي بكل ما يحيط به من ضجيج الأعمال والمصالح وازدحام وضجيج السيارات. وبالفعل يتحول المشهد إلى رمزية غريبة. هنا مثلاً داخل سور المدافن وعشبه واشجاره الباسقة رموز للتضحية بالنفوس والزهد بمتع الحياة من أجل قيم البطولة والكرامة والحق، وهناك خارج السور كل ما يبدو على طرف نقيض من تلك القيم.

منحوتة تخلد دور مجاهدي جبل العرب في ثورة 1958
منحوتة تخلد دور مجاهدي جبل العرب في ثورة 1958
الكتاب ويرمز إلى المعرفة
الكتاب ويرمز إلى المعرفة
مثوى أحد شهداء 1958 والشاهد الحجري
مثوى أحد شهداء 1958 والشاهد الحجري

حقيقة الأمر أن تعبير «مدافن الشهداء» أعطي بهدف تكريم المناضلين الذين سقطوا في ثورة 1958 وهذا التعبير ينطبق على الشواهد التي جرى نظمها وفق خطوط مستقيمة متوازية وكتب عليها إسم كل شهيد وتاريخ ومكان استشهاده. لكن في ما عدا ذلك، فإن المعلم أراد أن يقدّم في الوقت نفسه وعبر تصميم المدافن وتزيينها عرضاً مجسّماً للحقيقة وترجمة بالرمز والعمل الفني لبعض أهم مقولات التوحيد العرفاني وخصوصاً وحدة الحياة والموت. وقد أراد ربما في الوقت الذي كان يتم دفن الشهداء التذكير بأن الموت ليس نهاية بقدر ما هو بداية جديدة وولادة، وبهذه القيم المستبشرة تعامل المعلم وأراد لرفاقه أن يتعاملوا مع الشهادة والموت بإعتبارهما تحققاً وليس فناءً، وهو أضفى بذلك على تلك الفترة العصيبة دلالات يحتاج التعمق في معانيها إلى الكثير من التفكّر وربما يحتاج إلى دليل يشرح للزائر مغزى الرسالة الفلسفية التي تركها كمال جنبلاط وكان يومها في سن الأربعبن للأجيال التي ستليه.
لهذه الأسباب، فإن الزائر لـ «مدافن الشهداء» ينتظره مفاجأة هي أنه ما أن ينقل ناظريه عن صفوف الشواهد الحجرية حتى يجد نفسه في ما يشبه متحف لقيم ومفاهيم ورموز مستقاة بترتيب من أدوار الحكمة القديمة. فهناك النسر المهيب الذي يفرد جناحيه الضخمين، وهناك مثلث هرمس الحكيم والحيّة والصولجان، وهناك المسلّة المرتبطة بالتوحيد المصري القديم كما سترى على اليسار زهرة اللوتس تقابلها بيضة كبيرة نحتت من الحجر ويفصل صفوف المدافن في الوسط بركة مياه ومنحوتات في داخلها وعلى أولها ورموز وأعداد قد تفهم بعضها وتعجز عن فهم بعضها الآخر. ينتقل ناظرك بعد ذلك إلى هرمين مستدقّين ولوحة على مدخله وخلف اللوحة المزيد من الشواهد الحجرية لمزيد من الشهداء. تعود وترى الصورة بالتدريج من المدخل: هرمان على المدخل يشكلان لوحة، ثم بركة مياه تفصل مدافن الشهداء التي تتقدمها لوحة حجرية نقش عليها علم لبنان وصورة لصفوف الثوار على يمين النسر تجد برجاً يوحي بأنه النهاية أو طريق الصعود.
من الأمور اللافتة لا يكون هناك أي نص تمّ فيه شرح المعاني الفلسفية لمعالم مدافن الشهداء ومنحوتاته. إذاً إن المعلم نفسه لم يكتب بنفسه عن الرمزية الفلسفية لمدافن الشهداء كما أن الذين شاركوا في صنع المدافن ونحتها أصبحوا جميعاً تقريباً في دار الحق. وعدا ذلك، فإنه لم نعثر على نص يشرح المعاني الفلسفية لمدافن الشهداء ومعالمها.
لحسن الحظ التقت «الضحى» بفعل الصدفة مع أحد الرجال الذين نحتوا هذه الرموز وهو تبرع مشكورا برواية ما يتذكره من أحداثها وذكرياتها.
إنه الشيخ أبو زياد يوسف محاسن، ابن الخامسة والسبعين عاماً الذي أعادته أسئلتنا عن مدافن الشهداء نحو 54 عاماً إلى الوراء وأثارت فيه الذكرى مشاعر عميقة جعلته يستذكر تلك التجربة الغنية، تجربة العمل مباشرة مع المعلّم كمال جنبلاط.
يقول: «هذه المدافن وما تحتويه قرر كمال بك انشاءها بعد أن بدأت معارك ثورة الـ 58 وصممها بنفسه. كانت هناك معارك تجري بينما العمل على المدافن قائماً، كانوا يجلبون الشهداء ونحن نعمل، يدفنونهم ونحن ننحت لوحة لكل شهيد بإسمه وتاريخ ومكان استشهاده». يضيف الشيخ أبو زياد: «أنا كنت من الثوار وكنت ضمن فصيلة الجديدة، بدأت الثورة في الربيع وكان المعلّم ممنوناً جداً منّا نحن الثوار، اذ أننا كنا نلتزم قيم الشهامة والأمانة والصدق فلم تفقد قشة من أي موقع دخلناه».
شارك الشيخ أبو زياد في الثورة على مدى ثمانية أشهر ومن ثم انضم الى فريق العمل في الساحة: «كل هذه الرموز التي ترونها في الساحة نحتناها بأيدينا بإستخدام الشوكة والمطرقة بشكل يومي على مدى ستة أشهر، كنا أكثر من سبعة أو ثمانية معلمين وعمال وكان كمال بك يشرف على العمل». وعندما تسأله كنتم تتحدثون اليه؟ يرد وهو يهز رأسه بالإيجاب: «معلوووم»، ويسهب في الحديث عن التواضع الذي كان يعاملهم به المعلّم، راوياً أحد المواقف التي حصلت أثناء العمل: «في أحد المرات جاء كمال بك وجلس على حجر الى جانبنا فيما نحن نعمل وكانت شذرات الحجر تتطاير عليه، فنهض الناطور وقتها وجلب له بطانية ليجلس عليها قائلاً له هذه أطرى، ولكن المعلّم أخذ الأمر بالمزاح ولم يقبل أن يجلس على البطانية». وعن الأبعاد التي أرادها كمال بك من هذه الرموز يقول: «وقتها قال لنا إن النسر الطائر من البركة هو رمز للخلود، والحيّة على ظهره رمز للفطنة، أما العصا الموجودة أيضاً على ظهر النسر فهي رمز لصولجان العدل. ويلفت الى أنه تمّ نحت البرج في آخر الساحة بعد سنة من العمل بالمنحوتات الأخرى، مشيراً الى أنه لا يعرف الى ماذا يرمز. وعندما تسأله عن الرموز الباقية يرد بأسف: «قال لنا وقتها ولكن نسينا».

تصاوير ورموز فلسفية وضعها المعلم كمال جنبلاط وأبدعها النحاتون
تصاوير ورموز فلسفية وضعها المعلم كمال جنبلاط وأبدعها النحاتون
مدافع حجرية تحمي سكون المكان
مدافع حجرية تحمي سكون المكان
مجاهدو 1958
مجاهدو 1958

نحات شارك في المعلم المعماري يستذكر المعلـّم والثورة

تعليقات
Loading...
Page Reader Press Enter to Read Page Content Out Loud Press Enter to Pause or Restart Reading Page Content Out Loud Press Enter to Stop Reading Page Content Out Loud Screen Reader Support
%d مدونون معجبون بهذه:
preloader